فلسطينيو تشيلي... قصص نجاح على مدى أكثر من 100 عام

أكبر جالياتهم خارج العالم العربي

العائلات الفلسطينية الأولى التي هاجرت إلى تشيلي جاءت من بيت جالا وبيت ساحور وبيت لحم (غيتي)
العائلات الفلسطينية الأولى التي هاجرت إلى تشيلي جاءت من بيت جالا وبيت ساحور وبيت لحم (غيتي)
TT

فلسطينيو تشيلي... قصص نجاح على مدى أكثر من 100 عام

العائلات الفلسطينية الأولى التي هاجرت إلى تشيلي جاءت من بيت جالا وبيت ساحور وبيت لحم (غيتي)
العائلات الفلسطينية الأولى التي هاجرت إلى تشيلي جاءت من بيت جالا وبيت ساحور وبيت لحم (غيتي)

تقدم عالم الملاحة، وابتكرت شركات الطيران أجود وأفضل أنواع الطائرات إلا أن المسافات تبقى بعيدة والسفر يكون متعبا، ولكن الوجهة تبقى الدواء الذي ينسيك العناء والجلوس في مكان مغلق على مدى ساعات طويلة.
هذه المرة الرحلة كانت إلى تشيلي الواقعة على حافة غرب أميركا الجنوبية وتتمتع بمسافة تزيد على 6 آلاف كلم على ساحل المحيط الهادي، الرحلة كانت مباشرة من دبي إلى سانتياغو عاصمة تشيلي على متن طيران الإمارات التي سيرت هذا الخط مؤخرا، رابطة بذلك أميركا اللاتينية بجنوب شرقي آسيا والصين والشرق الأوسط وأوروبا.
سافرت في الماضي إلى بلدان لا تزال السياحة فيها خجولة بعض الشيء بالنسبة للعرب، فكانت ردود أفعال من أدرك بأني متوجهة إلى أماكن مثل «هو شيه منه» وأمثالها من المدن ممزوجة بالاستغراب، إلا أن هذه المرة وبعد سماع أصدقائي العرب خبر سفري إلى تشيلي كانت ردة الفعل موحدة: «رحلة العمر»، وقدمت إلي كثير من المعلومات المجانية حول تشيلي مثل شكلها المستطيل الفريد من نوعه على خريطة العالم وانقسام الآراء حول اسم تشيلي، إلا أن المعلومة الأهم كان مفادها بأن تشيلي تضم أكبر جالية فلسطينية خارج الوطن العربي بحيث يصل عدد الفلسطينيين فيها اليوم إلى ما يقارب الـ900 ألف شخص ولو أن الرقم غير موثق بشكل رسمي بعد.
فذهبت إلى تشيلي بذهنية منفتحة للتعرف عليها وعلى شعبها ومعالمها، في العاصمة وفي جنوبها الذي يعتبر من أجمل الأماكن في العالم على الإطلاق.
وبعد عشرين ساعة من الطيران المتواصل مع توقف قصير في ساو باولو، وصلنا إلى سانتياغو في موسم الشتاء القارس، فشهر يوليو (تموز) هو الشهر الأكثر برودة.
ولكثرة حماسنا للتعرف على بعض من أفراد الجالية الفلسطينية وفر لنا مكتب السياحة في تشيلي لقاء مع أبناء الجالية من الجيلين الثالث والرابع.
والتقينا أنور مخلوف وخايمي عبد ربه (وللتوضيح فقط فإن اسم خايمي هو اسم تشيلي بحت وعائلة عبد ربه معروفة في فلسطين، واللافت هنا أن خايمي بملامحه الغربية هو من أم فلسطينية وأب تشيلي، وبما أن القانون التشيلي يسمح للأطفال الاختيار ما بين كنية والدهم أو والدتهم فغلب في حالة خايمي الدم الفلسطيني واختار كنية والدته «عبد ربه»).
أنور نشط جدا في أوساط الجالية الفلسطينية في تشيلي وهو ينتمي للجيل الرابع، فلسطين تجري في عروقه، زار فلسطين أكثر من مرة ويقوم بكثير من النشاطات التي توطد علاقة الأجيال الفلسطينية التشيلية الجديدة بفلسطين من خلال المدرسة العربية الفلسطينية ونادي كرة القدم وتنظيم رحلات للفلسطينيين التشيليين لزيارة أماكن مهمة في فلسطين مثل بيت لحم والقدس وغيرها لتعريفهم على أصولهم وعلى وضع شعبهم هناك، وبالوقت نفسه تستضيف الجالية الفلسطينية في تشيلي أفرادا من الفلسطينيين للمجيء إلى تشيلي والتقرب من الفلسطينيين المقيمين في تشيلي والمنحدرين من عائلات وصلت إلى تلك البلاد النائية منذ أكثر من 160 عاما.
الفلسطينيون في تشيلي لهم حضور بارز جدا، وأول العائلات التي هاجرت إلى تشيلي جاءت من بيت جالا وبيت ساحور وبيت لحم، وبدأت الهجرة عندما كانت فلسطين تحت الحكم العثماني وهاجر المسيحيون بشكل كبير بسبب تعرضهم لضغوطات كثيرة إبان فترة الانتداب وهذا ما دفعهم للسفر، وهذا ما يبرر أن الغالبية من الجالية الفلسطينية في تشيلي هم مسيحيون، ويقول أنور إن الفلسطينيين كانوا في البداية تابعون للكنيسة الأرثوذكسية ليتحولوا بعدها إلى الكاثوليكية بعد الزيجات المختلطة مع التشيليين، ويشار إلى أن الجيل الجديد تحول إلى الكاثوليكية وأول كنيسة أرثوذكسية بنيت في سانتياغو دي تشيلي عام 1918.
وزادت هجرة الفلسطينيين إلى تشيلي بعد الحرب العالمية الأولى وفترة الانتداب البريطاني وبعد النكبة.
تعتبر عائلة أبو جارور وزمر سقالا (عائلة المؤرخ خوان سقالا) من أول العائلات الوافدة إلى تشيلي ولا تزال مثل هذه العائلات تملك مصالح مهمة، لا سيما في مجال الأقمشة، فبرع الفلسطينيون منذ وصولهم إلى تشيلي في تجارة الأقمشة، ولا تزال مصانعهم موجودة حتى يومنا هذا وتتعاقب على إدارتها الأجيال، والمصانع تحمل أسماء العائلات وشهرتها جعلتها من العناوين المهمة في العاصمة.
والى جانب عمل الفلسطينيين في صناعة الأقمشة فهم يملكون ثلاثة بنوك مهمة من بينها بنك أوف تشيلي وكوربنكا وبنك فلسطين، بالإضافة إلى معامل ومصانع ضخمة.
وبحسب أنور وخايمي، فأبناء الجالية يعتبرون أنفسهم فلسطينيين والرابط مع بلدهم الأم قوي وهذا يبدأ من خلال تعلم اللغة العربية وتكلمها في المنزل ولكن هذا الأمر يختلف بين عائلة وأخرى، خاصة أن الزيجات المختلطة أصبحت طاغية بعد فترة السبعينات، فقبل هذه الفترة كان الفلسطينيون يرتبطون بفلسطينيات فقط أما اليوم فاختلف الأمر وأصبحت الزيجات المختلطة شائعة أكثر.
وهذا ما يدفع الجالية إلى القيام بكثير من النشاطات للحفاظ على التقاليد والهوية الفلسطينية. وعن حياتهم اليومية قال خايمي إن الفلسطينيين يحافظون على تقاليدهم بدءا بالأكل، ففي المنزل يتناولون المأكولات الشرقية والمحاشي ويحاول الأهل تكلم العربية مع أطفالهم على قدر المستطاع، وعلى الرغم من جغرافيا تشيلي وموقعها البعيد عن الشرق الأوسط، فإنهم يتابعون الأحداث التي تحصل في منطقنا العربية الساخنة، ويقومون بعدة نشاطات في تشيلي لحث وسائل الإعلام المحلية على بث الأخبار الخاصة بفلسطين كي لا تنسى القضية الفلسطينية التي وصفها خايمي بقضية كل فلسطيني بغض النظر إلى أي جيل ينتمي في تشيلي. وبين النشاطات التي يقوم بها فلسطينيو تشيلي مؤتمر سنوي يعنى بقضايا الفلسطينيين في أميركا الجنوبية ومهرجان بعنوان «تقاليد» يشارك به رئيس بلدية بيت جالا وبيت لحم اللذان يقدمان خلاله محاضرات، وتقدم في المهرجان أيضا عروض فولكلورية.
وتوجد أيضا في تشيلي لجنة اقتصادية ومالية وثقافية ولجنة للأطفال الفلسطينيين، وهناك محاولات جارية اليوم لربط الجاليات العربية والفلسطينية في جميع بلدان أميركا اللاتينية. وعن تدخل السفارات في تعزيز عمل الجالية الفلسطينية يقول أنور إن السفارات لا تهتم بمثل هذه القضايا وكل الفعاليات التي تتم هي بمجهود شخصي يشارك بها أفراد من الجالية.
ويقوم أنور بزيارة فلسطين باستمرار وينظم رحلات للفلسطينيين في الأرض المحتلة للمجيء إلى تشيلي والتعرف إلى الجالية الفلسطينية وبالوقت نفسه تنظم رحلات لفلسطينيي تشيلي للذهاب إلى الأراضي المحتلة والتقرب من الشعب والتعرف على حياته اليومية التي تختلف تماما عن حياتهم في تشيلي.
وعن انتمائهم الفلسطيني شدد أنور وخايمي على أن الانقسامات السياسية في فلسطين لا تؤثر على انتمائهم إلى الثقافة الفلسطينية، فهم لا يأبهون لاختلاف وجهات النظر بين الفلسطينيين أنفسهم ويشددون على توثيق علاقة الأجيال القادمة بالثقافة العربية والتراث الشرقي. ويحمل كل من لا يزال على قيد الحياة من الجيل القديم وثيقة سفر فلسطينية، إنما اليوم فيحمل الجيل الحالي الجنسية التشيلية فقط.
- نادي باليستينو
عندما تذهب إلى تشيلي وتلتقي بفلسطيني لن يكون هناك أي مهرب من الحديث عن نادي كرة القدم الفلسطيني Club Palestino الذي وصل فريقه إلى بطولة الدوري التشيلي لكرة القدم مرتين، ويتميز بزي أعضائه الذي يتكون من ألوان العلم الفلسطيني الأحمر والأخضر والأبيض والأسود.
فريق كرة القدم معروف جدا، ليس جميع اللاعبين فيه عربا ولكن المشجعين والمدرب عرب، وتم تأسيسه في العشرين من أغسطس (آب) عام 1920 ومن أشهر لاعبيه إدغاردو عبد الله وروبرتو بشارة عدوي وداود عزالة. وفي عام 1955 فاز النادي بأول بطولة وطنية بقيادة المدرب الأرجنتيني غييرمو كول.
ويتسع ملعب كيستيرنا البلدي الذي يلعب فيه الفريق الفلسطيني لنحو 12 ألف متفرج.
- حي بتروناتو
في لندن يعتبر شارع «إدغوار رود» شارع العرب، وفي سانتياغو يعتبر حي «بتروناتو» الشعبي مقر العرب ومقاهيهم التي تحاكي ثقافتهم وتدغدغ حنينهم لحب فلسطين التي لا يعرفونها، ومن أشهر الأماكن التي يرتادها فلسطينيو تشيلي مقهى «بيت جالا» القريبة من الكنسية الأرثوذكسية التي بناها الفلسطينيون الأوائل الذين وصلوا إلى تشيلي. وتزين المقهى جدرانها بصور لبيت جالا المنطقة التي أتى منها أوائل المهاجرين، ويملك المقهى خوان بشارة الذي وصل إلى سانتياغو دي تشيلي على متن باخرة في خمسينات القرن الماضي. وتنشر الجالية الفلسطينية صحيفة بعنوان «المرشد» متخصصة بأخبار فلسطين، وهناك مركز قريب من بتروناتو في شارع فيلومينا يلتقي فيه المهاجرون الأكبر سنا لتبادل الأحاديث وتذكر فلسطين كما تركوها.
- إنجازات الجالية
تعتبر الجالية الفلسطينية في تشيلي من بين أنجح الجاليات العربية في المهجر، فلديها حضور قوي في المؤسسات الدولية ويوجد عدد من النواب من أصول فلسطينية ينتمون إلى أحزاب مختلفة في البرلمان، وهناك تسع بلديات مرؤوسة من قبل فلسطينيين، وتمكنت الجالية من الاندماج الكلي في المجتمع التشيلي مع عدم التفريط بالعادات والتقاليد الفلسطينية التي يعتز بها أبناء الجالية.



«وزاري عربي» يدين إغلاق «هرمز» ويطالب إيران بالتعويض وجبر الضرر

مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)
مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)
TT

«وزاري عربي» يدين إغلاق «هرمز» ويطالب إيران بالتعويض وجبر الضرر

مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)
مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)

أدان وزراء الخارجية العرب التهديدات الإيرانية الرامية إلى إغلاق مضيق هرمز وتعطيل الملاحة الدولية، مطالبين في اجتماع، الثلاثاء، عبر تقنية الاتصال المرئي، بإلزام طهران بالتعويض وجبر الضرر عن الخسائر الاقتصادية الناجمة عن هذه التهديدات.

وأكد الأمين العام للجامعة، أحمد أبو الغيط، أن «الدول العربية لم تكن ولن تكون رهينة في يد إيران لتصفية الحسابات».

وبناء على طلب البحرين، عقد مجلس جامعة الدول العربية على المستوى وزراء الخارجية، الثلاثاء، اجتماعاً غير عادي، لـ«بحث الهجمات الإيرانية ضد الدول العربية والتزامات إيران المترتبة بموجب القانون الدولي والجهود المبذولة لإنهاء الأزمة التي تشهدها المنطق».

وجدد وزراء الخارجية إدانتهم «بأشد العبارات للهجمات الإيرانية السافرة بالصواريخ والطائرات المسيّرة ضد الأردن والإمارات، والبحرين، والسعودية، وسلطنة عُمان، وقطر، والكويت، والعراق»، وعدُّوها، بحسب القرار الصادر عن الاجتماع، «انتهاكاً جسيماً لسيادة تلك الدول، يقوض السلم والأمن في المنطقة، ويمثل خرقاً صارخاً للقانون الدولي... ويشكل تهديداً خطيراً للسلم والأمن الدوليين».

وأكدوا أن «إيران تتحمل المسؤولية الدولية الكاملة عن هجماتها غير المشروعة وغير المبررة ضد الدول العربية، وأنها ملزمة، بموجب قواعد القانون الدولي، بجبر الضرر الكامل عن جميع الأضرار والخسائر الناجمة عن تلك الهجمات، بما في ذلك، الرد، والتعويض، والترضية»، وطالبوها بالوقف الفوري «لجميع هجماتها السافرة ضد الدول العربية والامتثال لالتزاماتها الدولية».

آلية لتوثيق الانتهاكات

أعاد الوزراء التأكيد على «دعم الدول العربية الكامل لحق الدول العربية المتضررة في اللجوء إلى المؤسسات الدولية والإقليمية لاستصدار قرارات تدين هذه الهجمات وتحمّل إيران المسؤولية عن تبعاتها»، داعين الهيئات العربية والإقليمية المختصة بالتنسيق مع الدول المتضررة إلى النظر في إنشاء آليات مناسبة «لتوثيق الانتهاكات وتقييم الأضرار والخسائر ومتابعة السبل الكفيلة بجبر الضرر عبر الوسائل الدبلوماسية والقانونية وغيرها من الوسائل السلمية».

وجدد الوزراء «إدانتهم للإجراءات والتهديدات الإيرانية الهادفة إلى إغلاق مضيق هرمز وباب المندب بعدّها انتهاكاً لأحكام القانون الدولي ولمبدأ حرية الملاحة في المضايق الدولية». وأكدوا في هذا الصدد على حق الدول العربية في الدفاع عن سفنها ووسائل نقلها وفقاً للقانون الدولي.

وكيل وزارة الخارجية السعودية عبد الرحمن الرسي خلال رئاسة وفد المملكة في الاجتماع (حساب الخارجية السعودية على منصة «إكس»)

وشدد وزراء الخارجية العرب على «رفض واستنكار استمرار إيران في تمويل وتسليح وتحريك الميلشيات التابعة لها في عدة دول عربية خدمةً لمصالحها، وبما يُشكل تهديداً خطيراً لأمن واستقرار تلك الدول والمنطقة». وجددوا التأكيد على الحق الأصيل للدول العربية المتضررة في الدفاع عن النفس، فردياً أو جماعياً، وفقاً للمادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة.

وقال أبو الغيط في كلمته إن الاجتماع «لا يهدف فقط إلى إدانة الهجمات الإيرانية الآثمة على عدد من الدول العربية»، وإنما يستهدف «مطالبة المجتمع الدولي بتحميل المعتدي كامل المسؤولية عن اعتداءاته غير القانونية وغير المبررة وغير المقبولة على عدد من الدول العربية».

«خرق جسيم»

وأضاف الأمين العام للجامعة العربية أن إيران لم تمتثل لقرار مجلس الأمن 2817 الصادر في 11 مارس (آذار) الماضي بالوقف الفوري للعدوان، ولم تعترف بأن اعتداءاتها على الدول العربية في الخليج والأردن والعراق مثَّلت خرقاً جسيماً للقانون الدولي، وانتهاكاً مرفوضاً لسيادة الدول، وتجاوزاً صارخاً لكل معاني حُسن الجوار.

وطالب أبو الغيط إيران بـ«الامتثال فوراً لقرار مجلس الأمن، وبتحمل المسؤولية كاملةً عما تسببت فيه هذه الهجمات غير المشروعة من أضرار وخسائر، بما يقتضي التعويض وجبر الضرر بحسب ما ينص عليه القانون الدولي في هذه الحالات».

وقال إن «تصورات إيران عن التحكم في الخليج العربي وفي مضيق هرمز باطلة قانوناً، ولا تستند لحجة أو مسوغ، ومرفوضة جملة وتفصيلاً».

وأكد أن «حرية الملاحة في المضايق والممرات الدولية، ومنها مضيق هرمز، أمرٌ كفله القانون الدولي... ولا يمكن لإيران أن تنتزع لنفسها حق التحكم في مضيق هرمز، لأنها ببساطة لا تملكه».

واستطرد قائلاً إن الجامعة العربية «تعتبر الاعتداء على أي دولة عربية، أو ممارسة التهديد والترويع ضد سكانها المدنيين، اعتداءً على الدول العربية جميعاً»، مؤكداً أن «الجميع يقف صفاً واحداً في التضامن مع الدول التي تعرضت للهجمات الآثمة». وشدد على أن «هذه الاعتداءات الغاشمة سوف تنتهي، وستخرج الدول العربية من هذه الأزمة أكثر قوة وأشد ترابطاً وتعاضداً».

تنسيق وتشاور

وهذه هي المرة الثالثة، منذ اندلاع حرب إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، التي يجتمع فيها مجلس الجامعة على المستوى الوزاري لبحث تطورات التصعيد الإقليمي.

وكان وزراء الخارجية العرب قد أدانوا في اجتماع طارئ عبر تقنية الاتصال المرئي يوم 8 مارس (آذار) اعتداءات طهران على دول عربية، وأكدوا تأييد جميع الإجراءات التي تتخذها تلك الدول، بما في ذلك خيار الرد على الاعتداءات. ثم جددوا إدانتهم للاعتداءات في اجتماع الدورة العادية الـ165 نهاية الشهر الماضي التي اقتصرت أعمالها على مناقشة الاعتداءات الإيرانية على دول عربية.

وتأتي الاجتماعات العربية المتكررة في سياق التنسيق والتشاور العربي وتأكيد التضامن والدعم لدول الخليج، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، رخا أحمد حسن، الذي قال لـ«لشرق الأوسط» إن الاجتماعات المتتالية «تستهدف تأكيد دعم دول المنطقة التي تعرضت لخسائر مادية واقتصادية بسبب الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران»، مشيراً إلى تأثر سلاسل الإمداد بسبب تهديد إيران للملاحة في مضيق هرمز الذي قال إنه مضيق دولي لا يحق لطهران التحكم فيه بموجب القانون الدولي.

Your Premium trial has ended


لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
TT

لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)

منذ بداية العام الحالي، ترسم الأمم المتحدة صورة قاتمة لمستقبل الأزمة الإنسانية في اليمن، محذّرة بأن البلاد تقف على «حافة منعطف حرج» قد يدفع بملايين إضافيين إلى دائرة الخطر.

وفي تقريرها الأخير المعنون «اليمن 2026: ثمن التقاعس»، تشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 22.3 مليون شخص، أي غالبية السكان، يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية والحماية، في ظل تراجع حاد في التمويل الدولي وتقلّص نطاق الاستجابة.

يأتي هذا الانحسار في الموارد، في وقت تتصاعد فيه الاحتياجات بوتيرة مقلقة. ووفقاً لـ«مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)»، فإن نحو 18.3 مليون شخص قد يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي خلال العام الحالي، مع انزلاق مناطق جديدة نحو ظروف توصف بأنها «كارثية».

ويعاني نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوءَ تغذية حاداً، في مؤشّر يعكس مخاطر طويلة الأمد تتجاوز الجوع إلى أضرار لا رجعة فيها بشأن النمو الجسدي والذهني.

بدوره، يقدم القطاع الصحي دليلاً إضافياً على هشاشة الوضع، إذ تشير التقديرات إلى أن 40 في المائة من المرافق الصحية تعمل جزئياً فقط، أو توقفت بالكامل، فيما يواجه نحو 19.3 مليون شخص مخاطر صحية متصاعدة.

وتتقاطع هذه المؤشرات مع واقع النزوح، حيث يعيش أكثر من 5.2 مليون يمني في ظروف قسرية متدهورة؛ مما يضاعف من هشاشة الفئات الأضعف ويزيد الضغط على الخدمات الأساسية.

في غضون ذلك، أعلن «صندوق التمويل الإنساني (YHF)» في اليمن أنه قدم المساعدة لأكثر من 307 آلاف شخص في المناطق الأكبر تضرراً من انعدام الأمن الغذائي في البلاد.

أزمة إدارة الإغاثة

وقال «الصندوق»؛ التابع للمكتب الأممي «أوتشا»، في تقرير حديث، إنه خصص، في الثلث الأخير من العام الماضي، 20 مليون دولار لدعم المجتمعات التي تعاني أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي، وسوء التغذية، ومخاطر الحماية في اليمن، مركزاً على الخدمات الأساسية المنقذة للحياة، وأولوية خدمات الحماية للأسر والأفراد الأكبر عرضة للمخاطر.

طفلتان برفقة والدتيهما تتلقيان خدمات علاجية أممية لمنع وعلاج سوء التغذية بين الأطفال (الأمم المتحدة)

وبلغ عدد المستفيدين 307.4 ألف شخص، بينهم 37 ألفاً من ذوي الإعاقة.

وحتى الآن، تلقى «الصندوق» نحو 14.3 مليون دولار مساهمات في ميزانيته للعام الحالي، أبرزها من الدنمارك (5.4 مليون)، وفنلندا (3.4 مليون)، والسعودية (3 ملايين)، وكندا (1.2 مليون)، إضافة إلى جهات مانحة أخرى.

ويرى جمال بلفقيه، المنسِّق العام لـ«اللجنة اليمنية العليا للإغاثة»، (لجنة حكومية)، أن تحسين آليات إدخال المساعدات يمثل نقطة مفصلية في خفض التكلفة وزيادة الفاعلية، مشدداً على أن الاستفادة من الممرات البرية والبحرية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة يمكن أن تحدّ من «الابتزاز» وتعزز انسيابية الإغاثة.

ويذهب بلفقيه، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «التعويل الآن هو على دور الداعمين الإقليميين، وعلى رأسهم السعودية، في سد الفجوة التمويلية، ليس فقط عبر المساعدات الطارئة؛ بل من خلال دعم مؤسسي ومشروعات تنموية طويلة الأمد».

مشروع أممي لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن يوفر فرص عمل لـ42 ألفاً و964 شخصاً (الأمم المتحدة)

غير أن المسؤول الحكومي يقرّ بوجود اختلالات في إدارة العمل الإنساني خلال فترات سابقة، لافتاً إلى أن ضعف التنظيم والرقابة الميدانية أسهم في حرمان فئات من مستحقي المساعدات، ويطرح في المقابل مقاربة تقوم على «إعادة ترتيب أولويات التدخل وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، بما يفتح المجال أمام انتقال تدريجي من الاستجابة الطارئة إلى التعافي الاقتصادي».

ورغم استمرار حالة التهدئة النسبية منذ أبريل (نيسان) 2022، بعد سنوات من حرب مدمّرة بين الحكومة الشرعية والجماعة الحوثية الانقلابية، ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية والاقتصاد، فإن التحسن الأمني لم يُترجم إلى تعافٍ إنساني ملموس، وباتت فجوة التمويل العامل الأكبر تأثيراً في تحديد مصير الاستجابة.

اختبار أخلاقي للعالم

وتحتاج خطة الأمم المتحدة للعام الحالي إلى 2.16 مليار دولار لتقديم مساعدات منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص فقط، أي نحو نصف المحتاجين.

وكالات أممية قدمت مساعدات لآلاف الأسر المتضررة من الفيضانات الأخيرة في 7 محافظات (الأمم المتحدة)

ويحذّر تقرير «أوتشا» بأن استمرار «التقاعس» سيؤدي إلى خسائر بشرية مباشرة، مع اقتراب أنظمة حيوية من الانهيار وتآكل قدرة المجتمعات على الصمود. ويشير إلى أن «الشركاء الإنسانيين اضطروا بالفعل إلى تقليص برامج أساسية نتيجة نقص التمويل وصعوبات الوصول»؛ مما يفاقم من فجوة الاحتياجات غير الملبّاة.

ويقدّم إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشؤون الإنسانية، قراءة أكبر تشاؤماً، عادّاً أن التراجع في تمويل خطط الأمم المتحدة يعكس تحولات أوسع في أولويات المانحين، في ظل أزمات دولية متزامنة، مستبعداً أن يتجاوز التمويل هذا العام 40 في المائة من المستويات السابقة؛ مما يعني عملياً اتساع الفجوة بين الاحتياجات والموارد المتاحة.

ويوضح القرشي لـ«الشرق الأوسط» أن «العجز التراكمي في تغطية الاحتياجات الإنسانية بلغ مستويات غير مسبوقة»، وأن «إخفاق المعالجات السياسية والاقتصادية أسهم في تعميق الأزمة وتحويلها إلى (حلقة ضغط) مستمرة على الوضع الإنساني».

تدريب أممي لأعضاء «جمعيات مستخدمي المياه» في ريف محافظة تعز على مهارات جمع التبرعات وإعداد المقترحات والتواصل مع المانحين (الأمم المتحدة)

وينبه إلى أن ملايين اليمنيين قد يواجهون صعوبات يومية في تأمين الغذاء، «مع ما يرافق ذلك من ارتفاع معدلات سوء التغذية ووفيات الأطفال، واتساع رقعة المجاعة»، في ظل هذه المعطيات.

ومن دون دعم مستدام، فسيظل ملايين الأشخاص عرضة لخطر تفاقم الجوع، والأمراض التي يمكن الوقاية منها، وتهديدات الحماية، حيث يتطلب خفض الاحتياجات المزمنة تعاوناً طويلاً بين جميع الفاعلين لاستعادة الخدمات الأساسية، وإنعاش وسائل الحياة، وتعزيز القدرة على الصمود في وجه الصدمات المستقبلية، وإنهاء الصراع.


هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)

قطعت عملية إعادة هيكلة ودمج التشكيلات العسكرية والأمنية في اليمن شوطاً متقدماً، مع اقتراب المرحلة الأولى من الاكتمال، في إطار جهود تقودها الحكومة اليمنية بإشراف ودعم من تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، بهدف إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية وتعزيز كفاءتها القتالية والإدارية.

ووفق مصادر حكومية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، تركزت المرحلة الأولى على بناء قاعدة بيانات موحدة ودقيقة لجميع منتسبي الوحدات العسكرية والأمنية، باستخدام أحدث وسائل التحقق من الهوية، وعلى رأسها نظام البصمة الحيوية، بما في ذلك بصمة العين، وهو ما مكّن الجهات المختصة من كشف الاختلالات في سجلات القوى البشرية.

وأوضحت المصادر أن عملية التحقق كشفت وجود عشرات الآلاف من الأسماء المزدوجة، إلى جانب إدراج أسماء وهمية ضمن كشوفات القوات العسكرية والأمنية، في مؤشر واضح على حجم التحديات التي واجهت الدولة خلال السنوات الماضية، في إدارة هذا الملف الحيوي.

تنظيم المؤسسة العسكرية اليمنية وتعزيز كفاءتها القتالية (إعلام محلي)

وتقول المصادر إن العمل لا يزال مستمراً لاستكمال تسجيل جميع الأفراد ضمن قاعدة البيانات الجديدة، التي تُعدّ حجر الأساس لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس سليمة، مشيرة إلى أن هذه المرحلة أسهمت في إسقاط الأسماء غير القانونية، وتصحيح البيانات بما يعزز الشفافية والكفاءة في إدارة الموارد البشرية.

وأضافت أن استكمال هذه الخطوة سيفتح الطريق أمام الانتقال إلى المرحلة الثانية، التي تتضمن دمج مختلف التشكيلات العسكرية ضمن هيكل موحد يخضع لوزارتي الدفاع والداخلية، وفق الأطر القانونية المعتمدة.

إشراف مباشر

يتولى مسؤول القوى البشرية في القوات المشتركة بقيادة السعودية اللواء فلاح الشهراني، الإشراف على هذا الملف اليمني المعقد، الذي تعثر في مراحل سابقة بسبب تعدد التشكيلات العسكرية وتباين تبعياتها داخل معسكر الشرعية، وهو ما تطلب مقاربة تدريجية في التنفيذ.

وبدأت عملية الهيكلة من المناطق العسكرية في شرق اليمن، تحديداً المنطقتين الأولى والثانية، اللتين تشملان محافظات حضرموت والمهرة وأرخبيل سقطرى، قبل أن تمتد لاحقاً إلى عدن ولحج وأبين وشبوة، ثم إلى الساحل الغربي ومأرب، على أن تشمل في مراحلها المقبلة بقية المناطق، بما في ذلك تعز والضالع.

ويعكس هذا التسلسل الجغرافي حرص الجهات المعنية على تنفيذ العملية بشكل مرحلي ومدروس، بما يضمن دقة النتائج وتفادي أي اختلالات قد تعيق تحقيق الأهداف المرجوة.

استبعاد الأسماء الوهمية من قوام القوات اليمنية (إعلام محلي)

في السياق ذاته، ترأس وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً لهيئة القوى البشرية في العاصمة المؤقتة عدن، اطّلع خلاله على مستوى التقدم المحرز في تحديث بيانات القوات المسلحة، والإجراءات المتخذة لتعزيز دقتها.

وقدم مسؤولو الهيئة شرحاً مفصلاً حول آليات العمل، بما في ذلك تحديث قواعد البيانات، وضبط الجوانب الإدارية والمالية، بما يسهم في تحسين كفاءة الأداء المؤسسي.

وشدد العقيلي على ضرورة مواصلة الإصلاحات، ومعالجة أوجه القصور، وضمان خلو قاعدة البيانات من أي ازدواج أو تكرار، مؤكداً أن بناء مؤسسة عسكرية حديثة يتطلب إدارة فعالة للموارد البشرية، قائمة على معايير دقيقة وشفافة.

وبحسب المصادر، فإن تأخر صرف رواتب بعض منتسبي وزارتي الدفاع والداخلية خلال الفترة الماضية، كان مرتبطاً بغياب قاعدة بيانات موحدة، إلا أن التقدم المحرز في هذا الجانب سمح ببدء صرف الرواتب للوحدات التي استكملت إجراءات التسجيل، على أن تستمر العملية تدريجياً لتشمل بقية الوحدات.

تمهيد للدمج الشامل

تُمهد هذه الإجراءات للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً، تتضمن دمج كل التشكيلات العسكرية والأمنية ضمن قوام القوات المسلحة، بما يعزز وحدة القرار العسكري، ويحد من التشتت الذي عانت منه المؤسسة خلال السنوات الماضية.

وفي هذا الإطار، وجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرمي، بتشكيل لجنة مختصة لمعالجة أوضاع بعض الوحدات، من بينها «لواء بارشيد» و«كتيبة الدعم الأمني»، من خلال تنظيم أوضاعها الإدارية والمالية، وضمها رسمياً إلى القوات المسلحة.

إنشاء قاعدة بيانات يمنية موحدة لجميع التشكيلات العسكرية والأمنية (إعلام محلي)

وتشمل مهام اللجنة حصر المعدات والآليات، وتجهيز معسكرات مناسبة، إضافة إلى إلزام الأفراد بالخضوع لإجراءات البصمة الحيوية، بما يضمن إدراجهم ضمن قاعدة البيانات الموحدة، وتمكينهم من الحصول على مستحقاتهم المالية وفق الأطر القانونية.

ويرى مراقبون أن نجاح هذه المرحلة يمثل خطوة مفصلية نحو إعادة بناء المؤسسة العسكرية اليمنية، بما يمكنها من أداء دورها في حفظ الأمن والاستقرار، ومواجهة التحديات الأمنية، في ظل دعم إقليمي ودولي يركز على تعزيز مؤسسات الدولة.