بيكفورد... من لاعب هاوٍ إلى بطل في كأس العالم خلال 6 سنوات

حارس المرمى ساهم في تحويل أحلام الإنجليز إلى حقيقة بتأهلهم لدور الثمانية

بيكفورد ينقذ الركلة الخامسة التي نفذها كارلوس بيكا (إ.ب.أ)
بيكفورد ينقذ الركلة الخامسة التي نفذها كارلوس بيكا (إ.ب.أ)
TT

بيكفورد... من لاعب هاوٍ إلى بطل في كأس العالم خلال 6 سنوات

بيكفورد ينقذ الركلة الخامسة التي نفذها كارلوس بيكا (إ.ب.أ)
بيكفورد ينقذ الركلة الخامسة التي نفذها كارلوس بيكا (إ.ب.أ)

يتمتع حارس مرمى المنتخب الإنجليزي جوردان بيكفورد بثقته الكبيرة في قدراته وإمكانياته، وتواضعه الشديد في الوقت نفسه، وقد يعود السبب في ذلك جزئياً إلى الفترات الصعبة التي لعب خلالها على سبيل الإعارة مع ناديي دارلينغتون وألفريتون. ولم يستغرق الأمر وقتاً طويلاً بالنسبة لبيكفورد لكي يدرك أن ثقته بنفسه ستكون أحد أهم مقوماته في رحلته الصعبة بعد الرحيل عن أكاديمية سندرلاند للناشئين، والدخول في معترك صعب في «عالم الرجال»، وهو الأمر الذي وصفه الحارس البالغ من العمر 24 عاماً قائلاً: «لقد تعلمت كثيراً من اللعب في أجواء صعبة مع رجال أقوياء».
ولا يزال واين برادلي، رئيس نادي ألفريتون الذي يلعب حالياً في دوري الدرجة السادسة في إنجلترا، يحتفظ ببعض الذكريات الرائعة عن بيكفورد، والمباريات الخمس التي حافظ فيها على نظافة شباكه خلال 12 مباراة خاضها مع الفريق على سبيل الإعارة، لكي يلعب مكان الحارس المصاب فيل بارنيس عام 2013. وسرعان ما لاحظ برادلي التناقض الواضح بين هذا الشاب حسن السلوك خارج الملعب وهذا الرجل صاحب الشخصية القوية، الذي يسيطر على كل شيء داخل منطقة الجزاء في أثناء المباريات. يقول برادلي: «جوردان كان رجلاً جيداً، وبقى كما هو ولم يتغير، وكان خجولاً بعض الشيء، لكن بمجرد أن يدخل إلى أرض الملعب، تتغير شخصيته تماماً، ويركز بشكل كامل، ويلتزم التزاماً شديداً».
وكان نادي ألفريتون يأتي ضمن المرحلة الثانية من الأندية التي لعب لها بيكفورد، والتي بدأت باللعب مع دارلينغتون، قبل أن ينتقل للعب مع أندية بورتون وكارلايل وبرادفورد وبريستون. التحق بيكفورد بأكاديمية نادي سندرلاند للناشئين وهو في سن الثامنة، ثم انتقل للعب في نادي دارلينغتون في يناير (كانون الثاني) 2012، وخاض مع النادي 17 مباراة. وكان المدير الفني لنادي دارلينغتون، آنذاك، كريغ ليدل، يواجه مشكلات كبيرة وحظراً على التعاقد مع لاعبين جدد، لكنه نجح في التعاقد مع الحارس الصاعد.
يقول ليدل، الذي يشغل حالياً منصب رئيس أكاديمية نادي ميدلسبره: «كان نادي داريلنغتون يواجه عقوبة تمنعه من التعاقد مع لاعبين جدد، وهو ما يعني أنه كان بإمكاننا فقط التعاقد مع لاعبين تحت 19 عاماً. ولولا هذه العقوبة، لكنا تعاقدنا على الأرجح مع حارس مرمى صاحب خبرات كبيرة، لكنني كنت قد أشرفت على تدريب جوردان عندما عملت مع فريق سندرلاند تحت 12 عاماً. ورغم أنه كان لا يزال صغيراً في هذا التوقيت، فإنه كان من الواضح أنه لاعب موهوب».
وأضاف: «كان جوردان في السابعة عشرة من عمره عندما جاء إلى دارلينغتون، وبالتالي كان من المنطقي أن تشعر بالقلق عندما تدفع بلاعب في هذه السن الصغيرة في مباريات صعبة، لكنه كان جاهزاً ولائقاً للقيام بمهمته على أكمل وجه. لقد شارك في أول مباراة له مع الفريق أمام 7 آلاف متفرج أمام نادي فليتوود. صحيح أننا خسرنا في هذه المباراة بهدف دون رد، لكن بعد مرور 10 دقائق فقط من عمر المباراة، خرج جوردان بكل قوة وسط عدد كبير من اللاعبين لكي يلتقط الكرة التي لعبت من ركلة ركنية، وأدركت حينها أنه سيكون حارس مرمى كبيراً وعلى قدر المسؤولية».
ونظراً لأن نادي دارلينغتون كان قد أفلس، وكان يواجه شبح الهبوط، فقد استقبل بيكفورد 11 هدفاً في أول 5 مباريات له مع الفريق. ويقول ليدل عن ذلك: «لقد ارتكب بيكفورد بعض الأخطاء، لكننا كنا نتوقع ذلك. غير أن الشيء المذهل حقاً كان يتمثل في أنه لم يدع أي خطأ تؤثر عليه، أو تجعله يشعر بالغضب. وعلاوة على ذلك، لم يكن بيكفورد رغم سنه الصغيرة يخاف من أن يصرخ بأعلى صوته في لاعبين في ضعف سنه، إذا رأى أنهم يقومون بشيء غير صحيح. لقد كان يصرخ في اللاعبين الذين يلعبون أمامه، ولم يكن يخاف منهم على الإطلاق». ويقول ليدل عن شخصية بيكفورد: «لقد كان جوردان دائماً شخصاً واثقاً في نفسه وفي قدراته بشكل يثير الإعجاب، لكنه كان وقبل كل شيء شخصاً محبوباً ومتواضعاً، ولم تتغير شخصيته حتى الآن».
وأمضى بيكفورد 3 أشهر مع نادي ألفريتون، قدم خلالها الأداء القوي نفسه الذي قدمه مع دارلينغتون. وكانت السمعة الجيدة التي يتمتع بها المدير الفني لنادي ألفريتون، آنذاك، نيكي لو، أحد الأسباب التي جعلت المدير الفني لنادي سندرلاند، آنذاك، مارتن أونيل، يوافق على إعارة بيكفورد. ويقول لو، الذي يعمل الآن مع نادي بيرنلي: «وافق سندرلاند على إعارة جوردان لنا لأنه يعرف أنه سيُختبر بقوة هنا. لقد كانوا يعرفون أن اللاعبين الشباب لا يأتون إلينا من أجل المرح، وأنهم سيتعرضون لتقييم حقيقي»، وأضاف: «ومع ذلك، كان جوردان لاعباً مختلفاً. صحيح أنه كان لاعباً لا يملك أي خبرات، لكن كان يمكنك بسهولة أن ترى أنه سيصبح لاعباً كبيراً. لم يكن بيكفورد يمتلك قدرات خاصة فحسب، لكنه كان يمتلك قدرات ذهنية جيدة أيضاً، على عكس كثير من اللاعبين صغار السن الذين يكونون ضعفاء للغاية من الناحية الذهنية، ويعتقدون أن الأمر كله يتعلق بارتداء الأحذية الجيدة. لكن جوردان كان رائعاً حقاً، ولم يكن يخاف من أي شيء».
وأعجب نادي ألفريتون كثيراً بمستوى بيكفورد، وحاول الحصول على خدماته بشكل نهائي من سندرلاند. يقول برادلي: «لقد حاولنا شراءه بشكل نهائي عندما انتهت فترة إعارته، لكننا لم ننجح في ذلك. هل يمكننا أن نتخيل ماذا كان سيحدث لو كنا قد نجحنا في شرائه؟»، وأضاف: «عندما تفكر في أنه قد انتقل من اللعب مع ألفريتون للعب في كأس العالم باعتباره الحارس الأول للمنتخب الإنجليزي في غضون 5 سنوات فقط، فهذا أمر لا يصدق. إنه يستحق الإشادة على ذلك، لكنا نادينا أيضاً يستحق الثناء، ونحن فخورون لأننا قد لعبنا دوراً في تطوره»، وتابع: «لم نعتقد مطلقاً بأننا سنرى يوماً ما لاعباً سابقاً في صفوف نادي ألفريتون سيكون الخيار الأول في مركزه مع المنتخب الإنجليزي الأول. نحن سعداء لجوردان، ونتمنى له كل التوفيق في كأس العالم».
وبعد أن احتفى بيكفورد ولاعب الوسط إريك دير - بطلا المباراة التي فازت بها إنجلترا الثلاثاء على كولومبيا بركلات الترجيح في دور الستة عشر لبطولة كأس العالم بروسيا، بالانتصار التاريخي لمنتخب بلادهما، وتأهله إلى دور الثمانية من المونديال، قال بيكفورد، أحد أبرز اللاعبين خلال فقرة الركلات الترجيحية، بعدما تصدي للركلة الخامسة لكولومبيا التي نفذها اللاعب كارلوس بيكا: «كحارس مرمى، يسعدني أنني تمكنت من مساعدة فريقي، هذا شيء مذهل، ولكننا استحققنا الفوز». ومن جانبه، أعرب إريك دير عن شعوره بالارتياح، بعد أن سجل من الركلة الخامسة للمنتخب الإنجليزي، ليقود الأخير إلى دور الثمانية.
وقال دير، لاعب توتنهام الإنجليزي: «في الحقيقة، ينتابني شعور رائع، التسجيل من الركلة الأخيرة كان شيئاً جميلاً للغاية، إنها لحظة عظيمة».
وبعد أن فازت بأول مبارياتها في الأدوار الإقصائية للمونديال منذ عام 2006، تلتقي إنجلترا اليوم في دور الثمانية مع السويد.


مقالات ذات صلة

«مونديال 2026»: هالاند يسعى لمواصلة «الغزارة التهديفية» أمام العراق

رياضة عالمية إيرلينغ هالاند يسعى لمواصلة التهديف أمام العراق (أ.ب)

«مونديال 2026»: هالاند يسعى لمواصلة «الغزارة التهديفية» أمام العراق

سيسعى إيرلينغ هالاند ماكينة الأهداف، لافتتاح سجله التهديفي في كأس العالم لكرة القدم، عندما تواجه النرويج منتخب العراق الثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (بوسطن)
رياضة عربية حسام حسن المدير الفني لمنتخب مصر (أ.ب)

حسام حسن: كرة القدم ليست مجرد لعبة بمصر

أكد حسام حسن، المدير الفني لمنتخب مصر، سعادته بتمثيل الفراعنة في نهائيات كأس العالم 1990 لاعباً، مشيراً إلى أنه كان جزءاً من جيل صنع تاريخاً للكرة المصرية.

«الشرق الأوسط» (سياتل)
رياضة عربية الموهبة المغربية الشابة أيوب بوعدي كتب شهادة ميلاده أمام البرازيل (أ.ف.ب)

«مونديال 2026»: الموهبة المغربية الصاعدة بوعدي يشق طريقه بثقة

بدأ الموهبة الشابة أيوب بوعدي أولى مبارياته الدولية الرسمية بخطى واثقة.

«الشرق الأوسط» (إيست رذرفورد)
رياضة عالمية تقارير إعلامية بريطانية أفادت بأنه تم توجيه اللاعبين للبقاء داخل المباني (أ.ب)

تحذير بوجود إعصار يُجبر لاعبي إنجلترا على الاحتماء داخل المباني

دوت صفارات الإنذار في مدينة كانساس سيتي التي يقيم بها المنتخب الإنجليزي المشارك في كأس العالم لكرة القدم للتحذير من وقوع إعصار.

«الشرق الأوسط» (كانساس سيتي)
رياضة عربية جانب من منطقة المشجعين المصريين بالعاصمة الجديدة (صفحة العاصمة على فيسبوك)

مصريون يتحايلون على «التشفير» ويتكيفون مع «فارق التوقيت» لمتابعة المونديال

رغم فارق التوقيت وارتفاع أسعار اشتراكات مشاهدة مباريات كأس العالم المشفرة، فإن عدداً كبيراً من المصريين يتحايلون على تلك التحديات للاستمتاع بالمونديال.

محمد عجم (القاهرة )

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.