علاقة اللاجئين المسلمين مع الغرب... الجانب المظلم من القمر

رواية «شمال الفجر» للصومالي نور الدين فرح

نور الدين فرح
نور الدين فرح
TT

علاقة اللاجئين المسلمين مع الغرب... الجانب المظلم من القمر

نور الدين فرح
نور الدين فرح

في أحدث رواياته، يأخذنا الكاتب الصومالي نور الدين فرح في روايته الجديدة إلى ما يمكن وصفه بالوجه المظلم للقمر، معيداً إلى الذاكرة -من خلال عنوان هذه الرواية وموضوعها- بنوع من الافتقاد المؤسّي مصطفى سعيد (بطل رواية الطيب صالح، «موسم الهجرة إلى الشمال»)؛ كأول تناول روائي عربي لعلاقة الجنوب بالشمال، وما تحمله من أثقال المخيال الشرقي الذي يشكل الخلفية لآلية تواصل البطل المذهول، مع واقع يلتبس بين الحقيقة والمثال. يضعنا سرد «شمال الفجر» أمام طرح جريء لمعضلة العلاقة التي تحكم اللاجئين المسلمين بمجتمعات الغرب العلماني، ممثَّلةً بنمو ثقافة الإرهاب، لكن في النرويج البلد الاسكندنافي الذي رحب ووفّر الأمان للاجئين من دول مختلفة.
من الإنصاف القول بأن نور الدين فرح هو مؤرخ الخسارات الصومالية، في بلد يشهد حروباً واقتتالات طاحنة، منذ عقود. حتى إن جيلي -على الأقل- لا يتذكر الصومال إلا كمقر لحركة «الشباب» الإرهابية، التي تمثل نقطة تمركز القرصنة البحرية.
يحاول الكاتب، في هذه الرواية، محاكاة جرحه الشخصي مستنطقاً إياه عبر ألسنة شخوص الرواية. مرة في حوارات موجدي وزوجته غالو، التي رغم اقتضابها وتركيزها، تتسم غالباً بالتناقض في ما يخص ابنهما ذاكني. والذي تطلعنا الصفحات الأولى بأنه قضى في تفجير انتحاري، في مطار العاصمة مقديشو، منهياً حياته وحياة العشرات معه.
يعبر موجدي عن غضبه لغالو زوجته، المفجوعة في وحيدها، بالقول: «ما تفعلينه نحو أسرة ذاكني، لن يغيّر شيئاً بأن ولدنا إرهابي»، فترد غالو: «ولن يغير مآل وحيدنا المفجع شيئاً، من واقع أنه ابني وأنا أمه».
لطالما اختلف الزوجان على تربية ذاكني، في سياق تحيز الأب إلى البنت الكبرى تيميرو، التي سنعلم في فصل لاحق أنها ابنتهما بالتبنّي، الأمر الذي يكتمانه عن تيميرو، فلن تعرفه البنت أبداً.
غالو تسعى بلا توقف لاستقدام عائلة ابنها الجهادي الانتحاري، والمكونة من أرملته والية مع ولديها من رجل آخر، هما نعيم ابن الثالثة عشرة وصافي التي تكبره بعام. يقبل موجدي، على مضض، مبدياً تخوفاته وتحفظاته الشديدة والمسبقة في ما يخص المشكلات التي ستنجم عن لمّ شمل عائلة انتحاري من حركة «الشباب» المتطرفة.
ستتكفل غالو بكل شيء يمكن أن يسأل عنه البوليس النرويجي ودائرة الهجرة؛ تضمن شقة مدفوعة الأجر، ريثما تستقر العائلة وتنطلق في رحلة الاندماج والعمل والاستقرار في أوسلو.
من خلال الولدين نعيم وصافي، سنتعرف على عالمين متناقضين. فالولد منفتح جريء وشغوف بتجربة الحرية والوصول إلى بلد لا يُستخدم فيه السلاح للقتل، كما عهده في الصومال أو في مخيمات اللجوء في نيروبي. وعلى نقيضه تنزوي صافي، الخارجة من محنة اغتصاب متكررة -من قبل عدة رجال- غارقة دوماً في الخجل والخوف وموجات هيستيريا، تدهمها كلما اقترب منها رجل أو سمعت صراخاً، لتصبح أسيرة علاجات أمها، عبر الصلاة وإسماعها القرآن، كي تهدّئ من روعها، كلما أصابها ذعر لسبب أو آخر. سنرى رعبها حين يأتي البوليس لاستجواب أمها، على خلفية اعتقال زبير، أحد أئمة الجوامع في أوسلو، والصديق القديم لزوجها الراحل ذاكني.
سنعلم في تواتر سريع أن إمام الجامع هذا قد تزوج من والية، وكان على وشك تزويج ابنتها صافي أيضاً من رجل دين آخر ينتمي إلى دائرته. ويماثله أيضاً في ارتباطاته الخاصة مع حركة «الشباب» في مقديشو. كادت مصيبة تزويج صافي تحصل، لولا تدخل موجدي وغالو بالشكوى ضد زبير وتلميذه، على خلفية جلد الأول لنعيم بحجة شرب النبيذ، حيث كان قميص نعيم ملطخاً ببقعة نبيذ لأن كأساً منه اندلق على طاولة الطعام في بيت جده.
خمسون جلدة، من يد زبير، خلّفت ظهر نعيم دامياً ورمتْه في دوامة مريعة من الصمت والاستسلام.
سيعاني نعيم وصافي -بلا طائل- محاولات شاقة لإقناع أمهما بخطورة تصديق زبير، وخطورة عدم تصديق جديهما أي غالو وموجدي... لكن عبثاً.
يصر الجدان على رؤية الطفلين، لأطول وقت، لكي يتاح لهما تأمين جلسات استشفاء لصافي، عبر إحدى المعارف التي مارست علاج حالات شبيهة، خلال عملها لسنوات طويلة في أفريقيا، ومعاينتها عن قرب لحالات اغتصاب وانهيارات عصبية لفتيات معنفات. الأمر الذي سينعكس إيجاباً وبسرعة على صافي، التي تقبل الالتحاق بمدرسة محلية، ما يساعدها لاحقاً في إيجاد عمل أيضاً. فتأخذ حياتها مساراً مختلفاً كلياً عما كان ممكناً لو تم تزويجها من ذاك الشيخ الأفاق، الذي يزعم أن زواج المسلمة حصانة وحيدة لها وما عدا ذلك كفر وخطيئة.
من جهته سيتعرف نعيم على منى، ابنة حيمو، وهي امرأة نرويجية من أصل صومالي، يصورها الكاتب كامرأة مكافحة وصلبة، نجت من زواجين فاشلين وأنجبت ثلاثة أطفال رائعين ومميزين. وهي تعمل وتربي أطفالها كامرأة صومالية نرويجية مستقلة، تحترم ذاتها وأسرتها وقوانين بلدها النرويج، الذي منحها الجنسية والأمان والكرامة.
يجمع نعيم ومنى هوايةُ لعبة الشطرنج، ويتقاسما وقتهما بسعادة. فبالإضافة إلى ما يشعر به نعيم من أمان واستقرار برفقة منى؛ يجتهد للاستفادة من لغتها وتجربتها كلاجئة مسلمة في بلد علماني، وكشابة منطلقة في الحياة... قبل أن يسقط مصعوقاً يوماً، على فجيعة مقتل منى مع عدد من تلاميذ مدرستها، في الهجوم الإرهابي الذي نفّذه رجل نرويجي، من اليمين المتطرف، وُصف بأنه معتوه، في يوليو (تموز) 2011.
صدمة وفجيعة ونحيب، تصيب الجميع بالخبل، وهم يُنزلون منى في قبرها -داخل تابوت ملفوف بالعلمين الصومالي والنرويجي- لم تخفف منها مشاركة رئيس الوزراء وزوجته في جنازة منى، وتقديمهما العزاء لكل عائلات الضحايا.
فجيعة أخرى، لم تكن أقل وطأة وقسوة -بخاصة على موجدي- تمثلت بموت زوجته ورفيقة عمره غالو، بتأثير السم الناجم عن تناولها كمية زائدة من مسكن، كانت تتعاطاه للتغلب على آلام نزلت بها متأثرةً بالهمّ الثقيل الذي سببه استقدام والية وولديها وما تبعه من مشكلات، مع أنها كانت تتمتع بصحة جيدة، فأورثتها تجربة لمّ الشمل التوتر وغرابة الأطوار، والإصرار على رفض رجاءات زوجها لها بزيارة المشفى أو مراجعة طبيب!
في تلك الليلة نهضت غالو، بشكل مفاجئ، من غرفة النوم في الطابق العلوي، وسارت إلى المطبخ بهدوء. أعدت عشاءً لضيوفها بيرغيتا ويوهان، وابنتهما تيميرو وحفيدتهما ريو، إضافة إلى نعيم وصافي. ثم نظفت البيت وغسلت الثياب... أشياء لم تفعلها منذ أسابيع. وعلى الرغم من استغراب الجميع سلوكها، فقد أظهروا أقصى البهجة والسعادة... مؤمّلين أن يكون هذا علامة على بداية الشفاء.
حين استأذنت الجميع وذهبت للنوم، تبادل موجدي وصافي المراقبة للاطمئنان عليها، بين وقت وآخر. وفجأة يفجع موجدي الجميع بالخبر المريع: غالو لا تتنفس!
وسط الذهول والصدمة، التي شلّت الموجودين، تصل سيارة الإسعاف وتنقل غالو إلى مشرحة المشفى، لتحديد أسباب الوفاة.
عاجزاً عن استيعاب المصاب، يفشل موجدي في أن يتمالك نفسه، ويهرم في لحظات من النحيب الصامت، ويتأمل في الخواء الرهيب الذي سقط فيه، والذي بدأ لحظة الدفن، حين انهار الرجل المفجوع وهم يُنزلون جثمان رفيقته، ولولا أن يمسكه أخوه لسقط في القبر مع غالو.
بعدها سيواظب يوهان وبرغيتا وحيمو ونعيم وصافي على رعاية الزوج الأرمل، لمساندته في محنته، قبل أن تأخذنا الرواية إلى تحول جديد، بدأ في الفصول الأخيرة، مع ظهور شخصية صومالية خطيرة هي آلاء (صديقة قديمة لوالية في مقديشو)؛ التي سيعلم نعيم أنها تمتهن الدعارة، وتتعرض للتعنيف لتصبح لاجئة دائمة في منزلهم.
ستفتعل آلاء هذه حريقاً لمنزل والية، في تخطيط ماكر للانتقال إلى بيت موجدي، طمعاً في الاستيلاء على بيته، مستغلة هشاشة حاله كأرمل وحيد.
تقول آلاء لوالية: لا عليكِ اتركي الأمر لي.
يشعر نعيم بخطورة ما تخطط له آلاء، ويحذر جده من استقباله آلاء في بيته مهما كانت الأسباب. الأمر الذي ساعد موجدي في رفض استقبالها بالفعل، رغم محاولاتها التحرش بموجدي، واستعطافه مستغيثة من عنف مزعوم تعرضت له. وتبالغ في الغناج بخبث على الباب: «أهكذا تستقبل امرأة ضعيفة؟ أين الكرم الصومالي؟! أين أخلاق المسلم... أين العطف...؟!».
ثم تتظاهر بالسقوط أرضاً، وحينها يبادر موجدي إلى مساعدتها، تحاول إغواءه، لكن موجدي ينسحب متقززاً من سلوكها ويغلق الباب صارخاً في وجهها: عودي من حيث أتيتِ. لكنها لا تستسلم، وتهدده بأنه سيندم على ما فعل.
بعد أن ينجح برغيتا ويوهان، صديقا موجدي، باقتراح ناديا عليه كصديقة جديدة ويتأقلم موجدي مع ناديا؛ سيتم استجوابه من قبل البوليس على خلفية ادّعاء آلاء ضده، بقضية تحرش واغتصاب. لكن التحاليل ستثبت كذبها. وتنال عقوبة السجن، لمحاولتها تضليل التحقيق.
في الفصل الأخير تقرر والية مغادرة النرويج والعودة إلى الصومال، لكي تنفذ عملية انتحارية، لطالما آمنت أنها كانت هي أولى بتنفيذها، بدلاً من زوجها ذاكني.
رواية مكثفة، تنوس مستوياتها بين السرد الواقعي المعيش، وبين التخييل الغني بالرموز والدلالات. ولعل أعمق وأبرز الأسئلة التي تفرضها، بقوة، هو سؤال اللحظة: لماذا يتحول بعض اللاجئين المسلمين إلى إرهابيين على الرغم من النقلة العظيمة التي تتيح له التنعم بالحرية والأمان في بلدان اللجوء؟
هذا السؤال تتفرع منه أسئلة كثيرة إشكالية حول دور مساجد التطرف المنتشرة في أوروبا... وكيف تصوِّر للبسطاء مفاهيم عن خطورة الاندماج وقبول الآخر؛ رغم أن هذا الآخر هو نفسه من يستضيفه ويمنحه الحرية والأمان؟
الأخطر من الأسئلة الكثيرة والمتشابكة، التي طرحتها الرواية دون لف ولا دوران؛ هي الدلالات التي يمكن استقراؤها حول المصير المخيف للبلدان المضيفة، باعتباره معادلاً لمصير الحداثة والحرية وحقوق الإنسان والتقدم والحضارة... إلخ. فلا تكتفي الرواية، على ذلك، بالتحذير بل تكاد تطالب بفرض قوانين اندماج تشمل كل اللاجئين، على أساس القوانين العالمية الحديثة، وحقوق الإنسان.
ليس هناك من مرارة أكثر من تلك الدلالة في إهداء الكتاب لأخت الكاتب التي قضت في تفجير انتحاري في مطعم في كابل، حيث كانت تعمل مع الـ«يونيسيف».
رواية «شمال الفجر» هي إضافة لافتة ومهمة في نتاج نور الدين فرح، الحاصل على أهم جائزة أدبية عالمية بعد نوبل وهي جائزة «نيو ستاد» من جامعة أوكلاهوما لعام 1998، والمدرج كأهم كاتب أفريقي في الزمن المعاصر.



رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
TT

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)

غيّب الموت سيدة الشاشة الخليجية، الفنانة الكويتية حياة الفهد، عن عمر ناهز الـ78 عاماً.

عاشت الراحلة منذ بداياتها الأولى في ستينات القرن الماضي حتى رحيلها أمس، عبر الشاشة في بيوت الخليجيين، وتركت خلفها تاريخاً فنياً عصياً على النسيان.

بدأت الفهد رحلتها الفنية في وقت كان فيه حضور المرأة الخليجية في مجال التمثيل محدوداً ومحاطاً بحساسيات اجتماعية، ورغم ذلك دخلت المجال بخطوات مترددة لكنها حاسمة، وشقّت طريقها في بيئة لم تكن مهيأةً بالكامل لتقبّل هذا الحضور النسائي، وهو ما جعل تجربتها الأولى تتجاوز فكرة «الدور» إلى معنى أوسع في كسر الحاجز، وفتح الباب.


مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
TT

مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)

أعلن علماء، الثلاثاء، أن مركبة «كيوريوسيتي» المتنقلة التابعة لوكالة «ناسا» اكتشفت المزيد من «لبنات الحياة» على سطح المريخ، وذلك بعد إجراء تجربة كيميائية لم يسبق لها مثيل على أي كوكب آخر، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأكد الفريق الذي تقوده وكالة «ناسا» أن الجزيئات العضوية ليست دليلاً قاطعاً على وجود حياة سابقة؛ إذ يحتمل أنها تشكلت على سطح المريخ أو سقطت نتيجة اصطدامها بالنيازك.

إلا أنها تكشف عن أن هذه المؤشرات حفظت في الصخور لأكثر من ثلاثة مليارات عام، عندما كان يعتقد أن الكوكب يضم مياهاً سائلة، وفق ما نشرت مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز».

وحملت «كيوريوسيتي»، وهي بحجم سيارة، أنبوبين من مادة كيميائية تسمى TMAH وتستخدم لتحليل المواد العضوية ومعرفة مكوناتها.

وقالت عالمة الأحياء الفلكية العاملة في مهمة «كيوريوسيتي» إيمي ويليامز لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «هذه التجربة لم تجرَ من قبل على كوكب آخر».

وأكدت ويليامز، وهي المؤلفة الرئيسية لدراسة تصف النتائج، أن الفريق «يرى لبنات الحياة، كيمياء ما قبل حيوية على المريخ، محفوظة في هذه الصخور منذ مليارات السنين».

هبطت مركبة «كيوريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» في قاع بحيرة سابقة تسمى فوهة غيل عام 2012، ومنذ ذلك الحين وهي تبحث عن دلائل على وجود حياة سابقة محتملة.

وخلال تجربة أجريت عام 2020 باستخدام مادة TMAH، تم رصد أكثر من 20 جزيئاً عضوياً، بينها مركب «بنزوثيوفين» الموجود أيضاً في النيازك والكويكبات.

وقالت ويليامز إن «المواد نفسها التي هطلت على المريخ من النيازك هي نفسها التي هطلت على الأرض، وربما وفرت اللبنات الأساسية للحياة كما نعرفها على كوكبنا».

وأشارت دراسة جديدة نشرت في مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز» إلى أن المهمات المستقبلية قد تستفيد من تجربة «كيوريوسيتي» التي أثبتت نجاح التجارب التي تستخدم مادة TMAH على عوالم أخرى.

وستحمل مركبة «روزاليند فرانكلين» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، والتي تتميز بحفارة أطول بكثير من «كيوريوسيتي»، هذه المادة الكيميائية إلى المريخ.

وأعلنت «ناسا»، الأسبوع الماضي، أن مركبة الفضاء التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية ستنطلق الآن نحو المريخ في أواخر عام 2028. وستكون المادة الكيميائية أيضاً على متن مركبة «دراغون» الدوارة، المقرر إطلاقها عام 2028 في مهمة لاستكشاف قمر تيتان التابع لكوكب زحل.


أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
TT

أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

يقطع المهندس المعماري محمد رجب يومياً أكثر من 30 كيلومتراً للذهاب إلى موقع عمله في الامتداد الصحراوي لمحافظة الجيزة (غرب القاهرة) حيث يشارك في بناء «كمبوند سكني فاخر»، وهو على يقين من أنه لا يمكنه أن يسكن فيه أو أي أحد من أولاده يوماً ما: «نبني لطبقات غنية. أما نحن فنسكن في إحدى المناطق الشعبية في الجيزة».

ويذكر أن شعور رجب بالتفاوت الطبقي الكبير يتزايد كلما سمع عن الأرقام التي تباع بها الوحدات التي يشارك في بنائها، ويقارنها براتبه هو وأصدقائه حيث «الفيلا الواحدة تباع بـ50 مليون جنيه» (الدولار الأميركي يعادل نحو 52 جنيهاً)، «وهو مبلغ لن أتحصل عليه طوال حياتي المهنية داخل مصر».

ووفق خبراء إسكان وعلم اجتماع، فإن بعض المشروعات السكنية في مصر اعتمدت خلال العقود الماضية على تغذية «مشاعر الفصل الطبقي»، بأسلوب المساحات المعزولة والمغلقة. يقول رجب بنبرة يملؤها الشجن: «بعد الانتهاء من عملي، لن يسمح لي الأمن بدخول المكان الذي شاركت في بنائه».

وأطلقت شركة هشام طلعت مصطفى العقارية أخيراً أحدث مشروعاتها العقارية شرق القاهرة «The Spine»، بأسعار مرتفعة جداً، وهو ما عزاه أحد مندوبي المبيعات بالشركة إلى أنها «أول مدينة ذكية استثمارية تقوم بالكامل على الذكاء الاصطناعي في العالم»، وفق ما ذكره لـ«الشرق الأوسط» عند الاستفسار هاتفياً عن طبيعة وأسعار الوحدات بالمشروع.

أحد المشاريع في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وكان رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي وعدد من الوزراء قد شاركوا في مؤتمر صحافي للإعلان عن المشروع الضخم، السبت. وأثنى مدبولي عليه قائلاً إن «استثماراته تتجاوز 1.4 تريليون جنيه، ويوفر أكثر من 155 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة كما يحقق عوائد ضريبية تتجاوز 800 مليار جنيه».

ويصل سعر الوحدة الكبرى (3 غرف نوم) في مشروع «The Spine» بمساحة 116 متراً، 50 مليون جنيه، ويضم المشروع 165 برجاً، داخل «مدينتي» المشروع السابق للشركة، على مساحة 5 كيلومترات. بينما تُطرح نفس مساحة الوحدة في مشاريع أخرى لـ«طلعت مصطفى» بـ10 ملايين جنيه.

ويُرجع موظف قسم المبيعات ارتفاع سعر الوحدات في المشروع إلى «المزايا الكبيرة والمختلفة فيه، منها شبكة المواصلات الضخمة تحت الأرض، ما يضع أماناً إضافياً إذا ما رغب السكان في التجول، ويحافظ على البيئة. كما أن ساكنه لن يحتاج إلى إطلاق الأوامر حتى تشتغل الإضاءة أو التكييف أو غيرهما من المهام في المشاريع الذكية، يكفي أن يُدخل البيانات لأول مرة، ليعرف الذكاء الاصطناعي تفضيلاته، ويعمل كل شيء نيابة عنه، يفتح المصعد، وباب الوحدة، ويضبط التكييف والإضاءة، حتى قبل أن تصل إلى شقتك».

أما سعر الوحدة ذات غرفة النوم الواحدة، بمساحة 77 متراً، فتصل إلى 20 مليون جنيه. وتقدم الوحدات بنظام تقسيط، أقل مقدم حجز فيها 160 ألف جنيه للمكتب الإداري، و250 ألف جنيه للوحدة السكنية، مع قسط نحو 50 ألف جنيه شهرياً، إلى جانب دفعات سنوية بمتوسط نصف مليون جنيه.

ووُصفت هذه الأسعار عبر مستخدمي مواقع التواصل بـ«المبالغ فيها وغير المنطقية»، وسط انتقاد الاهتمام اللافت بالمشروعات العقارية والإسكان الفاخر وعدم التركيز على توطين الصناعة والتكنولوجيا.

دار الأوبرا داخل مدينة الفنون في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وتتعزز هذه الانتقادات في وقت وصل فيه التضخم في مصر إلى 15.2 في المائة على أساس سنوي في مارس (آذار) الماضي، مرتفعاً نحو 2 في المائة عن فبراير (شباط) الماضي. بالإضافة إلى ارتفاع نسب الفقر إلى 32.5 في المائة، وفق تقرير للبنك الدولي عن مستوى الفقر في مصر عام 2022. مقارنة بـ29.7 في المائة في العام المالي 2019-2020.

وخلال السنوات الخمس الماضية، تراجعت قيمة الجنيه أمام الدولار بشكل حادّ، وارتفعت معدلات التضخم لمستويات غير مسبوقة، إذ انخفضت قيمة الجنيه من 15.5 جنيه في 2020 إلى 50 جنيهاً في 2025، ما ترتب عليه انخفاض القوة الشرائية للمواطنين، ما دفع الحكومة المصرية إلى رفع الحد الأدنى للأجور للعاملين في القطاع العام ليصبح 8 آلاف جنيه مصري شهرياً اعتباراً من يوليو (تموز) المقبل.

ويرى الكاتب الاقتصادي والخبير في أسواق المال، محمد مهدي عبد النبي، أن «المشروع الأحدث يعكس توجهاً من الدولة لفتح سوق عقارات دولي في مصر، لجذب عملة صعبة تساعد على تحسين أزمة العملة الأجنبية في مصر، ما سيؤثر إيجابياً على الاقتصاد الكلي، لكن في الوقت نفسه سينعكس سلباً على أسعار العقارات التي تستطيع شراءها الطبقة الوسطى، وسيزيد نسب التضخم في المجال العقاري».

ويتوقع عبد النبي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «أن يكون الأجانب، وبعض المواطنين العرب وبعض المصريين في الخارج الذين راكموا ثروات كبيرة، هم القادرين وحدهم على الشراء في مشروعات الإسكان الفاخر بمصر، أي أنه يستهدف ذوي الملاءة المالية الواسعة».

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

وهو ما أكّده موظف المبيعات في مجموعة «طلعت مصطفى»: «نستهدف بشكل أساسي الأجانب والعرب، لشراء الوحدات التي سيتم تسليم أول دفعة فيها بعد 5 سنوات».

الباحثة الثلاثينية منى محمد، تابعت الإعلانات التي تروج لمشروعات الإسكان الفاخر بالآونة الأخيرة، وقالت: «عانيت قبل عامين خلال رحلة بحثي عن شراء شقة بمنطقة حدائق الأهرام (غرب القاهرة)، ولأن المبلغ المطلوب كان (مليون جنيه) أكبر من إمكاناتي المادية أنا وزوجي، اضطررت لبيع مصوغاتي الذهبية والاقتراض حتى نتمكن من دفع ثمنها».

وتعلق منى على مشروعات الإسكان الفاخر، وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا النوع من المشاريع يستفز مشاعر أبناء الطبقات الوسطى والدُنيا حتى الطبقة الغنية، التي ستجد نفسها جارة لطبقات أكثر رفاهية، وتتمتع بمزايا ليست لديها، وغالباً سيكونون من غير المصريين».

واعتبر رئيس الوزراء المصري مشروع «The Spine»: «عالمياً بكل المقاييس، ويحقق نقلة حقيقية في شكل التنمية العمرانية والنمو الاقتصادي للدولة المصرية».

ويرى الباحث في الإنثروبولوجيا، وليد محمود، أن «الكومباوندات السكنية أصبحت جزءاً بارزاً من المشهد العمراني في مصر، تعكس طموحاً نحو حياة أكثر تنظيماً ورفاهية، معتمدة على الخصوصية، والخدمات المتكاملة، والمساحات الخضراء، ما يجذب شريحة واسعة من الطبقة المتوسطة العليا والطبقة الميسورة للإقامة فيها».

خبراء يرون أن المساكن المرفهة تعمّق الهوة الاجتماعية في مصر (شركة طلعت مصطفى)

وأضاف محمود لـ«الشرق الأوسط» أنه «بعيداً عن الصورة المثالية التي تروج لها الحملات الإعلانية، يبرز تساؤل مشروع حول التأثيرات الاجتماعية لهذه الظاهرة، التي تعزز فكرة الانفصال الطبقي، وتخلق تصوراً بأن الحياة الأفضل لا تتحقق إلا داخل هذه الأسوار»، مشدداً على أن «الأزمة لا تقتصر على مفهوم الكمبوندات، بل في اتساع الفجوة بين أنماط السكن المختلفة، وما يصاحبها من شعور متزايد بعدم التكافؤ». على حدّ تعبيره.