قال مارسيل جان، المدير الفني لـ«أنسي الدولي لأفلام الرسوم المتحركة»، إن إعداد البرنامج الرسمي للمهرجان بات أكثر تعقيداً مما كان عليه قبل أكثر من عقد، رغم الزيادة الكبيرة في عدد الأعمال المتاحة للاختيار. وأرجع ذلك إلى تحول المهرجان إلى وجهة رئيسية لأكبر الاستوديوهات العالمية، بعد أن رسّخ مكانته بوصفه أبرز منصة دولية لصناعة أفلام الرسوم المتحركة، ما جعل مهمة الاختيار أكثر صعوبة في ظل وفرة الأعمال القوية والمتنافسة.
وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط» عبر تقنية «زووم»، كشف جان عن كواليس النسخة الـ66 من المهرجان الفرنسي، التي تُقام خلال الفترة من 21 إلى 27 يونيو (حزيران) الحالي. كما أشار إلى أن لجنة التحكيم تضم هذا العام المدير التنفيذي لمؤسسة «البحر الأحمر السينمائي»، المنتج السعودي فيصل بالطيور، الذي يُعد العضو العربي الوحيد ضمن لجان تحكيم المهرجان.
وأكد جان أن أفلام الرسوم المتحركة شهدت تحولات لافتة خلال السنوات الأخيرة، سواء مع صعود المنصات الرقمية أو التوسع المتزايد في إنتاج الأفلام الروائية الطويلة المستقلة.
وأوضح أن المسابقة الرسمية في دورة هذا العام تضم عدداً كبيراً من الإنتاجات الأوروبية المشتركة، إلى جانب أعمال يابانية وصينية، وهو ما يعكس تنامي التنوع داخل صناعة الرسوم المتحركة، وتغير خريطة الإنتاج العالمية.

وأوضح جان أن التطور الذي شهدته صناعة الرسوم المتحركة في الصين يُعد من أبرز التحولات التي رصدها المهرجان خلال السنوات الأخيرة. وقال إن مستوى الإنتاج الصيني، إلى جانب طبيعة العلاقات المهنية مع الاستوديوهات هناك، اختلف بصورة كبيرة عمّا كان عليه في السابق، مشيراً إلى أن التحدي الأكبر الذي يواجه القائمين على البرمجة حالياً يتمثل في اختيار عدد محدود من الأعمال من بين عشرات الأفلام المتميزة.
وتطرق المدير الفني للمهرجان إلى حجم المشاركة في دورة هذا العام، مؤكداً أن الاكتفاء بالأرقام الإجمالية قد يكون مضللاً نظراً لتعدد المسابقات والفئات التي يضمها المهرجان، والتي تشمل الأفلام الروائية الطويلة والقصيرة، وأفلام الطلبة، والإنتاجات التلفزيونية، فضلاً عن المشروعات التفاعلية. وأشار إلى أن هذا التنوع يعكس طبيعة الرسوم المتحركة بوصفها مجالاً إبداعياً واسعاً يتجاوز حدود الفيلم الطويل التقليدي.
وأضاف أن المهرجان استقبل خلال العام الحالي نحو 130 فيلماً طويلاً للمنافسة على مقاعد البرنامج الرسمي، في حين يقتصر الاختيار النهائي على نحو 40 عملاً فقط. وعدّ أن هذه الأرقام تعكس النمو المتواصل في حجم الإنتاج العالمي، والاهتمام المتزايد من صناع الأفلام بالمشاركة في مهرجان «أنسي».

وقال المدير الفني للمهرجان إن اختيار المنتج السعودي فيصل بالطيور لعضوية لجنة التحكيم في الدورة الحالية يعكس المكانة المتنامية التي بات يحظى بها على الساحة السينمائية العالمية، إلى جانب دوره المؤثر من خلال مؤسسة «البحر الأحمر السينمائي»، التي دعّمت خلال السنوات الأخيرة عدداً من المشروعات والأفلام البارزة في مجالي السينما الروائية والرسوم المتحركة، وأسهمت في تعزيز حضور أعمال متنوعة في المحافل الدولية.
وأوضح أن اختيار أعضاء لجان التحكيم يستند بالدرجة الأولى إلى خبراتهم المهنية وتأثيرهم في الصناعة، مؤكداً أن إدارة المهرجان تفخر بانضمام فيصل بالطيور إلى لجنة التحكيم، رغم ارتباطاته المهنية الكثيفة، وجدول أعماله المزدحم.
وتناول جان تأثير الذكاء الاصطناعي في مستقبل صناعة الرسوم المتحركة، مشيراً إلى أن عدد الأعمال التي تعتمد على هذه التقنيات ضمن الاختيارات الرسمية لا يزال محدوداً، لكنه شدد على أن الذكاء الاصطناعي أصبح واقعاً قائماً لا يمكن تجاهله، متوقعاً أن يتزايد حضوره تدريجياً في عمليات الإنتاج خلال السنوات المقبلة، مع التطور المتسارع للأدوات التقنية المستخدمة في القطاع.
وأضاف أن الجدل الدائر حول الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على الجانب الإبداعي، بل يمتد إلى قضايا اجتماعية وقانونية معقدة، في مقدمتها حقوق الملكية الفكرية ومستقبل الوظائف والمهن المرتبطة بالصناعة. وأوضح أن هذه التساؤلات تشغل مختلف قطاعات المجتمع، وليس العاملين في مجال الرسوم المتحركة وحدهم، وهو ما دفع سوق المهرجان إلى تخصيص جلسات وفعاليات لمناقشة هذه التحديات من زوايا متعددة.
وأكد أن المهرجانات لا تملك سلطة رسم المسار الذي ستتخذه الصناعة فيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي، موضحاً أن دورها يقتصر على متابعة الإنتاجات الجديدة وتقديم صورة تعكس الواقع الإبداعي كما هو. ورأى أن الإجابات الحاسمة بشأن مستقبل هذه التقنيات ستأتي من المنتجين ومديري الاستوديوهات وصناع الأفلام الذين سيتخذون القرارات المؤثرة في السنوات المقبلة.

وفي حديثه عن أبرز ملامح الدورة الجديدة، قال جان إن الحدث الأهم هذا العام يتمثل في افتتاح «المدينة الدولية لسينما الرسوم المتحركة» في «أنسي»، وهي منشأة جديدة مخصصة بالكامل لفنون الرسوم المتحركة وتعمل على مدار العام. واعتبر أن المشروع يشكل نقلة نوعية للمهرجان وللمدينة على حد سواء، لما يوفره من فضاءات للمعارض والعروض الفنية وورش العمل وبرامج الإقامة المخصصة للفنانين.
وأوضح أن الهدف من المشروع يتمثل في ترسيخ مكانة «أنسي» بوصفها العاصمة العالمية لفنون الرسوم المتحركة طوال العام، وليس خلال أسبوع المهرجان فحسب. وأضاف أن افتتاح هذا الصرح الجديد كان السبب الرئيسي وراء عدم تخصيص دولة ضيف شرف في دورة هذا العام، إذ فضّلت إدارة المهرجان توجيه الاهتمام نحو هذا الإنجاز الذي وصفه بأنه محطة مفصلية في تاريخ الحدث.

واختتم جان حديثه بتأكيد الرسالة التي يسعى المهرجان إلى ترسيخها لدى الجمهور وصناع السينما، والمتمثلة في أن الرسوم المتحركة ليست نوعاً سينمائياً قائماً بذاته بقدر ما هي وسيلة لصناعة الأفلام بمختلف أشكالها، مشدداً على أن أفلام الرسوم المتحركة قادرة على استيعاب جميع الأنواع الدرامية، من الكوميديا والخيال العلمي إلى الدراما التاريخية، بما يُبرهن على اتساع إمكاناتها الفنية والسردية.










