الشرطة الألمانية حررت «داعشيتين» من سجن عراقي

لم تستشر الحكومة الاتحادية أو مسؤولي وزارة الخارجية

الداعشية الألمانية نادية. ر في سجن كردي في شمال سوريا (مجلة فوكوس)
الداعشية الألمانية نادية. ر في سجن كردي في شمال سوريا (مجلة فوكوس)
TT

الشرطة الألمانية حررت «داعشيتين» من سجن عراقي

الداعشية الألمانية نادية. ر في سجن كردي في شمال سوريا (مجلة فوكوس)
الداعشية الألمانية نادية. ر في سجن كردي في شمال سوريا (مجلة فوكوس)

فرضت الحكومة العراقية حظراً على سفر رجال التحقيق الألمان إلى العراق بعد قيام رجال الشرطة الألمانية الاتحادية بتحرير «داعشيتين» ألمانيتين من سجن كردي دون استشارتها.
وذكرت مجلة «فوكوس» واسعة الانتشار في عددها الإلكتروني ليوم أمس الجمعة أن الشرطة الاتحادية نفذت نقل المرأتين، المصنفتين في قائمة «أخطر الخطرين» في ألمانيا، في عملية سرية لم تستشر فيها الحكومة الاتحادية أو وزارة الخارجية الألمانية.
ووصف موظف بارز في وزارة الخارجية الألمانية، في حديث هاتفي مع «فوكوس»، العملية بـ«الغباء» و«التجاوز» على السلطات الألمانية. وقالت الصحيفة إن وزارة الخارجية كانت الوسيط في إرسال وفد المحققين مع المرأتين «الداعشيتين» إلى كردستان العراق.
أدت العملية السرية إلى أزمة دبلوماسية بين برلين وبغداد، لأن الحكومة العراقية المركزية لم تعرف بالموضوع، وتشعر بأنه «تم التجاوز عليها»، بحسب معطيات مجلة «فوكوس». ولذلك فقد قررت بغداد حجب «الفيزا» عن رجال الشرطة الاتحادية الذين يحققون مع السجناء «الداعشيين» في العراق بحسب طلب المحكمة الاتحادية العليا في كارلسروه.
ووجهت الحكومة العراقية رسالة، وصفتها «فوكس» بأنها شديدة اللهجة، إلى وزارة الخارجية الألمانية ببرلين تشير إلى أن تحقيقات جزائية جارية في العراق حول الداعشية زابينه أولريكه ش. التي وصلت إلى ألمانيا في أبريل (نيسان) الماضي. فضلاً عن ذلك، وبحسب معطيات الحكومة العراقية، فإن موظفي الشرطة الاتحادية قدموا بيانات خاطئة عند تقديمهم طلب الحصول على تأشيرة الدخول إلى العراق في محاولة للتغطية على عمليتهم السرية.
ونفذت الشرطة الألمانية الاتحادية عمليتها السرية في أبريل الماضي، ونقلت المرأتين من مطار أربيل إلى مطار فرانكفورت. ومثلت المرأتان في الحال أمام قاضي المحكمة الاتحادية، إلا أنه لم يصدر أمر اعتقال بحقهما من المحكمة آنذاك. وتضطر الشرطة الاتحادية إلى وضعهما تحت رقابة دقيقة بالنظر لخطورتهما على الوضع الأمني.
وكانت النيابة العامة الاتحادية قد أعلنت «عودة» داعشيتين ألمانيتين من سجون العراق إلى ألمانيا في أبريل الماضي، وأشارت إلى صعوبة إصدار أمر اعتقال بحقهما، لكنها لم تشر في بلاغها الصحافي إلى الطريقة التي تم فيها «نقلهما» إلى ألمانيا، ثم أصدرت بعد شهرين أمر اعتقال بحق زابينه أولريكه ش. بتهمة العضوية في تنظيم إرهابي أجنبي.
وتدور القضية حول «الداعشيتين» الألمانيتين زابينه أولريكه ش. (31 سنة) من مدينة راستات في ولاية بادنفورتمبيرغ، والتركية الأصل سيبل هـ. (30 سنة) من مدينة أوفنباخ في ولاية هيسن، وكلتاهما مصنفة في قائمة «أخطر الخطرين» في ألمانيا. وأعلنت زابينه أولريكه س. على صفحات الإنترنت نيتها تنفيذ عملية انتحارية، كما كانت تروج لأفلام الفيديو الدعائية للتنظيم الإرهابي تظهر عمليات إعدام، والتحقت بتنظيم «داعش» في سبتمبر (أيلول) 2013، وتزوجت قيادياً من التنظيم وأنجبت طفلين، قبل أن يقتل في المعارك سنة 2016. وأُسندت لها مهمة إدارة موقع على الإنترنت للترويج الدعاية للتنظيم الإرهابي. اعتقلت في سبتمبر 2017 على أيدي المقاتلين الأكراد وكانت تحمل سلاحاً نارياً. وكانت عائلتها تتلقى دعماً قدره 100 دولار من التنظيم شهرياً.
والتحقت سيبل هـ. عن قناعة آيديولوجية بتنظيم «داعش»، بحسب مصادر النيابة العامة الألمانية. والتحقت مع زوجها الأول علي س. من أوفنباخ بالتنظيم الإرهابي سنة 2013. وعادت إلى ألمانيا سنة 2014 بعد مقتل زوجها الأول في المعارك في العراق وسوريا. ثم تزوجت من زوجها الداعشي الثاني دينيس ب. من مدينة فرانكفورت، سنة 2016 ورحلت معه مجدداً إلى مناطق القتال في سوريا والعراق. وألقي القبض عليهما في المعارك ضد التنظيم الإرهابي في العراق واعتقلا في سجون أربيل. وكانت سيبل برفقة طفل عمره سنة واحدة عندما كانت في سجن تلعفر في شمال العراق، ثم ولدت طفلها الثاني في يناير (كانون الثاني) الماضي وهي في هذا السجن. قبل وصولها إلى ألمانيا في أبريل الماضي، نجحت وزارة الخارجية بنقل ابنها من زواجها الثاني إلى ألمانيا. ولد الطفل في مدينة تلعفر العراقية ويعيش مع والدته وأبيه في سجن عراقي منذ تحرير مدينة الموصل العراقية من قبضة الإرهاب.
وتعقيباً على الأخبار التي تتحدث عن إطلاق سراح المغربي منير المتصدق، الذي قضى 15 سنة في السجن بتهمة تقديم الدعم للإرهابيين في عمليات سبتمبر، ذكرت فراوكه كولر، النائبة العامة في كارلسروه، أن المتصدق لن يغادر السجن قبل أن يقضي فترة محكوميته الكاملة إلا في حالة مغادرته الأراضي الألمانية مباشرة إلى المغرب. وأضافت أن الشرطة الألمانية قادرة على إلقاء القبض عليه مجدداً ما إن يضع قدمه على الأراضي الألمانية خارج السجن، وذلك دون الحاجة إلى أمر من القاضي.
وأضافت أن فترة سجن المتصدق تعتمد الآن على سرعة حصوله على أوراق سفر صالحة من المغرب.
وينهي المتصدق فترة الحكم المذكورة في يناير 2019، إلا أن تقارير صحافية تحدثت عن موافقة المحكمة الاتحادية على إطلاق سراحه في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل. وأصدرت محكمة هامبورغ حكماً على منير المتصدق بالسجن لمدة 15 سنة بعد أن أدانته بتهمة تقديم العون لخلية الطيارين الانتحاريين، بقيادة المصري محمد عطا، التي نفذت عمليات 11 سبتمبر. واتهمته المحكمة أيضاً بالتواطؤ في قتل أكثر من 3000 شخص هم ضحايا عمليات 11 سبتمبر في نيويورك وواشنطن.



رئيس وزراء باكستان يتوقع إتمام الاتفاق بين إيران وأميركا خلال 24 ساعة

 رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف (رويترز)
رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف (رويترز)
TT

رئيس وزراء باكستان يتوقع إتمام الاتفاق بين إيران وأميركا خلال 24 ساعة

 رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف (رويترز)
رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف (رويترز)

توقع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف الذي توسطت حكومته بين إيران والولايات المتحدة لإنهاء الحرب بينهما، إتمام التفاهم بين الجانبين خلال 24 ساعة، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية.

وقال شريف اليوم السبت في منشور على منصة «اكس»، «نحن أقرب إلى اتفاق سلام من أي وقت مضى. ومع توقع إتمام الاتفاق خلال الساعات الـ24 المقبلة، تستعد باكستان بعدها لتوقيع إلكتروني فوري لاتفاق السلام، تليه محادثات تقنية الأسبوع المقبل».

وأضاف «نشكر للولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية التزامهما المستمر خلال المفاوضات، ونعرب عن تقديرنا العميق لإخواننا في المنطقة على دعمهم. ونحن على ثقة بأن اتفاق السلام التاريخي هذا سيشكل أساسا متينا لسلام دائم».

وبعد أسابيع من المراوحة في المفاوضات حول بنود مذكرة التفاهم، اعتبرت واشنطن وطهران في الايام الاخيرة أن التوصل الى توافق بات وشيكا جدا.

لكن الولايات المتحدة أعلنت أنها أسقطت في وقت مبكر السبت مسيرات ايرانية كانت تستهدف سفنا تجارية في مضيق هرمز.

من جهته، نقل التلفزيون الإيراني الرسمي عن وزير الخارجية عباس عراقجي قوله إنه ما دام لم يتم التوصل إلى اتفاق يشمل جميع القضايا، «لا يمكن الجزم بالتوصل إلى اتفاق مبدئي مع الولايات المتحدة».

وتبذل باكستان جهوداً حثيثة منذ أشهر سعيا لبلوغ اتفاق بين واشنطن وطهران، وخصوصا بعد إعلان وقف لاطلاق النار بينهما في ابريل (نيسان).

وكانت إسلام آباد استضافت مباحثات تاريخية بين البلدين لكنها لم تفض الى نتيجة ملموسة.


هل سيفرض ترمب مزاجه وجدوله الزمني على قمة «مجموعة السبع»؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)
TT

هل سيفرض ترمب مزاجه وجدوله الزمني على قمة «مجموعة السبع»؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)

لا يُعرف الكثير عن نوايا دونالد ترمب خلال مشاركته في قمة مجموعة السبع، الأسبوع المقبل في فرنسا، ولكن من المؤكد أنه سيفرض إيقاعه وجدوله الزمني على اللقاء.

وسيكون مزاج الرئيس الأميركي إلى حد بعيد رهناً بمنحى التطورات بشأن الشرق الأوسط، مع إبداء طهران وواشنطن والوسيط الباكستاني، الجمعة، تفاؤلاً بإمكان إبرام اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران ينهي الحرب بعد أسابيع من المفاوضات الشاقة وخيبات الأمل.

قبل أيام من القمة التي تجمع الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وكندا وإيطاليا واليابان والمملكة المتحدة، قالت ليانا فيكس الباحثة المشاركة في «مجلس العلاقات الخارجية» (واشنطن) لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إنه «ليس ممكناً التعامل مع ترمب كما خلال ولايته الأولى».

أفراد من الشرطة الفرنسية في الباحة الخارجية لمحطة المراكب التي تنقل الركاب عبر بحيرة ليمان المشتركة بين فرنسا وسويسرا (إ.ب.أ)

وتعرضت الدول الست الأخرى لغضب ترمب؛ سواء بفرضه رسوماً جمركية مشددة عليها، أو بممارسته ضغطاً دبلوماسياً عليها.

وباستثناء رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي التي يكنُّ لها ترمب كثيراً من التقدير، عانى جميع قادة هذه البلدان في أحد الأوقات من هجمات الملياردير الجمهوري، أو انتقاداته، أو حتى سخريته.

لا ليونة

من غير المتوقع أن يبدي ترمب ليونة تجاه شركائه الدوليين، ولا سيما بعد إلغاء المحكمة العليا الأميركية رسومه الجمركية المعممة، وفي ظل استطلاعات للرأي تظهر تراجع شعبيته، ما قد يكلِّفه الغالبية في الكونغرس في نوفمبر (تشرين الثاني).

ولخصت ليانا فيكس الوضع بالقول إن الأوروبيين خصوصاً تعلموا أن «يأملوا بالأفضل ويستعدوا للأسوأ».

وتأكيداً لشعار «أميركا أولاً» الذي أطلقه ترمب، أبلغت الولايات المتحدة الأوروبيين عزمها خفض عدد الطائرات والسفن الحربية المخصصة لحلف شمال الأطلسي في أوروبا بشكل كبير، وفق ما نشرته صحيفة «نيويورك تايمز».

وقال جاكسون جاينز، الخبير في «صندوق مارشال الألماني للولايات المتحدة» لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «لا أعتقد أننا سنرى رئيساً ضعفت قوته. أعتقد أنه سيذهب إلى هناك وسيفعل ما يفعله دائماً، وهو محاولة فرض رأيه بالاستقواء لتجاوز القضايا المعقدة للغاية، ومحاولة تحقيق الأجندة الأميركية كما يراها هو».

من جانبه، لفت فيكتور تشا، الخبير في «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية»، خلال مؤتمر صحافي، إلى أن ترمب «يقول إنه لا يحب هذه الاجتماعات المتعددة الطرف»، ولكنه «لا يحتمل أن تلتقي مجموعة من قادة العالم من غير أن يكون حاضراً».

وأضاف تشا: «بالتالي هو يأتي إلى هذه الاجتماعات ويغادر باكراً»، وهو ما فعله خلال قمة مجموعة السبع الأخيرة.

مركز للجيش الفرنسي في إيفيان حيث تُعقد قمة مجموعة السبع (إ.ب.أ)

ويأمل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في إقناع ترمب القليل الصبر بالبقاء لحضور مأدبة عشاء في قصر فرساي مساء الأربعاء، مراهناً على ولعه بالديكورات الفخمة وافتتانه بالملكية.

وجهدت فرنسا لإرضاء الرئيس الأميركي، فغيرت موعد القمة حتى لا تتزامن مع بطولة للفنون القتالية المختلطة تُنظَّم الأحد في البيت الأبيض، بمناسبة عيد ميلاد ترمب الثمانين.

كما فسر بعض الخبراء غياب جنوب أفريقيا عن القمة، بعدما تم النظر في مشاركتها على أنها تنازل لواشنطن. غير أن باريس تؤكد أنها لم تواجه أي ضغوط من أجل سحب الدعوة لهذا البلد الذي يتهمه ترمب من دون أدلة بـ«اضطهاد» مواطنيه البيض.

ولفت عدد من المحللين إلى أنه بمعزل عن أطباع ترمب المتقلبة، فإن المواضيع التي تقترحها باريس للبحث تتطابق مع عدد من اهتمامات ترمب؛ خصوصاً مسألة العلاقات التجارية مع الصين.

حرب أوكرانيا

لئن كان ميزان القوى في العلاقات بين ترمب وقادة الدول التي تعتبر حليفة تقليدية لبلاده ما زال على حاله بصورة عامة منذ العام الماضي، فإن الوضع تبدل قليلاً فيما يتعلق بأوكرانيا.

وقال ماكس بيرغمان، الخبير في «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية» خلال حديث مع الصحافيين: «في 2025، أقرّ الأوروبيون بصورة ما بأن عليهم الانصياع لترمب بسبب أوكرانيا، التي كانت بحاجة إلى الدعم العسكري الأميركي، ولكن اليوم نحن في دينامية مختلفة؛ إذ باتت أوكرانيا أقل اعتماداً على الولايات المتحدة».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عند مدخل قصر الإليزيه الرئاسي في باريس (إ.ب.أ)

ودُعي الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الذي يعرف أكثر من أي كان أن أي لقاء مع ترمب يمكن بسهولة أن يخرج عن السيطرة، بعد لقاء عاصف بينهما في البيت الأبيض، إلى المشاركة في جلسة مناقشات في إيفيان.


12 ألف رأس نووي تكفي لمحو الحضارة البشرية

جانب من مدينة هيروشيما اليابانية بعد إسقاط قنبلة ذرية أميركية عليها في 6 أغسطس 1945 (رويترز)
جانب من مدينة هيروشيما اليابانية بعد إسقاط قنبلة ذرية أميركية عليها في 6 أغسطس 1945 (رويترز)
TT

12 ألف رأس نووي تكفي لمحو الحضارة البشرية

جانب من مدينة هيروشيما اليابانية بعد إسقاط قنبلة ذرية أميركية عليها في 6 أغسطس 1945 (رويترز)
جانب من مدينة هيروشيما اليابانية بعد إسقاط قنبلة ذرية أميركية عليها في 6 أغسطس 1945 (رويترز)

في زمن تتصاعد فيه التوترات الجيوسياسية بين القوى الكبرى، يعود شبح الحرب النووية إلى واجهة النقاش الدولي، بعد عقود من الاعتقاد بأن هذا الخطر أصبح جزءاً من الماضي. وبينما تتنافس الدول على تطوير ترساناتها العسكرية وتحديث أنظمتها النووية، تزداد التحذيرات من أن العالم بات أقرب إلى مواجهة كارثة قد لا يكون قادراً على احتواء تداعياتها.

هل سيحلُّ «الشتاء النووي» على الأرض يوماً؟ (رويترز)

وفق تقديرات معهد استوكهولم الدولي لبحوث السلام (SIPRI)، يمتلك العالم حالياً نحو 12187 رأساً حربياً نووياً. وقد يدفع هذا الرقم البعض إلى التساؤل عما إذا كانت هذه الترسانة قادرة على «تدمير الأرض» مرات عدة، كما يتردد أحياناً في الخطابات السياسية والإعلامية. إلا أن الإجابة العلمية تختلف عن التصورات الشائعة.

فمن الناحية الفيزيائية، لا تستطيع أي ترسانة نووية موجودة اليوم تدمير كوكب الأرض نفسه؛ إذ إن الطاقة اللازمة لتفكيك الكوكب أو القضاء عليه تفوق بمراحل هائلة مجموع الطاقة التدميرية التي تمتلكها البشرية. ولكن الخطر الحقيقي لا يكمن في تدمير الكوكب؛ بل في احتمال تدمير الحضارة الإنسانية كما نعرفها.

وتشير الحسابات التقريبية إلى أن الرؤوس الحربية النووية الحديثة تتراوح قوتها بين 100 و800 كيلوطن من مادة «تي إن تي». وإذا اعتُمد -لأغراض المقارنة التقريبية- متوسط يبلغ 300 كيلوطن للرأس الواحد، فإن القوة التدميرية الإجمالية للترسانة العالمية قد تصل إلى نحو 3.7 مليار طن مكافئ من مادة «تي إن تي»، أي ما يعادل قرابة 250 ألفاً من القنبلة التي دمرت مدينة هيروشيما اليابانية عام 1945.

صورة وزعتها وزارة الدفاع الروسية لتجربة إطلاق صاروخ «إسكندر» خلال مناورات نووية مشتركة بين روسيا وبيلاروسيا (أ.ب)

ورغم ذلك، يرى الخبراء أن الحديث عن القدرة على «تدمير الأرض 10 مرات» أو «100 مرة» لا يعدو كونه تعبيراً مجازياً. فحرب نووية واسعة النطاق قد تكون كافية وحدها لإحداث انهيار عالمي شامل، من دون الحاجة إلى استخدام كل الترسانة النووية الموجودة. فالدمار المباشر الناتج عن الانفجارات، وما يتبعه من حرائق هائلة وانهيار للبنى التحتية وتلوث إشعاعي وأزمات اقتصادية وغذائية وصحية، قد يدفع العالم إلى مرحلة غير مسبوقة من الفوضى والانهيار.

في السياق نفسه، تحذِّر الحملة الدولية لإلغاء الأسلحة النووية (ICAN) من أن الأسلحة النووية تظل الأكثر تدميراً وعشوائية بين جميع الأسلحة التي عرفها الإنسان. فالسلاح لا يقتل فقط بفعل الانفجار؛ بل يخلِّف آثاراً إشعاعية طويلة الأمد تؤثر في البشر والبيئة والأجيال اللاحقة.

وتؤكد الحملة أن تفجير سلاح نووي واحد فوق مدينة كبيرة قد يؤدي إلى مقتل مئات الآلاف أو حتى ملايين الأشخاص خلال فترة قصيرة، بينما قد تتسبب حرب نووية واسعة بين القوى الكبرى في سقوط مئات الملايين من الضحايا.

زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون يتفقد منشأة نووية (رويترز)

وتشرح الدراسات أن الانفجار النووي يطلق خلال ثوانٍ معدودة كميات هائلة من الطاقة على شكل موجات صدمية وحرارة وإشعاعات. وتنتشر الموجة الانفجارية بسرعة هائلة تتجاوز سرعة الصوت، فتدمر المباني والبنى التحتية، وتقتل كل من يوجد بالقرب من مركز الانفجار. أما الحرارة الشديدة فتشعل حرائق واسعة النطاق قد تندمج لتشكِّل عواصف نارية ضخمة تلتهم مدناً كاملة.

الأخطر من ذلك أن بعض الدراسات تشير إلى أن استخدام أقل من واحد في المائة من الأسلحة النووية الموجودة حالياً قد يكون كافياً لإحداث اضطرابات مناخية عالمية حادة، تهدد ما يصل إلى ملياري إنسان بالمجاعة. أما استخدام آلاف الرؤوس النووية فقد يؤدي إلى «شتاء نووي» شامل ينعكس على الإنتاج الزراعي والنظم البيئية في مختلف أنحاء العالم.

تزداد هذه المخاوف في ظل تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وروسيا والصين وكوريا الشمالية، وهي قوى تمتلك ترسانات نووية ضخمة. ويرى عدد متزايد من الخبراء أن خطر تحول النزاعات التقليدية إلى مواجهات نووية لم يعد مجرد احتمال نظري؛ بل أصبح سيناريو واقعياً ينبغي الاستعداد له والعمل على منعه.

تقنيان يعاينان قنبلة نووية في منشأة عسكرية أميركية بولاية تكساس (رويترز)

وفي هذا السياق، أظهر استطلاع أجراه المجلس الأطلسي أن 40 في المائة من الخبراء المشاركين يرون أن اندلاع حرب عالمية جديدة بحلول عام 2035 وارد. والأكثر إثارة للقلق أن نحو نصف المشاركين تقريباً رجَّحوا أن تشهد هذه الحرب استخداماً للأسلحة النووية من جانب طرف واحد على الأقل.

وفي الوقت نفسه، يستمر الإنفاق العالمي على الأسلحة النووية في الارتفاع. فقد أفادت تقارير حديثة بأن الدول التسع المالكة للأسلحة النووية أنفقت خلال عام 2025 نحو 119 مليار دولار لتعزيز ترساناتها النووية وتحديثها، بزيادة تقارب 19 في المائة عن إنفاق العام السابق.

وتصدرت الولايات المتحدة القائمة بإنفاق تجاوز 69 مليار دولار، تلتها الصين ثم بريطانيا وروسيا.

تعكس هذه الأرقام حقيقة مقلقة، مفادها أن العالم لا يتجه نحو تقليص الاعتماد على الأسلحة النووية؛ بل نحو تعزيزها وتحديثها. وبينما تتوسع برامج التسلح النووي، تتراجع الجهود الرامية إلى نزع السلاح وبناء الثقة بين القوى الكبرى.

مجسم لصاروخ نووي من العهد السوفياتي في موسكو (رويترز)

في النهاية، قد لا تكون الأسلحة النووية قادرة على تدمير كوكب الأرض، ولكنها بلا شك قادرة على تدمير الحضارة الإنسانية، وإدخال العالم في حقبة من الفوضى العارمة والمعاناة غير المسبوقة. ولهذا يرى كثير من الخبراء أن السبيل الوحيد لتجنب الكارثة لا يكمن في إدارة الأخطار النووية فحسب؛ بل في العمل الجاد للحد من هذه الترسانات ومنع استخدامها.

قال آلبرت آينشتاين: «لا أعرف ما هي الأسلحة التي ستُستخدم في الحرب العالمية الثالثة، ولكن الحرب العالمية الرابعة ستُخاض بالعصي والحجارة».

وكما يقول دعاة نزع السلاح النووي: الطريقة الوحيدة للفوز في لعبة «الروليت» النووية هي التوقف عن لعبها.

اقرأ أيضاً