دخان الحرب الإيرانية - الإسرائيلية يطول الاقتصاد اليمني

انهيار العملة ومخاوف على الأمن الغذائي وسط مساعٍ حكومية لتلافي التدهور

مخاوف من تأثر العملة اليمنية بالتصعيد العسكري بعد أن شهدت أخيراً تدهوراً متسارعاً (أ.ف.ب)
مخاوف من تأثر العملة اليمنية بالتصعيد العسكري بعد أن شهدت أخيراً تدهوراً متسارعاً (أ.ف.ب)
TT

دخان الحرب الإيرانية - الإسرائيلية يطول الاقتصاد اليمني

مخاوف من تأثر العملة اليمنية بالتصعيد العسكري بعد أن شهدت أخيراً تدهوراً متسارعاً (أ.ف.ب)
مخاوف من تأثر العملة اليمنية بالتصعيد العسكري بعد أن شهدت أخيراً تدهوراً متسارعاً (أ.ف.ب)

لم تنتظر أسواق اليمن كثيراً ليصل إليها دخان المواجهة العسكرية بين إسرائيل وإيران؛ إذ انخفضت قيمة العملة المحلية (الريال اليمني) المتدهورة أصلاً، كما ارتفعت أسعار الوقود بقرار حكومي، وهو ما يُنذِر بارتفاع أسعار مختلف السلع الاستهلاكية، وسط سعي الحكومة لإيجاد المعالجات.

وتجاوز سعر صرف الدولار 2750 ريالاً يمنياً، نهاية الأسبوع الماضي، قبل أن يعود وينخفض 15 ريالاً فقط، في ظل توقعات بأن يواصل ارتفاعه أمام العملة المحلية نظراً للعوامل المختلفة المؤثرة في ذلك، وبينها تأثيرات التصعيد العسكري في المنطقة.

وبينما عقدت الحكومة اجتماعاً لمناقشة الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، وإجراءات وقف انهيار العملة، أعلن رئيسها سالم بن بريك، عن خطة حكومية عاجلة تمتد لـ«100 يوم»، لمعالجة الأوضاع الاقتصادية المتدهورة، وتحقيق التزامات الدولة الأساسية، وعلى رأسها دفع رواتب الموظفين.

وتمثل الخطة، بحسب ما نشره بن بريك على وسائل التواصل الاجتماعي، اختباراً حقيقياً لمدى جدية وقدرة الحكومة على التحرك الفعلي.

الحكومة اليمنية أعلنت عن خطة ”100 يوم”، لمعالجة الأوضاع الاقتصادية المتدهورة (رئاسة الحكومة اليمنية)

وأقرت الحكومة اليمنية فرض تسعيرة جديدة للوقود، بزيادة لا تتجاوز الدولار الواحد لكل صفيحة من البنزين والديزل عبوة 20 لتراً، مع توقعات بارتفاع أسعار هذه المواد خلال الأسابيع المقبلة، تبعاً لتطورات الأحداث في المنطقة، واستمرار تدهور العملة المحلية.

ويؤكد الباحث الاقتصادي اليمني رشيد الآنسي أن اقتصاد بلاده عرضة لتأثيرات التصعيد العسكري في المنطقة، نظراً لكون اليمن يستورد أكثر من 95 في المائة من احتياجاته من السلع، وهو ما سيؤدي بالتبعية إلى ارتفاع تكاليف النقل وإمدادات الغذاء والتأثير على المخزون السلعي من حيث الكمية والسعر، إلى جانب ارتفاع تكلفة التأمين البحري.

ونوه الآنسي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» بأن مختلف الدول في المنطقة ستتأثر بهذه الحرب، إلا أن لديها فرصاً وقدرة على التعامل المرن مع هذه التغيرات ومواجهة الأعباء الطارئة، على عكس اليمن الذي يعاني من تدهور اقتصادي بفعل الحرب الدائرة والانقسام النقدي وتراجع تصدير السلع.

استنزاف العملات الأجنبية

تتأثر مختلف السلع في اليمن وفي مقدمها الوقود، بتغيرات أسعار صرف العملات الأجنبية مقابل العملة المحلية؛ حيث أعلنت شركة النفط الرسمية أكثر من مرة أنها تحاول تثبيت أسعار المشتقات النفطية، إلا أن تغيرات أسعار الصرف تفرض عليها إجراء تعديلات سعرية بشكل مستمر.

رئيس الحكومة اليمنية يتعهد بجدية التحرك الفعلي لمعالجة تدهور الأوضاع الاقتصادية (رئاسة الحكومة اليمنية)

وتُعدّ التسعيرة الجديدة المعلنة الأسبوع الماضي هي الرابعة خلال هذا العام، وتسببت بارتفاع أسعار مختلف المنتجات المحلية والمستوردة.

ويحذر الباحث الاقتصادي اليمني فارس النجار من حدوث تدهور سريع للعملة المحلية يضاف إلى التدهور القائم، بالتزامن مع تصاعد المواجهة الإسرائيلية - الإيرانية واحتمالية أن تتحول إلى حرب مفتوحة، وهو ما ينتج مخاوف تدفع إلى زيادة المضاربة بالعملة المحلية وتحويلها إلى عملات أجنبية أو ذهب ونقلها إلى خارج البلاد.

وأبدى النجار خشيته في حديثه لـ«الشرق الأوسط» من تراجع التحويلات النقدية للمغتربين من خارج البلاد، وهي المصدر الرئيسي للعملات الأجنبية، وذلك لأي أسباب يخلقها الصراع الدائر وتطوراته، وهو ما سيؤدي إلى عدم مقدرة البنك المركزي على التدخل ومعالجة الوضع أكثر مما هو حاصل الآن.

ومنذ أشهر، تعاني الحكومة اليمنية من عدم القدرة على الوفاء بالعديد من التزاماتها الخدمية، ومنها تشغيل الكهرباء بشكل دائم في العاصمة المؤقتة، عدن، أو توفير المياه لسكان مدينة تعز ذات الكثافة السكانية العالية.

أسعار الوقود في اليمن تغيرت أربع مرات خلال هذا العام بسبب تغير صرف العملات الأجنبية (أ.ف.ب)

وعلى النقيض من توقعات النجار، يذهب الآنسي إلى أن العملة المحلية لن تتأثر بشكل كبير ومباشر بالأحداث، نظراً لخصوصية الوضع الذي تعيشه معزولة عن السوق العالمية من جهة، وبسبب الانقسام النقدي الذي تعانيه بفعل ممارسات الجماعة الحوثية من جهة ثانية.

ويعلل الآنسي توقعاته بأن حوالات المغتربين لن تتوقف، وهي المصدر الرئيسي للعملات الأجنبية في البلاد.

الإضرار بسلاسل الإمداد

يبدي الخبراء والمراقبون للشأن اليمني مخاوف شديدة من أن تشمل التطورات العسكرية في المنطقة المضائق والممرات المائية ما يؤدي إلى اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الشحن، وإضافة أعباء على اليمنيين.

مخاوف من تأثر العملة اليمنية بالتصعيد العسكري بعد أن شهدت، أخيراً، تدهوراً متسارعاً (أ.ف.ب)

وفي هذا الصدد، يرجح الباحث النجار أن وصول تطورات الصراع إلى البحار سيؤدي إلى تحويل المياه المحيطة باليمن إلى ما يجري التعارف عليه في النقل البحري بـ«مناطق عالية المخاطر».

وتوقع أن تزيد تكلفة أسعار النقل والتأمين إلى ما يقارب 300 في المائة، وإلى جانب ذلك، سيعطل على الحكومة الحالية أو الحكومات المقبلة إمكانية استئناف تصدير النفط، وهو ما سيعزز من عجز العملات الأجنبية والمزيد من تردي الأوضاع المعيشية.

من جهته، حمّل محافظ البنك المركزي اليمني أحمد غالب المعبقي، الجماعة الحوثية المسؤولية عن استنزاف موارد الدولة، وإغراق القطاع المصرفي في أسوأ أزمة اقتصادية تشهدها البلاد؛ خصوصاً بعد استهدافهم موانئ تصدير النفط، والتهديد باستهدافها مجدداً في حال محاولة استئناف تصديره.

أطفال نازحون في الحديدة قرب بئر يساعدون عائلاتهم في جلب المياه (أ.ف.ب)

وتحدث المعبقي خلال ندوة اقتصادية عُقِدت أخيراً، عن وجود «اقتصادين مختلفين داخل البلاد، أحدهما حر، والآخر ثابت ومفروض بالقوة»، واتهم الجماعة بفرض أسعار صرف وهمية وغير واقعية للعملات الأجنبية في مناطق سيطرتها، وحرمان المودعين من حق سحب أموالهم بحرية.

كما اتهم الجماعة بالسعي إلى تقويض البنوك التي عدّها آخر ما تبقى من أعمدة الاقتصاد اليمني، من خلال قوانين وإجراءات أحادية، وتحويل الودائع والاستثمارات إلى حسابات جارية لا يمكن السحب منها.

يُشار إلى أن نصيب الفرد في اليمن انخفض بنسبة 58 في المائة، طبقاً لبيانات «البنك الدولي» الذي توقَّع أن ينكمش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي خلال العام الحالي بنسبة 1.5 في المائة.


مقالات ذات صلة

الحكومة اليمنية تحسم الجدل حول دار إيواء المعنفات بحضرموت

العالم العربي تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)

الحكومة اليمنية تحسم الجدل حول دار إيواء المعنفات بحضرموت

الحكومة اليمنية تنهي الجدل حول دار إيواء المعنفات في حضرموت، مؤكدة أنها مؤسسة للحماية الاجتماعية تخضع لإشراف رسمي، وتهدف لصون النساء المعرضات للخطر

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي آلاف المراهقين وصغار السن أخضعهم الحوثيون للتعبئة العقائدية والقتالية (إ.ب.أ)

جيل يمني كامل يدفع ثمن الانقلاب الحوثي

جيل يمني كامل نشأ في ظل الحرب والأزمات بمناطق سيطرة الحوثيين، حيث تراجعت فرص التعليم والعمل والاستقرار، فيما يبقى السلام حلمه الأكبر لبناء مستقبل طبيعي

«الشرق الأوسط» (صنعاء)
الخليج وقّع مركز الملك سلمان للإغاثة اتفاقية مشروع لدعم المزارعين في حضرموت وسقطرى (مركز الملك سلمان)

تدشين مشروع سعودي في حضرموت وسقطرى لتعزيز الأمن الغذائي

وقّع مركز الملك سلمان للإغاثة، اتفاقية مشروع لدعم المزارعين في حضرموت وسقطرى، فيما وضع محافظ شبوة حجر الأساس لمدينة سكنية كويتية للأيتام في عتق.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي تقديرات رسمية بوجود نحو 4 ملايين يمني نزحوا داخلياً أغلبهم في مأرب (الأمم المتحدة)

297 ألف أسرة يمنية في مأرب بحاجة إلى مساعدات عاجلة

أفاد تقرير يمني رسمي بأن نحو 297 ألف أسرة في مأرب تحتاج إلى مساعدات عاجلة وسط تصاعد انعدام الأمن الغذائي وتدهور خدمات التعليم والصحة والمياه.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي ممارسات المسلحين الحوثيين خارج إطار أجهزة الأمن أدت إلى وقوع حوادث مميتة (أ.ف.ب)

دماء العيد... العنف يكشف فشل الحوثيين في تطبيع المجتمع

شهد عيد الأضحى في مناطق سيطرة الحوثيين وقائع انفلات أمني كشفت عن فشل الجماعة بتطويع المجتمع لها، كما أقدمت على ملاحقة المشاركين في صلاة الغائب على الرئيس هادي.

وضاح الجليل (عدن)

نوفاك: توقعات الطلب النفطي غير واضحة والتقديرات تحتاج إلى مراجعة جذرية

نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك في منتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي الدولي
نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك في منتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي الدولي
TT

نوفاك: توقعات الطلب النفطي غير واضحة والتقديرات تحتاج إلى مراجعة جذرية

نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك في منتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي الدولي
نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك في منتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي الدولي

قال نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك يوم الخميس، إن هناك ازدياداً في حالة عدم اليقين بشأن الطلب العالمي على النفط، وإنه ناقش هذه المسألة مع وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان.

وأضاف بعد لقائه الوزير السعودي في منتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي الدولي: «توصلنا إلى استنتاج مفاده أنه لا أحد يعرف حقاً ما يمكن توقعه بشأن الطلب في الوقت الحالي. بعبارة أخرى، ازداد عدم اليقين».

وقد تسببت الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران، وما ترتب عليها من أضرار لحقت بالبنية التحتية النفطية لإيران وجيرانها في الخليج، والإغلاق الفعلي لمضيق هرمز الملاحي، في واحدة من كبرى أزمات إمدادات النفط في التاريخ.

وقال نوفاك: «إن التقديرات التي وُضعت قبل بضع سنوات فقط تحتاج الآن إلى مراجعة جذرية»، مضيفاً أن مجموعة «أوبك بلس» لمصدّري النفط الخام ستكون قادرة على تعويض التغيرات الجارية في القطاع.


مؤشر السوق السعودية يقفل على تراجع 0.11 % متأثراً بقطاع الطاقة

متداول في السوق المالية السعودية (رويترز)
متداول في السوق المالية السعودية (رويترز)
TT

مؤشر السوق السعودية يقفل على تراجع 0.11 % متأثراً بقطاع الطاقة

متداول في السوق المالية السعودية (رويترز)
متداول في السوق المالية السعودية (رويترز)

أنهى مؤشر السوق الرئيسية السعودية (تاسي) جلسة الخميس، متراجعاً بنسبة 0.11 في المائة، ليغلق عند مستوى 10990 نقطة، وسط تداولات بلغت قيمتها 4.90 مليار ريال.

وسجل المؤشر أعلى مستوى له خلال الجلسة عند 11015 نقطة، فيما بلغ أدنى مستوى عند 10972 نقطة.

وتصدر سهم «محطة البناء» قائمة الأسهم الأكثر ارتفاعاً، بعدما صعد بنسبة 9.98 في المائة ليغلق عند 45.18 ريال، ثم سهم «جاز» مرتفعاً بنسبة 9.97 في المائة ليغلق عند 16 ريالاً، ثم سهم «سينومي ريتيل» الذي زاد بنسبة 9.94 في المائة ليغلق عند 14.05 ريال.

في المقابل، تصدر سهم «المملكة» قائمة الأسهم الأكثر انخفاضاً بعد تراجعه بنسبة 5.01 في المائة ليغلق عند 14.60 ريال، ثم سهم «بترو رابغ» منخفضاً بنسبة 4.81 في المائة ليغلق عند 15.03 ريال، ثم سهم «مبكو» الذي تراجع بنسبة 3.97 في المائة ليغلق عند 18.39 ريال.

وعلى مستوى القطاعات، سجل قطاع الطاقة أكبر التراجعات بانخفاض نسبته 0.40 في المائة ليغلق عند 5198 نقطة، متأثراً بتراجع سهم «بترو رابغ» بنسبة 4.81 في المائة ليغلق عند 15 ريال، وسهم «أرامكو السعودية» بنسبة 0.37 في المائة ليغلق عند 27.26 ريال.


العراق على أعتاب هيكلة «الحشد الشعبي»

أعضاء «سرايا السلام» خلال مراسم في سامراء يوم 4 يونيو 2026 بمناسبة إعلان اندماجهم بالقوات الأمنية العراقية (أ.ف.ب)
أعضاء «سرايا السلام» خلال مراسم في سامراء يوم 4 يونيو 2026 بمناسبة إعلان اندماجهم بالقوات الأمنية العراقية (أ.ف.ب)
TT

العراق على أعتاب هيكلة «الحشد الشعبي»

أعضاء «سرايا السلام» خلال مراسم في سامراء يوم 4 يونيو 2026 بمناسبة إعلان اندماجهم بالقوات الأمنية العراقية (أ.ف.ب)
أعضاء «سرايا السلام» خلال مراسم في سامراء يوم 4 يونيو 2026 بمناسبة إعلان اندماجهم بالقوات الأمنية العراقية (أ.ف.ب)

سلّم الجناح العسكري لزعيم التيار الصدري، الخميس، الملف الأمني لمدينة سامراء إلى الجيش العراقي، ضمن مراسم رمزية تضمنت إنزال راية الفصيل في مقر العمليات.

وتزامنت الخطوة التي يراها مراقبون «نقلة نوعية»، مع إعلان الناطق باسم القوات المسلحة العراقية «الشروع بإعادة هيكلة تشكيلات (الحشد الشعبي) وضمان حقوق منتسبيه».

وقال سعد معن، رئيس خلية الإعلام الأمني، إن «جميع مقاتلي (سرايا السلام) التابعين لزعيم التيار الصدري مقتدى الصدر باتوا الآن تحت إمرة رئيس الحكومة القائد العام للقوات المسلحة».

وأظهرت لقطات مصورة بثها التلفزيون الحكومي عناصر من «سرايا السلام» وهم ينزلون راية فصيلهم من أمام مقر العمليات بحضور لجنة عسكرية أوفدها رئيس الحكومة علي الزيدي.

و«سرايا السلام» منضوية في هيئة «الحشد الشعبي» عبر الألوية «313» و«314» و«315»، وتتولى مهام أمنية في مناطق عدة، أبرزها سامراء.

وكان الصدر قد أعلن في 27 مايو (أيار) الماضي دمج جناحه العسكري «سرايا السلام» في الدولة، داعياً فصائل «الحشد الشعبي» إلى تسليم سلاحها.

وخلال أسبوع واحد، أعلن كل من «عصائب أهل الحق» و«كتائب الإمام علي» انفصالهما أيضاً عن «الحشد الشعبي»، في حين تواصل «كتائب حزب الله» وحركة «النجباء» رفضهما الاستجابة لمطالب نزع السلاح، وتفكيك الفصائل.

«السرايا» تحت إمرة «القائد»

بعد مراسم تسليم الملف الأمني، قال نائب قائد العمليات المشتركة، قيس المحمداوي، خلال مؤتمر صحافي، إن دمج «سرايا السلام» يعني ربطها بالقائد العام للقوات المسلحة، مؤكداً «تشكيل لجنة بأمر ديواني لإعادة ارتباط وتوزيع التشكيلات المسلحة لتبتعد عن أي عنوان أو تشكيل سياسي آخر».

وتتمركز ألوية «سرايا السلام» في مدينة سامراء منذ تفجير مرقد الإمام العسكري في يونيو (حزيران) 2007. وليس من الواضح ما إذا كان عناصر «سرايا السلام» سيغادرون المدينة للمرة الأولى منذ 19 عاماً، لكن مصدراً عسكرياً أبلغ «الشرق الأوسط» أن الفصيل سلّم جميع مقراته إلى الجيش، في حين يتبع مقاتلوه القائد العام للقوات المسلحة.

مع ذلك، ما زالت تفاصيل عمليات التفكيك ونزع السلاح تفتقر إلى كثير من الوضوح بحسب مراقبين، كما تثار كثير من الأسئلة حول نوعية وحجم الأسلحة التي تمتلكها الفصائل، وإذا ما كانت ستقوم فعلاً بتسليمها إلى السلطات الحكومية، وتتخلى عنها بشكل كامل.

وأفاد مسؤول أمني عراقي بأن آلية حصر السلاح بيد الدولة «لا تزال غير واضحة»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية». بيد أن وسائل إعلام محلية تداولت مزاعم عن طرح مبادرة للنقاش أمام تحالف «الإطار التنسيقي» تتضمن «تأمين عشرات الآلاف من الوظائف الحكومية في المؤسسات الأمنية الرسمية للأفراد الذين وافقت فصائلهم المسلحة على الانفكاك».

أعضاء «سرايا السلام» أصبحوا تحت إمرة القائد العام للقوات المسلحة (أ.ف.ب)

هيكلة «الحشد الشعبي»

في تطور لافت، أعلن الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة صباح النعمان، أن اللجنة المشكّلة بتوجيه من القائد العام للقوات المسلحة باشرت عملها لحصر السلاح بيد الدولة، مبيناً أن فك الارتباط بـ«الحشد الشعبي» يتضمن إعادة هيكلة التشكيلات وضمان حقوق المنتسبين.

وهذه هي المرة الأولى التي يشار فيها رسمياً إلى مصطلح «هيكلة تشكيلات (الحشد الشعبي)» منذ تأسيسه عام 2014 بهدف محاربة تنظيم «داعش».

وقال النعمان إن «مصطلح (فك الارتباط) يتضمن أطراً إدارية وإعادة هيكلة هذه التشكيلات ضمن الأجهزة الأمنية، وضمان حقوق المقاتلين وإدماجهم مع التشكيلات العسكرية».

وحسب الناطق العسكري، فإن «اللجنة تشكلت وباشرت أعمالها، وستضع الآليات لدمج وانضمام التشكيلات المعنية، وتسليم الأسلحة والمعدات والمعسكرات إلى الجهات الأمنية العراقية».

وأوضح النعمان أن «كل الأسلحة وكل المعدات سيتم تسليمها إلى اللجنة المركزية وإلى الجهات الأمنية العراقية، وخلال يومين سيتم تسليم جرد كامل إلى اللجنة المركزية التي هي بإشراف وتوجيه ومتابعة مباشرة من القائد العام للقوات المسلحة».

وتضم اللجنة جهات متعددة منها «الدفاع»، و«الداخلية»، وقيادة العمليات المشتركة، وهيئة «الحشد الشعبي».

وفوَّض «الإطار التنسيقي» رئيس الوزراء القائد العام للقوات المسلحة، علي الزيدي، باتخاذ القرارات والإجراءات الكفيلة بحفظ المصالح العليا للبلاد، وأيَّد «حصر السلاح بيد الدولة، وفك ارتباط هيئة (الحشد الشعبي) عن الأطر السياسية والحزبية والاجتماعية».

جانب من مراسم انفصال «سرايا السلام» عن التيار الصدري واندماجهم في المؤسسات الأمنية (أ.ف.ب)

ما التالي؟

من المتوقع أن تبادر «عصائب أهل الحق» التي يقودها قيس الخزعلي إلى خطوة مماثلة للتيار الصدري، بعدما اتفقت مع رئيس الحكومة على تشكيل لجنة للانفصال عن «الحشد الشعبي». والخزعلي خاضع لعقوبات أميركية، وهو أحد قادة «الإطار»، صاحب أكبر كتلة في البرلمان، وتعزّز نفوذه السياسي مع فوزه في الانتخابات النيابية الأخيرة بـ27 مقعداً. ويؤكد مصدر مقرّب من «العصائب» أنها «تعتبر حالياً العمل السياسي والوجود في الحكومة أهم من القتال (...). لذلك تريد أن تعطي تطمينات للولايات المتحدة». كذلك قالت «كتائب الإمام علي» إنها ستشكّل لجنة لـ«متابعة عملية الجرد والتسليم والنقل تحت إشراف» الزيدي، وأخرى لـ«متابعة شؤون الأفراد والمنتسبين وإعادة دمجهم ضمن مؤسسات الدولة». عملياً، يعني ذلك أن «كل القرارات المتعلقة بألويتهما بـ(الحشد الشعبي)»، ستصبح في يد الزيدي «من الناحية الإدارية»، وفق مصدر مقرّب من الفصائل.

ورحّب المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا والعراق توم برّاك بخطوة «ستسهم في بناء النظام»، وبمبادرة رئيس الوزراء علي الزيدي الذي تعهّد منذ تسلّمه منصبه الشهر الماضي حصر السلاح بيد الدولة. ويأتي ذلك في ظلّ اكتساب واشنطن نقاطاً سياسية واقتصادية في العراق، مقابل تراجع نفوذ طهران الإقليمي منذ اندلاع الحرب في قطاع غزة بين إسرائيل و«حماس» المدعومة من طهران في 2023، ثم الحرب الإسرائيلية الأولى ضد إيران في 2025، ثم الحرب الثانية التي بدأتها الولايات المتحدة وإسرائيل في فبراير (شباط)، وطالت تداعياتها العراق.

خطة نزع السلاح

كانت «الشرق الأوسط» كشفت في 9 مايو 2026 عن لجنة عراقية تضم رئيس الوزراء المكلّف علي الزيدي، تعمل على إنجاز «مشروع تنفيذي» لنزع سلاح الفصائل المسلحة، تمهيداً لعرضه على واشنطن، وسط ضغوط أميركية متصاعدة لإبعاد الميليشيات عن الحكومة الجديدة ومفاصل الدولة.

وكانت اللجنة قد عرضت على قادة ميليشيات «أفكاراً بشأن كيفية نزع السلاح»، لكن بعض الاجتماعات «لم تكن تمر بهدوء»، على حدّ وصف مطلعين.

وتشمل الخطة نزع الأسلحة الثقيلة والمتوسطة، وإعادة هيكلة «الحشد الشعبي» بالتزامن مع تغييرات مرتقبة في أجهزة أمنية حساسة، قد تشمل جهاز المخابرات. لكن مصادر سياسية شكّكت في قدرة الحكومة على تنفيذ المشروع، عادّةً أنه قد يهدف إلى «شراء الوقت».