بيكفورد... حارس مرمى يجيد اللعب في كل المراكز

يبدو أن إنجلترا عثرت أخيراً على أفضل من يحمي عرينها في العرس العالمي

بيكفورد شارك في 30 مباراة مع بريستون نورث بين 2015 و2016
بيكفورد شارك في 30 مباراة مع بريستون نورث بين 2015 و2016
TT

بيكفورد... حارس مرمى يجيد اللعب في كل المراكز

بيكفورد شارك في 30 مباراة مع بريستون نورث بين 2015 و2016
بيكفورد شارك في 30 مباراة مع بريستون نورث بين 2015 و2016

خلال الفترة التي قضاها جوردان بيكفورد في صفوف «سندرلاند»، لعب من حين لآخر في وسط الملعب أثناء المباريات التي كانت تنظم على سبيل التدريب. وخلال هذه المباريات التدريبية، أظهر حارس المرمى مهارات استثنائية من نوعها؛ أبرزها قدرته على إطلاق كرات طويلة شديدة الدقة، الأمر الذي أصبح بمرور الوقت واحدة من السمات المميزة لأدائه.
وكثيراً ما اتفق متابعوه على أن بيكفورد يملك الساق اليسرى الواثقة التي يلهث وراءها كبار المدربين ويبدون استعدادهم لدفع ملايين الجنيهات الإسترلينية للحصول عليها. في هذا الصدد، قال ديفيد مويز، مدرب بيكفورد في ذلك الوقت في فريق سندرلاند: «يشبه الأمر مشاهدة لاعب خط وسط. في الواقع، يملك بيكفورد القدرة على ركل الكرة على نحو جيد للغاية، وكذلك تمريرها بدقة كبيرة عبر مسافات قصيرة أو طويلة. كما أن القدرة على توزيع الكرة ببراعة تمثل عنصراً مهماً هذه الأيام على صعيد حراسة المرمى، وهي مجال يبرع فيه بيكفورد بوضوح».
كان بيكفورد قد انتقل إلى «إيفرتون»، الصيف الماضي، مقابل 30 مليون جنيه إسترليني، واللافت أنه أثبت قدرته على الاضطلاع بدور مهم في مركز قلب الدفاع. وغالباً ما يبدو حارس المرمى، البالغ 24 عاماً، كما لو أنه ولد صانع ألعاب في منتصف الملعب، بجانب أنه يبدو كذلك ظهيرا قشاشا من العيار الممتاز».
من ناحيته، قال كيفين بول، المدير السابق لأكاديمية «سندرلاند»: «استعنت بجوردان قلب دفاع أثناء التدريبات، وعليه فإنه يدرك جيداً كيف يبدو الأمر بالنسبة للمدافعين عندما يقفز حراس المرمى فوق رؤوسهم للتعامل مع التمريرات العرضية. لقد عشق جوردان الأمر، وكان من الممكن بسهولة أن يشارك داخل الملعب قلب دفاع».
وأضاف: «عندما كان يقف في حراسة المرمى، كان لاعبو مركز قلب الدفاع ينتشرون على أمل التقاط الكرة منه، لكنه كان يصوب الكرة باتجاه الأمام بدقة كبيرة. وكنت أقول له: (أطلق الكرة يا جوردان، دعهم يتقدمون بها)، وكان يجيبني: (لماذا؟ أنا أفعل ذلك أفضل منهم). وكان على حق بالفعل. في الحقيقة، يشعر جوردان بالثقة في قدراته وآرائه. وعندما تقول شيئاً يختلف معه، لا يتردد إزاء إبداء اختلافه معك. وأنا شخصياً يروق لي هذا الأسلوب في التعامل».
من ناحيته، ازدهر بيكفورد تحت قيادة بول. وعن هذا الأمر، قال بيكفورد: «كان بول مدرباً رائعاً وحاسماً، ولا يعطينا مساحة للمناورة. كان علينا الاضطلاع بجميع مهام التدريب القديمة وتنظيف غرفة تبديل الملابس...».
من ناحية أخرى، قضى بيكفورد فترات في «دارلينغتون» و«ألفريتون» و«بيرتون» و«كارليسلي» و«برادفورد» و«بريستون»، نجح خلالها في إبهار الجماهير بتصديه لمحاولات تسجيل أهداف وإنقاذه مرماه أكثر من مرة، علاوة على براعته في استخدام قدمه اليسرى التي نجح من خلالها لاحقاً في إمداد جيرمين ديفو بالكثير للغاية من فرص تسجيل الأهداف مع الفريق الأول لـ«سندرلاند».
ويمكن مشاهدة نماذج على هذا الإبداع في لقطات مصورة من كرة أطلقها بيكفورد بقدمه اليسرى من مسافة 75 ياردة لتصل على نحو ممتاز إلى مهاجم إيفرتون دومينيك كالفرت لوين في مباراة انتهت بفوز «إيفرتون» أمام الفريق الكرواتي هايدوك سبليت بنتيجة 2 - 0 في بطولة الدوري الأوروبي، في أغسطس (آب) الماضي. وتؤكد هذه الكرة على وجه الخصوص على موهبة بيكفورد بصفته حارس مرمى قادرا على خلق فرص تسجيل أهداف، بجانب قدرته على التصدي لمحاولات إحراز أهداف في مرماه. وقال بيكفورد: «ليس ثمة مكان للاختباء داخل أندية مثل دارلو وألفريتون».
يذكر أن بيكفورد كان يحضر مباريات النادي الأخير على أرضه برفقة والديه وكان يذهب بصحبتهما في السيارة ويستمتع بتناول الوجبات التي تعدها والدته من الدجاج والمعكرونة أثناء الطريق. وقال: «من خلال مشاركتي في صفوف دارلينغتون وأنا في عمر الـ17، تعلمت الكثير، ففي تلك الفترة تعلمت الوقوف في مواجهة رجال، الأمر الذي شكل اختباراً بدنياً وذهنياً بالنسبة لي أن أقف أمام رجال كبار في مركز قلب الدفاع يلعبون بجدية تامة من أجل تسديد قروض المنازل التي اشتروها بالتقسيط».
الملاحظ أن بيكفورد يتمتع بدرجة عالية من التناغم في الأداء بين عينيه ويديه أسهمت في تألقه داخل الملاعب. وربما ورث هذه الهبة من والده الذي يعمل حالياً بمجال البناء، لكنه سبق أن شارك حارس مرمى في صفوف نادي كاونتي دورهام. بحلول وقت انتقاله إلى بريستون، كان بيكفورد قد أصبح نجماً في انتظار فرصة التألق الكامل.
من ناحيته، قال كريس كيركلاند، حارس مرمى ليفربول السابق الذي لعب بيكفورد بديلا له في بريستون نورث: «لم أرَ في حياتي من يملك قدرة ركل الكرة على النحو الذي يفعله جوردان. ولم يسبق لي في حياتي أن أطلقت كرة لمسافة كتلك التي يحققها جوردان». واستطرد بقوله: «إلا أن أعظم ميزاته تكمن في قدرته على فرض سيطرته على منطقة الجزاء. كل حراس المرمى يتصدون لكرات وينقذون مرماهم، لكن قدرة جوردان على بسط سيطرته على منطقة المرمى أبهرتني. لقد كان يخرج من مرماه للتصدي للتمريرات والكرات العالية بثقة يندر أن تجدها في حارس مرمى في مثل عمره الصغير. كان لاعبا شديد الذكاء».
وتجلت شجاعة بيكفورد عندما كان فتى صغيرا في فريق واشنطن الإنجليزي، وكان يلعب كرة القدم برفقة شقيقه الأكبر بجوار منزل الأسرة على مساحة من الأسفلت اعتاد بيكفورد أن يلقي بنفسه عليها بشجاعة كبيرة وكأنها مساحة من العشب الآمن. أيضاً من السمات التي تميز بيكفورد عن أقرانه في عالم كرة القدم المضطرب اليوم حماسه المتقد. على سبيل المثال، في أعقاب فوز إيفرتون مؤخرا على نيوكاسل يونايتد، الغريم الأكبر لسندرلاند، أطل بيكفورد عبر موقع «إنستغرام» بصورة من الاحتفال بالفوز وكتب عليها رسالة تخلو تماماً من أي حس دبلوماسي، قائلاً: «ليس من شعور أفضل من إبقائهم صامتين».
ولا تزال جذور بيكفورد في شمال شرقي البلاد مترسخة بداخله، وتبقى علاقته وثيقة بأسرته وزوجته التي ارتبط بها بعلاقة عاطفية منذ أن كان في الـ14. وبوجه عام، يبدو بيكفورد على قدر من القوة البدنية والنفسية سيشكل بالتأكيد مصدر تهديد لخصومه في روسيا. وبعد سنوات عدة سعت خلالها إنجلترا جاهدة للحصول على حارس مرمى قادر على التقدم بالمنتخب إلى أعلى أدوار المنافسات الدولية، أخيراً قد تكون قد عثرت على ضالتها المنشودة.
يذكر أن بيتر شيلتون حارس مرمى إنجلترا الكبير في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي قال إن جوردان بيكفورد يجب أن يكون الحارس الأساسي للمنتخب الإنجليزي في كأس العالم وليس جاك بوتلاند أو نيك بوب. وقال شيلتون، الذي مثل إنجلترا في 3 نسخ لكأس العالم بين 1982 و1990، لوسائل إعلام: «سأختار بيكفورد. أعتقد أن بيكفورد أسرع قليلا في استخدام قدميه. جاك رائع في الأمور الكبيرة، لكنه بطيء قليلا في استخدام قدميه. هذا هو الانتقاد الوحيد لهذا الحارس الرائع».
وتابع: «أعتقد أننا سنعرف إمكانات كل الحراس عندما نذهب إلى كأس العالم والضغط الذي سيكون عليهم. لا تعرف الحقيقة سوى في البطولات الكبيرة». وشارك بوتلاند في التشكيلة الأساسية في آخر مباريات إنجلترا الودية استعدادا لكأس العالم التي فازت فيها 2 - صفر على كوستاريكا الخميس قبل الماضي.
وتبدأ إنجلترا مشوارها في كأس العالم بمواجهة تونس يوم 18 يونيو (حزيران) الحالي قبل أن تلعب ضد بنما وبلجيكا.
وكان‬غاريث ساوثغيت مدرب منتخب إنجلترا لمح إلى أن بيكفورد قد يكون الحارس الأساسي للمنتخب في نهائيات كأس العالم، وذلك في معرض إشادته بأدائه في مباراة نيجيريا الودية التي انتهت بفوز إنجلترا 2 - 1. وأثنى ساوثغيت على أسلوب بيكفورد في توزيع اللعب وما أبداه من هدوء.
ولم تضم التشكيلة الحارس المخضرم جو هارت الذي شارك في 75 مباراة دولية. ولم يشارك جميع الحراس الثلاثة سوى في 10 مباريات دولية.
وقال ساوثغيت: «أسعدني حقا أداء جوردان... قراراته في الخروج في الكرات العرضية والكرة التي أبعدها وتوزيعه للعب والهدوء في تمرير الكرة إلى منتصف الملعب... هذا مهم حقا بالنسبة للطريقة التي نريد أن نلعب بها». وتابع: «كانت هناك أسباب قوية جدا لاختيار جوردان في التشكيلة».


مقالات ذات صلة

«مونديال 2026»: هالاند يسعى لمواصلة «الغزارة التهديفية» أمام العراق

رياضة عالمية إيرلينغ هالاند يسعى لمواصلة التهديف أمام العراق (أ.ب)

«مونديال 2026»: هالاند يسعى لمواصلة «الغزارة التهديفية» أمام العراق

سيسعى إيرلينغ هالاند ماكينة الأهداف، لافتتاح سجله التهديفي في كأس العالم لكرة القدم، عندما تواجه النرويج منتخب العراق الثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (بوسطن)
رياضة عربية حسام حسن المدير الفني لمنتخب مصر (أ.ب)

حسام حسن: كرة القدم ليست مجرد لعبة بمصر

أكد حسام حسن، المدير الفني لمنتخب مصر، سعادته بتمثيل الفراعنة في نهائيات كأس العالم 1990 لاعباً، مشيراً إلى أنه كان جزءاً من جيل صنع تاريخاً للكرة المصرية.

«الشرق الأوسط» (سياتل)
رياضة عربية الموهبة المغربية الشابة أيوب بوعدي كتب شهادة ميلاده أمام البرازيل (أ.ف.ب)

«مونديال 2026»: الموهبة المغربية الصاعدة بوعدي يشق طريقه بثقة

بدأ الموهبة الشابة أيوب بوعدي أولى مبارياته الدولية الرسمية بخطى واثقة.

«الشرق الأوسط» (إيست رذرفورد)
رياضة عالمية تقارير إعلامية بريطانية أفادت بأنه تم توجيه اللاعبين للبقاء داخل المباني (أ.ب)

تحذير بوجود إعصار يُجبر لاعبي إنجلترا على الاحتماء داخل المباني

دوت صفارات الإنذار في مدينة كانساس سيتي التي يقيم بها المنتخب الإنجليزي المشارك في كأس العالم لكرة القدم للتحذير من وقوع إعصار.

«الشرق الأوسط» (كانساس سيتي)
رياضة عالمية صادق جالافي وعائلته (رويترز)

​في تيخوانا... جالية إيرانية صغيرة تفرقها السياسة وتوحدها كرة القدم ​

على بُعد حوالي 40 كيلومتراً جنوب الحدود الأميركية المكسيكية بين مطاعم التاكو في ضواحي تيخوانا يرفرف علم يحمل ألوان العلم المكسيكي الأخضر والأبيض والأحمر.

«الشرق الأوسط» (تيخوانا)

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.