بعد قرون... باحثون يكتشفون لغز طفل أسود مستعبَد في لوحة بريطانية شهيرة

يظهر في الصورة صبي يُعرف باسم غيرسي بجانب الملازم بول هنري أوري (الصندوق الوطني للتراث)
يظهر في الصورة صبي يُعرف باسم غيرسي بجانب الملازم بول هنري أوري (الصندوق الوطني للتراث)
TT

بعد قرون... باحثون يكتشفون لغز طفل أسود مستعبَد في لوحة بريطانية شهيرة

يظهر في الصورة صبي يُعرف باسم غيرسي بجانب الملازم بول هنري أوري (الصندوق الوطني للتراث)
يظهر في الصورة صبي يُعرف باسم غيرسي بجانب الملازم بول هنري أوري (الصندوق الوطني للتراث)

بعد عقود طويلة من الجدل والتساؤلات، نجح باحثون بريطانيون في كشف جانب من قصة الطفل الأسود المستعبَد الذي ظهر في واحدة من أشهر لوحات القرن الثامن عشر لرسام البورتريه الشهير غوشا رينولدز، والتي أثارت تساؤلات حول هوية الصبي وحياته، بل وحتى حول ما إذا كان شخصية حقيقية من الأساس، حسب «سي إن إن» الأميركية.

ويقول باحثون في لندن إنهم توصلوا أخيراً إلى بعض الإجابات، بعد البحث في أرشيفات الحكومة البريطانية، والرسائل الأصلية، وسجلات قادة السفن، والوثائق المتعلقة بأفراد الطواقم البحرية، وفقاً لما أعلنته مؤسسة «ناشيونال تراست» البريطانية. وقد أُجري البحث بالتعاون مع «المعرض الوطني» و«المتاحف الملكية في غرينيتش» في لندن.

وفي اللوحة، التي اكتمل إنجازها نحو عام 1748، يظهر الصبي الأنيق، مرتدياً معطفاً أزرق داكناً، وسترة حمراء، وعمامة بيضاء مطرزة، وأقراطاً من اللؤلؤ، وهو يرفع نظره نحو الملازم الشاب في البحرية الملكية، بول هنري أوري، الذي أصبح لاحقاً قائداً بحرياً.

ويشير الباحثون إلى أن فناني القرن الثامن عشر كثيراً ما يدرجون في لوحاتهم شخصاً ملوّناً، وقد يكون أحياناً شخصية خيالية، بهدف إضفاء مزيد من الزخرفة على العمل الفني وإبراز المكانة الاجتماعية الرفيعة للشخصية الرئيسية.

وقالت زو شيرمان، أمينة مقتنيات في ضيعة «سالترام» التابعة لـ«ناشيونال تراست» بمدينة بليموث في جنوب غربي إنجلترا، لشبكة «سي إن إن»: «بوصفها نماذج متكررة في الفن، لا يمكننا دائماً التأكد من أن الشخص الملوّن، أو الجالس الأسود في اللوحة، كان شخصاً حقيقياً». وأضافت: «لذلك من المهم للغاية أن نبدأ هذه العملية الرامية إلى إثبات ذلك وإبراز تلك القصص إلى الواجهة».

وخلال البحث في الأرشيفات، اكتشف الباحثون تفاصيل متعددة تتعلق باسم الصبي، من بينها أن «جيرسي» كان اسم عائلته، وربما لقباً حلّ محل اسم سابق، وفق ما جاء في بيان «ناشيونال تراست».

وأوضح مارك برايشاي، الأستاذ الفخري بجامعة بليموث البريطانية والباحث المتطوع في «سالترام»، أن الاسم الكامل للصبي ورد في سجل أفراد الطاقم على أنه «بوسطن غيرسي».


مقالات ذات صلة

«ديبوت - انعكاس بوييمانز»... داخل العالم السرّي لأحد أضخم مخازن الفنّ

يوميات الشرق هنا يتحوَّل الحفظ إلى جزء من التجربة الفنّية (موقع المتحف)

«ديبوت - انعكاس بوييمانز»... داخل العالم السرّي لأحد أضخم مخازن الفنّ

المادة التي كان يمكن أن تقع في الجفاف، بين معلومات عن الهندسة والتخزين والحفظ، تتحوَّل بين يدَي المخرجة إلى تجربة مشغولة بالتدفُّق والملمس والإيقاع.

فاطمة عبد الله (بيروت)
الاقتصاد رسم تخيلي للمتحف السعودي للفن المعاصر في الدرعية (الشرق الأوسط)

ترسية عقد إنشاء المتحف السعودي للفن المعاصر بقيمة 490 مليون دولار

أُعلن عن ترسية عقد إنشاء المتحف السعودي للفن المعاصر في منطقة الدرعية بقيمة 490 مليون دولار (1.84 مليار ريال).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق رسومات صغيرة... بعيدة عن الحرب (بيت بيروت)

«بيت بيروت» في الحرب: لقاء النزوح بذاكرة المدينة

«بيت بيروت» الذي مثَّل ذات يوم «خطاً للفصل»، يجري العمل على تحويله «مساحةً للقاء»...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق صورة للمصحف النادر بعد ترميمه (متحف القومي للحضارة المصرية)

مصر: ترميم مصحف نادر احتفالاً بـ«يوم المخطوط العربي»

احتفالاً بـ«يوم المخطوط العربي»، أبرزَ المتحفُ القومي للحضارة المصرية، أحدَ المصاحف النادرة الموجودة ضمن مقتنياته، ليُقدِّم نسخةً جديدةً منه بعد الترميم.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق تمثال إيزيس أول قطعة تسجل بالمتحف المصري (المتحف المصري)

المتحف المصري يحتفل بذكرى تأسيسه بإبراز تمثال «إيزيس»

في ذكرى تأسيسه بميدان التحرير (وسط القاهرة)، أبرز المتحف المصري القطعة رقم 1 في «السجل العام» له وهو تمثال «إيزيس».

محمد الكفراوي (القاهرة )

واتكينز لاعب أستون فيلا: التعادل مع بيرنلي جيد

 أولي واتكينز نجم أستون فيلا (رويترز)
أولي واتكينز نجم أستون فيلا (رويترز)
TT

واتكينز لاعب أستون فيلا: التعادل مع بيرنلي جيد

 أولي واتكينز نجم أستون فيلا (رويترز)
أولي واتكينز نجم أستون فيلا (رويترز)

صرح أولي واتكينز، نجم أستون فيلا، بأن مواجهة بيرنلي كانت صعبة، رغم هبوط الفريق المضيّف لدوري الدرجة الأولى الإنجليزي لكرة القدم (تشامبيون شيب).

وسقط أستون فيلا في فخ التعادل الإيجابي 2 - 2 مع مضيّفه بيرنلي، الأحد، في المرحلة الـ36 لبطولة الدوري الإنجليزي الممتاز، ليواصل ابتعاده عن طريق الانتصارات في البطولة للمباراة الثالثة على التوالي.

وارتفع رصيد أستون فيلا، الذي لم يتمكن من تحقيق الفوز للمباراة الثالثة على التوالي، إلى 59 نقطة في المركز الخامس، بينما بقي بيرنلي في المركز التاسع عشر (قبل الأخير) برصيد 21 نقطة.

وقال واتكينز في حديثه لشبكة «سكاي سبورتس»: «لقد كانت مباراة صعبة للغاية، وقد رأيتم في الأسابيع الأخيرة أنهم أصبحوا أقوى. فاز مانشستر سيتي هنا 1 - صفر فقط. لقد كانت نقطة ثمينة بعد تأخرنا في النتيجة، لكن من المؤسف أننا تقدمنا ثم أضعنا الفوز».

وأضاف واتكينز: «إنها نقطة جيدة. إذا لم تستطِع الفوز باللقاء، فينبغي عليك ألا تخسر. سنواجه ليفربول في (فيلا بارك) في المباراة المقبلة، ودائماً ما نجعل الأمور صعبة عليهم».

وتابع: «حققنا نتيجة رائعة في الدوري الأوروبي قبل أيام، نبذل طاقة وجهداً كبيرين في تلك المباريات - أنت تقوم بكل ما في وسعك على أرض الملعب. خوض لقاء آخر بعد 48 ساعة من تلك المواجهات القارية الكبيرة أمر صعب».

وكان أستون فيلا تأهل مؤخراً للمباراة النهائية في بطولة الدوري الأوروبي، يوم الخميس الماضي، عقب فوزه الكبير 4 - صفر على ضيفه ومواطنه أستون فيلا، في إياب الدور قبل النهائي للمسابقة القارية، معوضاً خسارته صفر - 1 أمام منافسه في لقاء الذهاب.


النقد المسرحي بين التجهم الزائف ومتعة المشاهدة

النقد المسرحي بين التجهم الزائف ومتعة المشاهدة
TT

النقد المسرحي بين التجهم الزائف ومتعة المشاهدة

النقد المسرحي بين التجهم الزائف ومتعة المشاهدة

منذ اللحظة الأولى في كتابه «كلام في المسرح» الصادر عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة، ضمن سلسلة «كتابات نقدية»، يحدد المؤلف يسري حسان بوضوح شديد أنه ضد التجهم الزائف، والمصطلحات العويصة التي يشهرها بعض النقاد في وجه القارئ باعتبارها دليلاً على العمق.

وعبر فصول الكتاب التي تتناول 39 عملاً مسرحياً مصرياً، عُرضت في الفترة بين عامي 2023 و2024، تحضر متعة النقد المسرحي عبر اللغة البسيطة التي تخاطب القارئ غير المتخصص، ولكنها لا تتنازل عن الرؤية المتعمقة، والقدرة البارعة على النفاذ إلى سر العمل، والغوص في جميع مفرداته.

لا يقدم المخرج محمد زكي في عرضه المسرحي «الأرتيست» سيرة ذاتية للفنانة الكوميدية الراحلة زينات صدقي، وأغلب الظن أن طموح العرض كان أبعد من ذلك بكثير، وما زينات صدقي هنا إلا وسيلة للتعبير عن كفاح الفنانة العربية في العموم، وتضحياتها من أجل فنها في وسط محافظ، كان إلى وقت قريب وربما لا يزال ينظر إليها باعتبارها خارجة على الأعراف، ويرى في اشتغالها بالفن عاراً، وكم من عائلات قاطعت بناتها اللاتي عملن في الفن، وتبرأت منهن.

كانت زينات واحدة من هؤلاء، ولعل استعادة سيرتها هنا تؤشر إلى أن نظرة المجتمع للمرأة العاملة بالفن لا تزال لدى بعضهم تحمل تلك الرواسب القديمة التي تجعلهم متحفظين تجاهها، ساخرين من أن تلجأ لهذا العمل حتى وإن أبدوا إعجابهم به ظاهرياً.

إذن فالعرض في رسالته المضمرة يسعى إلى الانتصار للمرأة الفنانة، وبيان ما تعانيه من آلام نفسية، وما تدفعه من أثمان غالية نتيجة نظرة المجتمع إليها، ولذلك لم ينشغل بسرد السيرة الذاتية لزينات صدقي بقدر ما أجرى عملية انتقاء لبعض الملامح الدالة التي تؤكد على جمال الرسالة الفنية، وعمق الألم الذي يتحمله صاحبه في سبيل توصيلها.

ويلفت حسان إلى أنه من الملاحظ -في مصر على الأقل- أنه لم يسبق لمخرج مسرحي اللجوء إلى الدمى في معالجته مسرحية لرواية «البؤساء» الشهيرة للشاعر الفرنسي الشهير فيكتور هوغو «1802-1885»، لكن محمود جراتسي غامر وفعلها، حيث قدم العمل مازجاً بين الدمى والعنصر البشري بشكل تغلب عليه الكوميديا السوداء في بعض المشاهد، تاركاً خلفه كل المعالجات السابقة لهذا النص، والتي جاءت في غالبها متشابهة حد التطابق.

من يقرأ رواية البؤساء التي تعد واحدة من أشهر روايات القرن التاسع عشر -سواء في ترجماتها الكاملة أو المختصرة-، ويطالع الجحيم البشري الذي يصوره هوغو، والمتمثل في الجهل، والبؤس، والقوانين التي لا تعرف المرونة، أو لا تضع الرحمة فوق العدل، فقد لا ترد إلى ذهنه فكرة تقديمها مسرحياً بطابع تغلب عليه الكوميديا.

ورغم أن العرض كسر أفق التوقع لدى كل من يعرف الرواية الشهيرة بطابعها المأساوي، فقد نجح المخرج في تقديم صياغته المشهدية بشكل جيد، ومتماسك، وحافظ على الرؤية الكلية للنص الأصلي من دون أن ينزلق إلى الاستغراق في الكوميديا، أو يعممها على المشاهد كافة، وهي على أي حال كوميديا سوداء تجلب الضحك والأسى في آنٍ واحد.

في المقابل أثقل المخرج مارك صفوت على نفسه كثيراً، إذ لم يكتفِ بتقديم عرض مسرحي عن إحدى روايات الكاتب التشيكي فرانز كافكا المشهور بالطابع التشاؤمي المعقد لأعماله، ولكنه قدم عرضه «التحول» مأخوذاً عن نص كتبه محمود محمد سيد مزج فيه بين روايتي «المسخ» و«المحاكمة»، وبين حياة كافكا ذاته.

وما زاد من صعوبة التجربة أن العرض قدمته «فرقة ثقافة أبنوب» التابعة لوزارة الثقافة، وأبنوب مدينة تتبع محافظة أسيوط في جنوب مصر، وتكمن الصعوبة هنا في كيفية العثور على 20 ممثلاً وممثلة هم عدد شخصيات العرض ينهضون بعبء تجربة نوعية، ومركبة كهذه في عمق الأقاليم البعيدة، والنائية بجنوب البلاد.

يبدأ العرض بساتر مفتوح على منظر واحد ثابت، في يمين المسرح غرفة بطل كافكا غريغور سامسا، ويؤدي دوره مصطفى غانم، الغرفة في مستوى مرتفع قليلاً، وفي المنتصف بهو البيت، وفي العمق عدة أبواب لحجرات، ومدخل البيت، وفي اليسار حجرة كافكا. تتغير وضعية المنظر بتحريك بعض القطع، أو بتحويل مائدة الطعام إلى سجن أثناء مشهد المحاكمة، أو نعش يُحمل فيه كافكا، أو قرينه، بحسب تصور كاتب النص غريغور سامسا.

عند دخول الجمهور إلى صالة العرض ينتشر عدد من الممثلين والممثلات في الصالة حاملين الشموع، ويقفون أو يجلسون في وضع متجمد، وكأنهم مجرد تماثيل لا روح فيها، ثم مع بداية العرض يبدأون في التحرك. إنه مشهد مهيب وغامض يفتتح به المخرج عرضه الذي يمضي بعد ذلك مراوحاً بين عرض مأساة غريغور الذي تحول إلى حشرة هائلة، وضيق أهله به، وبين مأساة كافكا وعلاقته المتوترة بأبيه وتهيؤاته عن الأشباح التي تطارده، وكذلك ظهور المحققين اللذين يظهران له فجأة في إحالة إلى رواية «المحاكمة» ليدفعاه في النهاية إلى الاعتراف بجرائم لم يرتكبها، وغيرها من المواقف التي تتماس فيها الشخصيتان حتى تلتصقا معاً في أحد المشاهد باعتبارهما كياناً واحداً.


أمهات الأدیبات

أمهات الأدیبات
TT

أمهات الأدیبات

أمهات الأدیبات

حین ترد على الأذهان أسماء الأدیبات تتجه أفكارنا عادةً إلى الرجال - آباءً وأزواجاً وعشاقاً - الذین لعبوا أدواراً في حیاتهن. فنحن لا نفكر في سیمون دي بوفوار مثلاً إلا من حیث علاقتها بجان بول سارتر. وكذلك الشاعرة الأميركية سیلفیا بلاث ترتبط في الأذهان بزوجها الشاعر الإنجليزي تيد هیوز، والنهایة المأسوية لهذا الزواج حین تركها من أجل امرأة أخرى فانتحرت بلاث في شقتها بمدینة لندن بأن فتحت على نفسها محبس الغاز. لكننا قلما نفكر في الدور الذي تلعبه الأم في حیاة الأدیبة. وهذا هو موضوع كتاب عنوانه: «أمهات العقل: النساء المرموقات اللواتي شكلن فرجینیا وولف، وآغاثا كریستي، وسیلفیا بلاث» (Mothers of the Mind: The Remarkable Women who Shaped Virginia Woolf, Agatha Christie and Sylvia Plath).

الكتاب صادر عن «مطبعة التاریخ» في 2023 من تألیف راشیل ترثوي Rachel Trethwey، وهي صحافیة وكاتبة بريطانية، درست التاریخ بجامعة أوكسفورد، وحصلت على الدكتوراه في الأدب الإنجليزي، ولها خمسة كتب مؤلفة، أحدثها «بنات تشرتشل» (2021).

موضوع الكتاب غولیا ستيفن ولف (والدة فرجینیا وولف)، وكلارا میلر كریستي (والدة آجاثا كریستي)، وأوریلیا بلاث (والدة سیلفیا بلاث). فهو كتاب عن المیراث الأموي، وعن ثلاث أمهات قویات الشخصیة شكلن اتجاهات بناتهن إزاء الحیاة والأدب والنسویة، إن خیراً وإن شراً. إن الأمهات یحتللن هنا مركز المسرح بینما الأدیبات یلیهن في الأهمیة. كن أمهات مشبوبات العاطفة، معقدات الشخصیة، وأحیاناً ملآنات بالمتناقضات. طمحن جمیعاً إلى أن یغدون أدیبات. وكتاباتهن تلقي الضوء على كتابات بناتهن.

كانت الصلة الوثیقة بالأم حائلاً بین الأدیبات الثلاث وبین تكوین هویة منفصلة وشخصیة مستقلة. وقد ورثت ثلاثتهن عن أمهاتهن فرط الحساسیة وحدة المشاعر وسعة الخیال. وأضفى ذلك على كتابتهن فهماً لتعقیدات العلاقات الإنسانیة.

غدون بحاجة إلى الحمایة: وفي غیاب الأم لجأن إلى عشاق أو أزواج أو أصدقاء یملأون الفراغ.

هؤلاء الأمهات كُنَّ أول من أدرك عبقریة بناتهن. وقد بذلن كل ما في وسعهن من أجل تنمیة قدراتهن الأدبیة، وكن أول معلمات وقارئات وناقدات لكتاباتهن. وقد شجعهن على الانتقال من الهوایة إلى الاحتراف. وبدورهن كتبت الأدیبات عن أمهاتهن وذلك في صور أوتوبیوغرافیة أحیاناً وتخیلیة أحیاناً أخرى. ففى روایة فرجینیا وولف «صوب المنار»، على سبيل المثال، نجد أن شخصیة «مسز رامزي» مبنیة على شخصیة أم الكاتبة. وفى كتاب أغاثا كریستي المسمى «صورة شخصیة غیر مكتملة» نجد أن شخصیة میریام مبنیة على شخصیة أم الكاتبة. وشخصیة مسز جریتون في روایة سیلفیا بلاث «الناقوس الزجاجي» مبنیة على شخصیة الأم.

وفي الأسر التي جاءت منها هؤلاء الكاتبات كان الأب شكلیاً رأس الأسرة؛ لكن الواقع غیر ذلك. فقد كانت الأم هي الشخصیة المهیمنة والمحددة لنمط الحیاة والمؤثرة في تربیة الأبناء.

وكان لكل من الأمهات الثلاث قدم في الأدب. فجولیا ستيفن ولف كتبت قصصاً للأطفال ومقالات وكتاباً عن فن التمریض.

وكلارا میلر كریستي كتبت قصائد وقصصاً قصیرة. وأوریلیا بلاث كتبت قصائد وأطروحة أكادیمیة ومقدمة لكتاب ابنتها المعنون «رسائل إلى البیت» وهو یضم رسائل الابنة إلیها.

وكتابات هؤلاء الأمهات تساعدنا على فهم مواهب بناتهن. فما كان مجرد بذرة في جیلهن أثمر نباتاً في جیل البنات.

ونحن نرى آثاراً إیجابیة للحب غیر المشروط بین الأمهات والبنات، كما نرى العواقب السلبیة للرغبة في التملك والاستحواذ على عواطف الطرف الآخر. ومن الجدير بالذكر هنا أن فرجینیا وولف ذكرت أن أمها ظلت تطارد خیالها حتى بعد مرور ثلاثة عقود على رحیلها عن الدنیا إذ كانت فرجینیا ترى أن أمها على صواب دائماً.

وأكثر اللحظات غموضاً فى حیاة كریستي كانت اختفاءها عن الأنظار عام 1926 حیث لم یعرف أحد لها مكاناً. وقد عزا هذا إلى تحطم زواجها. ولكن الحقیقة أن انهیارها العصبي في تلك الفترة كان راجعاً إلى حیرتها إزاء هذا السؤال:

من الأهم لصحتها العقلیة: زوجها أم أمها؟

وقد اشتهرت كریستي بروایاتها البولیسیة ولكنها كتبت أیضاً - تحت اسم قلمي مستعار هو ماري وستكوت - ست روایات عن الحیاة العائلیة. وكانت هذه الروايات بمثابة دراسات نفسیة معقدة تستكشف العلاقات بین أفراد الأسرة الواحدة.

إنها نافذة نطل منها على حیاة أغاثا الداخلیة وعلى تصورها للرابطة بین الأم والابنة.

وكانت علاقة سیلفیا بلاث بأمها - كعلاقتها بزوجها تيد هیوز - علاقة عاصفة. وقد انعكست هذه العلاقة على قصائد بلاث وروایتها الوحیدة ویومیاتها.

إن أشهر قصائد بلاث تدور حول أبیها. وفى قصیدتها المسماة «بابا» تصوره في صورة نازي وحشي. لكنها كتبت أیضاً قصائد عن أمها، مثل قصیدة «میدوزا»، وهي قصيدة صادمة تبین كم كانت هذه العلاقة سامة غیر صحیة.

إن كتاب راشیل ترثوي رحلة مرور من الاعتماد إلى الاستقلال، ومحاولة الانفصال عن الأم لتكوین هویة مستقلة، وهو یطرح هذا السؤال: إلى أي حد یفترض بالآباء والأمهات أن یتدخلوا في حیاة الأبناء؟ وإلى أي مدى یعرف كل طرف الآخر على حقیقته رغم الرابطة القویة ظاهریاً بینهما؟ لكن يبقى أهم ما یبینه الكتاب هو أن الحبل السري الذي یربطنا بأمهاتنا لا ینقطع قط، حتى بعد الموت.