ليبيا... توازن قوى جديد

خلافات في الغرب وتقدم للجيش في الشرق... والجنوب يعاني وحيداً

جنود من الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير حفتر خلال عرض عسكري في بنغازي يوم 7 مايو الحالي (أ.ف.ب)
جنود من الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير حفتر خلال عرض عسكري في بنغازي يوم 7 مايو الحالي (أ.ف.ب)
TT

ليبيا... توازن قوى جديد

جنود من الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير حفتر خلال عرض عسكري في بنغازي يوم 7 مايو الحالي (أ.ف.ب)
جنود من الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير حفتر خلال عرض عسكري في بنغازي يوم 7 مايو الحالي (أ.ف.ب)

يتشكل في ليبيا توازن جديد للقوى، من شأنه أن يزيد الأمور تعقيداً على أرض الواقع. وظهرت في الأيام القليلة الماضية فجوة كبيرة بين المجلس الرئاسي، الذي يقوده من طرابلس (غرباً) فائز السراج المدعوم دولياً، والمشير خليفة حفتر، قائد الجيش الوطني الذي يشن حرباً ضروساً ضد بقايا الجماعات المتطرفة في شرق البلاد. أما جنوب ليبيا، فقد ابتعد كثيراً عن اهتمام السياسيين المتنافسين شمالاً، كما يقول العقيد المهدي البرغثي، وزير الدفاع في حكومة الوفاق.
في الأسابيع الأخيرة، أصبحت توجد داخل ليبيا، المنقسمة على نفسها منذ مقتل معمر القذافي في 2011، ثلاث بؤر جغرافية خطرة، يبدو أنها تلعب دوراً كبيراً في رسم آفاق مستقبل مثير للشكوك. الأولى تتمحور حول مدينة درنة التي تقع في الشرق، ولا يفصلها عن الحدود المصرية إلا أقل قليلاً من 300 كيلومتر، وتعج بمتطرفين من جنسيات مختلفة. وتخضع درنة، ذات الوديان والجبال والكهوف، لحصار من الجيش الوطني. لكن في أحدث تطور، استقبل قادة من المجلس الرئاسي في طرابلس وفداً من درنة لبحث إمكان الوقوف معها ضد حفتر. ومن شأن مثل هذه الخطوة أن يطيل أمد الحرب ضد المتطرفين في الشرق، ويزيد من القلق على الحدود المصرية.
ويقول مفتاح المسوري، ابن درنة، المترجم السابق للقذافي: «لا أدري ما هو السبب الحقيقي وراء ابتعاد درنة، تاريخياً، عن السلطة المركزية». ويضيف أحد الزعماء القبليين بالمدينة: «نحن بين نارين. ننتظر دخول الجيش، ونخشى انتقام الجماعات المتطرفة، ضد الأهالي».
أما البؤرة الثانية، فتقع في طرابلس نفسها، وبالتحديد في منطقة تاجوراء، شرق العاصمة، وهي منطقة تكثر في محيطها الغابات الشجرية والمزارع المنعزلة، وتعد بيئة مثالية لما حدث فيها أخيراً من تحشيد بالدبابات والآليات الثقيلة، من جانب من يوصفون بأنهم متطرفون مذهبيون وجهويون يتعطشون للسيطرة على العاصمة. وقد زاد عدد المتمركزين في تاجوراء خلال الفترة الأخيرة، وظهر فيها كذلك تحالف غريب من مقاتلين من تنظيمات «داعش» و«القاعدة» و«الإخوان» وغيرهم. ويقوم هذا التحالف بين حين وآخر بتوجيه قذائف صاروخية للمطار الجوي الوحيد العامل في طرابلس، وهو مطار إمعيتيقة. وفي لقاء سابق مع عبد الفتاح بانور، وهو وسيط بين مجموعة تاجوراء وقوات طرابلس، قال: «هذه التطورات سببها سوء تفاهم قديم لم يعالج من الجانبين. والآن، يتفاقم».
وتطرقت تحقيقات أمنية مبدئية في العاصمة إلى أن عناصر «داعش» التي فجّرت مقر مفوضية الانتخابات، قبل أسبوع، ربما انطلقت من تاجوراء، ما دفع السراج إلى إعادة تشكيل القوات ذات الطابع الميليشياوي التي يعتمد عليها في طرابلس، ومنحها مزيداً من الصلاحيات. ويرى عبد الله ناكر، رئيس «حزب القمة»، أن تعدد رؤوس السلطة في البلاد هو أس المشكلة، ويقول: «نريد أن تكون ليبيا دولة مؤسسات، وليست دولة أشخاص».
في المقابل، تقع البؤرة الثالثة في أقصى الجنوب، وتتمحور حول مدينة سبها، المعروفة بأنها العاصمة التاريخية لإقليم فزان. وتشهد هذه المدينة قتالاً ضارياً بين مسلحين من قبيلتي «أولاد سلميان» و«التبو». ويعتقد أن هناك أطرافاً خارجية تغذي هذه الحرب، حيث تمكنت جماعات متطرفة من استغلال الموقف لصالحها، وحققت انتشاراً كبيراً في كثير من المواقع الصعبة في الصحراء الشاسعة، في ظل انشغال الحكام الشماليين في إقليمي برقة وطرابلس عن مجريات الأحداث. ويقول رئيس الكونغرس التباوي، عيسى عبد المجيد: «من منبركم هذا.. أوجه رسالة لأبناء التبو، وأولاد سليمان، ولكل الليبيين؛ أن تُحل مشكلاتنا من داخل البلاد، لا من خارجها».
يتحدث العالم عن قرب إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية في ليبيا. ورغم أن كثيراً من السياسيين والقادة داخل البلاد، مثل العقيد البرغثي وناكر، يرون أن هذا هو الحل الوحيد، فإن الأمور على الأرض تجري في طريق مغايرة. وقد كانت الآمال منعقدة أيضاً على قرب الإعلان عن توحيد المؤسسة العسكرية برعاية مصرية. كما أن المبعوث الأممي إلى ليبيا، الدكتور غسان سلامة، أرسل كذلك رسائل مطمئنة عن احتمال عقد مؤتمر مصالحة بين الليبيين، انطلاقاً من تونس. بيد أن مثل هذه المسارات المبشرة أصبحت عرضة لعراقيل عدة.. فكيف تغيرت الأوضاع إلى الأسوأ؟
لا يخفى على أحد أن هناك قوتين إقليميتين كبيرتين تعملان على الملف الليبي. الأولى، كما يقول ناكر، تناصر المشير حفتر، وتحاول أن تجعل له موقعاً في مستقبل البلاد، تحت عباءة الاتفاق السياسي الذي جرى توقيعه في مدينة الصخيرات المغربية قبل عامين. والثانية، كما يضيف، تحاول أن تعيد التيار الإسلامي، بقيادة جماعة «الإخوان» و«الجماعة المقاتلة»، إلى الحكم.
وبعد أن خسر هذا التيار الانتخابات في 2014، ولحقت به هزائم عدة على أيدي الجيش الوطني في الشرق، وعلى يد قوات طرابلسية غير نظامية في الغرب، بدأ في الأسابيع الماضية يلتقط أنفاسه، ويتحرك بجرأة داخل أروقة المجلس الرئاسي نفسه، ويريد أن يعوّض خسائره سريعاً.
ويقول مصدر في وزارة الدفاع في طرابلس: «نراقب هذه التحركات.. لدينا قواتنا. ونعتقد أنه ما زال في الإمكان إجراء انتخابات وإنجاز المصالحة». وقد أجرى البرغثي نفسه مصالحات بين عدة خصوم، قرب العاصمة، وتمكّن من فتح طرق سريعة كانت مغلقة على الساحل الغربي، لكن يبدو أن هذا وحده لا يكفي.
وتمثّل الحرب في درنة (شرقاً) حلقة من حلقات مطاردة حفتر للجماعات المتطرفة. فقد تمكن من هزيمتها في بنغازي، لكن عدداً كبيراً من عناصر هذه الجماعات، وكثير منهم غير ليبيين، تمكنوا من الفرار إلى درنة وإلى تاجوراء وإلى سبها. وقبل أيام، أعلن حفتر بدء ساعة الصفر لتحرير درنة من الجماعات الإرهابية، خلال كلمة ألقاها في حفل تخريج الدفعة الـ51 من الكلية العسكرية.
وتطرق حفتر إلى أن المساعي السلمية في درنة وصلت إلى طريق مسدود، بسبب تعنت الجماعات الإرهابية. ولا توجد قنوات اتصال بين الجيش الوطني وهذه الجماعات. ويقول قائد عسكري إن المفاوضات التي كان يقوم بها الجيش للحل السلمي في درنة كانت تجري مع قيادات اجتماعية، تنتمي إلى عائلات معروفة وقبائل في المدينة، وليس مع الإرهابيين أنفسهم، بعكس ما يعتقد بعضهم، ويوضح: «هدفنا كان الحصول على إقرار من هذه الزعامات بإخراج أبنائها من صفوف المقاتلين المتطرفين بالمدينة، والتوقف عن تستر البعض على المقاتلين الأجانب».
وتخشى قيادات مناوئة لحفتر، في غرب البلاد، من أن يحقق قائد الجيش الوطني انتصاراً جديداً، بعد انتصار بنغازي العام الماضي، إذا ما تمكن من تحرير درنة من المتطرفين. ولهذا تغيّرت، كما يبدو، بعض التحالفات سريعاً على المستوى العسكري والسياسي. فرغم حصار الجيش للمدينة، قام وفد من «مجلس شورى مجاهدي درنة» بزيارة لطرابلس، يوم الأربعاء الماضي، والتقى بعدد من أعضاء المجلس الرئاسي. وترددت معلومات عن أن الوفد حصل على وعد بالدعم وبالاعتراف الرسمي به من حكام طرابلس كجسم شرعي، رغم تصنيفه من جانب حفتر والحلف الإقليمي الداعم له على أنه «جسم إرهابي». ويقول قائد قبلي: «نحن بين شقي الرحى، ونخشى من أن نتحول لرهائن، إذا ما نشبت الحرب هنا».
وتبدو السلطات في طرابلس هشة ضعيفة غير متماسكة. فوزارة الدفاع في حكومة الوفاق الوطني، التابعة للمجلس الرئاسي، لديها قوات منتشرة عبر طوق كبير حول العاصمة، لكنها ليست على تناغم مع هذه الحكومة التي لم تحصل بعد على تصديق البرلمان على عملها. ولخّص العقيد البرغثي الموضوع بالقول إنه «ستكون هناك تسوية (مع السراج)». وتعاني قوات البرغثي من الافتقار إلى الأموال، وجانب من المعدات الأساسية.
ومن جانبه، أكد مسؤول في الوزارة حدوث لقاء بين وفد درنة وقيادات في المجلس الرئاسي، لكنه قال إنه لا يعلم بتفاصيل ما جرى بين الطرفين، وأضاف: «أياً ما كان الأمر، فإن استقبال وفد من درنة يُعد نكاية في الجيش الذي يقوده حفتر، وهذا يعقّد جهود المصالحة ومحاولات الحل».
ويقول مصدر قريب من المجلس الرئاسي إن جماعة «الإخوان»، التي هيمنت في الشهر الماضي على القرار في مجلس الدولة، وهو مجلس استشاري منبثق عن اتفاق الصخيرات، لعبت دوراً في ترتيب اللقاء بين وفد «مجلس شورى مجاهدي درنة» وأطراف في المجلس الرئاسي، الذي يضم في عضويته قيادات محسوبة على الإسلاميين المتشددين. ويضيف هذا المصدر، الذي طلب عدم تعريفه لأنه غير مخوّل له الحديث للإعلام، أن ما تم توقيعه من اتفاق بين الجانبين يؤدي إلى رفع الروح المعنوية للمقاتلين المتحصنين في درنة منذ سنوات، بمن فيهم غير الليبيين، ومن بينهم مصريون.
ووفقاً لمصدر في الاستخبارات الليبية في طرابلس، وهو جهاز مناوئ للمتطرفين، فقد تم الاكتفاء في اتفاق دعم «مجلس شورى مجاهدي درنة»، بذكر اسم المجلس دون أسماء قياداته، أو أي من أعضائه، وهي قيادات ينظر إليها الجيش الليبي وقوى إقليمية باعتبارها قيادات إرهابية.
وأضاف أن أعضاء في كل من المجلس الرئاسي ومجلس الدولة، من زعماء جماعة «الإخوان» و«الجماعة الليبية المقاتلة» (المرتبطة بتنظيم القاعدة)، أشرفوا على إبرام الاتفاق «بهذه الصيغة الغريبة».
وزاد قائلاً إن بعض المسؤولين في طرابلس اقترحوا أن يتم تغيير اسم «مجلس شورى مجاهدي درنة» إلى اسم جديد كـ«أمن درنة» أو «الحرس الرئاسي (تابع للسراج) فرع درنة»، تجنباً للحرج، إلا أن قيادات «مجلس شورى درنة» (وكان معهم قيادي مفصول من مجلس بلدية درنة) رفضوا تغيير الاسم.
وتأتي هذه التطورات المهمة بينما يواصل الجيش الليبي محاولاته لاقتحام المدينة التي ظلت طوال عشرات السنين مصدر قلق للحكام في ليبيا، بسبب انتشار المتطرفين فيها منذ أيام «الجهاد» في أفغانستان والشيشان والعراق وغيرها.
وتبدو المدينة واحدة من الحالات الشاذة عموماً في ليبيا. ويقول المسوري: «هي حالة ناشذة عن السلطة المركزية، سواء الآن أو أيام القذافي أو أيام الملك إدريس.. حتى أيام اليونان، ففي سنة 630، كانت خارج سلطة إقليم المدن الخمس في البحر المتوسط».
وأفاد مصدر عسكري بأن درنة يوجد فيها قادة للمتطرفين من الجزائر وتونس ونيجيريا ومالي والسودان ومصر، أبرزهم زعيم جماعة «المرابطين»، المصري «أبو عمر المهاجر». وقال ضابط في الاستخبارات الليبية: «لا يمكن لبعض حكام طرابلس استقبال وفد من (مجلس شورى مجاهدي درنة)، لو لم يكن هناك موافقة مبطنة من جانب قوى إقليمية تدعم هذا الاتجاه»، وأضاف: «إنه اتجاه يعزز المزيد من الفوضى والاقتتال في ليبيا، ويزيد من القلق لدى المصريين ودول الجوار».
وبالتزامن مع هذه الخطوة الغريبة، بدأت بعض الأصوات ترتفع بالدعوة إلى إنقاذ درنة من حفتر، ويشارك في هذه الحملة مسؤولون في العاصمة، وقادة في أحزاب وتيارات محسوبة على الإسلاميين المتشددين، من داخل ليبيا وخارجها. وظهر خطاب يصف «مجلس شورى مجاهدي درنة» بأنهم «ثوار فبراير (شباط) الذين ساهموا في إسقاط نظام القذافي»، وأن «حفتر مثل القذافي لا بد من التصدي له لتحقيق أهداف الثورة».
تاجوراء
أما في منطقة تاجوراء، التي تقع على الحدود الشرقية لمدينة طرابلس، فقد تشكلت فيها قوات متباينة الأهداف، لكن يوجد بينها توافق على ضرورة اقتحام العاصمة، والتحكم فيها، وهذا يتطلب شن حرب على القوات الطرابلسية التي تنتمي أساساً للمدينة. وتتكون القوات الطرابلسية التي يعتمد عليها السراج من كتائب غير نظامية، لكنها تتلقى الرواتب والدعم من وزارات الدولة، ومنها «قوات كارَه» و«قوات الككلي» و«قوات النواصي». وتقع مناوشات بين حين وآخر بين قوات تاجوراء وبقية القوات الطرابلسية. كما أن القوات الطرابلسية نفسها تدخل بين وقت وآخر في اقتتال في ما بينها على النفوذ.
وتكمن خطورة مجموعة تاجوراء في مرونة القيادة الموجودة على رأسها، وقدرتها على استقطاب كل خصوم السراج. وهذه القيادة هي شخصية تلقب بـ«البُقْرَة». وكانت هذه القوة، حتى ثلاثة شهور مضت، تعمل تحت رعاية المجلس الرئاسي نفسه، إلا أن قيامها بالهجوم المباغت على مطار إمعيتيقة، الذي تسيطر عليه قوات طرابلسية موالية للمجلس الرئاسي، دون إذن من السراج، جعل هذا الأخير ينزع الغطاء القانوني عنها.
ويقول الوسيط بين «البُقْرَة» والقوات الطرابلسية، بانور، إن أصل الخلاف يرجع إلى احتجاز قوات طرابلسية لعشرات المواطنين داخل سجون في مطار إمعيتيقة، دون عرض أمرهم على الجهات القضائية. لكن مصدراً في المجلس الرئاسي قال إن هؤلاء المساجين من المنتمين لتنظيم داعش، مشيراً إلى أن جماعات مسلحة من عدة مناطق، من غرب طرابلس ومن الجنوب، بدأت منذ شهور في استثمار الخلاف بين السراج و«البُقْرَة»، والنزوح إلى منطقة تاجوراء وما حولها، وتكوين معسكرات تدريب، وإطلاق الصواريخ بين حين وآخر على المطار. ويعتقد أن من قاموا بتفجير مفوضية الانتخابات أخيراً انطلقوا من هذه المنطقة.
ويزيد زخم قوات المتطرفين في تاجوراء من تعقيد الأمور في طرابلس، خصوصاً بعد أن بدأت قيادات إخوانية، ممن صعدت أخيراً لمواقع مهمة في الحكم في العاصمة، في الضغط على أعضاء في المجلس الرئاسي، وعلى أطراف في السلطات القضائية، للإفراج عن متشددين إسلاميين في سجون المدينة، من بينهم قيادات من جماعة «أنصار بيت المقدس» المصرية، و«أنصار الشريعة» (أقرب إلى «داعش»، وتضم ليبيين وتونسيين)، وغيرهم.
وتهدف مثل هذه التحركات إلى تشكيل ضغط على قوات حفتر المتمركزة حول درنة. فقد جرى قبل يومين تفجير حاجز تابع للجيش، شرق سرت، على يد متطرفين.
- الجنوب... حرب الرابح فيها خاسر
وفي ما يتعلق بتطورات الأوضاع في الجنوب، فما زالت الحرب مستعرة بين مسلحين من قبيلة «أولاد سلميان»، التي كانت تهيمن على إقليم فزان في الزمان الغابر، وقبيلة «التبو»، التي لديها امتداد داخل دول أفريقية مثل تشاد والنيجر.
ويقول عيسى عبد المجيد، رئيس الكونغرس التباوي، إن «ما يحدث هناك حرب الرابح فيها خاسر.. أتمنى المصالحة بين الطرفين (التبو) و(أولاد سليمان)، وأرجوهم أن يجلسوا معاً لحلحلة المشكلة. وعلى مجلس النواب، والحكومة المؤقتة (المنبثقة عنه)، التدخل لوقف الاقتتال والتعويض (جبر الضرر) للطرفين».
وأضاف: «لقد تم توقيع اتفاق في عهد حكومة علي زيدان (قبل 5 أعوام)، وفشل. أرى أن حل المشكلة لا بد أن يكون ليبياً - ليبياً، إما عن طريق مجلس النواب أو عن طريق الحكومة».
لكن ناكر يرى أن المشكلة أكبر، وأنها تتعلق أساساً بتعدد السلطات في البلاد، ويقول: «على أرض الواقع، يوجد قائد أعلى للجيش في الشرق، هو عقيلة صالح رئيس مجلس النواب، وقائد أعلى للجيش في الغرب هو السراج. ولذلك نحن في حاجة إلى توحيد الرأس أولاً.. كما أنه لا بد من وضع دستور. ومن دون هذه الأشياء الرئيسية، تكون كمن يبني على الرمال».
وهذا أمر يؤكد عليه أيضاً العقيد البرغثي، بقوله إن البلاد في حاجة إلى إنهاء الانقسام السياسي، موضحاً: «وجود سلطة موحدة، عبر إجراء الانتخابات، سيجنبنا كل هذه الفوضى».



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.