حين يتحدث الشعراء عن مهنتهم

تعريفات تنبئ عن شخصيات قائلها

أحمد شوقي  -  ميخائيل نعيمة
أحمد شوقي - ميخائيل نعيمة
TT

حين يتحدث الشعراء عن مهنتهم

أحمد شوقي  -  ميخائيل نعيمة
أحمد شوقي - ميخائيل نعيمة

تعودنا أنْ نقرأ تعريفات متعددة عن الشعر، من ألسنة الشعراء والنقاد، ولكن النقاد كان لهم السهم الأطول في هذا المضمار، فقديماً شاعت تعريفات أطلقها علماء العربية القدامى عن الشعر، أصبحت «مانفيستو» متداولاً، كقول قدامة بن جعفر إن «الشعر كلام موزون مقفى، وله معنى»، حيث تردد هذا التعريف كثيراً على ألسنة النقاد والأدباء، ما بين مؤيد له ورافض.
وهناك تعريفات كثيرة للشعر أطلقها النقاد انطلاقاً من خزينهم البلاغي، والفلسفي، كتعريف حازم القرطاجني، والسكاكي، وأبو هلال العسكري، وآخرين.
فيما يمنح الشعراء دائماً هذه المهمة للنقاد، منطلقين من المثل الشهير «سعيدٌ من اكتفى بغيره»، علماً بأن معظم تعريفات النقاد عن الشعر تدور في الشعر بلاغياً وجمالياً وفلسفياً وإيقاعياً، وهذه المحاور هي محاور جمالية وفكرية شمر النقاد أذرعهم للحفر فيها، وهكذا اعتدنا أنْ نقرأ تعريفات عن الشعر للنقاد، ولكن حين نقرأ تعريفات للشعر صادرة من الشعراء أنفسهم، فإننا نكون إزاء مرجعيات مختلفة في صياغة التعريف عما يراه النقاد اختلافاً كبيراً.
ولكن هذه المرة وجدت الأمر مختلفاً، حيث جمعت الناقدة الدكتورة سهير أبو جلود، في كتاب عنوانه «ما الشعر؟»، وكنت أظن بادئ الأمر أنه كتاب نقدي يبحث في الشعر، ولكن حين تصفحته وجدت طرافة عالية فيه، فقد جمعت الدكتورة تعريفات الشعراء أنفسهم عن الشعر، والكتاب بصراحة هو أقرب إلى روح قصائد النثر، ولكن المقصدية منها هو رؤية الشعراء للشعر. وقد اجتهدت الناقدة أبو جلود في استنطاق هؤلاء الشعراء، سواء في لقاءات تلفزيونية أو حوارات صحافية أو مقابلات مباشرة أو أبيات شعر قالوها عن الشعر نفسه، لذلك تعددت منابع تلك التعريفات، وهذا جهد حسن في هذا المجال؛ أن تلتقط الناقدة تلك التفوهات، وتجمع في كتاب مستقل، وتقوم أختها مي أبو جلود بترجمة الكتاب كاملاً، حيث تفرد كل صفحة لشاعر ما، وتعريفه الشعر في اللغة العربية، ومن ثم يترجم هذا التعريف في الصفحة ذاتها.
المساحة الزمنية التي أخذتها للشعراء تكاد تكون من بداية القرن العشرين إلى هذا المدة التي نعيشها، حيث نجد تعريفاً للشعر لجبران خليل جبران، ونجد تعريفاً لأنسي الحاج ومحمود درويش أو رعد عبد القادر.
ونوعية الشعراء أو عيناتهم مختلفة، يعني أنهم من بلدان عربية متنوعة، ومن أشكال شعرية متعددة، ومن مدارس فكرية وجمالية مختلفة المشارب والتوجهات، فمنهم التقليدي ومنهم الحداثي.
اللافت في الأمر أن هذه التعريفات تنبئ إلى حد ما عن شخصية قائلها، ومن الممكن رسم جداول أو قوالب نضع فيها الشعراء، وذلك من خلال تعريفهم للشعر، حيث نجد الرومانسيين يعرفون الشعر من زاوية نظر خاصة. فعلى سبيل المثال، نجد ميخائيل نعيمة يعرف الشعر بأنه «غلبة النور على الظلمة، والحق على الباطل، هو ترنيمة البلبل ونوح الورق، الشعر لذة التمتع بالحياة».
فمن خلال هذا التعريف، نستطيع أن نحدد زاوية نظر ميخائيل نعيمة، وهي بالتأكيد رومانسية خالصة، وكذلك جبران خليل جبران يرى أن الشعر عبارة عن «منهل عذب تستقي منه النفوس العطشى، ملك بعثته الآلهة ليعلم الناس الإلهيات، نور ساطع لا تغلبه ظلمة»، وكذلك الشاعر أمين نخلة يقول إن الشعر «طرب يهزك كالغناء الصاخب».
إن هذه النماذج، وغيرها كثير في هذا الكتاب، هي نماذج رومانسية من خلال اللغة المستخدمة في التعريف، ومن خلال الموقف من الشعر أيضاً، وهو الأهم في الأمر، حيث يكفي الرومانسيين أنْ يدغدغ الشعر حواسهم فقط، دون أنْ يكون له موقف من الكون كله، بينما نجد شعراء آخرين يقفون في الجهة المختلفة تماماً مع هذه الرؤية، وهي صخب الشعر وإسهامه بصناعة الحياة، ومقاومة السلطات، وما شابه ذلك، فنزار قباني يرى أن الشعر «غضب طالت أظافره»، وكذلك أحمد مطر يرى أن الشعر «قرين الفعل، هو فن من مهماته التحريض والكشف والشهادة على الواقع والنظر إلى الأبعد»، فيما يرى الشاعر السوداني محمد عثمان أن الشعر «نضال وكفاح». وفي هذا السياق، يعرف تميم البرغوثي الشعر بأنه «الكلام الأكثر كفاءة، لأنه يساهم في تشكيل خيال المحكوم، فيزعزع سلطة الحاكم».
إن مثل هذه الرؤى والتصورات لدور الشعر تحوله إلى أداة تُستخدم لأغراض سياسية واجتماعية، وإن القصيدة لديهم، حالها حال المقالة أو الخطبة المحرضة، إذ الغرض السياسي واضح في تعريفاتهم للشعر، وإن همهم ليس جمالياً قدر ما هو سياسي، وإن الشعر لدى هذه المجموعة الكبيرة من الشعراء هو الوظيفية التي يتحلى بها، فمن دونها يرون أنه عبارة عن هذيانات لغوية، وقد أسهمت الحركات السياسية منذ منتصف القرن الثاني في بث هذه النزعة لدى الشعراء في أن ينظروا إلى الشعر سلاحاً لا أكثر.
فيما وجدت بعضاً من هذه التعريفات يكاد يكون صورة شخصية عن صاحب التعريف، حيث ينطوي على معظم ملامح صاحبه، إذ يرى حسب الشيخ جعفر أن «الشعر لا يعيش إلا في الظل، وفي الظل تتوهج الروح وتتعرى»، ويكاد ينطبق هذا التعريف بشكل كامل على شخصية حسب الشيخ جعفر، التي لا تعيش إلا في الظل، ولا تتوهج إلا في الوحدة، كما هو معروف عنه وعن سيرته، رغم أهمية نتاجه الشعري في خريطة الشعر العربي، إلا أنه لا يحب إلا الظل، بينما الشعراء الذين ولدوا في قصر وعاشوا فيه وماتوا يرون أن الشعر له شأن آخر، لا دخل له بالثورات وهوسها، ولا بالغربة وشجونها، حيث يرى الشاعر أحمد شوقي أن الشعر «إنْ لم يكن ذكرى وعاطفة وحكمة، فهو تقطيع أوزان»، وهنا أيضاً انعكست حياة شوقي على نظرته لوظيفة الشعر بالنهاية.
الكلام كثير في هذا الإطار، والتعريفات كثيرة، رغم أنها لم تشمل جميع الشعراء، فمن الصعب جرد تفوهات الجميع حول الشعر، ولكن ما شدني في هذا الكتاب الشيق هو المختارات التي جُمعت للشعراء حول الشعر، وإمكانية البحث عن مرجعيات هؤلاء الشعراء من خلال تعريفاتهم للشعر، فقد توزعوا ما بين الرومانسيين والواقعيين، وما بين البلاغيين والصناع المهرة، وما بين الرائين بأن الشعر لا وظيفة له إلا الشعر.

- شاعر وأكاديمي عراقي



رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
TT

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)

غيّب الموت سيدة الشاشة الخليجية، الفنانة الكويتية حياة الفهد، عن عمر ناهز الـ78 عاماً.

عاشت الراحلة منذ بداياتها الأولى في ستينات القرن الماضي حتى رحيلها أمس، عبر الشاشة في بيوت الخليجيين، وتركت خلفها تاريخاً فنياً عصياً على النسيان.

بدأت الفهد رحلتها الفنية في وقت كان فيه حضور المرأة الخليجية في مجال التمثيل محدوداً ومحاطاً بحساسيات اجتماعية، ورغم ذلك دخلت المجال بخطوات مترددة لكنها حاسمة، وشقّت طريقها في بيئة لم تكن مهيأةً بالكامل لتقبّل هذا الحضور النسائي، وهو ما جعل تجربتها الأولى تتجاوز فكرة «الدور» إلى معنى أوسع في كسر الحاجز، وفتح الباب.


مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
TT

مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)

أعلن علماء، الثلاثاء، أن مركبة «كيوريوسيتي» المتنقلة التابعة لوكالة «ناسا» اكتشفت المزيد من «لبنات الحياة» على سطح المريخ، وذلك بعد إجراء تجربة كيميائية لم يسبق لها مثيل على أي كوكب آخر، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأكد الفريق الذي تقوده وكالة «ناسا» أن الجزيئات العضوية ليست دليلاً قاطعاً على وجود حياة سابقة؛ إذ يحتمل أنها تشكلت على سطح المريخ أو سقطت نتيجة اصطدامها بالنيازك.

إلا أنها تكشف عن أن هذه المؤشرات حفظت في الصخور لأكثر من ثلاثة مليارات عام، عندما كان يعتقد أن الكوكب يضم مياهاً سائلة، وفق ما نشرت مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز».

وحملت «كيوريوسيتي»، وهي بحجم سيارة، أنبوبين من مادة كيميائية تسمى TMAH وتستخدم لتحليل المواد العضوية ومعرفة مكوناتها.

وقالت عالمة الأحياء الفلكية العاملة في مهمة «كيوريوسيتي» إيمي ويليامز لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «هذه التجربة لم تجرَ من قبل على كوكب آخر».

وأكدت ويليامز، وهي المؤلفة الرئيسية لدراسة تصف النتائج، أن الفريق «يرى لبنات الحياة، كيمياء ما قبل حيوية على المريخ، محفوظة في هذه الصخور منذ مليارات السنين».

هبطت مركبة «كيوريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» في قاع بحيرة سابقة تسمى فوهة غيل عام 2012، ومنذ ذلك الحين وهي تبحث عن دلائل على وجود حياة سابقة محتملة.

وخلال تجربة أجريت عام 2020 باستخدام مادة TMAH، تم رصد أكثر من 20 جزيئاً عضوياً، بينها مركب «بنزوثيوفين» الموجود أيضاً في النيازك والكويكبات.

وقالت ويليامز إن «المواد نفسها التي هطلت على المريخ من النيازك هي نفسها التي هطلت على الأرض، وربما وفرت اللبنات الأساسية للحياة كما نعرفها على كوكبنا».

وأشارت دراسة جديدة نشرت في مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز» إلى أن المهمات المستقبلية قد تستفيد من تجربة «كيوريوسيتي» التي أثبتت نجاح التجارب التي تستخدم مادة TMAH على عوالم أخرى.

وستحمل مركبة «روزاليند فرانكلين» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، والتي تتميز بحفارة أطول بكثير من «كيوريوسيتي»، هذه المادة الكيميائية إلى المريخ.

وأعلنت «ناسا»، الأسبوع الماضي، أن مركبة الفضاء التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية ستنطلق الآن نحو المريخ في أواخر عام 2028. وستكون المادة الكيميائية أيضاً على متن مركبة «دراغون» الدوارة، المقرر إطلاقها عام 2028 في مهمة لاستكشاف قمر تيتان التابع لكوكب زحل.


أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
TT

أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

يقطع المهندس المعماري محمد رجب يومياً أكثر من 30 كيلومتراً للذهاب إلى موقع عمله في الامتداد الصحراوي لمحافظة الجيزة (غرب القاهرة) حيث يشارك في بناء «كمبوند سكني فاخر»، وهو على يقين من أنه لا يمكنه أن يسكن فيه أو أي أحد من أولاده يوماً ما: «نبني لطبقات غنية. أما نحن فنسكن في إحدى المناطق الشعبية في الجيزة».

ويذكر أن شعور رجب بالتفاوت الطبقي الكبير يتزايد كلما سمع عن الأرقام التي تباع بها الوحدات التي يشارك في بنائها، ويقارنها براتبه هو وأصدقائه حيث «الفيلا الواحدة تباع بـ50 مليون جنيه» (الدولار الأميركي يعادل نحو 52 جنيهاً)، «وهو مبلغ لن أتحصل عليه طوال حياتي المهنية داخل مصر».

ووفق خبراء إسكان وعلم اجتماع، فإن بعض المشروعات السكنية في مصر اعتمدت خلال العقود الماضية على تغذية «مشاعر الفصل الطبقي»، بأسلوب المساحات المعزولة والمغلقة. يقول رجب بنبرة يملؤها الشجن: «بعد الانتهاء من عملي، لن يسمح لي الأمن بدخول المكان الذي شاركت في بنائه».

وأطلقت شركة هشام طلعت مصطفى العقارية أخيراً أحدث مشروعاتها العقارية شرق القاهرة «The Spine»، بأسعار مرتفعة جداً، وهو ما عزاه أحد مندوبي المبيعات بالشركة إلى أنها «أول مدينة ذكية استثمارية تقوم بالكامل على الذكاء الاصطناعي في العالم»، وفق ما ذكره لـ«الشرق الأوسط» عند الاستفسار هاتفياً عن طبيعة وأسعار الوحدات بالمشروع.

أحد المشاريع في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وكان رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي وعدد من الوزراء قد شاركوا في مؤتمر صحافي للإعلان عن المشروع الضخم، السبت. وأثنى مدبولي عليه قائلاً إن «استثماراته تتجاوز 1.4 تريليون جنيه، ويوفر أكثر من 155 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة كما يحقق عوائد ضريبية تتجاوز 800 مليار جنيه».

ويصل سعر الوحدة الكبرى (3 غرف نوم) في مشروع «The Spine» بمساحة 116 متراً، 50 مليون جنيه، ويضم المشروع 165 برجاً، داخل «مدينتي» المشروع السابق للشركة، على مساحة 5 كيلومترات. بينما تُطرح نفس مساحة الوحدة في مشاريع أخرى لـ«طلعت مصطفى» بـ10 ملايين جنيه.

ويُرجع موظف قسم المبيعات ارتفاع سعر الوحدات في المشروع إلى «المزايا الكبيرة والمختلفة فيه، منها شبكة المواصلات الضخمة تحت الأرض، ما يضع أماناً إضافياً إذا ما رغب السكان في التجول، ويحافظ على البيئة. كما أن ساكنه لن يحتاج إلى إطلاق الأوامر حتى تشتغل الإضاءة أو التكييف أو غيرهما من المهام في المشاريع الذكية، يكفي أن يُدخل البيانات لأول مرة، ليعرف الذكاء الاصطناعي تفضيلاته، ويعمل كل شيء نيابة عنه، يفتح المصعد، وباب الوحدة، ويضبط التكييف والإضاءة، حتى قبل أن تصل إلى شقتك».

أما سعر الوحدة ذات غرفة النوم الواحدة، بمساحة 77 متراً، فتصل إلى 20 مليون جنيه. وتقدم الوحدات بنظام تقسيط، أقل مقدم حجز فيها 160 ألف جنيه للمكتب الإداري، و250 ألف جنيه للوحدة السكنية، مع قسط نحو 50 ألف جنيه شهرياً، إلى جانب دفعات سنوية بمتوسط نصف مليون جنيه.

ووُصفت هذه الأسعار عبر مستخدمي مواقع التواصل بـ«المبالغ فيها وغير المنطقية»، وسط انتقاد الاهتمام اللافت بالمشروعات العقارية والإسكان الفاخر وعدم التركيز على توطين الصناعة والتكنولوجيا.

دار الأوبرا داخل مدينة الفنون في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وتتعزز هذه الانتقادات في وقت وصل فيه التضخم في مصر إلى 15.2 في المائة على أساس سنوي في مارس (آذار) الماضي، مرتفعاً نحو 2 في المائة عن فبراير (شباط) الماضي. بالإضافة إلى ارتفاع نسب الفقر إلى 32.5 في المائة، وفق تقرير للبنك الدولي عن مستوى الفقر في مصر عام 2022. مقارنة بـ29.7 في المائة في العام المالي 2019-2020.

وخلال السنوات الخمس الماضية، تراجعت قيمة الجنيه أمام الدولار بشكل حادّ، وارتفعت معدلات التضخم لمستويات غير مسبوقة، إذ انخفضت قيمة الجنيه من 15.5 جنيه في 2020 إلى 50 جنيهاً في 2025، ما ترتب عليه انخفاض القوة الشرائية للمواطنين، ما دفع الحكومة المصرية إلى رفع الحد الأدنى للأجور للعاملين في القطاع العام ليصبح 8 آلاف جنيه مصري شهرياً اعتباراً من يوليو (تموز) المقبل.

ويرى الكاتب الاقتصادي والخبير في أسواق المال، محمد مهدي عبد النبي، أن «المشروع الأحدث يعكس توجهاً من الدولة لفتح سوق عقارات دولي في مصر، لجذب عملة صعبة تساعد على تحسين أزمة العملة الأجنبية في مصر، ما سيؤثر إيجابياً على الاقتصاد الكلي، لكن في الوقت نفسه سينعكس سلباً على أسعار العقارات التي تستطيع شراءها الطبقة الوسطى، وسيزيد نسب التضخم في المجال العقاري».

ويتوقع عبد النبي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «أن يكون الأجانب، وبعض المواطنين العرب وبعض المصريين في الخارج الذين راكموا ثروات كبيرة، هم القادرين وحدهم على الشراء في مشروعات الإسكان الفاخر بمصر، أي أنه يستهدف ذوي الملاءة المالية الواسعة».

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

وهو ما أكّده موظف المبيعات في مجموعة «طلعت مصطفى»: «نستهدف بشكل أساسي الأجانب والعرب، لشراء الوحدات التي سيتم تسليم أول دفعة فيها بعد 5 سنوات».

الباحثة الثلاثينية منى محمد، تابعت الإعلانات التي تروج لمشروعات الإسكان الفاخر بالآونة الأخيرة، وقالت: «عانيت قبل عامين خلال رحلة بحثي عن شراء شقة بمنطقة حدائق الأهرام (غرب القاهرة)، ولأن المبلغ المطلوب كان (مليون جنيه) أكبر من إمكاناتي المادية أنا وزوجي، اضطررت لبيع مصوغاتي الذهبية والاقتراض حتى نتمكن من دفع ثمنها».

وتعلق منى على مشروعات الإسكان الفاخر، وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا النوع من المشاريع يستفز مشاعر أبناء الطبقات الوسطى والدُنيا حتى الطبقة الغنية، التي ستجد نفسها جارة لطبقات أكثر رفاهية، وتتمتع بمزايا ليست لديها، وغالباً سيكونون من غير المصريين».

واعتبر رئيس الوزراء المصري مشروع «The Spine»: «عالمياً بكل المقاييس، ويحقق نقلة حقيقية في شكل التنمية العمرانية والنمو الاقتصادي للدولة المصرية».

ويرى الباحث في الإنثروبولوجيا، وليد محمود، أن «الكومباوندات السكنية أصبحت جزءاً بارزاً من المشهد العمراني في مصر، تعكس طموحاً نحو حياة أكثر تنظيماً ورفاهية، معتمدة على الخصوصية، والخدمات المتكاملة، والمساحات الخضراء، ما يجذب شريحة واسعة من الطبقة المتوسطة العليا والطبقة الميسورة للإقامة فيها».

خبراء يرون أن المساكن المرفهة تعمّق الهوة الاجتماعية في مصر (شركة طلعت مصطفى)

وأضاف محمود لـ«الشرق الأوسط» أنه «بعيداً عن الصورة المثالية التي تروج لها الحملات الإعلانية، يبرز تساؤل مشروع حول التأثيرات الاجتماعية لهذه الظاهرة، التي تعزز فكرة الانفصال الطبقي، وتخلق تصوراً بأن الحياة الأفضل لا تتحقق إلا داخل هذه الأسوار»، مشدداً على أن «الأزمة لا تقتصر على مفهوم الكمبوندات، بل في اتساع الفجوة بين أنماط السكن المختلفة، وما يصاحبها من شعور متزايد بعدم التكافؤ». على حدّ تعبيره.