مصر تطمح إلى طفرة سياحية مع تراجع «صراعات المنطقة»

القاهرة تحتفي بتقرير أُممي أدرجها ضمن أفضل 10 وجهات عالمية

المتحف المصري الكبير يُشكّل منطقة سياحية مفتوحة على الأهرامات (وزارة السياحة والآثار)
المتحف المصري الكبير يُشكّل منطقة سياحية مفتوحة على الأهرامات (وزارة السياحة والآثار)
TT

مصر تطمح إلى طفرة سياحية مع تراجع «صراعات المنطقة»

المتحف المصري الكبير يُشكّل منطقة سياحية مفتوحة على الأهرامات (وزارة السياحة والآثار)
المتحف المصري الكبير يُشكّل منطقة سياحية مفتوحة على الأهرامات (وزارة السياحة والآثار)

تعوّل مصر على إنهاء الصراعات بمنطقة الشرق الأوسط لتحقيق طفرة في السياحة الوافدة، وأعلنت منظمة الأمم المتحدة للسياحة أنه على الرغم من تراجع عدد السائحين الوافدين إلى الشرق الأوسط بنسبة 14 في المائة في الربع الأول من هذا العام مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، تأثراً بالصراع في المنطقة، فإن مصر حققت زيادة في عدد الوافدين خلال الربع الأول من عام 2026 بنسبة 16 في المائة، متصدرة دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، كما حققت ارتفاعاً في الإيرادات خلال الفترة نفسها بنسبة 8 في المائة.

ووفقاً لتقرر أممي وأحدث البيانات الصادرة عن منظّمة الأمم المتّحدة للسياحة، سافر حوالي 307 ملايين سائح دولياً في الربع الأوّل من عام 2026، بزيادة قدرها 6 ملايين سائح مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025.

ووفقاً لأحدث استطلاع أجرته لجنة خبراء السياحة، فإنَّ النزاع في الشرق الأوسط، وارتفاع تكاليف النقل والإقامة، بالإضافة إلى عوامل اقتصادية أخرى، هي التحديات الرئيسية الثلاثة التي تؤثر على السياحة الدولية في عام 2026.

وكان وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، قد كشف عن نمو بنسبة 15.6 في المائة بالحركة السياحية الوافدة من الأسواق المختلفة إلى مصر خلال الربع الأول من عام 2026، مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي. كما أعلن في تصريحات صحافية عن استقبال مصر نحو 7.5 مليون زائر في أول خمسة أشهر من 2026، بزيادة سنوية 5 في المائة، كما لفت إلى أن إيرادات السياحة خلال هذه الفترة وصلت لنحو 6.8 مليار دولار.

ويرى الخبير السياحي المصري، الدكتور حسام هزاع، أن «إدراج مصر ضمن أفضل 10 وجهات عالمية في تقرير أممي مهم جداً، لأنه اعتراف دولي بالجهود التي بذلت خلال السنوات الأخيرة في تطوير البنية التحتية السياحية، والحفاظ على التراث، وتحسين تجربة السائح».

تمتاز مصر بالتنوع في أنماطها السياحية (وزارة السياحة والآثار)

وقال هزاع لـ«الشرق الأوسط» إن «مصر تراهن على استقرار الأوضاع في المنطقة وتهدئة الصراعات الإقليمية، لأن السياحة بطبيعتها تزدهر أكثر في أجواء السلام والاستقرار». وتابع: «مع ما تتمتع به مصر من أمن وأمان واستقرار داخلي، بالإضافة إلى التطوير الكبير في المطارات والطرق والفنادق والمشروعات السياحية الجديدة، فأي تهدئة إقليمية ستكون لها انعكاسات إيجابية قوية على حركة السياحة الوافدة لمصر».

وبينما أشار التقرير الأممي إلى انخفاض عدد الوافدين إلى الشرق الأوسط بنسبة 14 في المائة في الربع الأوّل من عام 2026 جرّاء النزاع في المنطقة. فقد شهدت مصر زيادة ملحوظة في عدد الوافدين وصل إلى نحو 16 في المائة، وذلك في أعقاب انتعاش ملحوظ في السياحة الوافدة إلى الشرق الأوسط بعد «جائحة كورونا»، حيث ارتفع عدد الوافدين في عام 2025 بنسبة 40 في المائة مقارنةً بمستويات عام 2019.

ولفت هزاع إلى أن «افتتاح وتشغيل المشروعات الثقافية الكبرى، وعلى رأسها المتحف المصري الكبير، مع الوجود القوي في المعارض السياحية الدولية وحملات الترويج الحديثة، مما يدعم قدرة مصر على جذب أعداد أكبر من السائحين، وتحقيق معدلات نمو قياسية في القطاع السياحي خلال الفترة المقبلة».

أنماط سياحية كثيرة تشتهر بها القاهرة (وزارة السياحة والآثار)

وحققت مصر زيادة في عدد السائحين في عام 2025 ليصلوا إلى أكثر من 19 مليوناً، وتطمح إلى الوصول إلى 30 مليون سائح بحلول عام 2030 اعتماداً على مجموعة خطط وبرامج وحملات ترويجية من بينها حملة «مصر... تنوع لا يُضاهى» التي تبرز تنوع الأنماط السياحية بمصر. وكذلك الحضور في المعارض والفعاليات السياحية الدولية، وتنظيم المعارض الأثرية المؤقتة بالخارج، والترويج للمقاصد المصرية عبر المؤثرين المحليين والدوليين والبرامج والتقنيات الحديثة.

ويرى الخبير السياحي المصري، محمد كارم أن «المؤشرات التي أعلنتها منظمة الأمم المتحدة للسياحة تعكس مكانة مصر الحضارية التي جعلتها ضمن أفضل 10 وجهات سياحية عالمية»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه المؤشرات تؤكد أن مصر تمتلك مقومات سياحية فريدة تجمع بين عراقة التاريخ، وتنوع المنتج السياحي، والبنية التحتية المتطورة»، وأشار إلى أنه «مع تراجع حدة التوتر في منطقة الشرق الأوسط تزداد فرص مصر في تحقيق طفرة سياحية جديدة، استناداً للاستقرار في مصر، وتطوير المقاصد السياحية، وزيادة الطاقة الفندقية، وغيرها من العوامل التي تضع في حسبانها قطاع السياحة، بوصفه من أهم ركائز الاقتصاد المصري».


مقالات ذات صلة

مصر تراهن على تنوع مقوماتها السياحية لاجتذاب الصرب

يوميات الشرق تراهن مصر على السياحة الثقافية وأنماط أخرى لجذب السائحين (وزارة السياحة والآثار)

مصر تراهن على تنوع مقوماتها السياحية لاجتذاب الصرب

تراهن مصر على التنوع في مقوماتها السياحية لاجتذاب السائحين، ولا سيما زيادة الحركة السياحية الوافدة من صربيا إلى مصر.

محمد الكفراوي (القاهرة )
أوروبا طائرة ركاب تابعة لشركة «لوفتهانزا» تصل إلى مطار فرانكفورت بألمانيا يوم 5 مارس 2026 (رويترز)

الاتحاد الأوروبي يتفق على قواعد جديدة لحقوق ركاب الطائرات

أقرّ الاتحاد الأوروبي قواعد جديدة لحقوق المسافرين جواً تتيح للعائلات حجز مقاعد متجاورة مجاناً، وتعزز شفافية أسعار التذاكر.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الاقتصاد السياحة الثقافية في مصر تحظى باهتمام واسع (وزارة السياحة والآثار)

مصر: ارتفاع معدلات السياحة الوافدة رغم «الظروف الإقليمية»

أعلن وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، عن زيادة معدلات السياحة الحركة السياحية الوافدة إلى مصر بنسبة 4 في المائة.

محمد الكفراوي (القاهرة )
المشرق العربي الشرع في زيارة لجزيرة أرواد لتشجيع السياحة في الساحل (حساب الرئاسة السورية)

سوريا: تنشيط السياحة الداخلية بانتظار الاستثمارات الكبرى

تطلق محافظة دمشق مساء الاثنين مهرجان «القرية السورية» الأول على أرض حديقة الأمويين، في توجّه نحو تنشيط السياحة الداخلية وسياحة المغتربين.

سعاد جروس (دمشق)
يوميات الشرق دير المحرق بأسيوط من مسار رحلة العائلة المقدسة (وزارة السياحة والآثار)

خطط مصرية لدعم السياحة بمسار «رحلة العائلة المقدسة»

بالتزامن مع إحياء ذكرى مرور العائلة المقدسة إلى أرض مصر، استضاف المتحف القبطي بالقاهرة ندوة بعنوان «مبارك شعبي مصر» لتسليط الضوء على أحد المسارات الدينية.

محمد الكفراوي (القاهرة )

«ذا فويس كيدز» يصل إلى المحطة الأخيرة بانتظار «حسم الجمهور»

أندريا طايع قدمت مسابقات «ذا فويس» (إم بي سي)
أندريا طايع قدمت مسابقات «ذا فويس» (إم بي سي)
TT

«ذا فويس كيدز» يصل إلى المحطة الأخيرة بانتظار «حسم الجمهور»

أندريا طايع قدمت مسابقات «ذا فويس» (إم بي سي)
أندريا طايع قدمت مسابقات «ذا فويس» (إم بي سي)

وصلت النسخة الرابعة من برنامج اكتشاف المواهب «ذا فويس كيدز» إلى المحطة الأخيرة بانتظار «حسم الجمهور» للفائز بلقب الموسم الجديد، بين 3 مواهب واعدة خاضت تدريبات مكثفة على مدار شهور مع مدربي البرنامج الثلاثة السعودية داليا مبارك، والمصري رامي صبري، والسوري عبد الرحمن فواز (الشامي).

وأكدت «الشرق الأوسط» تصوير الحلقة في استوديوهات «أوليفوود» بالعاصمة الأردنية عمّان، والتي شهدت تسجيل كل حلقات الموسم الجديد، مع تجهيزات متعددة للتعامل مع الأطفال المشاركين في البرنامج بشكل يتناسب مع احتياجاتهم ومرافقة العائلات لهم لحضور التدريبات وحتى التشجيع في الأماكن المخصصة قبل صعودهم على المسرح.

وشهدت أجواء التسجيل عدداً من المواقف التي جمعت المتسابقين مع أسرهم في الكواليس، مع حصولهم على استراحات قبل الصعود على المسرح في المنطقة المواجهة لاستوديو التسجيل، والعودة قبل الصعود على المسرح بوقت قصير، مع تخصيص أماكن لمتسابقي كل فريق.

وصل محمد عادل من فريق رامي صبري إلى النهائي (إم بي سي)

وقدّمت الفنانة اللبنانية أندريا طايع موسماً كانت حريصة فيه خلال الحلقات على التفاعل مع الأطفال وتشجيعهم في الكواليس، والوقوف إلى جانبهم ودعمهم، لا سيما عند مغادرتهم البرنامج، إذ كانت تحفّزهم بكلمات حماسية تؤكد أهمية وصولهم إلى هذه المرحلة الحاسمة من البرنامج.

وشهدت الحلقة مفاجأة «الفرصة الثانية» من العيار الثقيل، بعد أن قرر المدربون كسر قواعد اللعبة المتعارف عليها، وضخ دماء جديدة، مع إعادة موهبة مستبعدة من كل فريق، ما أشعل الأجواء داخل الاستوديو، وقلب الحسابات رأساً على عقب، واضعاً الجميع أمام تحدٍّ يحبس الأنفاس في الأمتار الأخيرة للسباق على اللقب.

وخلف الستار، لم تكن هناك منافسة جماعية تقليدية، بل فُرضت حالة من العزلة والتركيز الشديد؛ حيث صعدت كل موهبة إلى المسرح بشكل منفرد ومستقل عن البقية، في أجواء لم تخلُ من الترقب حتى اللحظات الأخيرة، في حين بدأت منصات التواصل الاجتماعي الخاصة بالبرنامج الترويج لدور التصويت في حسم اللقب فور انتهاء الحلقة.

والتحضير للحلقة قبل الأخيرة لم يكن فقط بالمسرح وقت التسجيل، ولكن أيضاً خارجه، فالفنانة داليا مبارك فضلت كسر حدة التوتر النفسي والرهبة، عبر اصطحاب فريقها في رحلة تخييم ليلية تحت النجوم. وبينما خطفت لما قيس بطاقة الفريق للتأهل إلى النهائي، استطاع ساري الصليبي الفوز في المواجهة الختامية مع زملائه في فريق الشامي، كما وصل محمد عادل من فريق رامي صبري إلى النهائيات، لتكون المنافسة المحتدمة بين الثلاثي ليس فقط على الفوز باللقب بتصويت الجمهور، ولكن أيضاً على منحة تعليمية بقيمة 20 ألف دولار جرى الإعلان عنها من «الحلم».

المنافسة النهائية تدور بين 3 متسابقين (إم بي سي)

الإعلان عن المتسابقين الذين سيصلون إلى التصفية النهائية جرى فيها تحييد مدرب الفريق من أعضاء لجنة التحكيم ليختار العضوان الآخران الموهبة المتألقة للنهائي، وسط تفاعل وحماس من الجمهور بالمسرح، فيما أثنى المدربون على تطور المواهب خلال حلقات البرنامج، وقدرتهم على تقديم ألوان غنائية مختلفة خلال الرحلة.

وفي كواليس التصوير كانت الأجواء حماسية بين عازفين يقومون بالتحضير للعزف «لايف» خلف المواهب الشابة، وكاميرات تصوير تستغل فترات التوقف القصيرة في الفواصل من أجل التسجيل مع المدربين أو المواهب، وبين مقدمة البرنامج أندريا طايع التي وقفت تُراجع المرحلة التالية، مع التركيز في الحركة على المسرح والتعامل بشكل دقيق مع كل خطوة.

ورغم أن حلقة البرنامج سجّلت قبل إذاعتها فإن الانضباط في الاستوديو كان يسير بشكل دقيق وكأن الحلقة تبث على الهواء مباشرة من دون توقف يذكر، مع بروفات مكثفة سبقت الوصول إلى مرحلة التسجيل، في حين لم يتوقف المدربون الثلاثة عن النقاشات بشكل مستمر بينهم خلف الكاميرا بفترات الفواصل.

ولم يتوقف حماس الجمهور تجاه المواهب خلال تقديمهم الأغنيات، فيما كانت العائلات تتابع من مقاعد المتفرجين ردود الفعل بترقّب، وسط إشادات باختيار أغنيات ملائمة لقدرات المشاركين، ما زاد من صعوبة قرار المحكّمين رغم ثنائهم على جميع المواهب.

سيحدد الجمهور عبر التصويت هوية الفائز في الموسم الجديد (إم بي سي)

وعبّرت مقدمة البرنامج أندريا طايع لـ«الشرق الأوسط» عن سعادتها بالتجربة مع وصولها إلى المرحلة قبل الأخيرة، وردود الفعل التي لمستها على البرنامج، مشيرة إلى أنه على الرغم من كونها المرة الأولى التي تخوض فيها تجربة التمثيل فإنها سعدت بالخبرة التي اكتسبتها، وبالمواهب التي تعرفت عليها وشهدت تطورها حلقة بعد الأخرى.

وأكد مخرج البرنامج، وسيم سكر، لـ«الشرق الأوسط» أن «التطور الذي شهده الموسم الجديد من البرنامج تطلب تغييراً في طريقة العمل، مع مراعاة طريقة التعامل مع الأطفال المشاركين حال خروجهم، بالإضافة إلى توفير وتهيئة المسرح لهم ليقوموا بالغناء من دون رهبة مع فرقة موسيقية محترفة من العازفين»، مشيراً إلى أن الترتيبات التي سبقت التصوير والبروفات التي جرت والتأكد من جاهزية المسرح بشكل كامل لعبت دوراً في خروج التصوير بالصورة التي شاهدها الجمهور.


فينشو نتشوغو: «امرأة واحدة» يفتش عن إرث الاستعمار بأفريقيا

قدّم سكان القرية التي شهدت التصوير مساعدات لوجيستية إلى صناع الفيلم (الشركة المنتجة)
قدّم سكان القرية التي شهدت التصوير مساعدات لوجيستية إلى صناع الفيلم (الشركة المنتجة)
TT

فينشو نتشوغو: «امرأة واحدة» يفتش عن إرث الاستعمار بأفريقيا

قدّم سكان القرية التي شهدت التصوير مساعدات لوجيستية إلى صناع الفيلم (الشركة المنتجة)
قدّم سكان القرية التي شهدت التصوير مساعدات لوجيستية إلى صناع الفيلم (الشركة المنتجة)

بعد أقل من عام على انطلاقته العالمية الأولى في مهرجان «فينيسيا السينمائي»، واصل الفيلم الكيني «امرأة واحدة... حمالة صدر واحدة» رحلته الدولية عبر عرضه للمرة الأولى في أميركا الشمالية ضمن الدورة الحالية من مهرجان «ترايبيكا» في نيويورك، ليحصد تنويهاً خاصاً من لجنة تحكيم المهرجان الأميركي البارز بعد عرضه ضمن برنامج «وجهات نظر».

الفيلم الذي يحمل توقيع المخرجة الكينية فينشو نتشوغو، ويُعدّ أول أعمالها الروائية الطويلة، يروي قصة امرأة تعيش على هامش مجتمعها الريفي وتخوض رحلة شاقة بحثاً عن جذورها وهويتها، لكنه في الوقت نفسه يفتح الباب أمام أسئلة أوسع تتعلق بالانتماء وإرث الاستعمار وموقع المرأة داخل المجتمعات الأفريقية المعاصرة.

تقول المخرجة الكينية لـ«الشرق الأوسط»، في مقابلة عبر «زووم»، إن فكرة الفيلم ولدت من انشغال طويل بأسئلة الهوية الأفريقية وما آلت إليه القارة بعد عقود من الاستعمار والتحولات السياسية والاجتماعية المتلاحقة، لافتة إلى أنها لم تكن ترغب في تقديم فيلم سياسي مباشر أو خطاب آيديولوجي، بل فضلت الاقتراب من تلك القضايا عبر حكاية إنسانية بسيطة تبدو في ظاهرها شخصية للغاية، قبل أن تكشف تدريجياً عن أبعاد أوسع تتعلق بالمجتمع والتاريخ والذاكرة الجماعية.

وأضافت أن شخصية «ستار» جاءت بوصفها نموذجاً لإنسان يبحث عن مكانه داخل عالم لا يمنحه إجابات واضحة، فالبطلة، وهي امرأة في الثامنة والثلاثين من عمرها، لا تعرف شيئاً تقريباً عن والديها أو جذورها العائلية، الأمر الذي يجعلها غريبة داخل مجتمع ريفي يقوم في الأساس على الروابط العائلية والقبلية.

وأوضحت أنها من خلال هذه الشخصية، أرادت طرح تساؤلات حول معنى الانتماء، ومن يملك الحق في الأرض، وكيف يمكن للفرد أن يثبت وجوده في مجتمع يربط الحقوق بالأنساب والعلاقات العائلية، لافتة إلى أن الفيلم لا يتناول الاستعمار بوصفه حدثاً تاريخياً انتهى، بل يحاول رصد تأثيراته المستمرة على الحياة اليومية للأفارقة.

يواصل الفيلم الكيني رحلة عروضه بالمهرجانات (الشركة المنتجة)

وأشارت إلى أن كثيراً من الأزمات التي تواجه المجتمعات المحلية اليوم ترتبط بصورة أو بأخرى بإرث طويل من الهيمنة السياسية والاقتصادية والثقافية، مؤكدة أن السينما قادرة على مناقشة هذه القضايا عبر قصص إنسانية مؤثرة أكثر من قدرتها على ذلك عبر الخطابات المباشرة.

وأضافت أن كثيراً من المشاهدين الذين تابعوا الفيلم بالمهرجانات التي عرض بها وجدوا أنفسهم داخل القصة رغم أنهم لا ينتمون إلى أفريقيا أو يعرفوا الكثير عن المجتمع الكيني، لافتة إلى أن نساء كثيرات تحدثن معها بعد العروض عن شعورهن بالقرب من تجربة البطلة، وهو ما اعتبرته دليلاً على أن القضايا التي يناقشها الفيلم تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية وتلامس أسئلة إنسانية مشتركة.

وأكدت نتشوغو أن علاقتها بأفريقيا لم تتأثر بإقامتها في الولايات المتحدة لأن الجزء الأكبر من مسيرتها المهنية ارتبط بالقارة السمراء، مؤكدة أنها عملت لسنوات منتجة لمشاريع سينمائية وإعلامية في كينيا ونيجيريا وملاوي وتنزانيا، كما شاركت في تدريب وتطوير عدد من المنتجين الشباب داخل أفريقيا، الأمر الذي جعل ارتباطها بالواقع الأفريقي قائماً على نحو يومي ومستمر.

وأضافت أنها تنظر إلى نفسها بوصفها ابنة عالمين مختلفين، فمن جهة نشأت في قرية كينية صغيرة وتحمل داخلها الكثير من تفاصيل الثقافة المحلية، ومن جهة أخرى عاشت سنوات طويلة في الولايات المتحدة واكتسبت خبرات متنوعة من العمل والدراسة هناك، معتبرة أن هذا التداخل بين الثقافتين منحها زاوية نظر خاصة انعكست بوضوح على أسلوبها في صناعة الأفلام.

المخرجة الكينية فينشو نتشوغو (حسابها على «فيسبوك»)

وعن رحلة إنتاج الفيلم، أوضحت نتشوغو أن المشروع تلقى دعماً مهماً من برنامج «بينالي كوليدج سينما» التابع لمهرجان فينيسيا، وهو البرنامج الذي يختار عدداً محدوداً من المشاريع المستقلة ويوفر لها فرص التطوير والتمويل، مؤكدة أن حصول الفيلم على هذا الدعم منح الفريق دفعة معنوية كبيرة، لكنه لم يكن كافياً وحده لإنجاز المشروع بالشكل الذي تطمح إليه.

وأشارت إلى أن التحدي الحقيقي تمثل في بناء فريق قادر على تنفيذ العمل بإمكانات محدودة، لذا لجأت إلى إقناع عدد من المحترفين بالمشاركة في المشروع انطلاقاً من إيمانهم بالفكرة نفسها، لافتة إلى أن بعض أعضاء الفريق سبق لهم العمل في مشاريع عالمية ضخمة، لكنهم قبلوا الانضمام إلى الفيلم لأنهم رأوا فيه صوتاً مختلفاً يستحق الدعم.

وتحدثت المخرجة مطولاً عن صعوبات التصوير في المناطق الريفية البعيدة عن العاصمة نيروبي، مؤكدة أن الوصول إلى مواقع التصوير كان يتطلب ساعات طويلة من السفر عبر طرق وعرة وفي ظروف مناخية قاسية، موضحة أن الفريق واجه منذ الأيام الأولى تحديات غير متوقعة، من بينها الفيضانات التي قطعت الطريق المؤدي إلى موقع التصوير، وأجبرت أفراد الطاقم على قضاء الليل داخل عيادة صحية محلية.

ورغم تلك الصعوبات، أوضحت نتشوغو أن سكان القرية لعبوا دوراً محورياً في نجاح المشروع، لأن الأهالي تعاملوا مع الفيلم باعتباره مشروعاً يخصهم أيضاً، فقدم المجتمع المحلي دعماً كبيراً للفريق وساهم في حل كثير من المشكلات اللوجستية التي واجهتهم خلال التصوير.

واجه الفيلم صعوبات في التصوير (الشركة المنتجة)

وتطرقت نتشوغو إلى اختيار الممثلة سارة كاري لتجسيد شخصية «ستار»، مؤكدة أن هذه الخطوة كانت من أصعب القرارات التي واجهتها أثناء التحضير للفيلم، لكونها كانت تبحث عن ممثلة قادرة على حمل العمل بأكمله، نظراً إلى أن الشخصية الرئيسية تظهر في معظم مشاهد الفيلم وتشكل محوره الأساسي.

وأكدت أن مستقبل السينما الأفريقية لا ينبغي أن يظل مرتبطاً حصراً بالأسواق التقليدية في أوروبا وأميركا الشمالية مع وجود فرصاً واسعة للتعاون مع العالم العربي وآسيا، مشيرة إلى أن التجربة التي عاشتها خلال عرض الفيلم في الصين أقنعتها بأن القصص المحلية الصادقة قادرة على الوصول إلى أي جمهور مهما اختلفت خلفيته الثقافية.

وأضافت أنها كلما سافرت بالفيلم إلى مكان جديد، ازدادت اقتناعاً بأن الناس يبحثون عن المشاعر الإنسانية نفسها. قد تختلف اللغات والثقافات، لكن الرغبة في الانتماء والبحث عن الهوية والدفاع عن الكرامة تبقى قضايا يفهمها الجميع، مؤكدة قناعتها بأن السينما الأفريقية ما زالت تمتلك الكثير لتقدمه للعالم.


تراكيب غريبة وسماء من الملح تحيط بـ«الكوكب الوردي»

تصور فني للكوكب الوردي وهو يدور حول نجمه المضيف (ناسا - مركز غودارد لرحلات الفضاء)
تصور فني للكوكب الوردي وهو يدور حول نجمه المضيف (ناسا - مركز غودارد لرحلات الفضاء)
TT

تراكيب غريبة وسماء من الملح تحيط بـ«الكوكب الوردي»

تصور فني للكوكب الوردي وهو يدور حول نجمه المضيف (ناسا - مركز غودارد لرحلات الفضاء)
تصور فني للكوكب الوردي وهو يدور حول نجمه المضيف (ناسا - مركز غودارد لرحلات الفضاء)

اكتشف علماء فلك بقيادة جامعة نورث وسترن سماءً ملحية تحيط بما يعرف بـ«الكوكب الوردي» الشهير الذي يعد من الأجرام الفلكية الفريدة من نوعها في الكون. فلأكثر من عقد من الزمان، أبقى هذا الجرم النادر ذو اللون الوردي الضبابي علماء الفلك في حيرة من أمرهم.

ويُعد هذا الجرم، الذي يُعتبر من أبرد الأجرام المعروفة بكتلة كوكبية، والتي تم تصويرها مباشرةً، خافتاً جداً، بحيث لا يستطيع علماء الفلك تحليل ضوئه القادم إلى الأرض. لكن رصداً جديداً من تلسكوب جيمس ويب الفضائي JWST)) يكشف عن غلاف جوي مليء بتركيبات كيميائية غريبة، وسحب ملحية لم يسبق لها مثيل.

ووفق الدراسة المنشورة، الخميس، في المجلة الفلكية، توفر هذه الرصدات بعضاً من أول الأدلة المباشرة على وجود سحب ملحية في الغلاف الجوي لجرم بارد، وهي ظاهرة افترضها العلماء نظرياً منذ أكثر من 15 عاماً. كما يُمثل هذا الاكتشاف خطوةً مهمة نحو دراسة الأجرام الباردة بشكل متزايد.

ويقول أنيش بابوراج، من جامعة نورث وسترن، والذي قاد الدراسة: «يُعدّ الكوكب الوردي أبرد جرم سماوي تم اكتشافه على الإطلاق باستخدام أجهزة أرضية. وقد أجرت فرق عديدة حول العالم عمليات رصد لاحقة لدراسة ضوئه، لكنه كان خافتاً جداً بحيث لا يمكن رصده بالأجهزة الأرضية».

وأضاف في بيان الخميس: «وهذا ما جعله هدفاً مثالياً لتلسكوب جيمس ويب الفضائي. عندما حصلنا أخيراً على طيفه، بدا مثيراً للاهتمام على الفور. ولكن بمجرد أن بدأنا في تحليل البيانات بتعمق، أدركنا أنه لا يشبه أي شيء قمنا بتحليله من قبل».

واكتُشف الكوكب الوردي المُسمى GJ504b)) عام 2013، وهو يدور حول نجم شبيه بالشمس يقع على بُعد 57 سنة ضوئية من الأرض. ورغم تسميته، لا يزال علماء الفلك غير متأكدين مما إذا كان كوكباً أم لا.

ووفق النتائج تبلغ كتلة GJ504b نحو 25 ضعف كتلة المشتري، مما يجعله يقع بالقرب من الحد الفاصل بين الكواكب العملاقة والأقزام البنية. لذلك يُشير إليه علماء الفلك باسم «الرفيق ذي الكتلة الكوكبية»، أي أنه جرم بحجم كوكب يدور حول نجم.

ومما يزيد الأمر تعقيداً أن المحاولات المتكررة لدراسته باستخدام التلسكوبات الأرضية باءت بالفشل. بينما تتراوح درجة حرارة معظم الكواكب الخارجية التي تم تصويرها مباشرةً بين 1000 و2000 درجة فهرنهايت، فإن درجة حرارة الكوكب GJ504b تبلغ 550 درجة فهرنهايت فقط (290 درجة مئوية)، أي ما يعادل تقريباً درجة حرارة فرن للخبز.

وأوضح بابوراج أن عمر الكوكب المرافق هو المسؤول عن انخفاض درجة حرارته. فرغم أن الكواكب العملاقة تولد شديدة الحرارة، فإنّها تبرد مع تقدمها في العمر. وتشير الدراسة الجديدة إلى أن عمر GJ504b يتراوح بين 2.5 و4 مليارات سنة.

باستخدام تلسكوب جيمس ويب الفضائي، تمكن بابوراج وفريقه من التقاط الضوء الخافت للكوكب، ثم استخدموا تقنيات متقدمة لمعالجة البيانات لإزالة الوهج الناتج عن نجمه المضيف الأكثر سطوعاً. وكشف هذا الجمع أخيراً عن طيف الكوكب المرافق، وهو رسم بياني يُحلل الضوء المتناثر إلى ألوانه المكونة. يُمثل كل لون عنصراً مختلفاً. وبالتالي، من خلال تحليل طيف أي جسم، يستطيع العلماء الكشف عن وجود عناصر وجزيئات محددة.

وكشفت البيانات عن مزيج غني من المواد الكيميائية، بما في ذلك بخار الماء، والميثان، وثاني أكسيد الكربون، والأمونيا، وجزيئات أخرى.

وقال بابوراج: «أجرينا محاكاة مع السحب، وتوافقت النتائج مع ما نعرفه عن الكواكب الباردة». وتابع: «جربنا ثلاثة أنواع مختلفة من السحب، وكانت السحب الملحية هي الأنسب».

كما أشار الطيف إلى أن GJ504b غني بشكل غير عادي بالعناصر الثقيلة، أو المعادن. مع ذلك، لا يزال لغز تكوين هذا الجسم قائماً، إذ تشير البيانات الحالية إلى أنه ربما يكون قد تشكل ككوكب، أو نجم صغير، مشدداً على أن التقنيات المستخدمة في الدراسة قد تساعد في كشف ألغاز أخرى.