في كثير من الأحيان يجد الإنسان نفسه عالقاً داخل دائرة من الأفكار المتكررة، حيث تتداخل المخاوف مع الاحتمالات السلبية، فيتحول التفكير حالةً من الإرهاق الذهني والقلق المستمرَين.
وتُعرف هذه الحالة بفرط التفكير، وقد تؤثر على التركيز، والمزاج، وحتى جودة النوم والحياة اليومية بشكل عام، لكن هناك أسلوباً نفسياً بسيطاً يمكن أن يساعد على كسر هذه الدائرة واستعادة الهدوء الذهني، وفق مجلة «Real Simple» الأميركية.
ويشير خبراء الصحة النفسية إلى أن «هذا الأسلوب يُعرَف باسم (جدولة القلق)، ويُعدّ وسيلة فعّالة لمساعدة الأشخاص الذين يعانون الإفراط في التفكير على تنظيم أفكارهم وتقليل تأثيرها على حياتهم اليومية، من خلال تخصيص وقت محدد يومياً للانشغال بالمخاوف بدلاً من السماح لها بالسيطرة على اليوم بأكمله».
ويعتمد هذا الأسلوب، المستند إلى مبادئ العلاج السلوكي المعرفي (CBT)، على فكرة «الاحتواء الزمني» للأفكار القلقة بهدف تقليل حدّتها وتكرارها.
وتوضح المعالجة النفسية الأميركية كاتي مورتون أن الفكرة تقوم على تخصيص فترة زمنية قصيرة يومياً يتم خلالها التركيز فقط على المخاوف والأفكار المقلقة، دون محاولة إبعادها خلال اليوم، بل يتم تأجيلها إلى «نافذة زمنية» محددة مسبقاً؛ ما يعلّم الدماغ أن هذه الأفكار مهمة، لكن التعامل معها له وقت مخصص.
وتضيف أن هذا الأسلوب يرسل إشارة واضحة إلى الدماغ مفادها: «سأعود إلى هذا الأمر لاحقاً، لكن ليس الآن»؛ وهو ما يساعد على تقليل التشتت الذهني وتحسين التركيز خلال اليوم. ومع الاستمرار في تطبيق هذه التقنية، تتغير استجابة الدماغ للأفكار السلبية تدريجياً، فتبدو أقل إلحاحاً وأكثر قابلية للتحكم.
كما تؤكد أن محاولة كبت القلق بشكل مباشر غالباً ما تأتي بنتائج عكسية، في حين يسهِم تخصيص وقت محدد له في احتوائه بشكل صحي ومنظم.
جدولة القلق
ومن الناحية العملية، يقترح الخبراء عند تطبيق «جدولة القلق» اتباع خطوات بسيطة تساعد على تنظيم التفكير وتقليل الانغماس في دوامة القلق. تبدأ هذه الخطوات بتخصيص وقت ثابت يومياً للقلق، يُفضل أن يكون في وقت مبكر من المساء وبعد هدوء اليوم، مع تجنب أن يكون قريباً من وقت النوم؛ حتى لا يؤثر على جودة الراحة الليلية. كما يُنصح بأن تتراوح هذه الفترة بين 10 و30 دقيقة فقط، وهي مدة كافية للتفكير الواعي دون الوقوع في الاجترار الذهني.
ولزيادة فاعلية هذه الجلسة، يُفضل استخدام مؤقت زمني لتحديد بدايتها ونهايتها بوضوح، وهي خطوة أشارت إليها الدكتورة ميليسا غلوك، اختصاصية الطب النفسي بالولايات المتحدة، بوصفها وسيلة فعالة لرسم حدود ذهنية بين وقت التفكير المنظم وبقية اليوم. وخلال هذه الفترة، يُنصح بكتابة الأفكار المقلقة بدلاً من تركها تدور في الذهن؛ لأن الكتابة تساعد على تحويلها نقاطاً واضحة يسهل التعامل معها.
وبعد ذلك، يمكن التعامل مع كل فكرة من خلال سؤال بسيط: هل هذا الأمر في يدي؟ فإذا كانت الإجابة نعم، يتم تحديد خطوة صغيرة وعملية للتعامل معه، أما إذا كانت لا، فيُدرَّب الشخص على تقبّل الشعور دون محاولة تغييره أو السيطرة عليه؛ ما يساعد على تخفيف الضغط النفسي تدريجياً.
ومع انتهاء الوقت المحدد، يُنصح بالانتقال مباشرة إلى نشاط مريح يساعد على تهدئة الجهاز العصبي، مثل مشاهدة برنامج خفيف، أو القراءة، أو التواصل مع صديق، أو أي نشاط يمنح شعوراً بالاطمئنان والاسترخاء.
ووفق الخبراء، تكمن فاعلية هذه التقنية في أنها لا تهدف إلى إنكار القلق أو تجاهله، بل إلى منحه مساحة محددة داخل اليوم بدلاً من السماح له بالانتشار في كل لحظة، ومع الممارسة المنتظمة، يبدأ الدماغ في تقليل استجابته للأفكار المقلقة، فتصبح أقل تأثيراً وأكثر قابلية للتحكم.



