يوم أسود لإيران في الجبل الأبيض

TT

يوم أسود لإيران في الجبل الأبيض

بعدما ظلَّت تقاوم التخلي عن حقوقها التاريخية في بحر قزوين على مدار ما يقرب من 20 عاماً، أذعنت الحكومة الإيرانية بالأمس إلى ضغوط روسية بتوقيعها وثيقة تفتح الباب أمام صياغة مستقبل منطقة بحر قزوين تبعاً لما يتوافق مع رغبات موسكو.
شاركت إيران في قمة مع خمس دول لها سواحل على بحر قزوين في مدينة أكتاو بكازاخستان. وخلال القمة، تخلى الرئيس حسن روحاني عن موقف أسلافه الثلاثة، هاشمي رفسنجاني ومحمد خاتمي ومحمود أحمدي نجاد، من خلال إشادته بوثيقة جرت صياغتها تحت رعاية روسية باعتبارها «نموذجاً للسلام والاستقرار».
حملت الوثيقة اسم «اتفاقية الوضع القانوني لبحر قزوين»، وتقترح سلسلة من الإجراءات فيما يتعلق باستغلال الموارد الطبيعية الخاصة ببحر قزوين، خصوصاً النفط والغاز الطبيعي وصيد الأسماك. إلا أن الاتفاقية تجنبت تناول القضية الشائكة الأساسية في هذا الصدد: تحديد نصيب كل من الدول الخمس المطلة على بحر قزوين؛ أذربيجان وإيران وكازاخستان وروسيا وتركمانستان.
ومع هذا، فإنه عبر توقيعها على هذه الوثيقة بجانب خمس «وثائق فنية» أخرى، تخلت إيران عن مطلبها بـ«نصيب مناسب» في البحر الداخلي الذي تحيطه اليابسة من جميع الجهات.
ويأتي ذلك رغم ذكر الوثيقة المطلب الروسي الخاص بعدم السماح لأي قوة بحرية «خارجية» من الوجود داخل بحر قزوين. ومع هذا، فإنه بالنظر إلى أن بحر قزوين يبدو فعلياً أشبه ببحيرة مغلقة على نفسها، فإنه ليس باستطاعة أي «قوة خارجية» إرسال أسطولها التجاري إليه، ناهيك بالعسكري، دون الاتفاق على الأقل مع واحدة من الدول الخمس المطلة عليه.
وعليه، يبدو واضحاً أن الاتفاقية ترمي للحيلولة دون إقدام أي من كازاخستان وتركمانستان وأذربيجان على الانضمام لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، ما يمنح الحلف الذي تقوده الولايات المتحدة وجوداً داخل منطقة تعتبرها روسيا الفناء الخلفي لها. جدير بالذكر أن المحادثات بين «الناتو» وأذربيجان وكازاخستان وتركمانستان توقفت في عهد الرئيس باراك أوباما، ولا تبدو في الأفق مؤشرات على استئنافها قريباً. ومع هذا، ترغب روسيا في ضمان إحباط أي محادثات مستقبلية، في وقت يشارك فيه النظام الإيراني الحالي روسيا عداءها للغرب.
كانت حكومات إيرانية متعاقبة قد رفضت التوقيع على «اتفاق» مع روسيا بهذا الشأن لثلاثة أسباب: أولاً: ما أطلق عليه «حقوق إيران التاريخية». يُذكر أن إيران وقَّعَت للمرة الأولى اتفاقاً في هذا الإطار مع روسيا القيصرية عام 1841 جرى بمقتضاه تقسيم السيطرة على بحر قزوين بين البلدين، مع احتفاظ روسيا بمفردها بحق الإبقاء على وجود بحري عسكري داخل البحر.
وأثار هذا الاتفاق قدراً بالغاً من المرارة بين القوميين الإيرانيين، وبعد عقد أصبح واحدة من القضايا الأساسية التي ارتبطت بها ثورة أنهت حكم آل قاجار الاستبدادي. وكان الرجل الموقع على الاتفاق هو الملا عباس إيرواني والمعروف كذلك باسم الحاج ميرزا عباس، الذي عمل وزيراً أول للحاكم القاجاري. وظلت عبارته سيئة السمعة: «لن نخلق مرارة في صدر صديق حلو المعشر من أجل حفنة من الماء المالح!» راسخة في أذهان الإيرانيين باعتبارها واحدة من اللحظات التي تعرضت لها البلاد لمذلَّة تاريخية كبرى.
وجاء الاتفاق الثاني بين إيران وروسيا عام 1924 في أعقاب سقوط الإمبراطورية القيصرية، وقسَّم الاتفاق بحر قزوين بالنصف بين البلدين، مع حرمان إيران من حق الدفع بوجود بحري في البحر. وبعد ذلك، أعلنت إيران اعترافها الرسمي بالنظام الشيوعي في موسكو.
وجاءت معاهدة أخرى عام 1942 لتؤكد على الاتفاق مع منحها روسيا حق الدفع بقوات برية إلى داخل إيران للتصدي لأي تهديدات خارجية لأمنها. وعلى هذا الأساس، تطالب إيران اليوم بحصة 50 في المائة من بحر قزوين، باعتبار أن الدول الثلاث الساحلية الجديدة، أذربيجان وكازاخستان وتركمانستان، تنتمي إلى الكيان السابق، أي الاتحاد السوفياتي. وبالتالي، ينبغي حصولها على حصتها من نصيب الـ50 في المائة الخاصة بالاتحاد الروسي. من ناحيتها، رفضت روسيا الموقف الإيراني باعتبار أن الوضع تغير، وأن روسيا القيصرية والاتحاد السوفياتي لم يعد لهما وجود، وبالتالي لم تعد الاتفاقات الموقعة من جانبيهما سارية.
ومع ذلك، عرضت روسيا حلاً وسطاً تحظى تبعاً له كل دولة ساحلية على بحر قزوين بنصيب من البحر يتوافق مع طول سواحلها المطلة عليه. ومن شأن هذا الطرح منح روسيا، صاحبة الساحل الأطول بامتداد 2990 كيلومتراً، النصيب الأكبر، وتليها كازاخستان بساحل طوله 1894 كيلومتراً، وتركمانستان بساحل طوله 1768 كيلومتراً. أما نصيب إيران المتناسب مع طول سواحلها البالغة 740 كيلومتراً فيزيد قليلاً على نصيب أذربيجان بسواحل طولها 713 كيلومتراً.
وبعد عقدين من المفاوضات تضمنت أربع قمم و52 اجتماعاً وزارياً، عرضت روسيا، بدعم من كازاخستان وتركمانستان، نصيب 13 في المائة على إيران، ما يزيد قليلاً على حصة الـ11 في المائة التي يوفرها لها طول سواحلها.
وفي ظل رئاسة خاتمي، أظهرت إيران بعض المرونة عبر موافقتها ضمنياً على التفكير في نسبة 20 في المائة، بدلاً عن 50 في المائة. إلا أن أحمدي نجاد، الذي خلف خاتمي، سرعان ما تخلى عن هذا الموقف واتبع سياسات أقل وداً بوجه عام إزاء روسيا. في تلك الأثناء، أبرمت أذربيجان وكازاخستان وتركمانستان اتفاقات ثنائية بناءً على مبدأ الخط الساحلي الذي جرى استخدامه في تحديد الحدود داخل كثير من الأنهار والبحيرات على مستوى العالم.
وبجانب «الحقوق التاريخية»، تطالب إيران بنصيب أكبر في بحر قزوين بناءً على عدد سكانها الأكبر، الذي يأتي في المرتبة الثانية فقط بعد روسيا بين الدول الساحلية المطلة على بحر قزوين، وحقيقة أن ستة من أقاليمها تعتمد بصورة مباشرة على النظام البيئي والفرص الاقتصادية الخاصة بالبحر.
أما الحجة الإيرانية الثالثة، فتعتمد على أن أنظمة الأنهار لديها تعتبر أكبر ثاني مساهم، بعد روسيا، في مياه البحر البالغ حجمها 371 ألف كيلومتر مربع. جدير بالذكر أن 22 نهراً إيرانياً تصب في بحر قزوين أشهرها سيفيد رود وآراس وأرتاك.
من ناحيته، قال بهمن آقي ديبا، أحد الخبراء الإيرانيين البارزين في القانون البحري: «الحقيقة أن الاتفاقية لا تتضمن أية إشارة لمسألة كيفية التشارك في بحر قزوين بين الدول المطلة عليه».
وأعرب عن اعتقاده بأن الحملة الروسية لمنع وجود أي قوى خارجية بالبحر، تحديداً الولايات المتحدة، ليست سوى خطوة سياسية، وليست موقفاً قانونياً.
من ناحية أخرى، قوبل توقيع إيران على الوثيقة الروسية ببعض الغضب عبر أرجاء إيران. بالأمس، قارن عضو «المجلس الإسلامي» محمود صادقي اتفاقية «أكتاو» باتفاقية «تركمانجاي» التي يعتبرها الإيرانيون الاتفاقية الأكثر إذلالاً في تاريخهم. وأكد صادقي على أن «اتفاقية (أكتاو) لا صلة لها بنا. ولم تجر مناقشتها مع المجلس».
كما لَمّح مقربون من روحاني داخل عدد من الدوائر السياسية في طهران وخلال تواصلهم مع صحافيين إلى أن الرئيس غير راضٍ عن الاتفاقية. وقال إسماعيل بور رحيم كبير المفاوضين الإيرانيين السابق حول بحر قزوين، الذي من المعتقد أنه مقرب من روحاني، إن قرار التوقيع على الوثيقة الروسية اتخذه «المرشد الأعلى» علي خامنئي.
وأعرب بعض الخبراء عن اعتقادهم بأن إيران قد تملك حجة قوية فيما يتعلق بأن روسيا والجمهوريات الساحلية الثلاث التي خرجت من رحم الاتحاد السوفياتي ينبغي النظر إليها كوحدة واحدة باعتبارهم دولة لاحقة. إلا أن الدفع رسمياً بهذه الحجة يتطلب من إيران عرض القضية على المحكمة الدولية، الأمر الذي قد يتطلب بدوره الحصول على موافقة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، الذي تملك روسيا فيه حق النقض (الفيتو). كما أنه ليس لدى الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا ما يدعوهم لمساندة دولة معادية لهم مثل الجمهورية الإسلامية في أي نزاع لها مع روسيا. وقال آقي ديبا إن «إيران اليوم تفتقر إلى النفوذ والخبرة المطلوبة لدفع حجتها».
وشدد خبير آخر، حميد زمردي، على أنه يتعين على إيران الاستمرار في دفع حجتها وعدم التوقيع على أي وثيقة إلى أن يحين «وقت أفضل»، بمعنى أن تخرج إيران من حالة الاضطراب التي تعانيها حالياً وتجد لنفسها بعض الأصدقاء عبر أرجاء العالم. وقال: «لن نجني شيئاً من وراء منح روسيا ما تريده، ذلك أنه إذا جرى فتح بحر قزوين أمام الاستثمار والتجارة الخارجية، سيتجه الناس إلى الدول الساحلية الأخرى غير المتورطة في نزاعات مع مثل هذا العدد الكبير من البلدان، ولن يأتي أحد إلى إيران».
أما مهرداد إبادي، الذي عمل سابقاً مستشاراً للاتحاد الأوروبي، فقال إن إيران ستقع في خطأ فادح إذا «اعتمدت على روسيا»، وقال: «تكشف تجربتنا السابقة مع الروس أن الدخول تحت المظلة الروسية ليس بالأمر الصائب».
وفي تلك الأثناء، يجري التوقيع على التماسات عبر شبكة الإنترنت تندد باتفاق «أكتازا» باعتباره «خيانة أخرى من جانب نظام فقد شرعيته». جدير بالذكر أن «أكتاوا» تعني بالكازاخية «الجبل الأبيض»، ولعب بعض المدونين الإيرانيين على هذا المعنى بإعلانهم أن وجود روحاني في الحدث الذي تولت روسيا رعايته يمثل «يوماً أسود لإيران في الجبل الأبيض».



استهداف سفينة حاويات بنيران زورق إيراني قبالة عُمان

سفينة شحن في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
سفينة شحن في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
TT

استهداف سفينة حاويات بنيران زورق إيراني قبالة عُمان

سفينة شحن في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
سفينة شحن في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)

أفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية (يو كيه أم تي أو) الأربعاء بأن سفينة حاويات تعرّضت لإطلاق نار من زوارق إيرانية قبالة سواحل عُمان، ما أسفر عن أضرار من دون تسجيل إصابات.

وقالت الهيئة إن «زورقا تابعا للحرس الثوري الإيراني اقترب من السفينة من دون أي تحذير عبر اللاسلكي، قبل أن يفتح النار عليها، ما ألحق أضرارا كبيرة بجسر القيادة». وأضافت أنه «لم يُسجّل اندلاع حريق أو تأثير بيئي»، مؤكدة أن أفراد الطاقم «بخير».


إيران تعدم رجلا متهما بالتجسس لصالح إسرائيل

شهدت ⁠عمليات إعدام الإيرانيين المدانين بالتجسس لصالح إسرائيل ارتفاعا ملحوظا في الآونة الأخيرة (أرشيفية)
شهدت ⁠عمليات إعدام الإيرانيين المدانين بالتجسس لصالح إسرائيل ارتفاعا ملحوظا في الآونة الأخيرة (أرشيفية)
TT

إيران تعدم رجلا متهما بالتجسس لصالح إسرائيل

شهدت ⁠عمليات إعدام الإيرانيين المدانين بالتجسس لصالح إسرائيل ارتفاعا ملحوظا في الآونة الأخيرة (أرشيفية)
شهدت ⁠عمليات إعدام الإيرانيين المدانين بالتجسس لصالح إسرائيل ارتفاعا ملحوظا في الآونة الأخيرة (أرشيفية)

ذكرت وكالة ميزان للأنباء التابعة للسلطة القضائية اليوم الأربعاء أن إيران أعدمت رجلا أدين بالتجسس لصالح جهاز المخابرات الإسرائيلي ونقل معلومات مهمة.

وقالت الوكالة إن الرجل يدعى مهدي فريد، مضيفة أنه شغل منصبا في وحدة دفاع مدني ضمن منظمة مهمة واستغل صلاحياته لجمع معلومات ونقلها إلى الموساد الإسرائيلي. وأضافت الوكالة أن المحكمة العليا أيدت حكم الإعدام الصادر بحقه، وتم تنفيذه بعد استكمال الإجراءات القانونية.


الحرب في الشرق الأوسط تتسبب بارتفاع تكاليف المرور عبر قناة بنما

سفينة تمر في قناة بنما (أ.ف.ب)
سفينة تمر في قناة بنما (أ.ف.ب)
TT

الحرب في الشرق الأوسط تتسبب بارتفاع تكاليف المرور عبر قناة بنما

سفينة تمر في قناة بنما (أ.ف.ب)
سفينة تمر في قناة بنما (أ.ف.ب)

تسبّبت الحرب في الشرق الأوسط بارتفاع الطلب على نقل البضائع الحيوية عبر قناة بنما إلى حد دفع إحدى السفن المحملة بالغاز الطبيعي المسال 4 ملايين دولار لتجنّب الانتظار والمرور بسرعة، وفق بيان لإدارة القناة.

وفي مواجهة الهجمات الأميركية والإسرائيلية، أغلقت إيران مضيق هرمز الذي كان يمر عبره نحو 20 في المائة من النفط والغاز الطبيعي المسال المتجه إلى الأسواق العالمية، خصوصا آسيا وأوروبا.

وفي إطار إعادة ترتيب طرق الشحن، تختار مصافي النفط الآسيوية الآن شراء النفط والغاز من الولايات المتحدة ونقله عبر قناة بنما.

وارتفع متوسط عدد عمليات العبور اليومية في القناة إلى 37 في مارس (آذار)، مع ذروة بلغت 40 في بعض الأيام، وفق البيان، مقارنة بـ34 في يناير (كانون الثاني).

وأوضح أن «هذه الزيادة تعكس التغيرات في أنماط التجارة العالمية والعوامل الجيوسياسية التي تؤثر على الطرق الرئيسية».

وتحجز السفن التي تعبر القناة مسارها مسبقا، لكن السفن التي ليس لديها حجز يتعين عليها الانتظار لمدة خمسة أيام في المتوسط، لكن هناك مزاد يمكن من خلاله شراء رحلات عبور في اللحظات الأخيرة.

وذكرت إدارة قناة بنما أن أحدث مزاد تضمن عرضا بقيمة 4 ملايين دولار لسفينة غاز طبيعي مسال، وفي الأسابيع الأخيرة تجاوزت عروض مقدمة من ناقلتي نفط مبلغ 3 ملايين دولار.

ويمر عبر قناة بنما 5 في المائة من التجارة البحرية العالمية، وتُعدّ الولايات المتحدة والصين المستخدمين الرئيسيين لها. ويربط هذا الممر بشكل أساسي الساحل الشرقي للولايات المتحدة بالصين وكوريا الجنوبية واليابان.

وفي النصف الأول من السنة المالية 2026 التي تمتد من أكتوبر (تشرين الأول) إلى سبتمبر (أيلول)، سجلت القناة مرور 6288 سفينة، بزيادة سنوية بلغت 3,7 في المائة، وفقا للأرقام الرسمية.