العليمي يدعو إلى إنهاء التهديد الحوثي وليس احتواءه

الجماعة هاجمت غروندبرغ واتهمته بعدم الحياد

مسلحون حوثيون خلال حشد للجماعة في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون خلال حشد للجماعة في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
TT

العليمي يدعو إلى إنهاء التهديد الحوثي وليس احتواءه

مسلحون حوثيون خلال حشد للجماعة في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون خلال حشد للجماعة في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

اتهم رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، الجماعة الحوثية بأنها أداة إيرانية لزعزعة الاستقرار الإقليمي وتهديد أمن الممرات المائية الدولية، داعياً الأوروبيين إلى اتخاذ موقف أكثر حزماً يُنهي تهديدات الجماعة وليس احتواءها.

جاءت تصريحات العليمي خلال استقباله السفير الألماني لدى اليمن، حيث ركز على خطورة استمرار سيطرة الجماعة على أجزاء من البلاد، وما يمثله ذلك من تهديد دائم للأمنين الوطني والإقليمي، مؤكداً أن التعامل مع هذا الخطر لا ينبغي أن يقتصر على الاحتواء، بل يتطلب إنهاءه بشكل جذري.

وأكد رئيس مجلس القيادة اليمني أن تهديد الحوثيين للممرات المائية، خصوصاً في البحر الأحمر وخليج عدن، سيظل قائماً ما دامت الجماعة تحتفظ بقدراتها العسكرية ونفوذها الجغرافي، معتبراً أن هذا التهديد لم يعد شأناً يمنياً داخلياً، بل تحول إلى قضية دولية تمس أمن التجارة العالمية.

وقال إن المجتمع الدولي، خصوصاً الدول الأوروبية، مطالَب باتخاذ موقف أكثر حزماً تجاه هذه التهديدات، مشدداً على أن أمن الملاحة الدولية لا يمكن ضمانه في ظل استمرار من وصفهم بـ«وكلاء إيران» في السيطرة على أجزاء من الأراضي اليمنية.

وجدد العليمي اتهاماته لإيران بالسعي إلى توسيع دائرة الصراع في المنطقة عبر دعمها للحوثيين، معتبراً أن طهران تستخدم اليمن منصة لتهديد الاستقرار الإقليمي والدولي.

العليمي استقبل في الرياض سفير ألمانيا لدى اليمن (سبأ)

وأشار إلى أن النظام الإيراني يحاول جر اليمن إلى صراع أوسع من خلال الجماعة، إضافةً إلى ما وصفه بتخادمها مع تنظيمات إرهابية، في إطار استراتيجية تهدف إلى إرباك المنطقة وإضعاف الدول الوطنية.

وأكد أن هذه المعطيات تفرض على المجتمع الدولي التعامل مع الأزمة اليمنية ضمن سياقها الإقليمي، وليس بوصفها ملفاً منفصلاً، لافتاً إلى أن أي تسوية لا تأخذ في الاعتبار هذا البعد ستظل عرضة للانتكاس.

هجوم ضد غروندبرغ

على خلفية الإحاطة الأخيرة للمبعوث الأممي هانس غروندبرغ أمام مجلس الأمن، ردّت الجماعة الحوثية بمهاجمة المبعوث متهمةً إياه بعدم الحياد و بـ«التسييس والانتقائية» و«التماهي مع الموقفين الأميركي والبريطاني»، خصوصاً فيما يتعلق بتركيزه على ملف البحر الأحمر وربطه بمسار السلام.

وزعمت الجماعة أن المبعوث تجاهل، في إحاطته، «القضايا الأساسية»، وعلى رأسها الأوضاع الإنسانية، مدعيةً أن ذلك يعكس انحيازاً واضحاً لا يساعد على تحقيق تقدم في العملية السياسية.

كما انتقد الحوثيون ما وصفوه بتجاهل المبعوث للإجراءات التي تقوم بها آلية الأمم المتحدة للتحقق والتفتيش، معتبرين أنها تعوق حركة السفن وترفع تكاليف النقل وتفاقم الأوضاع المعيشية.

جانب من اجتماع مجلس الأمن الأخير بشأن اليمن (أ.ب)

وذهبت الجماعة إلى أبعد من ذلك باتهام المبعوث بمحاولة «ربط عملية السلام بمواقف سياسية خارجية»، في إشارة إلى مطالبته لهم بوقف الهجمات المرتبطة بالتطورات الإقليمية، وهو ما عدّته «إصراراً على فرض شروط لا علاقة لها بجوهر الأزمة اليمنية».

تحذيرات المبعوث

كان المبعوث الأممي في إحاطته أمام مجلس الأمن قد ركّز على المخاطر المرتبطة بسلوك الحوثيين، محذراً من أن هجماتهم، بما في ذلك استهداف إسرائيل مؤخراً، أثارت قلقاً دولياً من احتمال انزلاق اليمن إلى صراع إقليمي أوسع.

وأكد غروندبرغ أن هذه التطورات تضع اليمن أمام مخاطر جدية، رغم تجنبه حتى الآن هذا السيناريو، داعياً الجماعة إلى الامتناع عن أي هجمات جديدة، حفاظاً على فرص السلام.

كما شدد على أن حماية حرية الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن تمثل أولوية دولية، في ظل التهديدات المستمرة، وهو ما يتقاطع مع تحذيرات الحكومة اليمنية.

وتطرقت إحاطة غروندبرغ إلى الانتهاكات الحوثية، مشيراً إلى سقوط ضحايا مدنيين نتيجة القصف والقنص في عدة مناطق، إضافةً إلى استمرار احتجاز موظفين أمميين، وهو ما عده انتهاكاً للقانون الدولي ويقوّض جهود الوساطة.

كما لفت إلى أن المفاوضات بشأن الأسرى والمحتجزين، رغم كونها الأطول حتى الآن، لم تحقق نتائج نهائية، مما يعكس صعوبة إحراز تقدم في ظل تعقيدات المشهد السياسي والعسكري.


مقالات ذات صلة

الحوثيون يقرّون بأزمة الوقود المغشوش بعد اتساع الغضب

العالم العربي الحوثيون يبرّرون انتشار الوقود المغشوش بالغارات الجوية الإسرائيلية على أماكن التخزين (أ.ف.ب)

الحوثيون يقرّون بأزمة الوقود المغشوش بعد اتساع الغضب

تسبب الوقود المغشوش في مناطق سيطرة الحوثيين بأعطال للسيارات وغضب السكان، في حين يفسر خبراء اقتصاديون الأزمة بالضغوط الاقتصادية والمالية التي تعانيها الجماعة

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي عنصر حوثي في صنعاء خلال حشد للجماعة لمناسبة فعالية ذات صبغة طائفية (إ.ب.أ)

«التجسس»... سيف الحوثيين المسلط على العمل الإنساني

أدت حملة الحوثيين ضد موظفي الأمم المتحدة والمنظمات الإغاثية إلى شلل العمل الإنساني في مناطق سيطرتهم، ما فاقم الجوع وهدد ملايين المحتاجين بالمجاعة

«الشرق الأوسط» (محمد ناصر)
العالم العربي مسنة يمنية نازحة قرب مدينة تعز تطعم أحفادها أوراق شجر مسلوقة (أ.ف.ب)

تحركات يمنية لتوحيد الدعم الأممي مع أولويات الحكومة

الحكومة اليمنية والأمم المتحدة تبحثان تعزيز الشراكة التنموية والإنسانية، فيما تتواصل الجهود الدولية لدعم القطاع الصحي والتحصين ومواجهة الأوبئة في البلاد

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي الحوثيون رفعوا صوراً عملاقة لخامنئي في شوارع صنعاء عقب مقتله بضربة إسرائيلية (إ.ب.أ)

الحوثيون يدخلون على خط المواجهة الجديدة بين إيران وإسرائيل

تبنى الحوثيون إطلاق دفعة صواريخ تجاه إسرائيل، وأعلنوا فرض حظر على السفن المرتبطة بتل أبيب في البحر الأحمر، عقب تجدد المواجهة بين إيران وإسرائيل

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي الحوثيون يُرهِبون المجتمع اليمني بالاعتقالات وتلفيق تهم التجسس (إ.ب.أ)

موظفو المنظمات... عام ثالث من المعاناة في السجون الحوثية

مع دخول اعتقال موظفي المنظمات الإنسانية عامه الثالث، تكشف عائلات المحتجزين عن معاناتها المتفاقمة، فيما يجدد مجلس الأمن مطالبته الحوثيين بالإفراج الفوري عنهم...

محمد ناصر (عدن)

أفغانستان تشن حملة قمع ضد احتجاجات مناهضة للحجاب

أفغانيات بالشارع بالقرب من «المسجد الكبير» في هيرات بأفغانستان يوم 8 يونيو 2026 (أ.ف.ب)
أفغانيات بالشارع بالقرب من «المسجد الكبير» في هيرات بأفغانستان يوم 8 يونيو 2026 (أ.ف.ب)
TT

أفغانستان تشن حملة قمع ضد احتجاجات مناهضة للحجاب

أفغانيات بالشارع بالقرب من «المسجد الكبير» في هيرات بأفغانستان يوم 8 يونيو 2026 (أ.ف.ب)
أفغانيات بالشارع بالقرب من «المسجد الكبير» في هيرات بأفغانستان يوم 8 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

قال سكان في أفغانستان إن مسؤولي الأمن فضّوا، الثلاثاء، احتجاجاً يطالب بعدم فرض قيود شاملة على النساء والفتيات، في إقليم هيرات غرب البلاد، كان اندلع بعد أن احتجزت شرطة الأخلاق التابعة لحركة «طالبان» نساء اتُّهمن بانتهاك قواعد الزي الإلزامي. وقال شهود إن شخصاً قُتل وأصيب آخرون، وإن العشرات، بينهم نساء وفتيات، أُلقي القبض عليهم، وفق ما أفادت به وكالة «رويترز» للأنباء.

ولم تدل سلطات «طالبان» بأي تعليق بشأن وقوع قتلى ومصابين أو عمليات اعتقال. وأفاد سيد مسعود حسيني، المتحدث باسم شرطة هيرات، وكالة أنباء «باختر» الحكومية، بأن التجمع في منطقة جبريل «خلق حالة من التوتر» وأربك النظام العام بدعوى معارضة ارتداء الحجاب، الذي وصفه بأنه واجب ديني.

ونقلت وكالة «باختر» عن الشيخ عزيز الرحمن المهاجر، رئيس «هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» في هيرات، قوله إن التقارير التي تفيد باعتقال نساء لعدم التزامهن قواعد الحجاب غير صحيحة.

وقال إن المفتشين أدوا واجباتهم من خلال تقديم التوجيه بشأن الحجاب ونشر التوعية به.

ومنذ استيلائها على السلطة في كابل عام 2021، فرضت حركة «طالبان» قيوداً صارمة على النساء والفتيات في بلد عصفت به الحرب، إلى جانب قيود أخرى على الحق في التعليم والعمل وممارسة الرياضة؛ مما أثار انتقادات دولية واسعة.

وشهدت هيرات تغييرات كبيرة، وهي تعدّ منذ فترة طويلة من أعلى مدن أفغانستان حيوية من الناحية الاجتماعية والثقافية. وقال شهود إن الاحتجاجات اندلعت عندما حاول مسؤولو شرطة الأخلاق القبض على نساء يعارضن قواعد الزي الإلزامي.

وذكر عدد من السكان أن مسؤولين استهدفوا نساء يلتزمن بالفعل بقواعد الزيّ المطلوبة، التي تشمل تغطية الوجه والجسم بالكامل.

وظهر في مقطع مصوّر، لم يتسنَّ لوكالة «رويترز» التحقق من صحته، عناصر مسلحون يفضون مظاهرة تشارك فيها نساء منتقبات. وظهر في مقطع آخر أناس يركضون بحثاً عن مأوى، كما أمكن سماع دوي إطلاق نار في الخلفية.

وعبّرت بعثة الأمم المتحدة لدى أفغانستان، الاثنين، عن قلقها إزاء تقارير تفيد باحتجاز نساء في غرب البلاد بدعوى عدم التزامهن قواعد اللباس، وحثت حكومة حركة «طالبان» على معاملة جميع الأشخاص على قدم المساواة.

ولم تحدد «بعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة إلى أفغانستان (يوناما)» عدد النساء المحتجزات، لكن وسائل إعلام محلية أفادت الأسبوع الماضي باحتجاز ليس أقل من 21 امرأة وفتاة في إقليم هيرات.

وتقول «طالبان» إنها تحترم حقوق المرأة وفق تفسيرها.


قادة اسكندنافيا والبلطيق يدعمون انضمام أوكرانيا إلى «الناتو» والاتحاد الأوروبي

رؤساء حكومات ثماني دول من اسكندنافيا والبلطيق والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في مؤتمر صحافي مشترك خلال قمة رؤساء وزراء دول الشمال ودول البلطيق 2026 في تالين... إستونيا 9 يونيو 2026 (أ.ف.ب)
رؤساء حكومات ثماني دول من اسكندنافيا والبلطيق والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في مؤتمر صحافي مشترك خلال قمة رؤساء وزراء دول الشمال ودول البلطيق 2026 في تالين... إستونيا 9 يونيو 2026 (أ.ف.ب)
TT

قادة اسكندنافيا والبلطيق يدعمون انضمام أوكرانيا إلى «الناتو» والاتحاد الأوروبي

رؤساء حكومات ثماني دول من اسكندنافيا والبلطيق والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في مؤتمر صحافي مشترك خلال قمة رؤساء وزراء دول الشمال ودول البلطيق 2026 في تالين... إستونيا 9 يونيو 2026 (أ.ف.ب)
رؤساء حكومات ثماني دول من اسكندنافيا والبلطيق والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في مؤتمر صحافي مشترك خلال قمة رؤساء وزراء دول الشمال ودول البلطيق 2026 في تالين... إستونيا 9 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

أعرب رؤساء حكومات ثماني دول من اسكندنافيا والبلطيق، الثلاثاء، عن دعمهم لجهود ضم أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي (ناتو) والاتحاد الأوروبي، وذلك في بيان مشترك صدر عقب قمة إقليمية في تالين.

وجاء في البيان: «ندعم أوكرانيا في مسيرتها الحتمية نحو الاندماج الكامل في أوروبا الأطلسية، بما في ذلك انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ورئيس وزراء إستونيا كريستين ميشال يتحدثان في مؤتمر صحافي مشترك خلال قمة رؤساء وزراء دول الشمال ودول البلطيق 2026 في تالين... إستونيا 9 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

كما دعا المشاركون في الاجتماع، الذي استضافته العاصمة الإستونية بحضور الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، إلى فتح كل ملفات المفاوضات الرامية لضم أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي «من دون تأخير» في شهرَيْ «يونيو (حزيران) ويوليو (تموز) 2026»، مشددين على أنّ ذلك يجب أن يحصل «في أسرع وقت ممكن».


من «سفاري» إلى «سيري»...هل يعمّق الذكاء الاصطناعي علاقة «أبل» و«غوغل»؟

شراكة الذكاء الاصطناعي تنقل علاقة «أبل» و«غوغل» من صفقة البحث التقليدية إلى طبقة أعمق داخل الأجهزة والخدمات (رويترز)
شراكة الذكاء الاصطناعي تنقل علاقة «أبل» و«غوغل» من صفقة البحث التقليدية إلى طبقة أعمق داخل الأجهزة والخدمات (رويترز)
TT

من «سفاري» إلى «سيري»...هل يعمّق الذكاء الاصطناعي علاقة «أبل» و«غوغل»؟

شراكة الذكاء الاصطناعي تنقل علاقة «أبل» و«غوغل» من صفقة البحث التقليدية إلى طبقة أعمق داخل الأجهزة والخدمات (رويترز)
شراكة الذكاء الاصطناعي تنقل علاقة «أبل» و«غوغل» من صفقة البحث التقليدية إلى طبقة أعمق داخل الأجهزة والخدمات (رويترز)

تفتح تحديثات «أبل» الأخيرة في الذكاء الاصطناعي باباً جديداً للنقاش حول طبيعة علاقتها مع «غوغل». فالشركتان اللتان ارتبطت أسماؤهما لسنوات طويلة بصفقات البحث الافتراضي على أجهزة «أبل»، تدخلان الآن مرحلة أكثر حساسية تتعلق بنماذج الذكاء الاصطناعي والبنية السحابية التي ستدعم الجيل المقبل من مزايا «ذكاء أبل» (Apple Intelligence) و«سيري» الأكثر تخصيصاً.

لكن قراءة هذه العلاقة باعتبارها تحالفاً كاملاً ستكون مبالغة. كما أن تصويرها على أنها تراجع من «أبل» عن استقلالها التقني لا يبدو دقيقاً. الأقرب أنها شراكة انتقائية تعكس طبيعة المرحلة الحالية في سوق الذكاء الاصطناعي. فحتى أكبر شركات التكنولوجيا لم تعد تبني كل شيء وحدها، بل تختار أين تعتمد على شركاء، وأين تحتفظ بالسيطرة المباشرة على تجربة المستخدم والخصوصية والنظام التشغيلي.

من البحث إلى الذكاء الاصطناعي

لسنوات، كانت العلاقة بين «أبل» و«غوغل» تُفهم غالباً من خلال البحث. «غوغل» تستفيد من الوصول إلى قاعدة مستخدمي «أبل» الواسعة، و«أبل» تستفيد من عائدات كبيرة ومنح مستخدميها محرك بحث مألوفاً. أما الآن، فالمسألة تنتقل إلى طبقة أعمق من التقنية.

في البيان المشترك بين الشركتين، أعلنت «أبل» و«غوغل» تعاوناً متعدد السنوات، يقوم على أن الجيل المقبل من «Apple Foundation Models» سيستند إلى نماذج «جميناي» (Gemini) وتقنيات «غوغل» السحابية، لدعم مزايا مستقبلية في «ذكاء أبل»، من بينها نسخة أكثر تخصيصاً من «سيري». هذه النقطة هي ما يجعل العلاقة مختلفة عن شراكة توزيع أو تكامل خدمات. نحن هنا أمام دور محتمل لـ«غوغل» داخل طبقة الذكاء نفسها، حتى لو بقيت التجربة المعروضة للمستخدم باسم «أبل».

تعتمد «أبل» على قدرات «غوغل» في النماذج لكنها تحافظ على التحكم في تجربة المستخدم والخصوصية والنظام التشغيلي (شاترستوك)

لماذا تحتاج «أبل» إلى هذه الشراكة؟

تدخل «أبل» هذه المرحلة وهي تدرك أن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءاً أساسياً من المنافسة بين أنظمة التشغيل والأجهزة. لم يعد السؤال عن جودة الكاميرا أو سرعة المعالج فقط، بل عن قدرة الهاتف أو الحاسوب على فهم السياق، تنفيذ المهام عبر التطبيقات، تلخيص المعلومات، التعامل مع الصور والنصوص، ومساعدة المستخدم بطريقة أكثر شخصية.

من هذه الزاوية، تمنح شراكة «غوغل» «أبل» طريقاً أسرع لتقوية قدراتها في النماذج التوليدية، من دون أن تضطر إلى انتظار اكتمال كل مكونات بنيتها الداخلية. فـ«غوغل» تملك خبرة واسعة في النماذج الكبيرة، والبحث، والسحابة، ومعالجة اللغة، بينما تملك «أبل» سيطرة عميقة على الأجهزة، ونظام التشغيل، والتجربة اليومية للمستخدم.

هذه ليست معادلة غريبة في عالم التقنية. الشركات الكبرى تتنافس في مجالات وتتعاون في أخرى. الفارق هنا أن التعاون يأتي في لحظة أصبح فيها الذكاء الاصطناعي عنصراً مركزياً في مستقبل الأجهزة الشخصية.

سيطرة «أبل» على التجربة

رغم أهمية «غوغل» في هذه المعادلة، لا يبدو أن «أبل» تريد تقديم التجربة باعتبارها «جميناي على آيفون». العلامة التي ستراها الغالبية هي «Apple Intelligence» و«سيري». هذا مهم، لأن «أبل» لا تنافس بقوة النموذج فقط، بل بطريقة دمجه في الجهاز.

تاريخياً، تفضّل «أبل» أن تجعل التقنية غير مرئية قدر الإمكان. المستخدم لا يحتاج إلى معرفة كل طبقة تعمل في الخلفية، بل يهتم بما إذا كان الجهاز يفهمه، ويحفظ خصوصيته، وينفذ المهمة بسلاسة. لذلك، حتى إذا اعتمدت بعض النماذج على تقنيات «غوغل»، ستبقى «أبل» حريصة على التحكم في الواجهة، وفي حدود الوصول إلى بيانات المستخدم، وفي كيفية انتقال الطلبات بين الجهاز والسحابة.

وتؤكد «أبل» أن المعالجة على الجهاز تمثل ركناً أساسياً في نهجها، وأن الطلبات الأكثر تعقيداً يمكن أن تستخدم «Private Cloud Compute» مع التركيز على حماية البيانات وعدم الاحتفاظ بها أو كشفها. بهذا المعنى، تحاول الشركة وضع التعاون مع «غوغل» داخل بنية خصوصية تتحكم هي في قواعدها، لا داخل تجربة مفتوحة على مزود خارجي بصورة مباشرة.

تمنح الشراكة «أبل» طريقاً أسرع لتعزيز قدراتها في الذكاء الاصطناعي من دون التخلي عن هويتها التقنية

ما الذي تكسبه «غوغل»؟

بالنسبة إلى «غوغل»، يبدو أن هذه الشراكة تمثل فرصة مختلفة عن المنافسة التقليدية بين «أندرويد» و«iOS». فحتى إذا لم تظهر «جميناي» كعلامة مستقلة أمام مستخدم «آيفون»، فإن وجود تقنياتها في أساس بعض مزايا «ذكاء أبل» قد يمنحها حضوراً مؤثراً داخل واحدة من أهم قواعد المستخدمين في العالم.

هذا لا يعني أن «غوغل» ستحصل تلقائياً على العلاقة المباشرة مع مستخدم «أبل»، فهذه العلاقة ستبقى في يد «أبل». لكنه يعني أن نماذج «غوغل» قد تصبح جزءاً من البنية التي تشغل تجارب ذكية واسعة الانتشار، حتى إن كانت غير مرئية للمستخدم النهائي. في الذكاء الاصطناعي، قد يكون هذا النوع من الحضور مهماً بقدر ظهور العلامة نفسها، لأن المنافسة لا تدور على التطبيقات فقط، بل على النماذج والبنية التي تعتمد عليها التطبيقات.

اعتماد أم براغماتية؟

السؤال الأهم هو ما إذا كانت هذه الخطوة تعني اعتماداً استراتيجياً أكبر من «أبل» على «غوغل». الإجابة الأقرب أنها اعتماد محسوب، لا تفويض كامل. «أبل» تستخدم قدرات خارجية في مجال تحتاج إلى تسريعه، لكنها تحاول في الوقت نفسه حماية نقاط قوتها الأساسية من حيث تكامل العتاد والبرمجيات والتحكم في النظام والخصوصية وتجربة المستخدم.

في المقابل، لا تخلو الشراكة من أسئلة. فكلما تعمق دور طرف خارجي في طبقة الذكاء الاصطناعي، زادت أهمية الشفافية حول حدود البيانات، وآليات المعالجة، والضوابط التنظيمية، ومدى قدرة «أبل» على تغيير المورد أو تطوير بدائل داخلية مستقبلاً. كما أن العلاقة بين الشركتين ستبقى تحت نظر الجهات التنظيمية، خصوصاً أن علاقتهما التجارية في البحث كانت أصلاً موضع تدقيق في أكثر من سوق.

لكن من زاوية المستخدم، قد لا تظهر هذه الأسئلة مباشرة إذا جاءت التجربة أكثر سلاسة وفائدة، وبقيت الضمانات المتعلقة بالخصوصية واضحة. ما سيهم المستخدم هو ما إذا كان «سيري» أصبح أكثر قدرة على فهم الطلبات، والعمل عبر التطبيقات، وحفظ السياق، وإنجاز مهام يومية بطريقة لا تشعره بأن بياناته خرجت عن سيطرته.

يتضمن التعاون بين «أبل» و«غوغل» دعماً لتطوير قدرات «سيري» (شاترستوك)

مرحلة جديدة للعلاقة

على الأرجح، شراكة الذكاء الاصطناعي هذه لا تلغي المنافسة بين «أبل» و«غوغل»، بل تعيد توزيعها. «غوغل» ستبقى منافساً رئيسياً في أنظمة التشغيل والخدمات والذكاء الاصطناعي. و«أبل» ستبقى حريصة على تقديم تجربة مغلقة ومحكومة بشروطها. لكن بين هذين الطرفين، تظهر مساحة جديدة للتعاون، لأن بناء الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع يتطلب نماذج قوية وبنية حوسبة وبيانات تشغيلية وتكاملاً عميقاً مع الأجهزة.

لذلك، فإن السؤال ليس ما إذا كانت «أبل» قد أصبحت تابعة لـ«غوغل»، ولا ما إذا كانت «غوغل» ستسيطر على تجربة «آيفون». السؤال الأدق هو: هل نشهد انتقال العلاقة من صفقة بحث مربحة إلى شراكة بنيوية في الذكاء الاصطناعي؟

الإجابة تبدو نعم، ولكن بشروط «أبل»: «غوغل» تساعد في طبقة الذكاء، و«أبل» تحتفظ بطبقة التجربة. وبين الطبقتين، تتشكل علاقة جديدة قد تحدد كيف ستدخل نماذج الذكاء الاصطناعي إلى حياة مئات الملايين من المستخدمين، من دون أن يدرك كثيرون بالضرورة من يعمل في الخلفية.