«صمود» إسرائيل بلا دعم أميركي «محل شك»... وحرب إيران تتطلب «موارد جبارة»

معهد «ميتفيم» الإسرائيلي: حتى لا يفوت القطار علينا حجز مقعد في مفاوضات «النووي»

نتنياهو متحدثاً في الأمم المتحدة (رويترز)
نتنياهو متحدثاً في الأمم المتحدة (رويترز)
TT

«صمود» إسرائيل بلا دعم أميركي «محل شك»... وحرب إيران تتطلب «موارد جبارة»

نتنياهو متحدثاً في الأمم المتحدة (رويترز)
نتنياهو متحدثاً في الأمم المتحدة (رويترز)

مع اندفاع إسرائيل نحو مواجهة عسكرية مع إيران، تبرز أسئلة جدية حول قدرتها على خوض الحرب من دون دعم أميركي، والدفاع «عن نفسها بنفسها»، وفي حين تظهر شكوك حول «صمودها»، فإن تياراً داخلياً يحرض الحكومة الإسرائيلية على «حجز مقعد» في المفاوضات التي يخوضها الأميركيون حول النووي الإيراني كطريقة مثلى «لضمان المصالح».

ومنذ عقود، لا شيء يُسمع بوضوح في إسرائيل سوى تهديد إيران، إلا أن هجوم «الحوثي» على مطار «بن غوريون»، وإعلان الرئيس الأميركي هدنة مع الجماعة الموالية لإيران، جعلا التهديد الكلاسيكي أكثر حدة وجدية، وقبل أيام هدّد رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، بأن بلاده سترد على الحوثيين «في الوقت والمكان المناسبين».

واتسعت هذه اللهجة لتشمل مسؤولين وسياسيين ومراكز أبحاث، وعاد الحديث الجدي عن ضرورة «إنهاء حرب الظلال»، والذهاب فوراً إلى «ضرب إيران»، كما كتب وزير الدفاع يسرائيل كاتس، في «إكس» يوم الخميس.

أسلوب الحروب بالوكالة انتهى مع إيران التي تتحمل مسؤولية مباشرة عن قصف «بن غوريون»... سنفعل بها ما فعلناه بـ«حماس» في غزة و«حزب الله» في لبنان

وزير الدفاع يسرائيل كاتس

استهداف مطار بن غورويون لم يشعل شرارة التهديدات، لكنه أذكاها. فقبل شهرين، كان رئيس أركان الجيش، إيال زامير، قد حدد حال تسلّمه منصبه «عام 2025 موعداً لمواجهة عسكرية محتملة مع إيران»، وبعد يومين من ذلك التصريح شاركت القوات الإسرائيلية في تدريب مشترك مع الطائرات الأميركية والبريطانية، بمشاركة القاذفة الاستراتيجية «بي 52» في سماء الشرق الأوسط.

والحال أن الاستعداد لحرب مع إيران متجذر في عمق المؤسسة العسكرية. في تقرير لـ«القناة 13» للتلفزيون الإسرائيلي، تحدّث 7 قادة سابقين لسلاح الجو عن «استعدادات قاموا بها منذ أواسط العقد الماضي، وما زالت مستمرة، حول حرب مباشرة مع إيران».

لكن الجديد هو ارتفاع الأصوات التي تتحدث عن قدرة إسرائيل على خوض هذه الحرب وحدها، وتحريض نتنياهو على اتخاذ قراره «حالاً»، قبل أن توقّع واشنطن اتفاقاً نووياً مع طهران.

يقول أصحاب هذه الأصوات إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ورغم كونه «أفضل صديق لإسرائيل بين رؤساء الولايات المتحدة»، إلا أنه يعمل وفق مبدأ «أميركا أولاً»، ويتجه لإبرام اتفاق يقضي بإلغاء المشروع النووي الإيراني العسكري والإبقاء على النووي المدني.

ويتركز القلق العميق في إسرائيل أيضاً من «إهمال ملف الصواريخ الباليستية التي تنتجها إيران وتهدّد بها إسرائيل»، وهو قلق دفع السفير الإسرائيلي الأسبق في واشنطن، مايك أورن، إلى تحريض نتنياهو على «العمل لوحده وعدم الاعتماد على ترمب».

نتنياهو متحدثاً في الأمم المتحدة (رويترز)

«خطر وجودي»

لا تنظر النخبة الإسرائيلية إلى إيران تهديداً آنياً. يقول إيلي كلوتشتاين، الباحث في معهد «مسغاف» للأمن القومي والاستراتيجية الصهيونية، إنها «خطر وجودي على دولة إسرائيل».

ويعتقد كلوتشتاين أن «جلوس إسرائيل مكتوفة الأيدي خوفاً من حرب إقليمية يعزز ثقة النفس لدى الإيرانيين، ويعجل من اندفاعهم نحو القنبلة النووية»، الذي يبدو أن الهدف منه «وسيلة لمحاربة الغرب، ويضمن ذلك تدمير دولة اليهود ومحوها عن الخريطة».

ويعتقد كلوتشتاين، في مقال كتبه في موقع «المعهد اليميني» الذي يعمل فيه ويترأسه مئير بن شبات، المقرّب من نتنياهو، أن «اتخاذ قرار بالهجوم على إيران ليس سهلاً، إذ يحتاج إلى موارد جبّارة واستعدادات ضخمة، ويشكّل تحدياً لوجستياً هائلاً وعملية دبلوماسية جبّارة، وينطوي على تهديد حياة الكثيرين بالخطر».

وسأل كلوتشتاين قيادة إسرائيل «التي ترى بالفعل الخطر الداهم»، قائلاً: «إذا لم تفعلوا شيئاً اليوم، فإذًا متى؟».

ويقول معارضون إن التيار المتحمس لضرب إيران «لديهم ذاكرة قصيرة جداً» بالنظر إلى ما حدث بعد هجوم «حماس» في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، حين سارع نتنياهو إلى الرئيس الأميركي السابق جو بايدن طلباً للمساعدة، وفعلاً حركت واشنطن جسراً جوياً من الأسلحة والعتاد إلى تل أبيب.

مداولات صريحة

أجرى معهد «ميتفيم» للسياسات الخارجية في تل أبيب، نهاية الشهر الماضي، بحثاً معمّقاً، بمشاركة خبراء عسكريين وسياسيين واستراتيجيين، وخرجوا باستنتاج أن «إسرائيل تستطيع أن تدافع عن نفسها، لكنها حتى في هذا بحاجة إلى الولايات المتحدة، فماذا عن حرب تشنّها إسرائيل على إيران».

ويقول عيران عتصيون، النائب السابق لرئيس مجلس الأمن القومي في الحكومة الإسرائيلية، والرئيس الأسبق لقسم التخطيط السياسي في وزارة الخارجية، إن «الأحاديث المتصاعدة أخيراً عن مهاجمة إيران ومنشآتها النووية بضربات إسرائيلية مستقلة، ضرب من التضليل الخطير».

ويؤكد عتصيون، الذي شارك في البحث، أن هذه التهديدات «لا تأتي من تيار العربدة السياسية الحاكم في إسرائيل وحسب، بل أيضاً من الولايات المتحدة»، وأوضح قائلاً: «هناك مجموعات من المتطرفين المحيطين بالرئيس ترمب، يحثّونه على توجيه ضربة عسكرية لإيران، وإن لم ترغب بذلك فلتدع إسرائيل تفعل، وقدّم لها ما تحتاج».

وذكر عتصيون برسالة نشرتها وسائل إعلام أميركية قبل أشهر، وكانت بتوقيع 77 جنرالاً وأدميرالاً أميركياً متقاعداً، يحضّون فيها ترمب على دعم أي عمل عسكري إسرائيلي محتمل ضد إيران، محذرين من أن طهران تقترب من إنتاج أسلحة نووية.

وجاء في الرسالة، التي تبين أن «المعهد اليهودي للأمن القومي الأميركي» هو من نظّمها، أن «الوقت قد حان للسماح لإسرائيل بإنهاء العمل ضد المحور الإيراني، ومنع إيران من تجاوز العتبة النووية»، مع حثّ واشنطن على تقديم الدعم العسكري اللازم.

وأضاف الموقعون: «إيران النووية ستشكّل تهديداً مباشراً للأمن القومي للولايات المتحدة. ما تطلبه إسرائيل هو الدعم الذي يضمن أقصى فاعلية لعملياتها، مع إدارة مخاطر الردّ الإيراني. يجب أن نتحرّك بسرعة، خصوصاً في ظل ازدياد عمليات التخصيب الإيرانية وتدخلها في عمل مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية».

لقطة عامة تُظهر محطة بوشهر للطاقة النووية في إيران (رويترز)

«السوط» الذي يهددون به طهران

معاهد الأبحاث الإسرائيلية، التي تعدّ دراسات عن التهديد الإيراني، تقول إن النقاش في موضوع ضرب إيران قائم منذ سنوات طويلة، عندما كُشف النقاب عن المشروع النووي. وكانت إسرائيل على خلاف دائم مع دول الغرب، التي تفضّل لغة الحوار والدبلوماسية. وقبلت في حينه بدور «السوط» الذي يهددون به طهران.

لكن شيئاً ما تغيّر في هذا. ففي حينه، كان واضحاً أن إسرائيل لا تستطيع وحدها ضرب المشروع النووي الإيراني، مثلما فعلت بشكل مثير لإعجاب الغرب في سنة 1981 عندما دمّرت المفاعل النووي العراقي، وفي سنة 2007 عندما دمّرت المفاعل النووي السوري.

لذا، تعلّمت إيران الدرس وأقامت 21 منشأة وزّعتها على شتى أرجاء البلاد، ووضعت غالبيتها تحت الأرض وفي عمق الجبال، وآخرها مفاعل قرب نتنز في عمق 100 متر تحت الأرض.

في المقابل، فإن إسرائيل «لا تمتلك قدرات تفجير غالبية هذه المنشآت»، وفق تقديرات لمعهد «مسغاف» الإسرائيلي الذي يقول: «حتى واشنطن لا تمتلكها». ويخلص إلى أن «أي ضربة لإيران لن تقضي على المشروع النووي، وفي أحسن الحالات تقلّصه وتؤخّره سنتين أو ثلاثاً».

شل اقتصاد إيران بضربة

يطرح رئيس المعارضة الإسرائيلية، يائير لبيد، فكرة أخرى، وهي ضرب المنشآت الاقتصادية في إيران. يقول إن «المساس بالاقتصاد والشعور بأن إسرائيل قادرة على ضرب إيران وتنفيذ عمليات مختلفة بداخلها، يحطّم هيبة النظام ويعجّل في الكفاح الداخلي لإسقاطه».

ولكن، بعد توجيه ضربات قاصمة لـ«حزب الله»، ولـ«حماس»، وحتى لإيران، وبعد انهيار نظام بشار الأسد في سوريا، اتسعت دائرة التيار الإسرائيلي الذي يطالب بضربات عسكرية مباشرة لإيران، إذ يرى مؤيدو هذا التيار أن «إسرائيل أثبتت قدرات كبيرة على قصف إيران، وتمكّنت من قطع أذرع (الحرس الثوري) في المنطقة».

ويقول لبيد: «إسرائيل تستطيع الآن القيام بعملياتها بحرية أكبر، وسيكون من الأصعب على طهران أن تتصدّى لها».

مركبات الوفد الأميركي تغادر السفارة العمانية في روما بعد الجولة الثانية من المحادثات النووية مع إيران (أ.ف.ب)

«حتى لا يفوت القطار»

إلا أن الباحث عتصيون يحذّر من هذه المفاهيم، لأن «إسرائيل تعاني بشكل خطير من انهيار العقيدة الاستراتيجية، وفي غياب الحسابات الاستراتيجية».

يقول عتصيون: «وزراء الحرب في  الكابنيت هزيلون، وقسم منهم يتصرّفون بصبيانية، ويركضون إلى الإعلام لإظهار بطولاتهم، ولا يحافظون على السرّية، ولا يتمتّعون بالحدّ الأدنى من القدرة على مواجهة التحدّيات، ولذلك فإن إسرائيل تحتاج إلى قيادة أخرى يكون فيها غالبية من القادة المستقلين».

ويعتقد عتصيون أن مجلس الأمن القومي في إسرائيل، الذي كان يوماً ما ذا وزنٍ ثقيلٍ، بات اليوم أداةً بيد رئيس الحكومة ويخضع لحساباته حزبية، كما أن وزارة الخارجية، التي كانت تحظى باحترام، تعيش اليوم في حالة تأزّم، وليس لها دور».

خلاصة بحث معهد «ميتفيم» أن ما يجب أن تفعله إسرائيل الآن هو أن «لا تسمح بأن يفوتها القطار»، وأن تطلب من ترمب احتلال كرسي على طاولة المفاوضات مع إيران، بصفتها المتضررة من هجمات تعرّضت لها من أذرع إيران، وهكذا يمكن أن تُؤخذ مصالحها بالاعتبار.


مقالات ذات صلة

بورغنستوك… مفاوضات مؤجلة وآمال قائمة

خاص  منتجع بورغنستوك الفاخر قرب لوسيرن في سويسرا حيث كان مقرراً توقيع اتفاق أميركي-إيراني لإنهاء حرب الشرق الأوسط (أرشيفية - أ.ف.ب)

بورغنستوك… مفاوضات مؤجلة وآمال قائمة

تتمسك سويسرا باستضافة محادثات واشنطن وطهران بعد تأجيل جولة بورغنستوك، وسط غياب الوفد الإيراني وإلغاء زيارة نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس.

راغدة بهنام (لوسيرن - زيوريخ )
شؤون إقليمية عناصر من الشرطة السويسرية يؤمّنون مدخل فندق بورغنستوك، حيث كانت مقررة محادثات متابعة اتفاق إنهاء الحرب قبل تأجيلها، الجمعة (أ.ف.ب)

غموض يحيط باتفاق دائم بعد تعثر محادثات واشنطن وطهران

يثير تأجيل محادثات سويسرا غموضاً حول اتفاق واشنطن وطهران، وسط طلب إيران ضمانات بشأن لبنان وترتيبات تنفيذ مذكرة التفاهم.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن - زيورخ)
شؤون إقليمية  بارو يصل إلى مقر اجتماع مجلس الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي في لوكسمبورغ، 15 يونيو 2026(إ.ب.أ)

بارو: لا رفع لعقوبات الأمم المتحدة عن إيران دون موافقة فرنسا

قالت باريس إنها لن توافق على رفع عقوبات الأمم المتحدة المفروضة على طهران ما لم تكن راضية عن بنود الاتفاق النهائي.

«الشرق الأوسط» (لندن_باريس)
شؤون إقليمية ترمب وهو يتابع انطلاق عملية «الغضب الملحمي» ضد إيران مع مدير «سي آي إيه» جون راتكليف بحضور وزير الخارجية ماركو روبيو ورئيسة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز في مارالاغو صباح 28 فبراير الماضي (أ.ب)

استطلاع جديد: تراجع التأييد الشعبي لسياسات ترمب تجاه إيران

أظهر استطلاع جديد أجرته وكالة «أسوشيتد برس» بالتعاون مع مركز «نورك» للأبحاث أن معظم الأميركيين لا يزالون غير راضين عن طريقة تعامل الرئيس دونالد ترمب مع إيران.

«الشرق الأوسط» (لندن-واشنطن)
شؤون إقليمية نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي حول مذكرة التفاهم مع إيران (أ.ب)

وسائل إعلام أميركية تنتقد «تنازلات» ترمب لإيران

أجمعت وسائل إعلام أميركية على انتقاد ما تعتبره تنازلات قدّمها الرئيس دونالد ترمب لإيران ضمن مذكرة التفاهم الخاصة بوقف الحرب في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«رقية أوجعت قلوب العراقيين»… طفلة من كربلاء شيّعتها حلبجة بالورد

صورة متداولة في مواقع التواصل للطفلة العراقية رقية التي لقت حتفها بمنتجع سياحي شمال البلاد
صورة متداولة في مواقع التواصل للطفلة العراقية رقية التي لقت حتفها بمنتجع سياحي شمال البلاد
TT

«رقية أوجعت قلوب العراقيين»… طفلة من كربلاء شيّعتها حلبجة بالورد

صورة متداولة في مواقع التواصل للطفلة العراقية رقية التي لقت حتفها بمنتجع سياحي شمال البلاد
صورة متداولة في مواقع التواصل للطفلة العراقية رقية التي لقت حتفها بمنتجع سياحي شمال البلاد

بعد 9 أيام من البحث والترقب، عُثر على جثة الطفلة العراقية رقية (11 عاماً) في وادٍ بمنطقة أحمد آوا السياحية بمحافظة حلبجة (شمال)، بعد حادث غرق أثار تعاطفاً واسعاً في أنحاء العراق وإقليم كردستان، ودفع مسؤولين إلى الدعوة لتشديد إجراءات السلامة في المواقع السياحية القريبة من المجاري المائية.

«ووُوري جثمان رقية الثرى في مسقط رأسها كربلاء، الجمعة، بعد مراسم وداع شهدتها محافظة حلبجة، حيث اصطف مئات السكان على جانبي الطرق لتوديعها حاملين الورد»، حسب مقاطع مصورة متداولة. وقال أحد المشيعين، إن «وداع الطفلة أوجع قلوبهم».

وقال مدير الدفاع المدني في حلبجة عابدين عبد الرحمن إن فرق الإنقاذ والغواصين والمتطوعين عثرت على جثة الطفلة الأربعاء الماضي بعد عمليات بحث مكثفة ومتواصلة شاركت فيها فرق متخصصة وعشرات المتطوعين من مناطق مختلفة.

وتعود تفاصيل الحادث إلى 9 يونيو (حزيران) الحالي عندما كانت رقية، وهي من سكان كربلاء، في رحلة سياحية مع عائلتها إلى مصيف أحمد آوا، أحد أبرز المواقع الطبيعية في محافظة حلبجة. وأثناء وجودها قرب منبع «زلم» سقطت في المياه قبل أن تجرفها التيارات القوية وتختفي عن الأنظار.

وأطلقت السلطات المحلية فور وقوع الحادث عمليات بحث واسعة شملت تمشيط مجرى الوادي والمناطق المحيطة به بمشاركة الدفاع المدني وغواصين متخصصين ومتطوعين من أهالي حلبجة وهورامان وشهرزور ومناطق أخرى، في محاولة للعثور على الطفلة.

وقال مسؤولون محليون إن طبيعة المنطقة الجبلية وكثرة الصخور وشدة تدفق المياه صعّبت عمليات البحث، التي استمرت لأكثر من أسبوع وسط متابعة شعبية وإعلامية واسعة.

وأثار العثور على الجثمان حالة من الحزن في العراق، حيث تحولت قصة الطفلة خلال الأيام الماضية قضية رأي عام حظيت بمتابعة واسعة على وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي.

وعقب العثور على الجثمان، انطلق موكب التشييع من محافظة حلبجة باتجاه كربلاء وسط مشاركة رسمية وشعبية واسعة. واصطف مئات المواطنين على جانبي الطرق في عدد من مدن وبلدات محافظة السليمانية لتوديع الطفلة وإظهار التضامن مع عائلتها.

ورغم أن الترتيبات الأولية كانت تقضي بنقل الجثمان مباشرة إلى كربلاء صباح الخميس، فإن أهالي ناحية «خورمال» أصروا على مرور الجثمان عبر بلدتهم لإلقاء النظرة الأخيرة على الطفلة التي تابعوا أخبار البحث عنها طوال الأيام الماضية.

وأظهرت مشاهد مصورة تجمع أعداد كبيرة من السكان في خورمال وقضاء سيد صادق وهم يحملون الورد ويقفون على جانبي الطريق أثناء مرور موكب التشييع، في مشهد عكس حجم التفاعل الشعبي مع الحادثة.

كما تكفلت مجموعة من متطوعي سيارات الإسعاف في السليمانية بنقل الجثمان إلى كربلاء، في حين رافق عدد من المتطوعين الرحلة الطويلة لمساندة العائلة والمشاركة في مراسم العزاء.

ووصل الجثمان إلى كربلاء الخميس برفقة وفد رسمي من محافظة حلبجة ضم قائمقام المدينة سمكو سالار، ومدير الدفاع المدني عابدين عبد الرحمن. وتوقف الموكب في دائرة الطب العدلي لاستكمال الإجراءات القانونية الخاصة بإصدار شهادة الوفاة قبل نقله إلى مقبرة جنة كربلاء.

وشارك مسؤولون محليون وشخصيات اجتماعية وأفراد من عائلة الطفلة ومئات المواطنين في مراسم التشييع التي انتهت بدفنها في المقبرة الواقعة جنوب المدينة.

وفي أول رد فعل رسمي بعد العثور على الجثمان، قدم رئيس حكومة إقليم كردستان مسرور بارزاني تعازيه إلى عائلة الطفلة، معرباً عن شكره لأهالي محافظة حلبجة ومنطقة هورامان والفرق التطوعية التي شاركت في عمليات البحث.

وقال بارزاني في بيان إن الحادث يستدعي تشديد إجراءات وتعليمات السلامة في المواقع السياحية، ولا سيما المناطق الواقعة بمحاذاة الأنهار والسدود والمصادر المائية، بهدف الحد من تكرار مثل هذه الحوادث.

أفراد من سكان حلبجة يضعون باقات ورد على سيارة الإسعاف التي تحمل جثمان الطفلة رقية (إكس)

إجراءات السلامة

من جانبه، أعلن محافظ كربلاء نصيف جاسم الخطابي عزمه زيارة محافظة حلبجة خلال الأيام المقبلة لتقديم الشكر لمسؤوليها وأهاليها على ما وصفه بالموقف الإنساني الذي أظهروه تجاه عائلة الطفلة.

وقال الخطابي في بيان إن التضامن الذي رافق عمليات البحث والعثور على الجثمان ثم تشييعه «يجسد أسمى معاني الأخوة والوحدة الوطنية»، مضيفاً أن تلك المواقف ستبقى محل تقدير لدى أبناء محافظة كربلاء.

وتعد منطقة أحمد آوا من أبرز الوجهات السياحية في إقليم كردستان، وتستقطب سنوياً آلاف الزوار من مختلف المحافظات العراقية، خصوصاً خلال فصلي الربيع والصيف، بسبب طبيعتها الجبلية وينابيعها المائية.

وأعادت حادثة رقية إلى الواجهة مطالبات شعبية ورسمية بمراجعة إجراءات السلامة في المواقع الطبيعية والسياحية التي تشهد إقبالاً كثيفاً خلال مواسم العطل، خاصة في المناطق التي تتميز بتضاريس وعرة أو مجارٍ مائية سريعة الجريان.


لبلبة: أتصالح مع سنّي ولا أكذب على جمهوري

لبلبة قدمت أدواراً سينمائية وتلفزيونية عدَّة (حسابها على «فيسبوك»)
لبلبة قدمت أدواراً سينمائية وتلفزيونية عدَّة (حسابها على «فيسبوك»)
TT

لبلبة: أتصالح مع سنّي ولا أكذب على جمهوري

لبلبة قدمت أدواراً سينمائية وتلفزيونية عدَّة (حسابها على «فيسبوك»)
لبلبة قدمت أدواراً سينمائية وتلفزيونية عدَّة (حسابها على «فيسبوك»)

قالت الفنانة المصرية لبلبة إنها تأثرت كثيراً وهي تُشاهد فيلماً يوثق مسيرتها الفنية، عُرض خلال تكريمها في مهرجان «روتردام للفيلم العربي»، مؤكدة أن لكل تكريم تتلقاه مذاقاً خاصّاً. وأضافت، في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، أنها تشكر الله على أن منحها العمر لترى حصاد سنوات طويلة من العمل، معربة عن تطلعها إلى تقديم مزيد من الأدوار الجديدة التي تُمتِّع الجمهور الذي عرفها وأحبها منذ طفولتها.

وقالت لبلبة إنها لم تخدع جمهورها، لا في أدوارها ولا في ملامحها، إذ لم تغيِّر شكلها ولم تخضع لأي عمليات تجميل. وأشارت إلى أنها تواصل تصوير دورها في فيلم «خلي بالك من نفسك»، كما أعربت عن استيائها من حذف مشاهد عدة لها من فيلم «جوازة ولا جنازة»، مؤكدة في الوقت نفسه أنها اعتادت احترام رؤية المخرج.

وعن تكريمها في مهرجان «روتردام للفيلم العربي»، قالت لبلبة: «لكل تكريم طعم خاص، وكانت هذه المرة الأولى التي أزور فيها هولندا، ورغم أنني لم أمكث هناك سوى ساعات قليلة بسبب ارتباطي بالتصوير في القاهرة، فإنني لمست جمال البلد حتى من نافذة السيارة. وخلال حفل الافتتاح عُرض فيلم قصير يوثق مسيرتي الفنية، وقد تأثرت كثيراً أثناء مشاهدته، إذ استعدت ذكريات تلك الأعمال وتذكرت والدتي، رحمها الله، التي رافقتني منذ بداياتي في التمثيل وأنا طفلة. كما أسعدني الاستقبال الحافل الذي حظيت به من الجمهور وأبناء الجاليات العربية إلى جانب النقاد وصناع الأفلام المشاركين في المهرجان».

لبلبة تؤكد أنها تبحث عن أدوار جيدة (حسابها على «فيسبوك»)

ورغم تأثرها، تقول لبلبة: «أفرح لأن الله منحني العمر لأرى حصاد هذه السنوات، وألمس أثرها في الناس. والغريب أنهم جميعاً قالوا لي إنني لم أتغيَّر. وحين أقول لهم إنني كبرت، يجيبونني: لا، أنتِ كما أنتِ». وتفسر ذلك قائلة: «لم أغيِّر شكلي ولا شعري، الذي ظل قصيراً وأسود اللون، كما لم أغيِّر ملامحي، ولم أخضع لأي عمليات تجميل، ولم أبتعد عن الفن طوال مسيرتي».

وتضيف: «لقد شاهدني الجمهور في مختلف مراحلي العمرية؛ لذلك لا يشعر بتغيُّر السنوات كما أشعر بها أنا. عشت طفولتي ومراهقتي ومرحلة النضج أمامه على الشاشة، ثم واصلت العمل مع تقدمي في السن. لم أحاول يوماً التحايل على الزمن، بل كنت سعيدة بتقديم أدوار تُناسب كل مرحلة مررت بها، فأنا متصالحة مع سنّي ومع جمهوري، ولا أكذب عليه».

ولا يُمثل مرور الزمن مصدر قلق أو هاجساً بالنسبة إلى لبلبة، إذ تقول: «هذا أمر طبيعي لم يزعجني يوماً. وأشكر الله دائماً على نعمة العمر، فما زلت أعمل وأمثل وأسافر وأحظى بمحبة الناس وحفاوة استقبالهم. وأتمنى أن يمد الله في عمري لأقدم أدواراً جديدة ومختلفة لم أقدمها من قبل».

وتعترف لبلبة بأنها تجد صعوبة في العثور على أدوار جيدة تُناسب سنّها، قائلة: «هناك مشكلة حقيقية في كتابة أدوار للكبار في السينما المصرية». وأشارت إلى أنها ترفض أعمالاً كثيرة لهذا السبب، لكنها تفضِّل عدم الإعلان عن ذلك، موضحة: «لأن هذه الأدوار ستذهب في النهاية إلى زميلات أخريات، ولا أرى من اللائق أن يعرفن أن لبلبة رفضتها. هذه من المبادئ والتقاليد التي اكتسبتها من الجيل الذي نشأت بين نجومه، وتعلمت منه الكثير».

وقد عادت لبلبة سريعاً إلى القاهرة لمواصلة تصوير فيلم «خلي بالك من نفسك»، الذي تُشارك في بطولته إلى جانب ياسمين عبد العزيز وأحمد السقا، ومن إخراج معتز التوني. وتقول عن العمل: «هو فيلم كوميدي لطيف، يجمعني بنجمين أحبهما وأقدِّر جمهورهما الكبير، كما أنني سعيدة بالتعاون مع المخرج معتز التوني للمرة الأولى».

كما تتحدث لبلبة عن حرصها على الحفاظ على صورتها أمام الجمهور، مؤكدة أنها تتبع أسلوب حياة صحياً، وتحافظ على مظهرها ولياقتها. وتقول: «أنتبه حتى للنَّفَس الذي أتنفسه. لا أذهب إلى مكان لا يليق بي، ولا أرتدي ما لا يناسبني. لقد تشربت الفن منذ طفولتي، وتعلمت كيف أحافظ على حب الجمهور واحترامه؛ لذلك أحرص دائماً على مظهري ولياقتي. ومنذ 26 عاماً أصبحت نباتية، فلا أتناول اللحوم، وأكتفي بالخضراوات والجبن، وأتناول الأسماك أحياناً، وأدرك أن لكل شيء ثمناً».

فوجئت بحذف مشاهد صوّرتها من فيلم «جوازة ولا جنازة» (حسابها على «فيسبوك»)

وفي زمن تطغى فيه قسوة تعليقات مواقع التواصل الاجتماعي، تبدو لبلبة بعيدة عن تلك الأجواء، مستندة إلى رصيد كبير من محبة الجمهور. وتقول: «أكثر ما يسعدني هو حب الناس، فهو شعور رائع أن يُحبك الجمهور دون غرض أو مصلحة. وأسعد لحظاتي حين أكون في الشارع وأجد الناس يلتفون حولي بلا حواجز أو تكلف».

وشاركت لبلبة في فيلم «جوازة ولا جنازة» للمخرجة أميرة دياب، الذي عُرض للمرة الأولى ضمن «مهرجان البحر الأحمر السينمائي». وتكشف أنها لم تكن راضية تماماً عند مشاهدة الفيلم، قائلة: «فوجئت بحذف جزء كبير من دوري، وشعرت بأن تسلسل مشاهدي لم يعد منطقياً، لكنني اعتدت احترام رؤية المخرج. ومنذ طفولتي كانت والدتي تتولّى قراءة العقود التي أوقعها، وكان هناك بند يؤكد أن المخرج هو صاحب العمل، ومن حقه أن يحذف أو يُضيف إلى الدور. ومع ذلك، كانت هذه المرة الأولى التي تُحذف فيها مشاهد بذلت فيها أنا وفريق العمل جهداً كبيراً، وكان تنفيذها قد استلزم جهداً وتكلفة إنتاجية أيضاً».

ولا ترى لبلبة أنها ضحَّت من أجل الفن، كما تقول، «حتى لا أفسد مشاعر الحب تجاه العمل الذي عشقته منذ طفولتي وعشت حياتي من أجله». كما أنها لا تستسلم لمشاعر الوحدة، رغم اعتيادها الحياة من دون والدتها منذ رحيلها، وتوضح: «كيف أشعر بالوحدة والناس دائماً من حولي؟ أنا أسعى باستمرار إلى التصالح مع الحياة والعمر، ومع الناس الذين أعيش على محبتهم».


أنف مدعوم بالذكاء الاصطناعي يرصد الغذاء الفاسد

الجهاز الجديد يتمتع بقدرة فائقة على كشف فساد الطعام (جامعة كاليفورنيا في بيركلي)
الجهاز الجديد يتمتع بقدرة فائقة على كشف فساد الطعام (جامعة كاليفورنيا في بيركلي)
TT

أنف مدعوم بالذكاء الاصطناعي يرصد الغذاء الفاسد

الجهاز الجديد يتمتع بقدرة فائقة على كشف فساد الطعام (جامعة كاليفورنيا في بيركلي)
الجهاز الجديد يتمتع بقدرة فائقة على كشف فساد الطعام (جامعة كاليفورنيا في بيركلي)

طوّر باحثون في جامعة كاليفورنيا في بيركلي بالولايات المتحدة، جهازاً مبتكراً يُعرف باسم «الأنف الإلكتروني»، يتمتع بقدرة فائقة على كشف فساد الطعام ورصد الغازات المنبعثة من البكتيريا ومسببات الحساسية، بدقة تتجاوز حاسة الشم البشرية.

وأوضح الباحثون أن هذا الابتكار قد يشكل خطوة مهمة للحد من حالات التسمم الغذائي الناتجة عن استهلاك أطعمة فاسدة أو ملوثة، من خلال الكشف المبكر عن المركبات الكيميائية والروائح المرتبطة بالبكتيريا الضارة، ونُشرت النتائج، الخميس، في دورية (Science Advances).

ويعتمد الجهاز على مصفوفة تضم 16 مستشعراً دقيقاً للغازات، صُمم كل منها للاستجابة لنوع مختلف من المركبات الكيميائية المتطايرة. وتعمل هذه المستشعرات بمثابة «بصمات رقمية للروائح»، إذ إن تحوّل التفاعلات الكيميائية إلى إشارات كهربائية يمكن تحليلها والتعرف إلى مصدرها.

ويشبه الباحثون آلية عمل المستشعرات بـ«براعم التذوق الرقمية»، حيث يستجيب كل مستشعر بطريقة مختلفة للجزيئات الغازية، وهذا يتيح تكوين صورة دقيقة للروائح الموجودة في البيئة المحيطة.

ولتعليم النظام كيفية التعرف إلى الروائح المختلفة، استخدم الباحثون تقنيات تعلم الآلة لتدريبه على «بصمات روائح» سبعة أنواع من الأطعمة، هي: الفراولة، والتوت الأزرق، والموز، والجوز، والبندق، والكاجو، والفول السوداني. كما دُرّب على التمييز بين روائح الأطعمة الطازجة، مثل الدجاج النيء والحليب والبيض، والروائح المنبعثة من هذه الأطعمة بعد بقائها في درجة حرارة الغرفة لمدة 24 و48 ساعة.

وأظهرت التجارب أن الجهاز يتمتع بحساسية استثنائية، إذ تمكن من رصد كميات ضئيلة للغاية تصل إلى 0.05 غرام من الجوز، وهي كمية تعادل جزءاً صغيراً جداً من حبة واحدة.

ويرى الباحثون أن هذه النتيجة تعكس قدرة متقدمة على التقاط إشارات كيميائية ضعيفة يصعب على حاسة الشم البشرية اكتشافها.

ورغم النتائج، أكد الباحثون أن الجهاز لا يزال في مرحلة الاختبارات المعملية، ولم يُختبر بعد في بيئات واقعية أكثر تعقيداً، تحتوي على روائح متعددة، مثل وجود الجوز داخل سلطة أو كعكة، أو وجود الطعام الفاسد داخل ثلاجة مليئة بأطعمة أخرى، وهو ما يمثل أحد التحديات الرئيسية أمام تطويره وطرحه للاستخدام العملي.

وطور الباحثون نموذجاً أولياً للجهاز يمكن تشغيله عبر تطبيق على الجوال، مع خطط لاختباره في بيئات مختلفة وتحسين دقته وموثوقيته.

وأشار الفريق إلى أن من أبرز التطبيقات المستقبلية المحتملة لهذه التقنية تطوير «ثلاجات ذكية» قادرة على تنبيه المستخدمين قبل فساد الطعام، أو ابتكار أجهزة منزلية تستطيع تقييم صلاحية الأغذية بشكل فوري، ما قد يسهم في تعزيز سلامة الغذاء والحد من حالات التسمم الغذائي.

وأضافوا أن «هذا الابتكار قد يفتح آفاقاً جديدة لحماية الأشخاص الذين يعانون من الحساسية الغذائية، من خلال الكشف الدقيق عن آثار المكسرات أو غيرها من مسببات الحساسية حتى عند وجودها بكميات ضئيلة».

ويأمل الباحثون أن يمهد هذا الجهاز الطريق أمام جيل جديد من تقنيات استشعار الأغذية التي تجمع بين الحساسية الكيميائية العالية والذكاء الاصطناعي، بما يوفر حلولاً عملية تدعم سلامة الغذاء في الحياة اليومية والصناعات الغذائية على حد سواء.