مؤتمر في نيويورك للتواصل الحضاري بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي

بمشاركة 450 عالماً ومفكراً يمثلون 56 دولة

العيسى خلال كلمته ويبدو المشاركون في الفعاليات والحضور (الشرق الأوسط)
العيسى خلال كلمته ويبدو المشاركون في الفعاليات والحضور (الشرق الأوسط)
TT

مؤتمر في نيويورك للتواصل الحضاري بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي

العيسى خلال كلمته ويبدو المشاركون في الفعاليات والحضور (الشرق الأوسط)
العيسى خلال كلمته ويبدو المشاركون في الفعاليات والحضور (الشرق الأوسط)

دعا الشيخ الدكتور محمد العيسى أمين عام رابطة العالم الإسلامي، إلى التصدي لـ«الإسلاموفوبيا» والعنصرية وكراهية الأجانب، من خلال اعتماد منهج شامل للحوار بين أميركا والشعوب الإسلامية، مشدداً على أهمية التركيز على العوامل المشتركة بين الأمتين للتأسيس لحوار مفيد للطرفين.
جاء ذلك في كلمته في افتتاح أعمال المؤتمر الدولي الذي تنظمه رابطة العالم الإسلامي بعنوان «التواصل الحضاري بين الولايات المتحدة الأميركية والعالم الإسلامي»، بمشاركة منظمة الأمم المتحدة، وحضور 450 عالما ومفكراً يمثلون 56 دولة وكبرى المؤسسات الفكرية والثقافية الإسلامية والأميركية، كما حضر حفل الافتتاح، سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة للحريات الدينية سوزان كوك.
وأوضح العيسى، أن التواصل الحضاري بين العالم الإسلامي والولايات المتحدة له تاريخ ممتد في التبادل والتعاون الإنساني والمعرفي والاقتصادي والسياسي، مشيراً إلى أن هذه العلاقة الحضارية المتميزة «كشفت الخطأ الفادح لنظرية صدام الحضارات المبنية على إثارة نعرة الكراهية والعنصرية ونصب حواجز وهمية ربما كانت في بعض أطروحاتها حادة جداً حتى على القواسم المشتركة والتبادل المعرفي والإنساني، وهو مزلق يتجه نحو انحدار خطير للعقل البشري في سياق خروجه عن جادة التفكير السوي البعيد تماماً عن المفاهيم الحضارية، وذلك من واقع رفضه للآخر بدافع من التشاؤم أو الكراهية أو خلل التصور».
وشدد أمين عام الرابطة، أن التعايش الحضاري «لا يعني بالضرورة قناعة كل منا بوجهة نظر الآخر، لكن المهم هو تفهمنا لسنة الخالق في الاختلاف والتعدد والتنوع، ووجوب التعايش والتعاون على ضوء هذا التفهم لخدمة المصالح المتبادلة بل وخدمة الإنسانية جمعاء ولتعزيز السلم الاجتماعي والأمن الفكري ودحر الشر بل وهزيمته، مع ترسيخ مفاهيم البر والإحسان والعدل والحريات المشروعة مع الجميع دون تمييز ديني ولا مذهبي ولا عرقي ولا سياسي ولا فكري ولا غير ذلك».
وأكد، التقاء قادة التطرف الإرهابي، حول شيء واحد، وهو قناعة وترويج كلٍ منهم للنظرية الداعية لصراع البشرية، سواء لاعتبارات دينية أو مذهبية أو فكرية أو ثقافية، «وربما جازف بعضهم ودعا لعنصر وعرق واحد وإلغاء ما سواه بأي أسلوب من أساليب الإلغاء المتاحة له، وهذه من دون شك كارثة فكرية تقود لكارثة إنسانية».
وأشار، أن أحداث التاريخ التي شهدت كوارث مفزعة للصراع «يجب أن تكون داعية لنظرية تلاقي وتواصل وتعاون بل وتحالف الحضارات لا لصراعها حيث انتهى الخلل الفكري بتحليله الفادح في خطئه لتلك الكوارث إلى فهم تشاؤمي لما يجب أن يكون عليه منطق الوعي والبصيرة والمعالجة الصحيحة».
ومن جهته الدكتور يوسف العثيمين أمين عام منظمة التعاون الإسلامي، أن المنظمة تؤمن بدور الحوار في تعزيز الاحترام والتفاهم المتبادلين بين الشعوب، وبأن إرساء ثقافة التعايش السلمي من شأنه خدمة الولايات المتحدة والعالم الإسلامي على حدٍ سواء؛ مؤكداً أن تعزيز الترابط بين الأمم يحميهم من الوقوع في براثن الكراهية والتمييز.
فيما شدد الشيخ الدكتور عبد الرحمن السديس الرئيس العام لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي، على ضرورة تفعيل القنوات الهادفة لإعمار الأرض ونشر الخير، «وبالمقابل مواجهة دعاة التطرف والإرهاب من أصحاب الفكر المنحرف باتباع أساليب ذات أسس علمية».
وأكد أن الأصل الإنساني المشترك بين الناس يدعوهم إلى الابتعاد عن التفرقة فيما بينهم والركون للسلم والحوار، كما تناول في كلمته، أنواع التواصل بين الأمم وعن دورها في توثيق العلاقات بين البشر؛ مؤكداً ريادة المملكة في مجال التواصل الحضاري، داعياً لنشر هذه الثقافة في كافة البلدان لما يثمر عنها من تعزيز لقيم العدل والمساواة بين البشر.
فيما طالب الأمين العام للمجلس العالمي لقادة الأديان في الأمم المتحدة ياوا جاين، بالانتقال من مرحلة قبول الآخر إلى مرحلة احترام الآخر، مشدداً على ضرورة مشاركة المسلمين الأميركيين في الحياة العامة والنشاطات المدنية، وأن يتحلوا بالوطنية ويلتزموا بمراعاة مصلحة بلدهم ومواطنيهم، مبيناً أن المملكة العربية السعودية تعد أكثر دولة تحرص على مصلحة المسلمين في شتى بقاع الأرض، ومثمناً لرابطة العالم الإسلامي والقائمين عليها لنجاحهم في عقد مثل هذا المؤتمر المهم.
ولفت جاين، إلى أن عدد المسلمين في الولايات المتحدة سيتجاوز الـ50 مليون نسمة عام 2050م، «وعلى الجانبين مشاطرة مخاوفهم وقلقهم بين بعضهم بعضاً، لتذليل كافة العوائق التي من شأنها عرقلة التنمية في العالم».
من جهته، شرح الدكتور ديفيد نصر نائب الرئيس للتنمية الروحية في جامعة «ليبرتي»، منهج جامعته المسيحية في تعزيز قيم التسامح والانفتاح بين الطلاب، ودفعِهم باتجاه التواصل مع المسلمين في أميركا والذين يتمتعون بنفس الالتزام الديني الداعي إلى دعم التنمية وتحقيق الرخاء.
وركّز، على الدور الفاعل الذي يمكن للمشروعات البينية فعله لتوثيق عرى العلاقات بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي، مشدداً على ضرورة توفر الإرادة الصلبة لتحقيق الأهداف ونبذ اليأس والانهزامية.
ومن جانبه، أشار الأمين العام لمجلس الأديان العالمي من أجل السلام وليام فندلي، أن علاقة الولايات المتحدة بالعالم الإسلامي، تنبع من رغبة كِلا الجانبين في تقديم العون لكافة أفراد الأسرة البشرية، مشدداً على أهمية الدور الذي تقوم به المبادئ السامية بوصفها قيمة مشتركة بين الأمّتين الإسلامية والأميركية، و«على أن الحضارات العظيمة لا تنبع إلا من أديان عظيمة وأن هذا أحد أكبر القواسم المشتركة بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي».
وألقى الدكتور محمد بن مطر الكعبي رئيس الهيئة العامة للأوقاف والشؤون الإسلامية في دولة الإمارات العربية المتحدة كلمة، شدد فيها على أهمية تبادل الآراء والخبرات حول التواصل الإيجابي والفعال بين الولايات المتحدة الأميركية والعالم الإسلامي، ولفت إلى أن البحث حول سبل تعزيز الحوار بين الأمّتين مستمر على كافة المستويات، خاصة بعد القمة العربية الإسلامية الأميركية التاريخية التي استضافتها الرياض في مايو (أيار) من العام الجاري. وأضاف، أن شعوب العالم الإسلامي ترى أن التواصل الحضاري مع الولايات المتحدة: «يجب أن يستند على القيم المشتركة بين مبادئ الحضارة الإسلامية والقيم المثلى بالدستور الأميركي»، مشيراً إلى أن الصراعات المذهبية والعرقية والطائفية التي يشهدها العالم اليوم «تشكل تهديداً حقيقياً لهذا التواصل الحضاري، وتستوجب على قادة الفكر وصناع الرأي ورجال الدين ومراكز القرار أن يسارعوا إلى اتخاذ إجراءات حاسمة لمواجهة هذه التحديات الجسيمة لتعزيز الحوار ونشر قيم الحب بدلا من الحرب، وإحلال ثقافة التسامح والتعايش محل العداوة والبغضاء، وإرساء مبادئ العدل والسلام مكان الظلم والطغيان».
بدوره، نوّه الشيخ عبد الله بن بيه رئيس منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة، في كلمة مماثلة بدور السعودية في تعزيز السلم بين الشعوب واحتضانها لمقر رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، مبيناً أن المملكة تحمل كل القيم الإنسانية والدينية «وهي جديرة بقيادة العالم الإسلامي لمثل هذه اللقاءات والمؤتمرات»، مؤكدا على أهمية المؤتمر الذي يأتي في وقت حرج يواجه فيه العالم مخاطر وجودية تهدد بنهاية المسيرة البشرية، «فهي المرة الأولى في التاريخ التي يمتلك فيها الإنسان أسلحة يمكن له بواسطتها أن يدمر كوكب الأرض بأكمله».
وقال ابن بيه: «إن الجهود التي تبذلها رابطة العالم الإسلامي تسهم كثيرا في تعزيز الحوار والتعارف والتعاون، وفي أخذ زمام المبادرة دائماً في فتح أفق الحوار»، وتحدث عن العلاقات الإسلامية-الأميركية، موضحاً أنها مبنية على القيم الإنسانية المشتركة الأربع «وهي الرحمة والحكمة والمصلحة والعدل»، والتي تمثل جوهر التعايش بين البشر، مؤكدا أن كل هذه القيم تتفق مع الدستور الأميركي.
وتناول الدكتور عباس شومان وكيل الأزهر في مصر، أهمية المؤتمر، مبيناً في كلمته، أنه يأتي في ظروف صعبة تحل بالعالم الإسلامي وغيره، ليؤكد على أهمية هذا التواصل «وأن نكون مدركين بأنه لا نجاة إلا بتبني ثقافة السلام بديلاً عن ثقافة الحرب والقهر التي أثبتت على مر العصور فشلها في حل أي صراع أو نزاع أو تحقيق مكاسب دائمة لما يستخدمها مهما كانت قوتها».
وبين أن التواصل الحضاري بين المسلمين وأتباع الأديان الأخرى يعود إلى الصدر الأول من الإسلام، وقد أرسل عدد من الرسل إلى ملوك الفرس وملوك الروم والحبشة ومصر واليمن، وأن الحضارات كافة لا تنكر جهود ابن الهيثم وابن سيناء وابن البيطار، والاستفادة من تجربة عباس ابن فرناس، مبيناً أن الحضارة الإسلامية استفادت من الثقافات المختلفة والذي بلغت ذروتها في العهد العباسي حيث تم إنشاء بيت الحكمة ونشطت حركة الترجمات.
وأشار، أن الدين الإسلامي علمنا بأن الاختلاف في الدين أو المعتقد «لا ينبغي أن يكون سبباً للصراع أو الشقاق»، كما أن للناس جميعاً مشتركات إنسانية يجب العمل عليها، مستشهدا بالانفتاح المبكر للإسلام على غير المسلمين باستعانة الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم يوم الهجرة النبوية من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة برجل من غير أهل الإسلام، ليقدم درساً إلى المسلمين في هذا العصر.


مقالات ذات صلة

تقرير: تصاعد حدة «عدم التسامح» تجاه المسلمين في اليابان مع تضاعف أعدادهم

آسيا العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)

تقرير: تصاعد حدة «عدم التسامح» تجاه المسلمين في اليابان مع تضاعف أعدادهم

اتسعت رقعة التمييز ضد المقيمين الأجانب في اليابان لتشمل المسلمين، بعد أن كانت تتركز تاريخياً ضد الكوريين والأكراد.

«الشرق الأوسط» (مايباشي)
أوروبا مسلمون يتجمّعون في المسجد الكبير بباريس (أ.ف.ب - أرشيفية)

مسلمو فرنسا في حيرة بين بيانين… رمضان الأربعاء أم الخميس؟

أثار صدور بيانين مختلفين حول موعد بدء شهر رمضان في فرنسا حالة من الحيرة في أوساط المسلمين. والاختلاف هو إذا كان بداية رمضان يوم الأربعاء أم يوم الخميس.

«الشرق الأوسط» (باريس)
العالم رجل يصلي في مسجد خلال شهر رمضان (رويترز)

تراجع طفيف في عدد ساعات الصيام خلال رمضان 2026

يتهيأ المسلمون بمختلف أنحاء العالم لإحياء شهر رمضان لعام 2026 في وقت تشير فيه التقديرات إلى أن عدد ساعات الصيام سيكون هذا العام أقل بقليل من 2025 

«الشرق الأوسط» (بيروت)
كتب كتب فرنسية تقدم قراءة مختلفة للإسلام

كتب فرنسية تقدم قراءة مختلفة للإسلام

كان لافتاً أن تصدر في باريس مجموعة من الكتب الجديدة عن تراثنا العربي الإسلامي الكبير فخلال شهر واحد فقط أو شهرين صدرت مؤلفات عدة عن القرآن الكريم والنبي العظيم.

هاشم صالح
أوروبا يحمل ضباط الشرطة مواد مُصادَرة من شقة بحي موميلمانسبيرغ بعد مداهمة في هامبورغ (أ.ب)

ألمانيا تحظر جمعية إسلامية وتفتش مقرات اثنتين أخريين

أعلنت وزارة الداخلية الألمانية، اليوم الأربعاء، حظر جمعية «إنتر أكتيف» الإسلامية وتعتزم مصادرة أصولها، مع إجراء عمليات تفتيش بجمعيتين إسلاميتين أخريين.

«الشرق الأوسط» (برلين)

ترمب سيفرض إيقاعه وجدوله الزمني على قمة مجموعة السبع

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)
TT

ترمب سيفرض إيقاعه وجدوله الزمني على قمة مجموعة السبع

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)

لا يُعرف الكثير عن نوايا دونالد ترمب خلال مشاركته في قمة مجموعة السبع، الأسبوع المقبل في فرنسا، ولكن من المؤكد أنه سيفرض إيقاعه وجدوله الزمني على اللقاء.

وسيكون مزاج الرئيس الأميركي إلى حد بعيد رهناً بمنحى التطورات بشأن الشرق الأوسط، مع إبداء طهران وواشنطن والوسيط الباكستاني، الجمعة، تفاؤلاً بإمكان إبرام اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران ينهي الحرب بعد أسابيع من المفاوضات الشاقة وخيبات الأمل.

قبل أيام من القمة التي تجمع الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وكندا وإيطاليا واليابان والمملكة المتحدة، قالت ليانا فيكس الباحثة المشاركة في «مجلس العلاقات الخارجية» (واشنطن) لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إنه «ليس ممكناً التعامل مع ترمب كما خلال ولايته الأولى».

أفراد من الشرطة الفرنسية في الباحة الخارجية لمحطة المراكب التي تنقل الركاب عبر بحيرة ليمان المشتركة بين فرنسا وسويسرا (إ.ب.أ)

وتعرضت الدول الست الأخرى لغضب ترمب؛ سواء بفرضه رسوماً جمركية مشددة عليها، أو بممارسته ضغطاً دبلوماسياً عليها.

وباستثناء رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي التي يكنُّ لها ترمب كثيراً من التقدير، عانى جميع قادة هذه البلدان في أحد الأوقات من هجمات الملياردير الجمهوري، أو انتقاداته، أو حتى سخريته.

لا ليونة

من غير المتوقع أن يبدي ترمب ليونة تجاه شركائه الدوليين، ولا سيما بعد إلغاء المحكمة العليا الأميركية رسومه الجمركية المعممة، وفي ظل استطلاعات للرأي تظهر تراجع شعبيته، ما قد يكلِّفه الغالبية في الكونغرس في نوفمبر (تشرين الثاني).

ولخصت ليانا فيكس الوضع بالقول إن الأوروبيين خصوصاً تعلموا أن «يأملوا بالأفضل ويستعدوا للأسوأ».

وتأكيداً لشعار «أميركا أولاً» الذي أطلقه ترمب، أبلغت الولايات المتحدة الأوروبيين عزمها خفض عدد الطائرات والسفن الحربية المخصصة لحلف شمال الأطلسي في أوروبا بشكل كبير، وفق ما نشرته صحيفة «نيويورك تايمز».

وقال جاكسون جاينز، الخبير في «صندوق مارشال الألماني للولايات المتحدة» لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «لا أعتقد أننا سنرى رئيساً ضعفت قوته. أعتقد أنه سيذهب إلى هناك وسيفعل ما يفعله دائماً، وهو محاولة فرض رأيه بالاستقواء لتجاوز القضايا المعقدة للغاية، ومحاولة تحقيق الأجندة الأميركية كما يراها هو».

من جانبه، لفت فيكتور تشا، الخبير في «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية»، خلال مؤتمر صحافي، إلى أن ترمب «يقول إنه لا يحب هذه الاجتماعات المتعددة الطرف»، ولكنه «لا يحتمل أن تلتقي مجموعة من قادة العالم من غير أن يكون حاضراً».

وأضاف تشا: «بالتالي هو يأتي إلى هذه الاجتماعات ويغادر باكراً»، وهو ما فعله خلال قمة مجموعة السبع الأخيرة.

مركز للجيش الفرنسي في إيفيان حيث تُعقد قمة مجموعة السبع (إ.ب.أ)

ويأمل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في إقناع ترمب القليل الصبر بالبقاء لحضور مأدبة عشاء في قصر فرساي مساء الأربعاء، مراهناً على ولعه بالديكورات الفخمة وافتتانه بالملكية.

وجهدت فرنسا لإرضاء الرئيس الأميركي، فغيرت موعد القمة حتى لا تتزامن مع بطولة للفنون القتالية المختلطة تُنظَّم الأحد في البيت الأبيض، بمناسبة عيد ميلاد ترمب الثمانين.

كما فسر بعض الخبراء غياب جنوب أفريقيا عن القمة، بعدما تم النظر في مشاركتها على أنها تنازل لواشنطن. غير أن باريس تؤكد أنها لم تواجه أي ضغوط من أجل سحب الدعوة لهذا البلد الذي يتهمه ترمب من دون أدلة بـ«اضطهاد» مواطنيه البيض.

ولفت عدد من المحللين إلى أنه بمعزل عن أطباع ترمب المتقلبة، فإن المواضيع التي تقترحها باريس للبحث تتطابق مع عدد من اهتمامات ترمب؛ خصوصاً مسألة العلاقات التجارية مع الصين.

حرب أوكرانيا

لئن كان ميزان القوى في العلاقات بين ترمب وقادة الدول التي تعتبر حليفة تقليدية لبلاده ما زال على حاله بصورة عامة منذ العام الماضي، فإن الوضع تبدل قليلاً فيما يتعلق بأوكرانيا.

وقال ماكس بيرغمان، الخبير في «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية» خلال حديث مع الصحافيين: «في 2025، أقرّ الأوروبيون بصورة ما بأن عليهم الانصياع لترمب بسبب أوكرانيا، التي كانت بحاجة إلى الدعم العسكري الأميركي، ولكن اليوم نحن في دينامية مختلفة؛ إذ باتت أوكرانيا أقل اعتماداً على الولايات المتحدة».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عند مدخل قصر الإليزيه الرئاسي في باريس (إ.ب.أ)

ودُعي الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الذي يعرف أكثر من أي كان أن أي لقاء مع ترمب يمكن بسهولة أن يخرج عن السيطرة، بعد لقاء عاصف بينهما في البيت الأبيض، إلى المشاركة في جلسة مناقشات في إيفيان.


12 ألف رأس نووي تكفي لمحو الحضارة البشرية

جانب من مدينة هيروشيما اليابانية بعد إسقاط قنبلة ذرية أميركية عليها في 6 أغسطس 1945 (رويترز)
جانب من مدينة هيروشيما اليابانية بعد إسقاط قنبلة ذرية أميركية عليها في 6 أغسطس 1945 (رويترز)
TT

12 ألف رأس نووي تكفي لمحو الحضارة البشرية

جانب من مدينة هيروشيما اليابانية بعد إسقاط قنبلة ذرية أميركية عليها في 6 أغسطس 1945 (رويترز)
جانب من مدينة هيروشيما اليابانية بعد إسقاط قنبلة ذرية أميركية عليها في 6 أغسطس 1945 (رويترز)

في زمن تتصاعد فيه التوترات الجيوسياسية بين القوى الكبرى، يعود شبح الحرب النووية إلى واجهة النقاش الدولي، بعد عقود من الاعتقاد بأن هذا الخطر أصبح جزءاً من الماضي. وبينما تتنافس الدول على تطوير ترساناتها العسكرية وتحديث أنظمتها النووية، تزداد التحذيرات من أن العالم بات أقرب إلى مواجهة كارثة قد لا يكون قادراً على احتواء تداعياتها.

هل سيحلُّ «الشتاء النووي» على الأرض يوماً؟ (رويترز)

وفق تقديرات معهد استوكهولم الدولي لبحوث السلام (SIPRI)، يمتلك العالم حالياً نحو 12187 رأساً حربياً نووياً. وقد يدفع هذا الرقم البعض إلى التساؤل عما إذا كانت هذه الترسانة قادرة على «تدمير الأرض» مرات عدة، كما يتردد أحياناً في الخطابات السياسية والإعلامية. إلا أن الإجابة العلمية تختلف عن التصورات الشائعة.

فمن الناحية الفيزيائية، لا تستطيع أي ترسانة نووية موجودة اليوم تدمير كوكب الأرض نفسه؛ إذ إن الطاقة اللازمة لتفكيك الكوكب أو القضاء عليه تفوق بمراحل هائلة مجموع الطاقة التدميرية التي تمتلكها البشرية. ولكن الخطر الحقيقي لا يكمن في تدمير الكوكب؛ بل في احتمال تدمير الحضارة الإنسانية كما نعرفها.

وتشير الحسابات التقريبية إلى أن الرؤوس الحربية النووية الحديثة تتراوح قوتها بين 100 و800 كيلوطن من مادة «تي إن تي». وإذا اعتُمد -لأغراض المقارنة التقريبية- متوسط يبلغ 300 كيلوطن للرأس الواحد، فإن القوة التدميرية الإجمالية للترسانة العالمية قد تصل إلى نحو 3.7 مليار طن مكافئ من مادة «تي إن تي»، أي ما يعادل قرابة 250 ألفاً من القنبلة التي دمرت مدينة هيروشيما اليابانية عام 1945.

صورة وزعتها وزارة الدفاع الروسية لتجربة إطلاق صاروخ «إسكندر» خلال مناورات نووية مشتركة بين روسيا وبيلاروسيا (أ.ب)

ورغم ذلك، يرى الخبراء أن الحديث عن القدرة على «تدمير الأرض 10 مرات» أو «100 مرة» لا يعدو كونه تعبيراً مجازياً. فحرب نووية واسعة النطاق قد تكون كافية وحدها لإحداث انهيار عالمي شامل، من دون الحاجة إلى استخدام كل الترسانة النووية الموجودة. فالدمار المباشر الناتج عن الانفجارات، وما يتبعه من حرائق هائلة وانهيار للبنى التحتية وتلوث إشعاعي وأزمات اقتصادية وغذائية وصحية، قد يدفع العالم إلى مرحلة غير مسبوقة من الفوضى والانهيار.

في السياق نفسه، تحذِّر الحملة الدولية لإلغاء الأسلحة النووية (ICAN) من أن الأسلحة النووية تظل الأكثر تدميراً وعشوائية بين جميع الأسلحة التي عرفها الإنسان. فالسلاح لا يقتل فقط بفعل الانفجار؛ بل يخلِّف آثاراً إشعاعية طويلة الأمد تؤثر في البشر والبيئة والأجيال اللاحقة.

وتؤكد الحملة أن تفجير سلاح نووي واحد فوق مدينة كبيرة قد يؤدي إلى مقتل مئات الآلاف أو حتى ملايين الأشخاص خلال فترة قصيرة، بينما قد تتسبب حرب نووية واسعة بين القوى الكبرى في سقوط مئات الملايين من الضحايا.

زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون يتفقد منشأة نووية (رويترز)

وتشرح الدراسات أن الانفجار النووي يطلق خلال ثوانٍ معدودة كميات هائلة من الطاقة على شكل موجات صدمية وحرارة وإشعاعات. وتنتشر الموجة الانفجارية بسرعة هائلة تتجاوز سرعة الصوت، فتدمر المباني والبنى التحتية، وتقتل كل من يوجد بالقرب من مركز الانفجار. أما الحرارة الشديدة فتشعل حرائق واسعة النطاق قد تندمج لتشكِّل عواصف نارية ضخمة تلتهم مدناً كاملة.

الأخطر من ذلك أن بعض الدراسات تشير إلى أن استخدام أقل من واحد في المائة من الأسلحة النووية الموجودة حالياً قد يكون كافياً لإحداث اضطرابات مناخية عالمية حادة، تهدد ما يصل إلى ملياري إنسان بالمجاعة. أما استخدام آلاف الرؤوس النووية فقد يؤدي إلى «شتاء نووي» شامل ينعكس على الإنتاج الزراعي والنظم البيئية في مختلف أنحاء العالم.

تزداد هذه المخاوف في ظل تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وروسيا والصين وكوريا الشمالية، وهي قوى تمتلك ترسانات نووية ضخمة. ويرى عدد متزايد من الخبراء أن خطر تحول النزاعات التقليدية إلى مواجهات نووية لم يعد مجرد احتمال نظري؛ بل أصبح سيناريو واقعياً ينبغي الاستعداد له والعمل على منعه.

تقنيان يعاينان قنبلة نووية في منشأة عسكرية أميركية بولاية تكساس (رويترز)

وفي هذا السياق، أظهر استطلاع أجراه المجلس الأطلسي أن 40 في المائة من الخبراء المشاركين يرون أن اندلاع حرب عالمية جديدة بحلول عام 2035 وارد. والأكثر إثارة للقلق أن نحو نصف المشاركين تقريباً رجَّحوا أن تشهد هذه الحرب استخداماً للأسلحة النووية من جانب طرف واحد على الأقل.

وفي الوقت نفسه، يستمر الإنفاق العالمي على الأسلحة النووية في الارتفاع. فقد أفادت تقارير حديثة بأن الدول التسع المالكة للأسلحة النووية أنفقت خلال عام 2025 نحو 119 مليار دولار لتعزيز ترساناتها النووية وتحديثها، بزيادة تقارب 19 في المائة عن إنفاق العام السابق.

وتصدرت الولايات المتحدة القائمة بإنفاق تجاوز 69 مليار دولار، تلتها الصين ثم بريطانيا وروسيا.

تعكس هذه الأرقام حقيقة مقلقة، مفادها أن العالم لا يتجه نحو تقليص الاعتماد على الأسلحة النووية؛ بل نحو تعزيزها وتحديثها. وبينما تتوسع برامج التسلح النووي، تتراجع الجهود الرامية إلى نزع السلاح وبناء الثقة بين القوى الكبرى.

مجسم لصاروخ نووي من العهد السوفياتي في موسكو (رويترز)

في النهاية، قد لا تكون الأسلحة النووية قادرة على تدمير كوكب الأرض، ولكنها بلا شك قادرة على تدمير الحضارة الإنسانية، وإدخال العالم في حقبة من الفوضى العارمة والمعاناة غير المسبوقة. ولهذا يرى كثير من الخبراء أن السبيل الوحيد لتجنب الكارثة لا يكمن في إدارة الأخطار النووية فحسب؛ بل في العمل الجاد للحد من هذه الترسانات ومنع استخدامها.

قال آلبرت آينشتاين: «لا أعرف ما هي الأسلحة التي ستُستخدم في الحرب العالمية الثالثة، ولكن الحرب العالمية الرابعة ستُخاض بالعصي والحجارة».

وكما يقول دعاة نزع السلاح النووي: الطريقة الوحيدة للفوز في لعبة «الروليت» النووية هي التوقف عن لعبها.

اقرأ أيضاً


من الدلافين إلى السلاحف... هل تحوّلت الحيوانات البحرية إلى أدوات استخباراتية؟

الجاسوسية وصلت إلى الأعماق
الجاسوسية وصلت إلى الأعماق
TT

من الدلافين إلى السلاحف... هل تحوّلت الحيوانات البحرية إلى أدوات استخباراتية؟

الجاسوسية وصلت إلى الأعماق
الجاسوسية وصلت إلى الأعماق

حذّرت الصين من تصاعد ما وصفته بـ«حرب سرية غير مرئية» تدور في البحار المحيطة بها، مشيرةً إلى أن جهات استخباراتية أجنبية تلجأ إلى وسائل غير تقليدية لجمع معلومات حساسة من المياه الصينية، من بينها استخدام حيوانات بحرية مزوّدة بأجهزة استشعار متطورة، وفقاً لصحيفة «الغارديان».

وقالت وزارة أمن الدولة الصينية، في منشور نشرته عبر منصة «ويتشات»، إن أجهزة استخبارات أجنبية باتت تعتمد أساليب مبتكرة لمراقبة البيئة البحرية الصينية، تشمل ما أطلقت عليه «سلاحف التجسس» و«أسماك التجسس»، في إطار جهود تستهدف جمع بيانات استراتيجية عن البحار والمناطق الساحلية.

ووفقاً للوزارة، فإن تلك الجهات تجهز حيوانات بحرية كبيرة، من بينها السلاحف والأسماك، بأجهزة استشعار متقدمة قادرة على رصد مجموعة واسعة من المعلومات المتعلقة بالبيئة البحرية، بما في ذلك درجات حرارة المياه، ومستويات الملوحة، واتجاهات التيارات البحرية، قبل إرسالها بشكل فوري إلى جهات خارجية عبر الأقمار الاصطناعية.

وأضافت الوزارة أن هذه البيانات تُستخدم في إعداد خرائط تفصيلية لقاع البحار، الأمر الذي عدّته تهديداً مباشراً للأمن القومي الصيني، نظراً لما قد توفره من معلومات ذات أهمية عسكرية واستراتيجية.

ورغم خطورة المزاعم التي طرحتها بكين، فإن الوزارة لم تكشف المواقع التي عُثر فيها على تلك الحيوانات، ولم تُحدد الجهات أو الدول التي تقف وراء تجهيزها وتشغيلها.

الدلفين حيوان مائي ذكيّ (أ.ف.ب)

وليست هذه المرة الأولى التي يُثار فيها ملف استخدام الحيوانات في مهام ذات طابع أمني أو استخباراتي، ففي عام 2023، أشارت تقارير استخباراتية بريطانية إلى أن روسيا عززت إجراءات الحماية في قاعدة أسطولها بمدينة سيفاستوبول على البحر الأسود عبر نشر دلافين مدربة لرصد الغواصين المعادين والتعامل معهم. وذكرت التقارير أن تلك الدلافين من نوع «قاروري الأنف» كانت تُحتجز داخل أحواض عائمة في الميناء وتُستخدم لأغراض أمنية.

وفي سياق متصل، قالت وزارة أمن الدولة الصينية إنها ضبطت عوامات بحرية نشرتها، حسب وصفها، مؤسسة أجنبية للأبحاث البحرية، وكانت مزوّدة بمجموعة من أجهزة الاستشعار الجوية والبحرية المتطورة. وأوضحت أن تلك العوامات قادرة على تتبع البصمات الصوتية للغواصات الصينية في الوقت الحقيقي، ما يمنح مشغليها قدرة كبيرة على مراقبة التحركات البحرية.

كما لفتت الوزارة إلى ما يُعرف بـ«الطائرة الشراعية الموجية» (Wave Glider)، وهي مركبة بحرية غير مأهولة تعمل بالطاقة الشمسية وطاقة الأمواج، مؤكدةً أن جهات أجنبية تستخدم هذه التقنية لجمع ونقل معلومات بحرية ذات طبيعة عسكرية، إضافة إلى بيانات مرتبطة بحركة السفن والأنشطة البحرية المختلفة.

وتأتي هذه التحذيرات في وقت تواصل فيه بكين التعبير عن مخاوفها إزاء الأنشطة الاستخباراتية في مناطق بحرية حساسة، تشمل بحر الصين الجنوبي، وبحر الصين الشرقي ومضيق تايوان، وهي مناطق تشهد تنافساً استراتيجياً متصاعداً ونزاعات إقليمية مستمرة.

وكانت السلطات الصينية قد أعلنت خلال عام 2024 عن اكتشاف ما وصفته بـ«منارات بحرية» مخفية في قاع المحيط، قالت إنها قد تُستخدم لتوجيه الغواصات الأجنبية أثناء تنقلها، وربما للمساعدة في تهيئة مسرح العمليات لأي مواجهة عسكرية محتملة.

وفي إطار تعزيز الرقابة على المياه الإقليمية، تقدم الحكومة الصينية مكافآت مالية للصيادين الذين يعثرون على معدات أو أجهزة يُشتبه في استخدامها لأغراض تجسسية.

ووفقاً لوسائل إعلام محلية، تتراوح قيمة هذه المكافآت بين 50 ألفاً و500 ألف يوان، أي ما يعادل نحو 6 آلاف إلى 60 ألف دولار، في خطوة تعكس حجم القلق الرسمي من تنامي أنشطة المراقبة البحرية في المنطقة.