«مشاكسة» التاريخ الرسمي باعتباره سجلاً للطغاة والمستبدين

التاريخي والسردي في الرواية العربية

«مشاكسة» التاريخ الرسمي باعتباره سجلاً للطغاة والمستبدين
TT

«مشاكسة» التاريخ الرسمي باعتباره سجلاً للطغاة والمستبدين

«مشاكسة» التاريخ الرسمي باعتباره سجلاً للطغاة والمستبدين

صدر عن داري «ابن النديم» بالجزائر، و«الروافد» ببيروت كتاب «التأريخي والسردي في الرواية العربية» للناقد فاضل ثامر. وقد ضمّ الكتاب 40 مادة نقدية من ضمنها المقدمة التي تُبيّن طبيعة الكتاب والهدف من إصداره. ولو شئنا الدِقة لقلنا إن هناك 9 مقالات عن روايات عربية و30 مقالة عن روايات عراقية بضمنها دراسات نقدية عن الوصف وتمثلاته، والحكاية الإطارية، والتبئير الفلسفي، وسرد الذات، وشعرية الماء وما إلى ذلك.
تتأسس فكرة الكتاب برمته على مشاكسة التاريخ الرسمي بوصفه سجّلاً مُزيّفاً للطغاة والمستبدين والمنتصرين، والتركيز على معاناة المهزومين والمسحوقين والمقهورين. وقبل أن يلج المؤلف إلى دراساته النقدية التطبيقية يُذكِّرنا بعدد من كُتاب الرواية التاريخية العالمية أمثال والتر سكوت وألكسندر دوما وسرفانتس، ثم يعرِّج على جُرجي زيدان والمويلحي وأبي الثناء الآلوسي لكن تركيزه انصبّ على زيدان الذي أعطى الأولوية للتاريخ على حساب الفن، أي أنه جعل الفن خادماً للتاريخ وليس العكس.
وعلى الرغم من الفرق الهائل بين المؤرخ والروائي، فإن المفكر الفرنسي بول ريكور اعتبر التاريخ سرداً. ومع ذلك فإن خطاب السلطة يتجلى في التاريخ الرسمي، بينما تتجلى سلطة الخطاب في الرواية التي يكتبها المبدعون الذين ينتصرون للتواريخ المهمشة والمُبعَدة والمُقصاة. ولهذا عدّ إنجلز «روايات بلزاك أكثر صدقية وموضوعية من التاريخ الرسمي المدوَّن».
تتمحور الدراسات الخمس الأولى على تاريخ الأندلس بشكل عام، حيث يتم استدعاء غرناطة أو بقية المدن الأندلسية الأخرى من رحم التاريخ. فقد كتب أمين معلوف رواية «ليون الأفريقي» ولعل أهم ما في هذه الرواية أن بطلها رفض الانتساب إلى أي من الهويات القومية أو الدينية أو الوطنية أو الإقليمية أو الثقافية. وهذا الموقف المتسامح سوف يتجلى في رواية «البيت الأندلسي» لواسيني الأعرج، فالعمّ مراد باسطا يعترف لماسكا بكل صراحة وأريحية: «إلى اليوم لا أعرف إذا كان جدي مسيحياً أم مسلماً، ولم أسأل أحداً لأتأكد من ذلك».
وفي إطار هذا التسامح يمكن أن نضع رواية «أوراق معبد الكتبا» للأردني هاشم غرايبة الذي أفاد من تاريخ مملكة الأنباط، وقدّم البتراء كمدينة متسامحة أيضاً. أما الروائي العراقي جابر خليفة جابر فقد استدعى التاريخ الأندلسي في «مخيم المواركة» التي اعتبرها ثامر «رواية استثنائية في السرد لخصوصيتها الميتاسردية»، بينما كشف ربيع جابر في «رحلة الغرناطي» عن قدرته على تشكيل عالمه السردي التخييلي من دون أن يتوسل بالتاريخ أو يتكئ عليه. وهذا الأمر ينطبق على «ثلاثية غرناطة» للمصرية رضوى عاشور التي تذكّرنا برواية الأجيال كما هو الحال في ثلاثية نجيب محفوظ.
تناول الناقد فاضل ثامر روايات عربية أخرى مستوحاة من التاريخ ولعلها مُستنطِقة له كما في رواية «رواق البغدادية» للمصري أسامة السعيد، وهي رواية تتمحور على الإنسان المقهور الرافض للاستسلام، خصوصاً المرأة التي تمتلك صوتاً عالياً في هذا النص الروائي المحرِّض ضد العبودية والاستغلال.
وقد أفاد ثامر من ثنائية «الوعي القائم» و«الوعي الممكن» للناقد لوسيان غولدمان، وطبّقها على كثير من الروايات العراقية والعربية باعتبار الأول وعياً سكونياً ومتخلفاً، والثاني باعتباره وعياً متمرداً ورافضاً و«ثورياً» في بعض الأحيان.
تعتبر خماسية «مدن الملح» و«ثلاثية أرض السواد» لعبد الرحمن منيف من روايات الأجيال، لكن المؤلف وقف ضد مفهوم البطولة الفردية مستعيضاً عنها بمفهوم البطولة الجماعية. ويرى ثامر أن صاحب الخماسيّة قدّم درساً للكُتاب العرب في كيفية استنطاق وقراءة وفهم التاريخ القديم والحديث لكنه عابَ عليه تجميل صورة داود باشا، لأن الاحتلال العثماني كان يعامل العراقيين كرعايا وليس كمواطنين. أما روايتا «الخبز الحافي» و«الشُطّار» لمحمد شكري اللتان عدّهما البعض «أدباً مكشوفاً»، أو «بورنوغرافياً»، فهُما أقرب إلى أدب الصعلكة منهما إلى أدب الشطّار والعيّارين، كما يرى ثامر.
وفيما يتعلق برواية «جنوب غرب طروادة - جنوب شرق قرطاجة» لإبراهيم الكوني فهي بنظر ثامر «موسوعة تاريخية وحربية وثقافية» يتنازع فيها التاريخي والسردي، وإن بدا الأول ضاغطاً على الثاني ومُضيّقاً عليه الخناق.
وقد قرأ الناقد هذه الرواية من خلال ثنائية «النيئ والمطبوخ» لكلود ليفي شتراوس.
تكشف رواية «ظلمة يائيل» لليمني محمد الغربي عمران عن بنية ميتاسردية، شأنها شأن الروايات السابقة التي يتجاور فيها التاريخي مع السردي، وقد حضرت المخطوطة كدلالة ميتاسردية في الخطاب الروائي.
أما بخصوص الرواية العراقية، فيرى الناقد أنها تعالقت مع التاريخ، وأفادت منه، فـ«الوليمة العارية» لعلي بدر تنهل من التاريخ وتستقطر ما تراه منسجماً مع وجهة نظر المؤلف الذي سخر من الزهاوي لأنه كان يتقلّب في مديحه من العثمانيين إلى الإنجليز، ولعله اجترح هذه الشخصية متأثراً بقراءاته العميقة لكتابات علي الوردي فيما يتعلق بالشخصية العراقية المزدوجة، لكنه نجح، في خاتمة المطاف، بتصوير معاناة الشعب العراقي في ظل الاحتلالين المقيتين للعراق. أما رواية «فرانكشتاين في بغداد» لأحمد سعداوي، فقد أثارت جدلاً واسعاً لأنها فازت بجائزة البوكر العربية، ووصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر مان وكانت مرشحة للفوز، لكن الروائية البولندية أولغا توكارتشوك وقفت حائلاً أمام وصوله إلى هذه الجائزة العالمية المُعتبرَة.
وقد نجح فاضل ثامر في الإشارة إلى التعالق النصي بينها وبين رواية «فرانكشتاين» لميري شيلي، التي وصفها كنصٍّ غائب أو مرجعي أو موازٍ لنص أحمد سعداوي الذي اعتمد على مفهوم التناص وامتصاص الفكرة الأساسية، وكتابة نص جديد تمثّله جيداً و«شغّله» مثلما شغّل برناردشو «بجماليون»، لكن الناقد رأى في رواية سعداوي نصاً غروتسكياً غير أن بطله المركزي يسعى لتحقيق العدالة الاجتماعية، وخلص إلى القول إن «من حق المبدع إعادة إنتاج الأنماط والنماذج البدائية المركبة».
ثمة روايات عراقية سلّطت الضوء على الشريحة المسيحية العراقية، مثل «جثث بلا أسماء» لإسماعيل سكران، و«سابرجيون» لعامر حمزة، و«طشّاري» لإنعام كجه جي. وبالمقابل لم تنل بعض المواقف الفكرية للروائيين العراقيين رضا الناقد فاضل ثامر، مثل «مقامات إسماعيل الذبيح» لعبد الخالق الركابي، و«صيد البط البري» لمحمود سعيد، و«رماد الممالك» لعبّاس لطيف وغيرها من الروايات التي لم تغادر «الوعي القائم» وتصل إلى «الوعي الممكن» الذي يحرض على التاريخ الرسمي ومَنْ يمثله من حُكام ومتجبرين.
ركزت بعض الدراسات على أنماط الحكاية الإطارية، كما التفتت دراسات أخرى إلى الوصف، والتبئير، وشعرية الماء، ولعل أبرز ما فيها رواية «الصليب حلب بن غريبة» لفهد الأسدي الذي كرّس نفسه للهور على الرغم من أن هذه الرواية تنتمي إلى الواقعية النقدية، وأن بطلها ينتقم من كل المظالم التي يتعرض لها الإنسان المسحوق عبر التاريخ. وفي الختام لا بد من القول إن هذا الكتاب يشكِّل إضافة نوعية للتعالق الإيجابي بين التاريخ والسرد بأشكاله المتعددة.



مصر: اقتراح برلماني بإنشاء نقابة لصناع المحتوى يفجر جدلاً

مبنى الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في مصر (فيسبوك)
مبنى الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في مصر (فيسبوك)
TT

مصر: اقتراح برلماني بإنشاء نقابة لصناع المحتوى يفجر جدلاً

مبنى الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في مصر (فيسبوك)
مبنى الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في مصر (فيسبوك)

فجَّر مقترح برلماني بشأن إنشاء نقابة لصُنَّاع المحتوى في مصر جدلاً واسعاً على وسائل التواصل الاجتماعي، بين مَن يراه فرصةً لتقنين أوضاع صُنَّاع المحتوى وتنظيم عملهم ومواجهة التجاوزات، ومن يُعده وسيلةً تمنحهم شرعيةً قانونيةً قد يستغلها بعضهم بطرق غير متوقعة لتحقيق مكاسب مادية من خلال محتوى قد يتضمَّن «تجاوزات».

وكان النائب محمد الجندي، عضو مجلس الشيوخ (الغرفة الثانية للبرلمان المصري)، قد تقدَّم باقتراح برغبة إلى رئيس المجلس بشأن إنشاء نقابة لصُنَّاع المحتوى الرقمي، ووضعِ إطار مهني وقانوني يُنظِّم ممارسة المهنة ويضمن الالتزام بالمعايير المهنية والأخلاقية، وفق ما نشرته وسائل إعلام محلية.

وأكد الجندي أنَّ صناعة المحتوى الرقمي أصبحت من أسرع القطاعات نمواً وتأثيراً في المجتمع المصري، في ظلِّ التطوُّر المتسارع الذي تشهده مجالات التكنولوجيا والاتصالات والتَّحوُّل الرقمي. وأضاف أنَّ المنصات الرقمية تحوَّلت إلى أدوات رئيسية في تشكيل الوعي العام، لا سيما مع تجاوز عدد مستخدمي الإنترنت 100 مليون مستخدم، إلى جانب الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي، مما يجعل هذا القطاع أحد أبرز المجالات الواعدة اقتصادياً وثقافياً.

وحظي المقترح بتفاعل لافت، إذ تصدَّر وسم «نقابة صُنَّاع المحتوى» قوائم الأكثر تداولاً على منصة «إكس» في مصر يومَي الجمعة والسبت. وتباينت الآراء بين مُؤيِّدٍ يرى في هذا المقترح فرصةً لتقنين الأوضاع وتنظيم عمل صُنَّاع المحتوى، ومُعارض يراه باباً خلفياً قد يتيح لبعض صُنَّاع المحتوى «الرديء» أو «غير اللائق» الظهور في الفضاء العام بصفةٍ مشروعة.

وفي هذا السياق، وصف خالد البرماوي، الخبير في وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الرقمي، وجود مقترح يستهدف تقنين أوضاع صُنَّاع المحتوى في مصر بأنه «أمر محمود ومطلوب»، لكنه أبدى تحفظه على فكرة إنشاء نقابة خاصة بهم. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «ربما نجد نموذجاً مشابهاً في الولايات المتحدة، لكنه لم يكن في صورة نقابة مستقلة، بل كان فرعاً تابعاً لإحدى النقابات الفنية يضمُّ مؤدي المحتوى. ومن حيث المبدأ، من المهم جداً تقنين أوضاع صُنَّاع المحتوى والمؤثرين، لكن السؤال هو: مَن الجهة التي ستتولى هذا التقنين؟ لا أعتقد أن الأمر يتطلَّب إنشاء نقابة، بل يمكن لصُنَّاع المحتوى أنفسهم، إذا أرادوا تنظيم عملهم وتطويره وحمايته، أن يؤسِّسوا رابطة أو اتحاداً أو جمعية، فالقانون يتيح ذلك».

وكان المقترح البرلماني قد أشار إلى أهمية إنشاء نقابة متخصِّصة لصُنَّاع المحتوى الرقمي تكون بمثابة مظلة قانونية ومهنية للعاملين في هذا المجال، تتولَّى تنظيم المهنة، ووضع ميثاق شرف مهني، وتوفير برامج التدريب والتأهيل، وحماية الحقوق الفكرية، ودعم المحتوى التعليمي والثقافي والتوعوي الهادف. كما لفت إلى أنَّ النمو المتسارع لهذه الصناعة لا يزال بحاجة إلى إطار قانوني ومهني منظَّم يحفظ حقوق العاملين فيها، ويُسهم في مواجهة بعض الظواهر السلبية المرتبطة بالمحتوى غير الهادف أو المضلل.

ويؤكد الخبير في الإعلام الرقمي أنَّ من حق صُنَّاع المحتوى تأسيس كيان يحمي حقوقهم، غير أنَّ حماية المجتمع يجب أن تظلَّ في إطار سلطة وعمل النقابات المعنية، والمجلس الأعلى للإعلام، ووزارة الاتصالات، خصوصاً جهاز تنظيم الاتصالات المعني بالتعامل مع المنصات الرقمية، وهذا الجهاز لا بدَّ أن يعمل على تقنين أوضاع صناع المحتوى.

وتشهد مصر، بصورة متزايدة، حالات توقيف لبعض صُنَّاع المحتوى أو «البلوغرز»؛ بسبب نشرهم محتوى يتضمَّن ما تصفه الجهات الأمنية بـ«تجاوزات تُضرُّ بقيم المجتمع والأسرة المصرية». وقد صدرت بالفعل أحكام بالسجن بحق عدد منهم، تصل في بعض الحالات إلى السجن لمدة 3 سنوات، إلى جانب غرامات مالية، وذلك استناداً إلى قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018.

وكان الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات قد أصدر تقريراً حول مؤشرات استخدام تطبيقات الإنترنت خلال 24 ساعة في العام الحالي، أشار فيه إلى زيادة ملحوظة في استخدام تطبيقات المحتوى الترفيهي بنسبة بلغت 60 في المائة. كما أظهرت مقارنة المؤشرات بالفترة نفسها من عام 2025 ارتفاع استخدام خدمات الإنترنت عبر الهاتف المحمول بنسبة 12 في المائة، بالتزامن مع زيادة عدد مستخدمي هذه الخدمات بنحو 7.9 مليون مستخدم جديد.


«دار إقامة كبار الفنانين» بمصر... ملاذ آمن لدراما آخر العمر

محمود حميدة وياسر جلال خلال زيارتهما للدار (دار إقامة كبار الفنانين)
محمود حميدة وياسر جلال خلال زيارتهما للدار (دار إقامة كبار الفنانين)
TT

«دار إقامة كبار الفنانين» بمصر... ملاذ آمن لدراما آخر العمر

محمود حميدة وياسر جلال خلال زيارتهما للدار (دار إقامة كبار الفنانين)
محمود حميدة وياسر جلال خلال زيارتهما للدار (دار إقامة كبار الفنانين)

في فيلا أنيقة بمدينة 6 أكتوبر (غرب القاهرة) تصدرتها لافتة «دار إقامة كبار الفنانين» تبدأ الحياة من جديد في أول دار من نوعها بمصر تستقبل الفنانين الكبار لتكون بمثابة حائط الأمان من غدر الزمن، والونس في أوقات الوحدة، والصحبة في خريف العمر.

يعيش الفنان حياة مبهجة حين يحقق نجاحات ويتصدر اسمه وصورته الأفيش ويحيطه التصفيق والإعجاب أينما حل، فيُستقبل بالزهور، ويُقيم في أفخم الفنادق، غير أن النهاية ليست دائماً وردية، لا سيما حين تنحسر الأضواء، وتتبدَّل الأحوال فينزوي، وقد لا يجد المسكن أو المأوى أو الرعاية المطلوبة حين يتقدَّم به العمر.

حدث هذا مع فنانين كبار، فقد عاشت الفنانة فاطمة رشدي إحدى رائدات الفن المصري الملقبة بـ«سارة برنار الشرق» أواخر أيامها في «بنسيون صغير» بوسط القاهرة بعد اعتزالها الفن وتدهور حالتها الصحية والمادية، وكان حلم حياتها أن يكون لها شقة تعيش بها، وتَدخَّل الفنان فريد شوقي لدى المسؤولين حتى خصَّصت لها الدولة وحدة سكنية، لكن الفنانة الرائدة رحلت بعد وقت قليل فلم تهنأ بالإقامة فيها.

دار إقامة كبار الفنانين مجهزة بخدمات كثيرة (إدارة الدار)

في حين عاش الفنان عبد العزيز مكيوي أحد نجوم فيلم «القاهرة 30» أواخر أيامه مُشرداً في شوارع الإسكندرية، وتدخلت نقابة الممثلين لعلاجه وإقامته بدار مسنين قبل وفاته؛ وغيرهما من حالات مماثلة عاشت قمة المجد، وشهدت نهاية مؤلمة على غرار الفنانَين زينات صدقي، وعبد الفتاح القصري. وهذه الحالات وغيرها كانت ماثلة أمام أعين نقابة الممثلين؛ ما جعلهم يتطلعون إلى إقامة دار لرعاية الفنانين الكبار.

يؤكد الدكتور أشرف زكي نقيب المهن التمثيلية، أن «دار إقامة كبار الفنانين كانت حلماً نتطلَّع إليه من واقع نهايات مأساوية عاشها بعض رموز الفن، لكن هذا الحلم ظلَّ بعيدَ المنال، ولم يتحوَّل إلى واقع سوى حين تدخَّل الشيخ سلطان القاسمي حاكم إمارة الشارقة لتمويله منذ البداية، فهو رجل محب لمصر، ويقدِّر الفنانين الذين أثروا الوجدان العربي، وقد تحمَّس لفكرة الدار، ويقوم برعايتها رعاية كاملة، ويتحمَّل جميع نفقاتها، وقد حرص منذ البداية لتكون هذه الدار مجانية بحيث لا يدفع الفنان أي رسوم مقابل إقامته».

ويضيف زكي لـ«الشرق الأوسط» أنه «عند تأسيس الدار رأينا أن تكون دار إقامة لكبار الفنانين وليست دار مسنين، لأن بعضهم لا يزال لديه تحفظ على مسمى (دار المسنين)».

وتحتفل الدار بمرور 3 سنوات على تشغيلها الذي بدأ في 16 يوليو (تموز) 2023، وقد حصلت مؤخراً على قطعة أرض جديدة بجوارها ضمن توسُّعاتها الجديدة، واستقبلت نحو 40 فناناً منذ افتتاحها. حسبما يقول مديرها الفنان محمود عبد الغفار، مضيفا لـ«الشرق الأوسط» أنها تستقبل كبار الفنانين للإقامة الكاملة بها مجاناً، وتُقدِّم لهم خدمة فندقية في غرف فردية أنيقة مكيفة بحمام خاص، كما تضم حمام سباحة، ومكتبة، وصالة رياضة، واستراحة لاستقبال الضيوف، وحديقة واسعة.

نقيب الممثلين أشرف زكي والفنان محمود عبد الغفار مع عدد من الفنانين (إدارة دار إقامة كبار الفنانين)

ويشير عبد الغفار إلى أن استقبال الفنانين يتم من خلال تقدُّمهم شخصياً، أو عبر ذويهم، بطلب للإقامة في الدار، وأحياناً من خلال الدكتور أشرف زكي، نقيب الممثلين ومؤسس الدار، الذي قد يجد بعض الفنانين متحرجين من التقدم بطلب الإقامة فيها، فيرفع عنهم هذا الحرج، ويدعوهم إلى الإقامة بها، كما حدث مع الفنان محيي إسماعيل.

وخلال جولة لـ«الشرق الأوسط» في الدار، التقينا الفنان نبيل نور الدين، الذي انتقل للإقامة فيها مؤخراً إثر حادث سير تعرّض له. ويقول: «كنت أعبر الشارع عندما صدمتني دراجة نارية، وخضعت إثر ذلك لجراحة صعبة أقعدتني عن الحركة فترة من الزمن. ورغم أن عائلتي مستورة الحال، والحمد لله، وأن أبناء إخوتي دعوني للإقامة معهم بدلاً من العيش بمفردي في منزلي، فإنني زرت الدار بعد أن اقترح عليَّ الدكتور أشرف زكي الإقامة فيها. وقد أعجبتني كثيراً، وفضّلت أن أعيش وسط أصدقائي. ووجدت فيها كل ما أحتاج إليه، من العلاج الطبيعي إلى نظافة المكان وأناقته، فضلاً عن توافر جميع الخدمات، حتى باتت بمثابة منزلي».

ويؤكد نبيل نور الدين أنه قرر التوقف عن التمثيل منذ عامين، بعد أن قدّم نحو 400 عمل فني، تنوعت بين الأفلام والمسلسلات والعروض المسرحية، موضحاً أن قراره جاء بسبب تحفظه على أجواء العمل الحالية. ويقول: «في الماضي، كنا ندخل موقع التصوير ونحن جميعاً أصدقاء، أما في السنوات الأخيرة فكنت أبقى وحيداً في غرفتي حتى ينادوني لتصوير المشهد. هذه ليست الأجواء التي اعتدتها وأحببتها».

الشاعرة كوثر مصطفى داخل مكتبة دار إقامة كبار الفنانين (إدارة الدار)

يحصل المقيمون في الدار على رعاية طبية ونفسية واجتماعية؛ إذ تضم عيادة طبية مجهزة، يتناوب عليها طبيب متخصص في أمراض القلب والحالات الحرجة، وطبيبة متخصصة في طب المسنين، إلى جانب استشاري للعلاج الطبيعي. كما تضم الدار مركزاً مجهزاً على أعلى مستوى للعلاج الطبيعي، يعمل تحت إشراف طبي، فضلاً عن توفير رعاية كاملة لمن لا يستطيع خدمة نفسه.

ويشير المخرج أشرف فايق، نجل شقيق الفنان محيي إسماعيل، الذي يقيم في الدار منذ أشهر عدًَّة، إلى أنه بعد انتهاء علاج إسماعيل في المستشفى، تقرر نقله إلى الدار بناءً على اقتراح من الدكتور أشرف زكي. وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «رأيت أن الدار لا ينقصها شيء، سواء من حيث الرعاية أو الإقامة الكاملة أو متابعة الحالة الصحية والنفسية»، لافتاً إلى أن عمه الكاتب بهيج إسماعيل يقيم في الدار منذ 3 سنوات. وأشاد فايق بهذا الصرح العظيم الذي يحفظ كرامة الفنانين، عادّاً ذلك نوعاً من التكريم للفنان.

وأحدثت زيارة الفنانين محمود حميدة، وياسر جلال لدار إقامة كبار الفنانين أثراً إيجابياً كبيراً في المقيمين؛ إذ حرصا على المرور بغرفهم والاطمئنان عليهم. ويلفت مدير الدار إلى أن هذه الزيارات تسعد المقيمين، مؤكداً أن الدار «بيت كل فناني مصر»، وأنها ترحب بزيارة الفنانين لزملائهم المقيمين فيها. ويوضح أن «الإقامة بالدار لا تقتصر على أعضاء نقابة الممثلين، بل تشمل فنانين من مختلف النقابات الفنية، مثل نقابتي الموسيقيين والسينمائيين».


عالم يبتكر «كوناً مصغراً» لقياس الزمن من دون ساعة

مصيدة مغناطيسية بصرية لذرات الروبيديوم عند درجة حرارة تبلغ نحو 0.0001 درجة مئوية فوق الصفر المطلق (جامعة برمنغهام)
مصيدة مغناطيسية بصرية لذرات الروبيديوم عند درجة حرارة تبلغ نحو 0.0001 درجة مئوية فوق الصفر المطلق (جامعة برمنغهام)
TT

عالم يبتكر «كوناً مصغراً» لقياس الزمن من دون ساعة

مصيدة مغناطيسية بصرية لذرات الروبيديوم عند درجة حرارة تبلغ نحو 0.0001 درجة مئوية فوق الصفر المطلق (جامعة برمنغهام)
مصيدة مغناطيسية بصرية لذرات الروبيديوم عند درجة حرارة تبلغ نحو 0.0001 درجة مئوية فوق الصفر المطلق (جامعة برمنغهام)

ابتكر عالم من جامعة برمنغهام البريطانية «كوناً مصغراً» في المختبر في محاولة تجريبية للإجابة على أحد أهم أسئلة العلم: «ما هو الزمن؟».

ونشر البروفيسور جيوفاني بارونتيني نتائج بحثه في مجلة «فيزيكال ريفيو ريسيرش»، موضحاً كيف يُمكن قياس تدفق الزمن من دون استخدام ساعة على الإطلاق.

ووفق الدراسة، تُوفِّر هذه التجربة بيئة اختبار قوية لأفكار علم الكون الكمومي والجاذبية، مما يعني أنه يُمكن الآن اختبار الأفكار المُتعلقة بنشأة الكون المبكر تجريبياً في المختبر.

كما يُمكن توسيع نطاق هذا النهج ليشمل أنظمة أكثر تعقيداً، وربما يسمح للباحثين باستكشاف فيزياء «الانفجار العظيم» و«الانكماش العظيم». ومحاكاة الثقوب السوداء في المختبر أو لاختبار النظريات المتنافسة في كيفية نشوء الزمن في الكون.

وكما أفاد بيان نشر الجمعة بأن هذه النتائج تُقدِّم نموذجاً علمياً ينبثق فيه مفهوم الزمن من التجربة نفسها، حيث تشير بعض نظريات الفيزياء إلى أن الكون، في جوهره، لا يمتلك زمناً داخلياً، بل هو حالة كمومية واحدة ثابتة، تُظهر فيها الجسيمات خصائص موجية وجسيمية. في حين تتعامل هذه النظرية الجديدة مع الكون بوصفه وحدة متكاملة من دون ساعة خارجية، وأن أي إحساس بالزمن ينشأ من العلاقات الداخلية بين أجزائه.

كيف يعمل الكون المصغر؟

استخدم بارونتيني سحابةً من 24 ألف ذرة فائقة البرودة، على بُعد أجزاء قليلة من المليار من الدرجة فوق الصفر المطلق، لإنشاء نظام كمومي مُحكم الإغلاق يُحاكي «كوناً» بسيطاً. حُصرت الجسيمات وفُصلت بواسطة حاجز رقيق مُشكَّل من شعاعي ليزر بترددات مختلفة، لتكوين منطقة مرصودة «مضيئة» وأخرى غير مرصودة «مظلمة» كما هو حال الكون الذي نعيش فيه.

يتمدد القطاع «المضيء» وينهار بشكل متكرِّر، مُختبراً السيناريو الافتراضي لما يُشبه الانفجار العظيم والانكماش العظيم، وهو سيناريو افتراضي يبدأ فيه تمدد الكون بالانعكاس في نهاية المطاف. وتُتيح هذه التجربة إعادة بناء تسلسل الأحداث من داخل الكون المصغَّر نفسه، دون الحاجة إلى أي مرجع لساعة مختبرية خارجية.

ووفق نتائج الدراسة فقد أثبتت التجربة أن الزمن قد ينشأ من التغيرات التي تحدث داخل النظام، بدلاً من اعتبار الزمن شيئاً خارجياً يعمل بشكل مستقل. وأثبت نموذج «الكون المصغر» إمكانية خلق «الزمن» من خلال فوضى الذَّرات وانتشارها وسلوكها داخل النظام أو ما يُعرف علمياً بـ«الإنتروبيا».

الزمن الإنتروبي قيد العمل

عندما يزداد أو ينقص انتشار الجسيمات في القطاع المضيء مع تحرك الذرات إلى الداخل أو إلى الخارج، يكون النظام «يتحرك للأمام في الزمن». وعندما لا يتغيَّر هذا التوزيع للذَّرات، يتوقف الزمن فعلياً.

أطلق بارونتيني على هذه العملية اسم «الزمن الإنتروبي» بعد أن وجد أن هذا النوع من الزمن يتدفَّق في اتجاه واحد ثابت، مما يُعطي «سهماً زمنياً» واضحاً يُرتِّب الأحداث ترتيباً متوالياً صحيحاً، حتى في نظام يتمدَّد وينكمش مثل كون مُصغَّر يتسارع أو يتباطأ تبعاً لكيفية تحرك الإنتروبيا.

قال بارونتيني: «في بعض نظريات الكون، خصوصاً نظرية (الجاذبية الكمومية)، لا يظهر الزمن كخاصية أساسية. ومع ذلك، في الحياة اليومية، يتدفَّق الزمن من الماضي إلى المستقبل. لماذا يحدث هذا، في حين أن معظم قوانين الفيزياء الأساسية تعمل بالطريقة نفسها في الاتجاهين الأمامي والخلفي؟».

ووفق النتائج المنشورة، تُقدم هذه الدراسة أوَّل دليل تجريبي مضبوط على أن «الزمن» يُمكن تعريفه بالتغيُّرات التي تحدث داخل النظام بدلاً من كونه «ساعة خارجية» كما نتصوَّره الآن.