ما لا تريد «اللوبيات» الليبرالية الداعمة لطهران فهمه

ليس لإيران كـ«دولة» مشكلة مع أحد... لكنها كـ«أداة للخمينية» لديها مشاكل مع الجميع

ما لا تريد «اللوبيات» الليبرالية الداعمة لطهران فهمه
TT

ما لا تريد «اللوبيات» الليبرالية الداعمة لطهران فهمه

ما لا تريد «اللوبيات» الليبرالية الداعمة لطهران فهمه

مع تحرك عقارب الساعة باتجاه موعد 8 أغسطس (آب) المقبل، وهو المهلة الأخيرة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لكشف النقاب عن المرحلة التالية من سياسته تجاه إيران، يتشكّل «كورس» من الساسة والأكاديميين ورجال الأعمال الغربيين - في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية - هدفه حث ترمب على الالتزام بسياسات سابقيه إزاء نظام الملالي منذ 1979. ولعل أجلى النتائج التحركات الأوروبية الناشطة على صعيد الدفاع عن الاتفاق النووي الإيراني، ونشاط قوى ليبرالية ملتزمة أو غير ملتزمة بالحزب الديمقراطي الأميركي في الاتجاه نفسه.
بطبيعة الحال، تطور كهذا يشجع عناصر داخل السلطة الحاكمة في طهران على التصلّب، ورفض أي تغيير في النهج أو السلوك في طيف من القضايا. ومن هذه القضايا ما ورد في عداد النقاط الـ12 التي أوردها وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو في بيانه المهم حول إيران، وأبرزها محاولة «تصدير الثورة» إلى سوريا ولبنان والعراق والبحرين واليمن وغيرها.
يوم الثلاثاء الفائت رد وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف على بيان وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو بنقاطه الـ12 ببيان مضاد ضم 15 نقطة، ما يؤشر بوضوح إلى عودة سلطات طهران إلى اعتماد سياسات التعطيل والتسويف. أما «الكورس» الذي تشكل – ويتشكل – في الغرب دعماً للنظام الخميني يبني منطقه في مسألة التعامل مع إيران على أساس وجود خيارين لا ثالث لهما هما إما الاستسلام لمشيئة حكام طهران ورغباتهم، أو غزو إيران عسكرياً!
من وجوه «الكورس» المهمة وزير الخارجية الأميركية السابقة مادلين أولبرايت التي طرحت في كتابها الصادر حديثاً «الفاشية: تحذير» سؤالا بسيطاً اختصرت به الخيارات السياسية هو «هل نرغب في تكرار مغامرتنا في العراق؟».
كذلك هناك أحد من خلفوها في وزارة الخارجية جون كيري، الذي ذهب أبعد في دفاعه عن حكام طهران، بجولات قام بها في العواصم الغربية للترويج لفكرة «لا بديل عن القبول بنفوذ إيران» في منطقة الشرق الأوسط.
وهذه الفكرة ردّدها الأكاديمي الأميركي جوشوا لانديس (الأستاذ في جامعة أوكلاهوما)، الذي يعد من أكثر المتحمسين للدفاع عن نظام بشار الأسد في سوريا، بقوله بأن التدخل الإيراني في سوريا، الذي حظي لاحقاً بدعم روسي، حال دون انتصار المعارضة السورية التي تتكون حصراً – حسب رأيه – من «داعش والجماعات المتشددة». ومن ثم، اعتبر ضمناً أن على الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل أن تكونا ممتنّتين لإيران لكونها منعت سقوط الأسد.
ولا يختلف كثيراً تفكير بن رودز، مساعد الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما لشؤون الأمن القومي، الذي عبر عنه ببلاغة في كتابه الجديد «العالم كما هو على حقيقته». رودز يشدد على أن في إيران طبقة وسطى ومجتمعاً متطوراً يصلح لأن يكون نموذجاً أفضل للشرق الأوسط. وهذا الرأي، إذا جرى التعبير عنه بلغة مبسطة يعني أن على واشنطن الاعتراف بحضور إيران في العراق وسوريا ولبنان واعتباره تطوراً إيجابياً.
عودة إلى الدكتور لانديس، الذي يتطرق لهذا الأمر لدى تشديده في تحليل سياسي له بقوله «إنها المرة في التاريخ الحديث التي تربط دول الحزام الشمالي من الشرق الأوسط علاقات طيبة». وبالتالي، إذا كان هناك اتفاق على «بدء التاريخ الحديث» يجوز القول أيضاً بأن الدول التي يقصدها لانديس كانت أيضاً ترتبط بـ«علاقات طيبة» عندما كانت تحت الحكم الاستعماري البريطاني والفرنسي!
ولكن، هل الهيمنة الأجنبية العامل الأوحد لـ«العلاقات الطيبة» بين الدول المتجاورة؟ أكثر من هذا، كيف يمكن وصف العلاقات بين الحكومة اللبنانية المنقسمة على ذاتها، وبقايا نظام الأسد، والنخب السياسية العراقية بأنها «طيبة» وأن الدور الذي تلعبه طهران في الدول الثلاث (العراق وسوريا ولبنان) بأنه لمصلحة شعوبها.
- نظام الخميني نموذجاً
فكرة أن يكون نظام الخميني نموذجاً مثالياً استوحيت من مفهوم «نماذج للتنمية» العائد لعقد الستينات من القرن الماضي. غير أنه ينظر إلى هذا المفهوم اليوم على أنه أقرب إلى خداع فكري منه إلى دليل إرشادي جدّي للتحليل السياسي – الاجتماعي. حتى الديمقراطيات الغربية، رغم جوانب الشبه فيما بينها وتقاسمها الكثير من القيَم الثقافية والدينية، بنيت وفق تصاميم وأوصاف مختلفة. ومن ثم، لا يوجد ما يبرر لماذا يتوجب تشجيع دول الشرق الأوسط – بل حتى إجبارها – على اعتماد نظام «ولاية الفقيه» نموذجاً مثالياً لها.
وسواءً يجري عن عمد أو عن جهل، فإن سوء فهم أو رفض قراءة الدور السلبي المُقلقل الذي يلعبه النظام الإيراني في المنطقة وما هو أبعد من حدودها، أدى إلى ما يمكن وصفه بشلل سياسي يلم بالديمقراطيات الغربية وحلفائها بينما يواجه هذا النظام معارضة متزايدة من الشعب الإيراني. وهذا الشلل يشجع راهناً القيادة في طهران على رفض الإصلاح داخلياً والمقاربات التسووية العاقلة خارجياً خدمة للسلام والاستقرار.
«المرشد الأعلى» علي خامنئي في إحدى كلماته اللافتة قال: «حكام أميركا حلموا دائماً بإجبارنا على تغيير سلوكنا، لكنهم أخفقوا»، وأردف «خمس إدارات رئاسية انتهت وغربت من دون أن تحقق هذا الحلم المستحيل. والشيء نفسه سيتكرّر مع الإدارة الحالية».
- الحلم الأميركي المستحيل
حقيقة الأمر، أن هذا التحليل من خامنئي ليس بعيداً تماماً عن الصواب، ذلك أن عدداً من الرؤساء الذين تعاقبوا على البيت الأبيض حاولوا جهد طاقتهم إقناع النظام الخميني في طهران بتعديل بعض جوانب سياسته الخارجية، ولكن حتى اللحظة باءت كل المحاولات بالفشل. ولعل السبب في ذلك أنه إما لم تتوافر القدرة أو لم تتوافر الرغبة عند هؤلاء الرؤساء المتعاقبين، ومعهم لفيف من النخب السياسية والثقافية الأميركية، في إدراك طبيعة النظام الخميني.
الرئيس جيمي كارتر تصوّر أن استيلاء الخميني على السلطة مثّل عودة الدين إلى قلب الحياة العامة. ولذا، حرصت إدارته على وصف الخميني بـ«رجل مقدس» و«غاندي الإسلام». كما بعث كارتر برسائل إلى الخميني «من رجل مؤمن إلى رجل مؤمن»، بل، وأمر باستئناف بيع الأسلحة لإيران. وفي نهاية المطاف، كلنا يتذكر كيف كوفئ كارتر.
وجاء رونالد ريغان إلى الرئاسة، وهو الذي كان قد زار إيران قبل سنة واحدة من الثورة الخمينية، وكان أدرى بالإيرانيين من كارتر. ذات يوم وصف ريغان الساسة الإيرانيين بأنهم «تجار سجّاد وعاقدو صفقات». ولم يلبث أن هرّب للملالي الأسلحة التي كانوا بحاجة إليها لوقف زحف الجيش العراقي أبعد داخل إيران، وأهدى آية الله كعكة حلويات ضخمة على شكل قلب، ونسخة تحمل توقيعه من الإنجيل ومسدسين من أحدث الطرازات. وفي النهاية، كانت الحصيلة الأهم فضيحة «إيران – كونترا» (إيران غيت) التي هزّت رئاسة ريغان.
وبعد ذلك، مع الانشغال بمعالجة تداعيات تلك الفضيحة، أحجم الرئيس جورج بوش الأب - الذي خلف ريغان في البيت الأبيض – عن تطوير أي سياسة حقيقية تجاه إيران باستثناء إجراء مباحثات سرّية مع جناح علي أكبر هاشمي رفسنجاني لم تسفر عن شيء باستثناء طمأنة سلطات طهران إلى أنهم استطاعوا تحييد «الشيطان الأكبر» الأميركي.
إعجاب كلينتون... واعتذاره
وجاء الرئيس بيل كلينتون، بعد بوش الأب. ورأى كلينتون في النظام الخميني نظاماً «تقدمياً»، وهو الرأي الذي يتقاسمه معه كثيرون من الليبراليين الأميركيين الذين يذهب بعضهم إلى حد اعتبار إعلان العداء لواشنطن علامة أكيدة على المعتقدات التقدمية. وذات يوم من عام 2005، على هامش «منتدى دافوس الاقتصادي» في سويسرا، قال كلينتون: «إيران اليوم، بطريقة ما، هي البلد الوحيد الذي تتمتع فيه الأفكار التقدمية بقاعدة شعبية هائلة. هناك، تدافع الغالبية عن الأفكار التي أؤمن بها». ثم قال في مقابلة تلفزيونية، مع تشارلي روز: «إيران البلد الوحيد في العالم، الوحيد الذي تجرى فيه انتخابات، بما في ذلك الولايات المتحدة... بما في ذلك إسرائيل... بما في ذلك ما شئت، حيث ربح الليبراليون أو التقدميون بين الثلثين و70 في المائة من الأصوات في ستة انتخابات، منها انتخابان للبرلمان وانتخاب للمجلس، وانتخابات للبلديات. وفي كل انتخاب حصل أولئك الذين يقتربون من تفكيري بين الثلثين و70 في المائة من الأصوات. ليس هناك بلد في العالم أستطيع أن أقول هذا الكلام عنها... حتى بلدي».
أضف إلى ما سبق، أن كلينتون، ومعه وزير خارجيته مادلين أولبرايت، اعتذرا للملالي عن «جرائم» غير محدّدة ارتكبتها «حضارتي»، وأزال جملة من العقوبات كانت قد فرضت على النظام الإيراني بعد عملية خطف الرهائن الأميركيين في طهران.
ما هي تلك الجرائم؟ أجاب كلينتون موجزاً «إنها قصة محزنة بدأت حقاً خلال عقد الخمسينات عندما أطاحت الولايات المتحدة السيد (محمد) مصدّق، الذي كان سياسيا منتخباً بصورة ديمقراطية، وأعادت الشاه الذي أطاحه لاحقاً آية الله الخميني، ودفعتنا إلى أحضان صدام حسين. لقد أزحنا ديمقراطية برلمانية (في إيران) في الخمسينات: على الأقل هذا ما أؤمن به».
ما لا يعرفه الرئيس كلينتون، أن نظام الخميني الذي يعجب به أيما إعجاب لا يعامل محمد مصدّق إطلاقاً كبطل وطني، بل يكيل عليه مختلف الافتراءات. وكان من الخطوات الأولى التي اتخذها الملالي بعد استيلائهم على الحكم إزالة اسم مصدّق عن أحد شوارع طهران.
- بوش الابن... ثم أوباما
بعد دخول جورج بوش الابن البيت الأبيض، فإنه انشغل تماماً بملفي أفغانستان والعراق لدرجة أنه لم يهتم كثيراً بشؤون إيران. ولكنه، مع هذا، حاول خلال فترته الرئاسية الثانية إقناع الملالي بتغيير سلوكهم. وزيرة خارجيته كوندوليزا رايس أرسلت دعوة - كي لا نقول رسالة توسّل – إلى الملالي لـ«حوار بناء». غير أنهم ردوا بقتل أتباعهم والميليشيات التابعة لهم مزيداً من العسكريين الأميركيين في كل من أفغانستان والعراق. وبالتالي، لم يتصرف بصورة أفضل من أسلافه.
غير أن أحداً لم يفعل ما فعله باراك أوباما. لم يذهب أي رئيس إلى الحد الذي ذهب إليه أوباما في التقرب من الملالي.
حتى في العام 2009. عندما كانت ميليشيات نظام طهران تقتل الناس في شوارع المدن الإيرانية أيام الانتفاضة الشعبية الواسعة التي عمت البلاد، اختار أوباما تأييد الملالي. واعترف أوباما رسمياً بأن تقترب إيران من أن تغدو «دولة نووية» مقابل تنازلات مشبوهة ومشكوك بصدقيتها قدمتها طهران في إطار ما عرف بـ«الصفقة النووية» التي يدينها دونالد ترمب اليوم.
والحقيقة أن بين أهم أسباب سوء فهم طبيعة النظام الحالي في طهران هو رفض الاعتراف، على امتداد العقود الأربعة الأخيرة، بأن إيران تعاني من انفصام في الشخصية بين «الدكتور جيكل» الطيب و«المستر هايد» الشرير.
- الصورة والواقع
لا شك إطلاقا في جاذبية إيران كشعب وكثقافة. وفاليري جاريت، التي توصف بأنها المستشار الأقرب لأوباما تتذكر بحنين وإعجاب مدينة شيراز، العاصمة الثقافية الإيرانية و«فلورنسا الشرق»، حيث ولدت وترعرعت.
قبل الثورة، كانت شيراز، بعمارتها البديعة تزخر بالحدائق الغناء والطيبات والموسيقى، وكانت تستضيف مهرجاناً دولياً مرموقاً للفنون. كيف يمكن للمرء ألا يقع في هوى شيراز؟
إلا أن المدينة التي عملت فيها شقيقة جون كيري لسنوات، تنتصب فيها المشانق ويجلد المدانون في ساحاتها، وتغص سجونها بالمعارضين السياسيين والجماعات الدينية المغضوب عليها.
النجم السينمائي العالمي شون بن، زار إيران كمراسل غير متفرغ، وكتب تقارير مليئة بالإطراء. شاهد خلال زيارته أصفهان عاصمة إيران القديمة واعتبرها فردوساً أرضياً. ومثل بيل كلينتون، أعجب كثيراً بـ«التقدمية المدهشة» عند من التقاهم. إلا أن ما تجاهله أن إيران تتبوأ الصدارة في العالم في عدد الإعدامات والسجناء السياسيين. وحالياً هناك نحو 15000 رجل وامرأة محكومون بالإعدام وينتظرون الموت في السجون الإيرانية.
نجم سينمائي آخر هو جورج كلوني أغدق المدائح على السينما الإيرانية معتبراً إياها «وحدها الأصلية» في العالم. وبدوره، غض الطرف عن حقيقة أن الأفلام التي أعجب بها، وتشاهد في المهرجانات السينمائية العالمية ممنوعة من العرض داخل إيران، وكثرة من العاملين في قطاع السينما الإيرانية إما مسجونون أو منفيون أو ممنوعون من العمل في هذا القطاع.
- «الدولة»... و«الأداة»
جون كيري، وزير خارجية أوباما، معجب بإيران لأنه يعرف عنها عبر صهره الإيراني المتحدر من عائلة من الطبقة الوسطى في أيام ما قبل الثورة. إلا أنه يجهل أن عائلات كهذه كانت الأشد معاناة من إرهاب الخمينيين وقمعهم، وهذا هو السبب الذي جعلها - بما فيها عائلة صهره - تفر من البلاد للعيش في المنفى.
كـ«دولة - أمة» ليس لإيران مشكلة مع أحد، غير أنها كأداة للفكر الخميني لديها مشاكل مع الجميع، وعلى رأسهم الشعب الإيراني بالذات. والواقع أن النظام لا يخفي كراهيته الشديدة للثقافة الإيرانية، التي يعتبر أن جذورها في «عصر الجاهلية».
ومن ثم، فإن إعجاب كيري بالنظام بسبب الثقافة الإيرانية أشبه بالإعجاب بهتلر بسبب عبقرية غوثه وبيتهوفن، وستالين تقديراً لنبوغ بوشكين وتشايكوفسكي.
لقد أعدم النظام الإيراني عشرات الألوف من الإيرانيين، ودفع نحو ستة ملايين منهم إلى المنافي، وحرم البلاد من حرياتها السياسية. فضلاً عن ذلك، قتل من الأميركيين - بسلاح أتباعه وميليشياته – أكثر مما قتل تنظيم «القاعدة» يوم 11 سبتمبر (أيلول) 2001. ولم يمر يوم من دون أن هناك في قبضته أسرى ورهائن أميركيين وغير أميركيين.
ثم إن النظام نفسه لا يخفي دوره في دعم وإسناد الانقلاب الحوثي في اليمن. وتزعم وكالة «فارس» للأنباء، التابعة للحرس الثوري، أن الحوثيين «يمثلون جزءاً من حركة مقاومة عالمية» تقودها طهران. أما صحيفة «كيهان»، المعبرة عن مواقف «المرشد الأعلى» علي خامنئي، فتزعم أن البحرين جزء من إيران «تخلى عنها» الشاه، ولا بد من استعادتها.
وبما يخص لبنان، فإن الجنرال قاسم سليماني، الرجل المولج بـ«تصدير الثورة»، فلقد حوّل لبنان – حسب كلامه – إلى «دولة مقاومة» تديرها إيران. في حين تباهى آية الله علي يونسي، أحد كبار مستشاري الرئيس حسن روحاني، بأن إيران تتحكم راهناً بأربع عواصم عربية هي: صنعاء وبغداد ودمشق وبيروت. ورغم أن في هذا التباهي شيئا من المبالغة، فإنه يعطي في أي حال صورة عن نمط تفكير حكام إيران الحاليين.
المحلل الإيراني ناصر زماني في تعليق له قال أخيراً «اللوبيات المؤيدة لنظام طهران في الغرب تقوم بعمل مؤذ لكل من إيران وللدول الديمقراطية حيث يعيشون. إنهم يشجعون أوهام نظام طهران التي زجت البلاد في مأزق تاريخي». إلا أن هذا الكلام لا يختصر الحالة ككل.
فناشطو هذه «اللوبيات» يعملون فعلياً على إحباط أي فرصة قد تستغلها القوى الكبرى لاعتماد سياسة تساعد إيران، وتقنعها باستعادة هويتها كـ«دولة – أمة»، والتصرف على هذا الأساس بحيث تطوي صفحة ثورة أغرقت إيران وجزءاً كبيراً من الشرق الأوسط في الفتن والاضطراب.


مقالات ذات صلة

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

حصاد الأسبوع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة

راغدة بهنام (برلين)
حصاد الأسبوع اوربان (آ ب)

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل.

«الشرق الأوسط» (برلين)
حصاد الأسبوع مضيق هرمز.... شريان حيوي لصادرات العراق ((ايبا)

العراق: حكومة بلا صلاحيات حرب... واقتصاد أسير لـ«مضيق هرمز»

بالكاد تمكّنت القوى السياسية العراقية الأسبوع الماضي من إتمام ثاني استحقاق دستوري بعد إجراء الانتخابات البرلمانية أواخر العام الماضي والمتمثل في انتخاب رئيس

حمزة مصطفى ( بغداد)
حصاد الأسبوع مسعود بارزاني (آ ب)

الكتل «المكوناتية» العراقية... والتعايش مع كسر «التوافقية»

> وسط الأجواء المعقدة، فإنه مع عجز كل من القوى الشيعية والكردية العراقية عن حسم مصير منصبي رئيس الحكومة والجمهورية خلال المدة المقرّرة، وهي شهر بعد إجراء


قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.