أوليڤر لاكس: لكي تكون آمناً في الطبيعة القاسية عليك أن تعيشها

المخرج الإسباني قال لـ«الشرق الأوسط» إن رحلة الأب تعكس التحديات الروحية في «صِراط»

من «صِراط» (ذا ماتش فاكتوري)
من «صِراط» (ذا ماتش فاكتوري)
TT

أوليڤر لاكس: لكي تكون آمناً في الطبيعة القاسية عليك أن تعيشها

من «صِراط» (ذا ماتش فاكتوري)
من «صِراط» (ذا ماتش فاكتوري)

لم تكن الدورة الـ78 من مهرجان «كان»، العام الماضي، المرة الأولى التي يشارك فيها المخرج الإسباني أوليڤر لاكس (المولود في باريس قبل 44 عاماً) في ذلك المهرجان؛ ففي عام 2010، فاز بجائزة «فيبريسكي» (الاتحاد الدولي للنقاد والصحافيين) عن فيلمه الأول «كلّكم قباطنة» (You All Are Captains). ثم عرض في المهرجان نفسه عام 2016 فيلم «ميموزا» (Mimosas). أما فيلمه الثالث، فكان «النار ستأتي» (Fire Will Come)، الذي نال جائزة لجنة تحكيم قسم «نظرة ما» عام 2019.

الرابط بين هذه الأفلام الثلاثة يقود إلى فيلمه الرابع «صِراط» (Sirāt)، الذي نال جائزة لجنة التحكيم في المسابقة الرسمية لمهرجان «كان»؛ فجميع أفلامه حتى الآن صُوّرت في المغرب، بدءاً من فيلمه الأول المصوَّر بالأبيض والأسود، وصولاً إلى «صِراط».

ومن السهل أيضاً ملاحظة أن فيلمه الثاني «ميموزا» يتناول رحلة شيخ قبيلة عبر جبال الأطلس، وهي رحلة لا تبتعد كثيراً، من حيث مشقة السفر، عن تلك التي نشاهدها في «صِراط».

أما السفر، فيحضر أيضاً في فيلمه الثالث «النار ستأتي»، وإن عبر موضوع مختلف؛ إذ تدور الحكاية حول عودة رجل إلى الريف البعيد حيث تعيش والدته.

رحلة الأب

المخرج أوليڤر لاكس (ذا ماتش فاكتوري)

«صِراط» رحلة يقوم بها أب تجاوز منتصف العمر بقليل (سيرغي لوبيز)، ينتقل من إسبانيا إلى المغرب بحثاً عن ابنته المفقودة. يرافقه ابنه وصورة لابنته. يصل إلى حفل راقص في الصحراء ويعرض الصورة على من يستطيع. وعندما يطوّق الأمن المكان، بمئات المحتفلين، يفرّ بمساعدة بعضهم. هو بسيارته الصغيرة، وهم بشاحناتهم. الهدف الوصول إلى حفل راقص آخر، لكن الجميع يضلّ الطريق، لتنتهي الرحلة بتراجيديات إنسانية ذات مغزى، تربط مصائرهم بالطبيعة القاسية. فالجبال الحمراء الشاهقة والصحراء الممتدة بلا نهاية تبدوان كياناً عملاقاً أمام مجموعة البشر الذين يصوّرهم لاكس أحياناً من مسافات بعيدة لتعميق هذه المقارنة.

لاكس مخرج يبحث عن سمات روحانية في موضوعاته، لا يجدها في المدينة الكبيرة، بل في الصحارى والجبال والمساحات المفتوحة على الطبيعة.

«صِراط» ليس فقط أشهر أفلامه، بل عمل مختلف يشحن فيه أحداثه ببصريات مبهرة. صوّره في صحارى المغرب قرب جبال الأطلس، حيث سبق أن صوّر «ميموزا»، ودخل به سباق الأوسكار العام الحالي ضمن فئة أفضل فيلم عالمي.

روحانيات

• «صِراط» كان مفاجئاً حتى لمن شاهد أفلامك السابقة. يبدأ بضجيج الموسيقى الإلكترونية الراقصة، ثم يسوده صمت الصحراء وقسوتها. وليس هناك مشهد واحد لا يمكن اعتباره أخّاذاً بصرياً. هل توافق على أنه يشكّل قفزة كبيرة إلى الأمام، ليس على مستوى الموضوع فقط، بل أيضاً على مستوى الأسلوب؟

- بالتأكيد. أردتُ في هذا الفيلم أن أضمّنه كل ما وجدته في أفلامي السابقة من تحديات وأبعاد. صوّرت أشخاصاً يواصلون البحث عن أنفسهم وسط طبيعة شاسعة تحتضنهم. إنهم يريدون أجوبة لأسئلة قد لا يطرحونها صراحة، لكنها تعيش في دواخلهم. بالنسبة إلي «صِراط» أوسع في مضامينه وأبعاده، وكنت أريد أن أوازي الدراما التي أسردها بعالم يبدو بلا حدود.

• بعض شخصيات «صِراط» تبدو طارئة على الصحراء. أقصد الأب الذي ينطلق للبحث عن ابنته المفقودة مع ابنه الصغير.

- كل الشخصيات طارئة على الصحراء. لا خبرة لها بها ولا معرفة كافية بطبيعتها. البقاء على قيد الحياة شعور طبيعي، لكنه ليس كافياً؛ فلا بد من دافع أعمق، وهذا ما تفتقده تلك الشخصيات باستثناء الأب وابنه. لقد جاءا لغاية لم تتحقق.

• لماذا اخترت المغرب لتصوير جميع أفلامك حتى الآن؟

- أنا إسباني، لكن في إسبانيا، ولسنوات طويلة، كانوا يعدونني فرنسياً لأنني وُلدت ونشأت هناك. وفي فرنسا يرونني إسبانياً. أما في المغرب، فأشعر بالانتماء. المغرب هو المكان الذي أشعر بأنه، إلى حد ما، بيتي. أعيش هناك منذ أكثر من 10 سنوات.

• هل يعود ذلك إلى اختلافه عن أوروبا من حيث المجتمع والثقافة؟

- هو مختلف بالفعل، لكن إضافة إلى ذلك هناك روحانيات لا أجدها في السينما الإسبانية، في حين أجدها في المغرب. أنا أبحث عن الموضوع الذي يتحدث عن الإيمان. والمخرجون الأقرب إليّ هم ثلاثة: أندريه تاركوڤسكي وروبير بريسون وعباس كيارستمي.

• في بعض تصريحاتك نفيتَ أن تكون لكلمة «صِراط» علاقة بالمعنى الوارد في القرآن، لكن هذه العلاقة تبدو واضحة، وفي أحاديث أخرى لك أكّدتها...

- الصراط هو الطريق المستقيم الذي يوصل إلى الجنة، وعندي تحمل هذه الكلمة بُعداً روحانياً يدل على مفهوم راقٍ. لم أنفِ ذلك، بل نفيت أن تكون الكلمة مرتبطة حصراً برحلة شخصيات الفيلم. إنها كلمة جميلة لمعنى روحاني شامل.

• لم تفتني تلك اللقطة في فيلم «ميموزا» لعبارة «لا تنسَ ذكر الله».

- نعم. الإيمان يفتح الطريق أمام ما توقّف الغرب عن التفكير فيه. لكن المسألة بالنسبة إليّ ليست مجرد مقارنة. «صِراط» تحديداً يقوم على فكرة أن الحياة ليست فقط ما نعيشه هنا، وأنها لا تمنحنا كل ما نريد. إنها جسر يرفع الإنسان روحياً.

الجسد والذاكرة

«ميموزا» (زيتون فيلمز)

• هذا الفيلم شهد تسويقاً عالمياً لم تتمتع به أفلامك السابقة. هل التواصل مع جمهور أكبر هو غايتك؟

- إلى حدّ ما. لا بدَّ أن أوضح أنني أردتُ الوصول إلى جمهور أوسع، لكن بشروطي أنا، لا بشروطه هو. إنه فيلم ضخم من حيث الحجم والطموح، ويتحدث عن مغامرة تنتهي تراجيدياً. وهذا ليس النوع الذي يتهافت عليه الجمهور العريض، لذلك كان نجاحه في «كان» العام الماضي ضرورياً لدفعه إلى الأمام.

الموسيقى والرقص

• يبدأ الفيلم بمكبرات صوت ضخمة تبث موسيقى صاخبة، وعدد كبير من الراقصين في ليل صحراوي. الموسيقى إلكترونية وعنيفة. كيف تفسّر ذلك؟

- إنها مقدمة لاستكشاف المكان والناس، وهذا النوع الهائج من الموسيقى يعبّر عن أناس يتوقون إلى التحرر من قوانين الحياة الجاهزة. وسيلتهم إلى ذلك هي هذه الموسيقى، التي تدفعهم إلى اللجوء إلى الأماكن المقفرة، حيث لا رقابة ولا قيود اجتماعية. إلى أن يصل الجيش للقبض عليهم. وأنا أمارس هذا الرقص أيضاً، لأنه يتعامل مع آلامي.

• كيف ذلك؟

- أعتقد أن الجسد يحتفظ بذاكرة قوية. إنه رقص عنيف لأنه يذكّرك بآلامك الاجتماعية، وربما التاريخية أيضاً. بكل ما ترفضه، لكن رفضك له لا يحرّرك منه. فهو يتعامل معك لأنك تعرضت له أو أدركته، أو بالأحرى لأنه هو الذي أدركك. في حلبة الرقص تشترك مع الجميع من دون أن تعرفهم، وهذا يشبه دخول صالات السينما. أنت واحد من كثيرين يشاهدون الفيلم معاً ويتلقّون مشاهده ومعانيه، لكنك لا تعرف شيئاً عن أيٍّ من المشاهدين الآخرين.

• كيف تصف تجربتك مع مهرجان «كان» إلى الآن؟

- مفيدة جداً، خصوصاً بالنسبة إلى الفيلم الأخير كما لمَّحتَ أنت. لكن كثيرين واصلوا سؤالي عن المعاني. أعتقد أن واحدة من أهم مشكلات السينما اليوم هي أن الجمهور يريد أجوبة جاهزة من الفيلم الذي يشاهده. الأفلام يجب أن تكون صوراً، لا كلمات. وهذا ما تفتقده سينما اليوم.

• تأثرت بنهايات شخصياتك في «صِراط». كانت مفاجئة وصادمة. الأب يركض مذعوراً لإيقاف سيارته قبل سقوطها في الوادي لإنقاذ ابنه، لكنها تهوي. وشخصية أخرى تنفجر بلغم مزروع في الأرض. هل يعود ذلك إلى رغبتك في القول إن الطبيعة هي صاحبة الكلمة الأخيرة؟

- هذا قريب جداً مما تصف. لكي تكون آمناً في الطبيعة القاسية، عليك أن تنتمي إليها، أن تعيشها وتتعايش معها. وهذا ما لا يتوافر للشخصيات التي تنطلق نحو الصحارى الشاسعة. الأب يبحث عن ابنته المفقودة، والبقية يبحثون عن حفل آخر، ربما كانت تلك الفتاة موجودة فيه. لكن الطبيعة أقوى من القرار البشري. هؤلاء جميعاً يدفعون ثمناً باهظاً لأنهم دخلوا عالماً لا خبرة لهم به. أنا أصوّر الطبيعة لأنها حاضرة، ولأن وجودها يتجاوز جمالياتها وتكويناتها.

التقنيات السينمائية

• صوّرت جميع أفلامك على شريط سينمائي، وليس بكاميرات رقمية، صحيح؟

- نعم.

• أعرف ما يوفِّره الفيلم التقليدي ولا توفِّره الكاميرات الرقمية، لكني أود سماع سبب اختيارك.

- التصوير بكاميرا فيلم هو انعكاس لطبقات متعددة. العلاقة مع الصورة السينمائية تشمل تأثيرها في العمل بأسره وبالتالي في المُشاهد أيضاً. الفيلم السينمائي يمتلك ثراءً لا يمكن تعويضه باستخدام كاميرا مؤلفة من «بيكسلات».


مقالات ذات صلة

«الكلام على إيه؟!» يراهن على البطولة الجماعية بـ«موسم الأضحى» السينمائي

يوميات الشرق فيلم «الكلام على إيه؟» اعتمد على البطولة الجماعية (الشركة المنتجة)

«الكلام على إيه؟!» يراهن على البطولة الجماعية بـ«موسم الأضحى» السينمائي

يراهن الفيلم المصري «الكلام على إيه؟!» على البطولة الجماعية بالتزامن مع انطلاق عرضه مساء (الأربعاء) المقبل في الصالات السينمائية للمنافسة في موسم عيد الأضحى.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق ملصق النسخة الـ79 من مهرجان «كان» على قصر المهرجانات (إ.ب.أ)

«كان» خسر هرتزوغ فهل يتّجه بفيلمه إلى «ڤينيسيا»

مهرجان «كان» أصبح منصة فنية، وتجارية، ما أدى إلى تغيّب بعض الأفلام الأميركية، ومواقف مخرجين كبار، مثل هرتزوغ، وجارموش.

محمد رُضا (كان)
يوميات الشرق يُطرَح الفيلم في أول أيام عيد الأضحى (البوستر الرسمي)

بعد أسبوعين... «سفن دوغز» يفتح أبواب أضخم إنتاج عربي في السينما

يمتاز الفيلم باستقطابه نجوماً من السينما العالمية؛ إذ تتصدَّر الإيطالية مونيكا بيلوتشي قائمة الأبطال...

«الشرق الأوسط» (الدمام)
يوميات الشرق هنا يتحوَّل الحفظ إلى جزء من التجربة الفنّية (موقع المتحف)

«ديبوت - انعكاس بوييمانز»... داخل العالم السرّي لأحد أضخم مخازن الفنّ

المادة التي كان يمكن أن تقع في الجفاف، بين معلومات عن الهندسة والتخزين والحفظ، تتحوَّل بين يدَي المخرجة إلى تجربة مشغولة بالتدفُّق والملمس والإيقاع.

فاطمة عبد الله (بيروت)
سينما 5 أفلام جديدة تكشف الفجوة بين النقد والجمهور

5 أفلام جديدة تكشف الفجوة بين النقد والجمهور

في غضون 3 أيام هذا الأسبوع، بلغت الإيرادات الإجمالية لـ5 أفلام معروضة تجارياً على نطاق واسع أكثر من 158 مليون دولار في السوقين الأميركية والكندية فقط.

محمد رُضا (باريس)

«مجمع الأديان» إلى الواجهة السياحية بمصر وسط اهتمام دولي

كنيسة أبي سرجة في مصر القديمة (وزارة السياحة والآثار)
كنيسة أبي سرجة في مصر القديمة (وزارة السياحة والآثار)
TT

«مجمع الأديان» إلى الواجهة السياحية بمصر وسط اهتمام دولي

كنيسة أبي سرجة في مصر القديمة (وزارة السياحة والآثار)
كنيسة أبي سرجة في مصر القديمة (وزارة السياحة والآثار)

يشهد مجمع الأديان في منطقة مصر القديمة (جنوب القاهرة) اهتماماً دولياً يتمثّل في الزيارات المتتالية لمعالمه من كبار الشخصيات التي تزور مصر، وكانت أحدثها زيارة المبعوث الخاص لرئيس الولايات المتحدة الأميركية لشؤون السياحة، نيك آدمز، على هامش مشاركته في الفعالية الدولية للمجلس العالمي للسياحة والسفر (WTTC)، التي استضافتها مصر تحت رعاية رئيس مجلس الوزراء.

وأجرى المبعوث الخاص لرئيس الولايات المتحدة الأميركية لشؤون السياحة، جولة في منطقة مجمع الأديان بمصر القديمة، برفقة مصطفى صبحي مدير عام منطقة آثار مصر القديمة والفسطاط، شملت زيارة الكنيسة المعلّقة، إحدى أقدم وأشهر الكنائس القبطية في مصر، التي شُيّدت فوق حصن بابليون، بالإضافة إلى كنيسة مار جرجس التي تضم المغارة التي احتمت فيها العائلة المقدسة خلال رحلتها إلى مصر.

واستعرض مسؤولو المنطقة الأثرية القيمة التاريخية والدينية والأثرية لمجمع الأديان، وما يعكسه من تنوع حضاري وثقافي فريد تتميز به مصر.

الكنيسة المعلّقة في مجمع الأديان (وزارة السياحة والآثار)

ويضم مجمع الأديان في مصر القديمة الكنيسة المعلّقة وكنيسة أبي سرجة التي تُعدّ من نقاط رحلة العائلة المقدسة إلى مصر، بالإضافة إلى المتحف القبطي، ومسجد عمرو بن العاص، ومعبد بن عزرا، ومجموعة من المقابر التراثية.

ويرى المتخصص في الآثار والتراث القبطي، الدكتور إبراهيم ساويرس، أن «منطقة مصر القديمة وما بها من آثار تراثية تنبع أهميتها مما تضمه من معالم أثرية مهمة»، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «هذه المنطقة تُعدّ قلب القاهرة النابض، بجوار حصن بابليون الذي كان مدخل القاهرة من مئات السنين، وهي منطقة (كوزموبوليتانية) كما تُوصف، كانت منفتحة الثقافة وترحّب بجنسيات وأديان مختلفة».

وفي وقت سابق نظّمت وزارة السياحة والآثار جولة لوفد من زوجات سفراء 20 دولة أجنبية معتمدة بالقاهرة إلى منطقة مجمع الأديان بمصر القديمة، في إطار الترويج للمقاصد السياحية المصرية المتنوعة وتعريفهن بالحضارة المصرية العريقة والأماكن السياحية الموجودة بها.

جانب من زيارة المبعوث الأميركي للسياحة لمعالم مصر القديمة (وزارة السياحة والآثار)

وأشار ساويرس إلى مكونات منطقة «مجمع الأديان» التي تضم وفق قوله: «كنيسة تحولت إلى كنيس يهودي، وجامع عمرو بن العاص، ثم الآثار القبطية التي تشغل غالبية مساحة هذه المنطقة، من بينها الكنيسة المعلقة، وكنيسة أبي سرجة التي تضم المغارة التي لجأت إليها العائلة المقدسة لفترة ليست قصيرة، والمغارة موجودة تحت الهيكل».

وأكد أن المنطقة حظيت باهتمام كبير من العصر العثماني إلى أسرة محمد علي وحتى العصر الحديث، لأن مقر البطريرك كان موجوداً في هذا المكان، وبالتالي كان يحظى باهتمام كبير، وعلى بُعد خطوات من المنطقة توجد كنيسة أبو سيفين الأثرية التي كانت مقراً بطريركياً مهماً، وتتميز بالفخامة ولا تزال تضم رسوماً جدارية من القرون المسيحية الأولى.

وتابع المتخصص في الآثار والتراث القبطي: «يشهد هذا المكان زخماً حضارياً كبيراً يؤهله إلى أن يصبح مزاراً سياحياً عالمياً جاذباً للسياح من كل أنحاء العالم لما به من مميزات حضارية وأثرية كبيرة، فيكفي أن الزائر يمكن أن يزور أكثر من مسجد وكنيسة أثرية في وقت واحد تنتمي إلى عصور مختلفة، ويمكنه المشي في شوارع المنطقة الأثرية الضيقة المذهلة، ويمكن أيضاً التعرف على التراث المسيحي والقبطي من خلال المتحف القبطي الذي يضم مقتنيات قديمة نادرة».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


عزيز الشافعي لـ«الشرق الأوسط»: «تباعاً تباعاً» تمزج الروح المصرية بالخليجية

الملحن والمؤلف عزيز الشافعي (حسابه على فيسبوك)
الملحن والمؤلف عزيز الشافعي (حسابه على فيسبوك)
TT

عزيز الشافعي لـ«الشرق الأوسط»: «تباعاً تباعاً» تمزج الروح المصرية بالخليجية

الملحن والمؤلف عزيز الشافعي (حسابه على فيسبوك)
الملحن والمؤلف عزيز الشافعي (حسابه على فيسبوك)

أكد الملحن والمؤلف المصري، عزيز الشافعي، أن غياب المطربة شيرين عبد الوهاب عن الغناء خلال الفترة الماضية ترك فراغاً كبيراً؛ لأنها لا تشبه أحداً صوتاً وأداءً وروحاً، ونفى خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن يكون هو من أعادها للساحة، مؤكداً أن شيرين هي صاحبة قرار وتوقيت وشكل العودة، وأنها اختارت أغنية «الحضن شوك» للعودة؛ لأنها تلامس ما مرت به، لافتاً إلى أن اختيار شيرين لأغنية «تباعاً تباعاً» يمثل شجاعة كبيرة منها كمطربة؛ كونها تعتمد سرداً مغايراً ولغة تجمع بين الفصحى والعامية، ولحناً يمزج بين الروحين المصرية والخليجية في الموسيقى.

ولاقت عودة المطربة المصرية إلى الساحة الغنائية بعد فترة غياب اهتماماً لافتاً، خصوصاً مع طرحها أغنيتين جديدتين شكلاً ومضموناً، عبرت فيهما عن حالتين مختلفتين بين الألم والشجن والغضب في «الحض شوك» وبين الحب والابتهاج والحيوية في «تباعاً تباعاً» التي صدرت الجمعة لتتصدر منصات الأغاني بمصر، والسعودية، ولبنان، وقطر والكويت، وتحتل المركز الثامن في قوائم الاستماع عالمياً، كما احتلت المركز الأول على «يوتيوب» بعد ساعات قليلة من طرحها.

وعلق متابعون عبر مواقع «السوشيال ميديا» على عودة شيرين للساحة الغنائية التي افتقدتها طويلاً، وأشادوا بأغنيات عزيز الشافعي الذي تصدر اسمه «الترند» عبر منصة «إكس»، السبت، كما أشادوا بوقفته مع شيرين في عز أزمتها وتقديمه لها بشكل جديد يليق بعودتها.

وكانت شيرين قد أصدرت قبل أسبوعين أغنيتها «الحضن شوك»، وقالت في مداخلة مع الإعلامي عمرو أديب عبر برنامج «الحكاية» بقناة «إم بي سي» إنها ستطرح كل أسبوعين أغنية من ألبومها الغنائي الجديد.

وتحدث عزيز الشافعي عن كواليس عودة شيرين، قائلاً: «إنها تركت فراغاً كبيراً بغيابها خلال الفترة الماضية»، واصفاً إياها بأنها «مطربة من نوع خاص لا أحد يشبهها صوتاً وروحاً وأسلوب أداء في الوطن العربي كله، وأنها تضيف للغناء بحضورها، كما أن الغناء وحده الذي يُخرجها من عزلتها»، لافتاً إلى أنها «تهتم بردود الفعل كثيراً ويُفرق معها جداً في حالتها النفسية»، على حد تعبيره.

شيرين عادت للتألق مجدداً مع أغنيات عزيز الشافعي (حسابها على إنستغرام)

وعن عودة شيرين للغناء بعد فترة انقطاع، نفى الشافعي أن يكون هو وراء قراراها بالعودة للساحة، وقال ضاحكاً: «لم أقنع شيرين بالعودة ولا أحد يستطيع أن يقنعها بشيء، هي لديها الإصرار لذلك، ودائماً إيقاعها أسرع وقراراتها فورية، ولا أحد يحدد لها توقيت ولا شكل عودتها، في هذه الجزئية لا تسمع شيرين أحداً، ولو أن هناك من نصحها بشيء تفعل عكسه، فهي شخصية عنيدة للغاية ورأيها -كما يقولون- من دماغها».

ويواصل الشافعي: «شيرين لديها حماس كبير لطرح الأغنيات، وقد تعجلت الموزع الموسيقي توما لسرعة الانتهاء من مهمته، كما استدعت المصور اللبناني محمد سيف الذي جاء خصيصاً ليلتقط لها صوراً جديدة، فهي التي اختارت توقيت وشكل عودتها».

وشهدت أجواء البروفات وتسجيل الأغنيات حماساً لافتاً من شيرين، حسبما يقول الشافعي: «صوَّرت الأغنيتين في يوم واحد، وكانت في قمة تركيزها وحضورها».

وعن أغنية «تباعاً تباعاً» يقول الشافعي: «أكتب عادة أغنياتي في ظل حالة شعورية معينة، ثم أُسمعها للمطربين الذين سيعبّرون عنها بشكل جيد، وقد نالت إعجاب شيرين، ولم يكن هناك من سيغنيها أفضل منها».

وعَدّ عزيز الشافعي اختيار شيرين لأغنية «تباعاً تباعاً» شجاعة منها، قائلاً: «هي بالفعل شجاعة من شيرين أن تختار هذه الأغنية المكتوبة بلهجة بيضاء بين الفصحى والعامية، والمعتمدة شكلاً سردياً مختلفاً، ولحناً مزيجاً من المصري والخليجي، ولا بد أن يكون الملحن شجاعاً والمطرب أيضاً في التعامل مع هذا التغيير».

شيرين وعزيز حقَّقا نجاحاً لافتاً معاً (حساب عزيز الشافعي على فيسبوك)

ويضيف الشافعي: «لا أحب أن أستكين في منطقة مريحة، بل أقدم أفكاراً جديدة في كتابة الأغنيات وأرسم طريقاً جديداً»، لافتاً إلى أن الجديد يُعدّ دائماً سلاحاً ذا حدين؛ لأن البعض قد لا يستوعبه، مستدركاً: «لكن لو لم يُغير الكبار فمن سيملك الشجاعة إذن؟»، مشيراً إلى أن «الأغنية تعبّر عن شخصية شيرين فهي قد تضحك في عز بكائها، وفي ظل ضحكها قد تتذكر ما يُبكيها»، وفق قوله.

وحول أغنية «الحضن شوك» التي استهلت بها شيرين عودتها للغناء، قال الملحن المصري: «لقد أحبت شيرين أن تكون أول أغنية تعود بها ليست بعيدة عما مرت به في الفترة الماضي، فقررت أن تكون هي أول أغنية تطرحها لتعبّر عن حالة مرت بها ووجدت أن الأغنية قريبة جداً لما تريد أن تقوله في عودتها، وقد تكون مستوحاة من واقعة واجهتها شيرين ومن وقائع لناس أخرى شعروا بأن القريبين منهم ليسوا بالحنو والاستيعاب المأمول منهم».

وبدت شيرين في أدائها لأغنية «الحضن شوك» كما لو كانت تحاول أن تُخرِج شحنة انفعالية لتستعيد ذاتها؛ ما يفسره الشافعي قائلاً: «بناء الأغنية غير تقليدي، حينما يتحدث إنسان في حالة ثورة يتكلم بطريقة انفعالية، وهذا ظهر في أداء شيرين فكانت بمثابة صرخة تطلب فيها ممن حولها أن يرحموها، في ظل إحساس بالغضب انتابها».

وعانقت كلمات وألحان عزيز الشافعي صوت شيرين في أعمال عدة، من بينها أغنية «بتمنى أنساك» التي لاقت نجاحاً كبيرا ًوتصدرت قوائم الأغاني عام 2025.

ويكاد يكون الشافعي هو الملحن الوحيد الذي يكتب أيضاً أغنياته، فأغلب الأغنيات التي قدمها لكبار نجوم الغناء هي من كلماته وألحانه.

ويُعدّ الموزع توما الجناح الثالث في أغنيات شيرين وعزيز الشافعي الذي يقول عنه الأخير: «توما وزَّع الأغنيتين بطريقة رائعة جداً وأنا وشيرين نحب العمل معه، وكان قد وزَّع أيضاً أغنية (بتمنى أنساك)».


«على مدد الشوف»... معرض قاهري يعيد اكتشاف جماليات العشوائيات

المعرض تضمن العديد من التيمات الفنية (الشرق الأوسط)
المعرض تضمن العديد من التيمات الفنية (الشرق الأوسط)
TT

«على مدد الشوف»... معرض قاهري يعيد اكتشاف جماليات العشوائيات

المعرض تضمن العديد من التيمات الفنية (الشرق الأوسط)
المعرض تضمن العديد من التيمات الفنية (الشرق الأوسط)

مستعيناً بنظرة الطائر، يحلق الفنان المصري وائل حمدان فوق مشاهد بانورامية للقاهرة التاريخية، راصداً الزخم المتمثل في تكدس البيوت والشرفات والبنايات والمساجد ومعالم المدينة المختلفة، التي اعتاد أن يرسمها في أعماله بطريقة تمزج بين التصوير والتجريد.

وفي معرضه الأحدث «على مدد الشوف» بغاليري «أوديسي» في الزمالك (وسط القاهرة)، يقدم وائل حمدان مجموعة من لوحاته التي يقول عنها إنها نابعة من هوايته الوقوف في الأماكن المرتفعة لمشاهدة مناظر كاملة وعامة للمدن في كل مكان يزوره، وهو ما فعله في القاهرة أيضاً حيث يعيش منذ طفولته.

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»، أنه يواصل تقديم تجربته الفنية في هذا الإطار الذي عالجه من قبل في أكثر من معرض منذ سنوات، مشيراً إلى تعامله مع بيوت القاهرة وزخمها السكاني كمناظر طبيعية، ثم بالتدريج كلوحات تجريدية، والسعي لتقديم ثيمات مختلفة مرتبطة بالتاريخ المصري القديم والفنون الشعبية من خلال بعض اللوحات.

القاهرة التاريخية حاضرة بقوة في المعرض (الشرق الأوسط)

ويقدم من خلال هذه التجربة رؤية مغايرة للبنايات المتلاصقة وما فيها من حكايات وقصص مخفية، ويحاول التعبير عن هذا الأمر بالألوان وبالتناغم بين الكتل التي تقدم إيقاعاً وسياقاً مميزاً، وعن هذا الأمر يقول: «أحاول رصد الهدوء والصخب الكامن في هذه البنايات، التي رغم ما يبدو عليها من قبح ظاهري فإن بها لمسات جمالية، حتى في أكثر الأماكن عشوائية يمكننا أن نرى ستائر مبهجة يطيرها الهواء من نوافذ نصف مفتوحة، وثياباً ملونة ترفرف على الحبال والمناشر، ورغم الضيق الذي تتسم به شرفات المنازل فإنها مصبوغة بدهانات فاقعة تشي بالفرح».

ويضم المعرض المستمر حتى 22 مايو (أيار) الحالي، أكثر من 20 لوحة تمتزج فيها الألوان والأشكال والقباب الإسلامية في مشاهد بانورامية تشير إلى الزخم الذي تتميز به القاهرة، خصوصاً منطقة وسط البلد والمناطق الشعبية، وتبدو الألوان بطلاً رئيسياً في تقديم رؤية جمالية مميزة لفكرة تلاصق البيوت وحكاياتها المخفية.

تكدس البنايات وزحام القاهرة بين التصوير والتجريد (الشرق الأوسط)

يضيف حمدان: «عمدت في بعض اللوحات إلى إضافة موتيفات شعبية أو بعض لمسات تنتمي لفن الحروفية، إلى جانب أعمال أخرى ربما يكون بها تأثيرات من الوجوه والفن المصري القديم، لكن تظل التجربة الأساسية والرئيسية مرتبطة بفكرة البيوت والزحام والصخب الذي يشع من منازل القاهرة، والهدوء الذي يخيم عليها من منظور أفقي، ما يضعني أمام نوع من المفارقات قدمتها في اللوحات».

موتيفات شعبية وفن الحروفية في إحدى اللوحات (الشرق الأوسط)

ويتابع: «حاولت الخروج بعض الشيء من سيطرة فكرة البيوت والمنازل على أعمالي رغم الشغف الشديد بها، فقدمت وجوهاً قريبة من الوجوه المصرية القديمة أو الوجوه النوبية، كما سعيت لتطعيم بعض اللوحات بموتيفات شعبية مثل فن الموزاييك أو المشربيات». وفق الفنان الذي يواصل شرح فلسفة معرضه قائلاً: «نشأت وسط القاهرة، في أحياء عابدين وباب اللوق، ولدي حنين دائم للبنايات الشعبية والدكاكين القديمة والقاهرة الفاطمية ومعالمها الإسلامية التي انعكست بشكل كبير في أعمالي».

الفنان وائل حمدان في معرضه (الشرق الأوسط)

والذي يدور وراء الحجار الصلبة والطوب الأحمر والحوائط والجدران السميكة، وماذا تخفي هذه التكوينات الإسمنتية المتجاورة في أنحاء المدينة، هو السر الذي بحث عنه الفنان وائل حمدان في معرضه، وحاول فك شفرته بأعماله المتنوعة، ساعياً لتحليل العلاقة بين زخم البيوت وجغرافية المكان والتناغم مع الطبيعة من حولها.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended