ظل المذيع الشهير السير ديفيد أتينبارا وجهاً بارزاً على شاشات التلفزيون البريطاني لمدة 70 عاماً، ملهماً أجيالاً للتعرف على العالم الطبيعي، وجالباً لهم المغامرة والدهشة، من الديناصورات إلى الدببة القطبية، في منازل الملايين من مشاهدي التلفاز.
رافق ذلك صوته المطمئن والخافت والمفعم بالتبجيل كل رحلة، وهو يستعرض كل جانب من جوانب الحياة على كوكب الأرض، ويبدو أحياناً كأنه بالكاد يستطيع احتواء حماسه أمام سلوكيات مذهلة في المملكة الحيوانية.
البدايات والتعليم

وُلد أتينبارا في 8 مايو (أيار) 1926، وبدأ شغفه بالطبيعة منذ الطفولة عندما كان يجمع الأحافير. درس في مدرسة «ويغستون» النحوية للبنين في ليستر، ثم حصل على درجة علمية في العلوم الطبيعية من كلية «كلير» بجامعة كامبريدج. خدم في البحرية الملكية بين 1947 و1949 قبل انضمامه إلى هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» (BBC)، في البداية، لم يُسمح له بالظهور على الشاشة، إذ اعتقد رؤسائه أن أسنانه كبيرة جداً.
الانطلاق في التلفاز
رغم ذلك، أطلق سلسلة برامجه الشهيرة «زو كويست: مغامرة حديقة الحيوان» عام 1954. واليوم، يُعد أتينبارا بلا شك عالم الطبيعة الأكثر شهرة في العالم، معروفاً بشجاعته وإبداعه ووداعته في عمله. كتب نصوص برامجه بنفسه، وحصل على جائزة أدبية كبرى عن كتابه «حياة الطيور» حتى قبل عرض السلسلة التلفزيونية؛ بحسب ما ورد في صحيفة «ذا ستاندرد» البريطانية.
رغم إقامته الدائمة في لندن، يشعر أتينبارا بالسكينة في أكثر المناطق بُعداً ووحشية في العالم. مزيجه الخاص من الكاريزما والقدرة على تقديم معرفته الواسعة بطريقة جذابة كان محط تقليد الكثيرين، نادراً ما تمكن أحد من تكراره.
النشاط البيئي والمسؤولية المهنية

قبل أن تصبح القضايا البيئية من الموضوعات الرئيسة، كان أتينبارا ناشطاً بيئياً متحمساً، سواء خلف الكاميرا أو أمامها. تناولت سلسلتاه «حالة الكوكب» (2000)، و«هل نُغيِّر كوكب الأرض؟» (2006)، القضايا البيئية، بما في ذلك الاحتباس الحراري، بشكل مكثف.
عُرف عنه في شبابه سفره على الدرجة الاقتصادية، ولم يقبل الترقية إلا إذا شمل ذلك طاقم عمله. ومع بلوغه الـ75، نصحته «بي بي سي» بالسفر على درجة رجال الأعمال. ورغم كل الثناء على أعماله، كان يحوِّل الفضل دائماً إلى الأشخاص الذين يعملون خلف الكاميرا.
أظهر أتينبارا شجاعة لافتة في مواجهة المخاطر، مثل التعرض لهجوم من جيش من النمل، أو مواجهة طائر «ديك الغابة» الهائج. ومع مرور أكثر من 70 عاماً على دراسته الحياة بكل أشكالها، شهد موقفه تجاه الطبيعة تحولاً كبيراً؛ من مفهوم المخلوقات «كعجائب» يجب جمعها إلى موقف أكثر احتراماً للحياة البرية، كما ظهر في سلسلته «أتينبارا: 60 عاماً في البرية».
العائلة والمسيرة الإدارية

أخوه هو الممثل اللورد ريتشارد أتينبارا، الذي وافته المنية عام 2014. أما السير ديفيد، فقد ساهم في إدخال التلفاز الملون إلى بريطانيا حين كان مديراً لقناة «بي بي سي 2» (BBC Two) عام 1965، ثم شغل منصب مدير البرامج ومسؤول السياسة التحريرية لكلا شبكتي «بي بي سي»، حيث قدّم رياضات شعبية مثل «السنوكر»، ومسلسل «ذا فورسايت ساغا». بيد أنه لم يستطع المكوث طويلاً خلف المكتب، ورغم ترشيحه لمنصب المدير العام، استقال عام 1973 ليعود إلى صناعة البرامج قائلاً: «أنا لم أرَ جزر غالاباغوس بعد».
أبرز برامجه وسلسلاته الوثائقية

من أبرز برامجه وسلسلاته الوثائقية: «شرقاً مع أتينبارا» الذي استكشف فيه جنوب شرقي آسيا، و«العين القبلية» الذي تناول فنون القبائل، والسلسلة الملحمية «الحياة على الأرض» المكونة من 13 جزءاً والتي شاهدها نحو 500 مليون شخص حول العالم، وتتابعاتها «الكوكب الحي» و«مِحَن الحياة». كما قدم «الفردوس الأول»، و«عوالم مفقودة، حيوات منقرضة»، و«الحياة في المُجمّد»، و«الحياة الخاصة للنباتات»، إلى جانب فيلمه «أتينبارا في الجنة» عن طيور الجنة. وتضمنت أعماله كذلك «خواص الحياة البرية»، و«حياة الطيور»، و«الكوكب الأزرق»، و«حياة الثدييات»، و«الحياة في الأحراش»، و«كوكب الأرض»، و«الحياة بدم بارد»، و«الكوكب المتجمد»، و«أفريقيا». كما أطلق سلسلتي «كوكب الأرض 2»، و«كوكب الأرض 3» باستخدام تقنيات حديثة تشمل الطائرات المسيرة والكاميرات عالية السرعة والغواصات عن بُعد، وأعاد تقديم سلسلة «سلالات» في عامي 2018 و2022، وقدم أول أعماله لمنصة «نتفليكس» بعنوان «كوكبنا» عام 2019، وأخيراً أحدث برامجه «لندن البرية» الذي يستكشف فيه الحياة البرية في مسقط رأسه.
الجوائز والتكريمات

نال السير ديفيد جوائز عالمية، منها «وسام الاستحقاق» من الملكة عام 2005، ولقب «سير» عام 1985، وعدداً من الدرجات الفخرية والزمالات، بما في ذلك «زمالة الجمعية الملكية». يشغل عضوية مجلس أمناء المتحف البريطاني والحدائق النباتية الملكية في «كيو»، ورئاسة «الجمعية الملكية للحفاظ على الطبيعة».
الحياة الشخصية والإرث الإعلامي
تزوج من جين إليزابيث إبسوبرث أوريل عام 1950، ورُزق بابن وابنة. صنع برامج للتلفاز بالأبيض والأسود، والملون، والوضوح العالي، وثلاثي الأبعاد، ولمحطات البث الأرضي، ومنصات البث الرقمي.
ومع اقترابه من عامه المائة، لا يزال أتينبارا شخصية فذة في الإعلام البريطاني ووجهاً معتاداً على شاشات التلفاز، حاملاً رسالة احترام وإعجاب مستمرين في العالم الطبيعي، ومستلهماً للأجيال الجديدة.



