زيارة جديدة لأبله دوستويفسكي

عودة لكتاب قديم

فيودور دوستويفسكي
فيودور دوستويفسكي
TT

زيارة جديدة لأبله دوستويفسكي

فيودور دوستويفسكي
فيودور دوستويفسكي

لماذا يقرر قارئ أن يتخلى عن الجديد الذي تدفع به المطابع، ويستدير للوراء ليقرأ كتاباً سبق أن قرأه؟
تتضاعف مشروعية هذا السؤال إذا ما اتفقنا على أن القارئ الشغوف من أكثر البشر وعياً بمحدودية العمر. مع ذلك، يتخلى عن فضول الاكتشاف، ويعود إلى القديم. لا بد أن لدى كل قارئ سبباً أو أسباباً تدفعه إلى تلك العودة.
على الأغلب هو يعود بحثاً عن شيء محدد تركه ذات يوم داخل هذا الكتاب؛ متعة أو فكرة. ربما يعود القارئ إلى ذكرى أيام حلوة كانت قراءة ذلك الكتاب جزءاً من حلاوتها، ويريد أن يبعث الماضي من خلاله، مثلما بعث مارسيل بروست طفولته من خلال مذاق قطعة من حلوى المادلين. البعض يعود لكتاب قديم كتمرين للذاكرة المنهارة ينصح به الأطباء.
وقد نجد في الكتاب ما كنا نبحث عنه، وقد نعود بإحباط الفشل في العثور على ما تركناه بأيدينا بين تلك الصفحات. مع ذلك، لن نرجع من الرحلة خائبين، حيث سنجد أشياء غفلنا عنها في القراءة السابقة، وقد تكون الاكتشافات الجديدة أقيم من ذكرياتنا التي عدنا من أجلها.
بالنسبة لي، عدت إلى «الأبله» مؤخراً لأنني كنت بحاجة لقراءة شيء مضمون المتعة. وبينما أمسح الغبار عن المجلدين، طالعت عبارة دوستويفسكي التي لا أذكر أنني توقفت أمامها في القراءة السابقة؛ العبارة مدونة على الغلاف الأخير لترجمة سامي الدروبي، طبعة دار «رادوغا»، فخر السلطة السوفياتية التي كانت تقتل وتعتقل الكُتَّاب الأحياء وتحتفي بكتب آبائهم الراحلين. لا تفصح الطبعة عن المصدر الذي نقلت عنه عبارات دوستويفسكي هذه: «فكرة الرواية هي فكرتي القديمة المحببة والصعبة إلى درجة أنني ظللت طويلاً لا أجرؤ على تناولها... والفكرة الرئيسية للرواية هي تصوير إنسان رائع تماماً، ولا يوجد شيء أصعب من ذلك في الدنيا، خصوصاً الآن. فكل الكتاب، وليس كتابنا فحسب، بل حتى وجميع الكتاب الأوروبيين الذين حاولوا التصدي لتصوير الإنسان الرائع تماماً، كلهم نكصوا لأن هذه المهمة لا حدود لها، فالرائع هو المثال، والمثال - سواء كان لدينا أم لدى أوروبا المتحضرة - لم يتشكل بعد».
هذه الرغبة المبدئية لدى دوستويفسكي، أو «النية المسبقة»، كانت كشفاً خاصاً في القراءة الجديدة، ولسوف أتوقف كذلك داخل المتن أمام عبارات لم أتوقف أمامها في القراءة الأولى، بينما سأستغرب ما تركه القارئ الشاب من علامات إعجاب بالقلم الرصاص أحياناً، وبالحبر أحياناً أخرى، تحت جمل وفقرات لا يكن لها القارئ الكهل ذلك الاحترام!
ثلاثون عاماً تفصل بين قراءتي الأولى للرواية والقراءة الجديدة. ومن الطبيعي أن يقع هذا الاختلاف بين القارئ الشاب والقارئ الكهل، لكن عقدة الرواية القائمة على العفة الكاملة لم تتبدد بالكامل في عتمة ذاكرة الكهل.
ميشكين الأمير الأبله، ابن السادسة والعشرين، الذي نراه للمرة الأولى في القطار عائداً بعد غياب عن روسيا لمدة أربع سنوات، كان يعالج خلالها من داء الصرع الذي حرمه من إتمام تعليمه. وبالمصادفة، يتحدث مع الشاب «روغوجين» الجالس أمامه في المقعد المقابل، ويتعارفان سريعاً، فيعرف أن روغوجين مهووس بالشابة خارقة الجمال ناستاسيا فيليبوفنا، وسنعرف من هذا اللقاء أن ميشكين سليل عائلة نبيلة منقرضة لم يبقَ منها إلا هو وإليزابيتا بروكوفيفنا، زوجة الجنرال إيبانتشن. السيدة التي يسبغون عليها لقب الجنرالة إلحاقاً بلقب زوجها على الطريقة الروسية لا تعرف ميشكين، ولم تكترث بالعلاقة العائلية التي يزعمها، فلم ترد عليه عندما راسلها من سويسرا. ومع ذلك، يغادر ميشكين القطار، ويتوجه مباشرة إلى بيت الجنرالة. يستقبله خادم بتشكك، لكنه يطمئن إليه، ثم يسلمه إلى السكرتير، قبل أن يــُسمح له بالدخول إلى الجنرال، وينجح في كسب حبه، حتى أنه يقرر إدخاله إلى نساء البيت، فيقع حبه مباشرة في قلب الجنرالة وبناتها الثلاث معاً. هذه الأسرة هي التي ستمنحه لقب أبله، توصيفاً لطريقته الساذجة وصراحته، دون أن تتخلى عن حبه. وسنراه بعد ذلك يسير على قلوب كل من يقابله من الرجال والنساء، كما يمشي المسيح على الماء. وسنلاحظ أن أحداً لم يتشكك في نسبته لعائلة نبيلة، ولا يستطيع القارئ أن يعرف درجة نبالة تلك العائلة التي تسوغ لقب «الأمير» لهذا الشاب غريب الأطوار، خصوصاً أن قريبته يُقال لها الجنرالة إلحاقاً لها بلقب زوجها، وكان الأجدر أن يكون لقبها «الأميرة»، ما دام أنها من العائلة ذاتها التي منحت ميشكين لقب الأمير.
الحب بين ميشكين وكل من يراه ينشب فجأة، وكأننا بصدد انفجار أو اشتعال حريق، ليس وقوعاً من النظرة الأولى، فغالباً ما يكون التشكك والرفض هو الشعور الأول الذي يولده مظهر الأمير المحير، ثم يتحول الموقف في لحظة يسقط فيها الستار لنرى تمثال الحب مكتملاً مبهراً؛ يجري هذا على امتداد الرواية، ابتداءً من دخوله بيت الجنرال إيفان فيدروفيتش إيبانتشن. في بداية المقابلة، بدا الرجل العسكري منزعجاً من ذلك المتطفل رث الثياب الذي اقتحمه دون موعد، لكن أتت لحظة يصورها دوستويفسكي: «فاضت فيها نظرة الأمير لطفاً وبشاشة، حتى أن الجنرال توقف، ونظر إلى ضيفه فجأة بعين جديدة. وقد تحقق كل هذا التحول في نظرته في طرفة عين»، الأمر نفسه حدث مع أسرة الجنرال، وحتى مع ناستاسيا التي اعتبرته خادماً في المرة الأولى التي طالعت فيها وجهه.
لنحمل إعجاب الرجال بالأمير بعيداً عن مجاهل الشهوة، رغم أن السرد في تصويره لانشداه واستلاب الآخرين تجاهه يبلغ أحياناً حداً مذهلاً من التباس الأحاسيس، لكن إقبال النساء عليه يجوس في عتمة هذه الغابة من المشاعر والرغبات. ولا يرفض الأمير حباً مُنح إليه، لكنه لا يقوى على حمله، فيتملص من كل وعد بالخطبة، بسذاجة أحياناً، وبالاختفاء دون تقديم تفسير أحياناً، وبترضيات عقلية متينة الحجة في أحيان أخرى، حفاظاً على الشرط الذي قامت عليه حبكة الرواية: العفة الكاملة.
هذه العقدة أشهر من أن تُنسى مهما وهنت ذاكرة القارئ، لهذا لم يعد الكهل الذي صرت إليه مهتماً بطي الصفحات سريعاً بحثاً عن استقرار الأمير مع واحدة من الجميلات اللائي أغرمن به، مثلما فعل القارئ الشاب ذات يوم.
لقد قام دوستويفسكي بالتأسيس لعفة ميشكين مبكراً؛ في بداية الرواية خلال ثرثرته مع روغوجين في عربة الدرجة الثالثة من القطار الذي أقله إلى بطرسبرغ؛ يسأله روغوجين:
ـ قل لي أولاً، يا أمير، أأنت تحب الجنس اللطيف كثيراً؟
ـ أنا؟ لا! يجب أن أقول لك. لعلك لا تعلم. ولكنني بسبب مرضي الولادي لم أعرف النساء قط.
ـ إذا كان الأمر كذلك، يا أمير، فأنت عبيط حقاً! والله يحب أمثالك!
رغم هذا الكشف المبكر، لا يمكن لقارئ شاب أن يأخذ اعتراف ميشكين على محمل الجد. في الشباب، نحب أن نرى العالم على شاكلتنا، نحب أن يلقى الخيرون الحب الذي نتطلع إليه لأنفسنا. وقد كنت في القراءة الأولى مثل مشاهد السينما الغرير الذي يصرخ محذراً البطل الطيب من الشر المتربص به.
ناستاسيا فيليبوفنا، صاحبة الجمال الصاخب، معذبة رجال وشباب مجتمع بطرسبرغ الراقي، تجثو تحت قدميه؛ الجنرالة إيبانتشين وبناتها الثلاث يقعن في غرامه، لكن هذه السحابة من الأنوثة في بيت إيبانتشين ستتوافق على أن يكون المطر آجلايا الصغيرة الأكثر فتنة بينهن، ويتصرفن على أن خطبته لآجلايا أمر مفروغ منه. وأكاد أهتف به: انجز أيها الأبله! إن كنت تخشى ناستاسيا صاحبة الماضي المعقد مع كافلها ومربيها، فها هي فاكهة بيت إيبانتشين في انتظارك، لا تخذلها!
لكنه لم يفعل. وبقي في قلب كل امرأة بالرواية شيء من الأبله، لكن المصير الأكثر بؤساً كان للفتاتين الأجمل اللتين تعلقتا به تعلقاً جنونياً، فناستاسيا يقتلها روغوجين، وآجلايا تتشرد في باريس مع محتال بولندي، بينما يرتد هو إلى درجة المرض الشديد، ويعود إلى عيادة الدكتور شنايدر، نراه ذاهلاً عن كل شيء، وآخر من نراه يزوره في المصحة، ويتقطع قلبه ألماً عليه، هي إليزابيتا بروكوفيفنا التي تعرف أن مأساة ابنتها تنبع من سحر هذا الشاب الأبله الذي عاش مشفقاً على الآخرين، معتمداً على شفقتهم في الوقت ذاته، وكأنه هبط على ذلك المجتمع المستقر في مسراته الناقصة المضجرة، المتصالح على دناءاته، ليفرض عليه معتقده الخاص الذي تصرح به الرواية نصاً: «الشفقة هي القانون الأساسي، وربما القانون الوحيد الذي يحكم الوجود الإنساني». لكن ما أرادته النساء كان الحب، لا الشفقة؛ لقد أحببنه كرجل، وليس كروح، وقد نبهه روغوجين إلى هذه الحقيقة في لحظة مكاشفة، لكنه حتى النهاية لم يتصرف كرجل؛ ولهذا لم يرَ لحظة سعادة، ولم يمنحها لامرأة.
الأكثر من ذلك، لا توجد لحظة سعادة واحدة يمنحها رجل آخر لامرأة أخرى في الرواية، أو العكس، وكأن الألم - لا الشفقة - هو القانون الأساسي للوجود.
بوسعنا أن نُسمي روايات كثيرة مجيدة بعد «الأبله» تمتثل لنظرية فرويد في التحليل النفسي التي تتحدث عن نزعة تدميرية ينطوي عليها الجنس؛ من رواية د. ه. لورانس «عشيق الليدي شاترلي» إلى نوفيلا توماس مان «الموت في البندقية» ونوفيلا ياسوناري كاواباتا «الجميلات النائمات»، إلى رواية «الوله التركي» لأنطونيو غالا، لكن دوستويفسكي الذي جاء إلى الحياة قبل فرويد بخمسة وثلاثين عاماً يقف في الجانب الآخر تماماً، ليقول إن العفة الكاملة ظلمة يكتنفها الموت ونزعة التدمير.
وبسبب نزعة التدمير هذه، ربما يصعب الحديث عن ميشكين بوصفه «إنساناً رائعاً من كل الوجوه»، لكن روعة الرواية مؤكدة، ولا يمكن الإحاطة بدروسها الجمالية، ولا مراميها الفكرية التي تبدو لا نهائية، ونسميها رواية فحسب لأننا يجب أن نُسمي الأشياء لكي نُقرِّبها من الأذهان، لكن المحيط ليس مجرد لجة من الماء، ولا يتخذ معناه بالكامل إلا لدى من يرتاده، ويرى ظلمة ليله ولحظات الإشراق فوقه، وتوحش حيتانه وموجه العارم المهدِدِ في كل لحظة.


مقالات ذات صلة

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)
كتب تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً.

جيمس إس إيه كوري
ثقافة وفنون بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
TT

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور

بعد أربعين عاماً على صدور كتاب إدوارد سعيد «بعد السماء الأخيرة»، أحسنت فعلاً «دار الساقي» أن أعادت نشر ترجمته العربية في هذا الوقت بالذات، الذي تصبح فيه قراءة التاريخ بأعين حاذقة متفكرة، حاجة عربية. سعيد ليس مجرد كاتب يسرد الأحداث، بل هو مبدع متعمق في قضية فلسطين التي شغلته العمر كله. وفي هذا الكتاب يستجمع مهاراته كونه ناقداً، وعالماً ومحللاً، ليقدم نصاً يدمج بين الحدث التاريخي، والسيرة العائلية والذاتية. في الكتاب يأتي نص إدوارد سعيد (1935 - 2003) منسجماً ومتكاملاً مع صور السويسري جان مور التي التقطها بالأبيض والأسود، وهو يوثِّق الحياة اليومية الفلسطينية في بلادها والشتات. وقد وجد فيه سعيد، المصور الذي «رآنا كما لم يرنا أي شخص آخر». فالصور التي اختارها لنشرها في الكتاب تعيد الاعتبار للرواية الفلسطينية بتفاصيلها بعيداً عن فجاجة السردية السياسية. الناس عند ما يمارسون مهنهم، ينتظرون على قارعة الطريق، ينصرفون إلى فرح، يقطفون الزهر، يتأملون في جلسة استراحة. هكذا يعيد إلى شعب أغفلت إنسانيته نبض الحياة، ويعرّف به في انسجاميته مع محيطه الطبيعي.

شراكة الكاتب والمصوّر

الشراكة بين سعيد ومور ولدت عام 1983، أثناء مؤتمر للأمم المتحدة في جنيف، أراد له سعيد أن يقترن بعرض لصور مور. لكن الموافقة جاءت غريبة، وهو أن تبقى الصور من دون أي تعليق عليها. إجحاف، ومحاولة لطمس أي ذكر واضح لفلسطين، مما استفزَّ إدوارد سعيد واستدعى منه فيضاً من الكلام جاء في هذا الكتاب أشبه باستعادة لكل ما يجول في خاطره. حتى ليبدو للقارئ أن سعيد ينخرط في كتابة سيرته مندغمة بسيرة شعبه، وهو يعيد قراءة تجربته وتكوينه الشخصي، عبر فهم المسار الفلسطيني العام. «هو كتاب منفى» يقول سعيد، الذي يعبّر عن ألم ومرارة شديدين، بسبب الظروف التي عاشها منذ كان تلميذاً صغيراً، ورأى عائلته تعاني التهجير والضياع، حتى لنشعر أن كل النجاحات الأكاديمية والفكرية التي حصدها خلال مساره المهني، لم تكن قادرة على إسكات قلق الهوية الذي بقي يعانى منه طوال حياته.

فمنذ غادرت عائلته القدس عام 1947 وكان في الثانية عشرة من عمره، لم يعد سعيد إلى فلسطين إلا عام 1992 مع زوجته وولديه. يومها تمكَّن وبعد 45 عاماً، من زيارة أماكنه الأولى التي لم يعد فيها أحد من أقاربه. لكن بقي لديه شيء من أمل بسبب الانتفاضة التي كانت مشتعلة في تلك الفترة.

النكبة بداية الجحيم

العودة الكاملة للوطن، بقيت حلماً معلقاً، بينما المشهد كله يتغير، حتى ليبدو أن الماضي الذي يعرفه ينسف من جذوره. وهذا هو ما أحب أن يكتب عنه، ليس فقط ليسجل ما حدث، وإنما ليوضح كيف أن الفعل الأول، أي النكبة، جرَّت وراءها تاريخاً من التحولات العظمى، حيث سيصبح من المستحيل استعادة ما فقد. لهذا فإن الكتاب يزاوج بين الأحداث وانعكاساتها، ومسار سعيد وعائلته وحياتهم في المهاجر، وهي تتداخل بحيوات من هم في الصور المرافقة للكتاب. نشاهد البلدة القديمة في القدس، عمال مصنع للصابون في نابلس، نجار من عكا، أطفال يلعبون في مخيم البداوي اللبناني، وفلسطينيون في ميناء عكا، شخص يجلس على الرصيف في الناصرة، وآخرون في غزة. وجوه معروفة، وأخرى تكتسب أهميتها من قدرتها على شحذ الذكريات والأفكار في ذهن إدوارد سعيد، بصرف النظر عن جماليتها.

تتفرع الموضوعات في كل اتجاه. وهي تنطلق في بدء الكتاب من صورة التقطت في مخيم البداوي للاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان، فيها عروسان يوم زفافهما يهمان بالصعود إلى سيارة مرسيدس قديمة، ومعهما عدد قليل من الأشخاص، وبقربهما ولدان يلعبان. ويعلِّق سعيد بعد شرح مطول: «لا يمكنني الوصول إلى الأشخاص الفعليين الذين تم تصويرهم إلا من خلال مصور أوروبي رآهم نيابة عني وأتخيل أنه بدوره تحدث اليهم، من خلال مترجم. ومع ذلك، فإن الشيء الوحيد الذي أعرفه على وجه اليقين هو أنهم عاملوه بأدب، ولكن كشخص جاء من قبل، أو ربما تصرف بتوجيه من أولئك الذين وضعوهم في مكانهم البائس هذا».

سرقة الأرض بالتدريج

إنها النكبة التي ولَّدت المصائب المتسلسلة. في تلك السنة المشؤومة لم يكن لليهود من أراضي فلسطين سوى 7 في المائة، لكنهم رغم ذلك، فرضوا وجودهم وطردوا أهل البلاد. وبالتدريج، وعبر السنين، سنُّوا القوانين التي جردت الفلسطينيين من حقوقهم، وأرغمت الكثيرين منهم على الهجرة، حتى فرغت الأرض منهم، ليحلِّ مكانهم غرباء، طامعون. خلال كل تلك الحقبات السوداء المتلاحقة، كان الفلسطينيون يتحولون إلى شتات مشرذم في بلدان مختلفة. يحاول الكاتب أن يعيد تجميع هذا البزل البشري المتشظي، متحدثاً عن صعوبة قصوى في إعادة بناء ما تفتت. يحكي قصص الفلسطينيين في الداخل، مساراتهم، معاناتهم. يروي ما يعرفه عن أعمامه وأولادهم ثم عائلة والدته، التي تركت فلسطين بعد أسرة والده بقليل، منهم من ذهب إلى مصر، وبعض آخر إلى الأردن. يتحدث عن الإرهاق، عن الصدمة التي رافقتهم، عن محاولات فهم ما سيكون عليه مستقبلهم وقد فقدوا بيوتهم وحاضرهم. عمة إدوارد التي وصلت إلى مصر تحوَّلت إلى دينامو، لا همّ لها سوى مساعدة اللاجئين الذين لم يجدوا من يُعنَى بهم. تمكنت من أن تكون همزة الوصل بين أغنياء الفلسطينيين النازحين وفقرائهم. يتحدث عنها وعن جهودها بإعجاب شديد لعلو إنجازاتها، التي بقي صداها يتردد طويلاً حتى خارج مصر.

كتابات كثيرة ومفعول ضئيل

رغم الكتابات الكثيرة عن الفلسطينيين فإنهم بقوا مجهولين، خاصة في الغرب. فالشعب الفلسطيني، لم يلق الكتابة التي توازي كثافة التجربة. «أننا أكثر هذراً وإثارة للمتاعب من أن نختصر بمجرد كوننا كتلة من اللاجئين البائسين». لهذا، ربما، لا بد من كتابات تجاري هذه الكينونة الصعبة والمركبة. وبما أن مهمة الكتاب هي محاولة الإحاطة بواقع معقد، لتجربة فريدة في اللجوء، كان لا بد من أشكال تعبيرية غير تقليدية تتوافق مع حالة هجينة ومتشظية.

يكاد سعيد لا يترك ناحية إلا ويتكلم عنها، البيوت الفلسطينية، المنتوجات الزراعية التي باتت تصدر باسم المحتلّ، الذكريات التي حملها معهم النازحون من بيوتهم من مفاتيح وتطريز وأقمشة، وتعلقهم بذاك التراث الذي يذكرهم ببلادهم، ووالده الذي تجنَّب هذه الرموز، حذراً من الحنين. يعود الكاتب إلى اللكنات الفلسطينية التي بقيت صامدة على الألسن وتطعمت بلهجات دول اللجوء. يُعرِّج على العادات التي ظلَّت راسخة رغم مرور الأيام. يذكرنا بالاضطرابات العائلية التي عاشتها الأسر بسبب التمزق والفرقة وصعوبة الالتقاء، هو الذي حرم لسنين من رؤية والدته التي أصرَّت على البقاء في بيروت في فترة الحرب الأهلية.

الاختزال والتقزيم

يسأله صديق له، لما يعنى بالفلسطينيين في هذا الزمن. «فمن يهتم بأولئك الذين يأكلون على الأرض بأيديهم؟» يزيد إصرار سعيد على إكمال كتابه هذا «بالتحديد، لأردّ على هذا النوع من الحماقات». كم هي صعبة الإحاطة بكل ما يتعلق بالفلسطينيين «لا يوجد إحصاء سكاني فلسطيني. لا يمكن رسم خطّ يصل فلسطينياً بآخر من دون أن يبدو أنه يتداخل مع المخططات السياسية لدولة أو لأخرى». هو مؤلف تجريبي لا يروي أحداثاً متسلسلة، ولا يشكل مقالاً سياسياً، بل يحاول أن يتلاءم وطبيعة الموضوع الذي يصعب القبض عليه كون الفلسطينيين الذين يتحدث عنهم بلا دولة، ولا مركز، مجموعات «مسلوبة». يقول: «حوصرنا في مساحات مصممة لاختزالنا أو تقزيمنا، ولطالما شُوِّهنا بسبب ضغوط وقوى كانت أكبر من طاقتنا».

رد الاعتبار بالكتابة

لا يخفي الكاتب أنه إنما يردُّ الاعتبار لشعبه على طريقته. فالمأساة بدأت قبل النكبة، التي دفعت بعائلته وأسر أخرى إلى المجهول. ثم جاءت النكسة عام 1967، ولا ينسى تجربة منظمة التحرير الفلسطينية. وفي الكتاب مقاطع طويلة عن بيروت التي بقدر ما يعرفها سعيد، اضطر أن يغيب عنها بسبب الحرب. يتحدث عن عذابات لبنان المتتابعة، عن عيوب أهله وطائفيتهم البغيضة، عن تجاربهم المريرة المتلاحقة، يعرج على بعض الكتاب الفلسطينيين مثل إميل حبيبي وجبرا إبراهيم جبرا ومحمود درويش الذي من ديوانه «ورد أقل» استعار اسم الكتاب وصدَّره بعبارة من قصيدة «تضيق بنا الأرض». حقاً لقد ضاقت الأرض بالشعب الفلسطيني!


«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية
TT

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

خلال رحلته برفقة العالمة المرموقة كاثرين سولومون التي دُعيت لإلقاء محاضرة في العاصمة التشيكية براغ، يجد العالم روبرت لانغدون نفسه في دوامة تخرج عن السيطرة حين تختفي كاثرين من غرفتهما في الفندق من دون أثر، فيضطر إلى مواجهة قوى مجهولة لاستعادة المرأة التي يحبها.

بهذه الحبكة البوليسية القائمة على التشويق، يعود مؤلف الإثارة والغموض الشهير دان براون إلى قرّائه حول العالم عبر رواية «سر الأسرار» الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة زينة إدريس، في نص ينتمي إلى الخيال العلمي، ويتسم بسرعة الإيقاع رغم ضخامته اللافتة؛ إذ يقع في 582 صفحة من القطع الكبير، موزعة على 138 فصلاً، بالإضافة إلى مقدمة وخاتمة.

تبرز الرواية خصوصية براغ كمدينة حضارية موغلة في القدم تزخر بالأساطير ويكتنفها الغموض، فعلى مدى ألفي عام تقاذفتها أمواج التاريخ فتركت في حجارتها صدى ما مضى من أحداث وتقلبات؛ إذ لم يكن لانغدون يدرك أن طيفاً من ماضي المدينة المظلم يراقبه عن كثب، غير أنه يجد نفسه مرغماً على الاستعانة بكل ما في جعبته من معارف غامضة لفك رموز ذلك العالم من حوله قبل أن تبتلعه هو الآخر دوامات الخداع والخيانة التي ابتلعت كاثرين.

يجد البطل، عالم الرموز في جامعة هارفارد، نفسه في مدينة سرية تختبئ في وضح النهار، مدينة احتفظت بأسرارها قروناً طويلة ولم تفصح عنها بسهولة، فتتحول النزهة البريئة ذات الطابع شبه السياحي إلى ما يشبه ساحة معركة لم يشهد لها أحد مثيلاً.

ودان براون هو مؤلف ثماني روايات تصدرت جميعها قوائم المبيعات، من بينها «شيفرة دافنشي» التي أصبحت من أكثر الكتب مبيعاً، إلى جانب روايات «الأصل» و«الجحيم» و«الرمز المفقود» و«ملائكة وشياطين».

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«لا بد أنني فارقت الحياة.. هذا ما فكرت فيه المرأة وهي تنجرف عالياً فوق أبراج المدينة القديمة، تحتها كانت أبراج كاتدرائية القديس فيتوس المتلألئة تشع وسط بحر من الأضواء البراقة. تتبعت بنظرها، هذا إذا كانت لا تزال تملك عينين، الانحدار بلطف نحو قلب العاصمة البوهيمية، هناك تمتد متاهة من الأزقة المتعرجة المغطاة ببساط من الثلج المتساقط حديثاً.

شعرت بالضياع وبذلت جهداً لتفهم ما حلّ بها، قالت في محاولة لتطمئن نفسها: أنا عالمة أعصاب وأتمتع بكامل قواي العقلية، غير أن هذا الادعاء الثاني بدا لها موضع شك، الأمر الوحيد الذي كانت الدكتورة بريغيتا غسنر واثقة منه أنها معلقة الآن فوق مسقط رأسها مدينة براغ، لم يكن جسدها معها بل كانت بلا كتلة ولا شكل ومع ذلك كانت بقية كيانها؛ أي ذاتها الحقيقية ووعيها، سليمة ومتقدة تنجرف ببطء في الهواء باتجاه نهر فلتافا.

لم تستطع غسنر أن تتذكر شيئاً من ماضيها القريب، باستثناء ذكرى باهتة من الألم الجسدي، لكن بدا لها الآن أن جسدها لا يتكون إلا من الهواء الذي تنساب عبره. كان الإحساس فريداً لم يسبق لها أن خبرته، وعلى الرغم من كل ما تعرفه بوصفها عالمة لم تجد لذلك سوى تفسير واحد: مت وأنا الآن في العالم الآخر!

لكنها سرعان ما رفضت هذه الفكرة، في الواقع بوصفها طبيبة كانت على دراية وثيقة بالموت؛ ففي كلية الطب وفي أثناء تشريح الأدمغة البشرية، فهمت غسنر أن كل ما يجعلنا ما نحن عليه؛ أي آمالنا ومخاوفنا وأحلامنا وذكرياتنا، ليس إلا مركبات كيميائية معلقة بشحنات كهربائية. وعندما يموت الإنسان ينقطع مصدر الطاقة في دماغه وتذوب تلك المركبات وتتحول إلى بركة سائلة بلا معنى، لكنها الآن تشعر بأنها حية تماماً».


الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية
TT

الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية ليستا توصيفين زمنيّين بقدر ما هما طريقتان في العيش داخل الزمان. ليست المسألة أن تكون الدولة قديمة أو حديثة، بل كيف تفهم نفسها، وكيف تُدير علاقتها بالماضي والحاضر والمستقبل. هناك دول تجعل الماضي مادةً للفهم، وتبني مشروعها على ما يمكن أن يكون، وهناك دول تجعل الماضي مرجعاً أعلى، وتعيد إنتاجه في الحاضر بوصفه معياراً للحكم.

يمكن أن نلاحظ هذا المعنى في تجارب مثل الولايات المتحدة الأميركية والمملكة العربية السعودية الجديدة. كلتاهما حديثة نسبياً من حيث التكوين السياسي، فأعمارهما تتراوح بين المائتين والثلاثمائة سنة، وهذا منح كل واحدة منهما خاصية مهمة، هي أن مشروع كلٍّ منهما لم يُبنَ على استعادة ماضٍ بعيد، بل على تأسيس معنى جديد للحاضر. لم يكن هناك ثقل تاريخي يفرض نفسه بوصفه مرجعاً نهائياً، بل كان المجال مفتوحاً لبناء الشرعية على الإنجاز، وعلى القدرة على التشكّل.

الدولة الحية لا تنكر تاريخها، لكنها لا تسكن فيه. تتعامل مع الماضي بوصفه خبرة قابلة للتحليل، وأنه ليس سردية ملزمة. لذلك تكون هويتها مرنة، وشرعيتها قائمة على الفعل، وليست على الذاكرة. وهي لهذا لا تخاف التغيير، لأن التغيير جزء من بنيتها.

في الجهة المقابلة، تبدأ المشكلة حين يتحول التاريخ إلى سلطة. عندها لا يعود الماضي مادة للفهم، بل يصبح معياراً يُقاس عليه كل شيء، فتتشكل بنية كاملة من التعثر تمتد عبر الاقتصاد والتعليم والإدارة والثقافة. تُدار الموارد بعقلية الحفظ والخوف لا بعقلية المبادرة، ويُعاد إنتاج المعرفة بدل توليدها، وتتقدم الاستمرارية على الكفاءة، ويُستبدل بالإبداع التمجيد. وهنا لا يكون الفشل حادثة عابرة، بل يكون نمطاً يتكرر عبر العقود، لأن المنطلق واحد، وهو رد الحاضر دائماً إلى نموذج سابق.

ومع هذا النمط تتشكل طبقة أعمق، طبقة الوعي. فالمشكلة لا تبقى في المؤسسات، بل تمتد إلى طريقة إدراك الناس للعالم وتصورهم لأنفسهم فيه. بينهم يتكون وعي يميل إلى الخطاب أكثر من الفعل، وتُروى الحكايات بلغة الانتصار الذي لم يقع، حتى في لحظات الفشل العميق، وتُضخَّم الوقائع الصغيرة لتؤدي وظيفة نفسية، لا معرفية.

ويظهر هنا نوع من التكيّف المفرط، قدرة عالية على الاحتمال، لكنها تنقلب أحياناً إلى قبول طويل بالأوضاع بدل السعي إلى تغييرها. يعرف الفرد في داخله أن هناك خللاً، لكنه يتعامل معه بازدواجية، فيُبقي هذا الإدراك في مستوى صامت، بينما يشارك في خطاب علني يخففه أو ينفيه.

هذا الانفصال لا يأتي من جهل، بل من آلية دفاع. فالصورة المثالية عن الذات تُصبح شرطاً نفسياً للاستمرار، ولذلك يُعاد إنتاجها باستمرار، حتى لو كانت لا تنسجم مع الواقع وحتى إن كان الناس يقتاتون على أكاذيب ويعيشون في أوهام. وهنا تتشكل بطولات رمزية، وتُستعاد أمجاد آلاف السنين، ويُعاد تفسير الأحداث الواقعية بحيث تحافظ على تماسك هذه الصورة.

وفي هذا السياق، يصبح الحس الفكاهي وخفة الظل أداة مزدوجة، يخفف الضغط من جهة، لكنه قد يتحول إلى وسيلة للهروب من المواجهة من جهة أخرى. ومع الوقت، يتشكل حسّ حساس تجاه النقد، لا لأنه غير صحيح، بل لأنه يُفهم بوصفه تهديداً للصورة الجمعية. فيُستعاض عن المساءلة بالتبرير، وتُفسَّر الإخفاقات بعوامل خارجية، أو يُعاد تأويلها بما يحفظ المعنى العام للسردية. هنا لا يكون الكذب فعلاً واعياً بالضرورة، بل بنية يعيش داخلها التاريخيون. يعرفون في قرارة أنفسهم أن هناك فجوة بين الواقع وما يُقال، لكنهم يستمرون في إعادة إنتاج هذا الخطاب، لأنه يمنحهم شعوراً بالتماسك. وهكذا يصبح الانفصال عن الواقع شرطاً نفسياً للاستقرار، لكنه في الوقت نفسه يُعمّق الأزمة.

ويضاف إلى ذلك أن هذا النمط يعيش على استعراض عمر الدولة الطويل بوصفه دليلاً على العظمة، مع أن معظم المواطنين تعساء، ومع أن هذا العمر لم يُترجم إلى قدرة فعلية على البناء. تُذكر آلاف السنين كما لو كانت إنجازاً قائماً، بينما الحاضر عاجز عن تحقيق أبسط ما تحققه دول أصغر سناً بكثير. تتكرر المقارنة في الخطاب لا في الواقع، ويُستدعى التاريخ لتعويض فجوة الإنجاز. ومع وفرة الموارد، يبقى العائد محدوداً، لأن المشكلة ليست في الإمكانات، بل في طريقة النظر إليها، حيث تُستهلك دون أن تتحول إلى مشروع منتج يغيّر ملامح الواقع.

أما الدولة الشابة الحية، فتسير في الاتجاه المعاكس. لا تحتاج إلى حماية صورة مثالية، لأنها لا تدّعي الاكتمال. تقبل بالنقص، وترى في الاعتراف بالخلل بداية للإصلاح. تبني شرعيتها على الفعل، لا على الحكايات والأساطير، ولا تسمح لذاكرتها بأن تتحول إلى معيار يحكم قراراتها اليومية. لهذا تظل قادرة على التغير، لأن وعيها مفتوح، لا مغلق. ولا تعيش داخل سردية جاهزة، بل تصنع سرديتها مع كل خطوة.

وفي النهاية، لا تنهار الدول لأنها فقيرة في تاريخها، بل لأنها تُخطئ النظر إلى واقعها. الدولة الحية ترى ما هو كائن، فتُحسِن التعامل معه، وتبني عليه ما يمكن أن يكون. أما الدولة التاريخية، فتُصرّ على أن ترى ما تتمنى، فتفقد القدرة على الفعل، وتكتفي بالتعويض الرمزي، والخطاب العالي، والبطولات المتخيَّلة. هنا لا يكون الماضي ذاكرةً تُعين على الفهم، بل يصبح عبئاً يُعطّل الحاضر، ويُغلق أفق المستقبل. لذلك، فمصير الدولة لا يُحسم في أرشيفها، بل في وعيها. ليس السؤال كم عاشت، بل كيف تعيش؟ هل تُقيم في العالم كما هو، أو في صورةٍ عنه تُرضي نرجسيتها؟ في هذا الاختيار الصامت، الذي لا يُعلن نفسه، يتقرر كل شيء.

* كاتب سعودي