«أرشيف السودان للفن التشكيلي»... محاولة لتوثيق نصف قرن من الإنتاج البصري

المشروع يشمل الرسم والتلوين والتصوير والنحت والطباعة

لوحة للفنانة آمنة الحسن ضمن المشروع التوثيقي (أرشيف السودان للفن التشكيلي)
لوحة للفنانة آمنة الحسن ضمن المشروع التوثيقي (أرشيف السودان للفن التشكيلي)
TT

«أرشيف السودان للفن التشكيلي»... محاولة لتوثيق نصف قرن من الإنتاج البصري

لوحة للفنانة آمنة الحسن ضمن المشروع التوثيقي (أرشيف السودان للفن التشكيلي)
لوحة للفنانة آمنة الحسن ضمن المشروع التوثيقي (أرشيف السودان للفن التشكيلي)

يمكن في السودان أن تختفي لوحة كاملة دون أن تترك أثراً، لا يرتبط ذلك بقيمتها الفنية، بل بغياب المسار الذي يوصل إليها، فالأعمال موزعة بين بيوت خاصة، ومراسم، وصور قديمة، وذاكرة شفهية، دون نظام يربطها أو يتيح قراءتها ضمن سياق أوسع، هذه الفجوة لا تتعلق بالحفظ فقط، بل بإمكانية فهم التاريخ البصري الذي يعتمد على مصادر متفرقة وغير مكتملة.

من هذا الفراغ، يتشكل مشروع «أرشيف السودان للفن التشكيلي» كمحاولة لبناء مرجع منظم يغطي ما يقارب نصف قرن من الإنتاج البصري. في صيغته الحالية، يعمل المشروع على توثيق الأعمال خلال المدة من 1975 إلى 2025، مع الإشارة إلى أن مراحل البحث الأولى امتدت إلى ما قبل ذلك، وصولاً إلى خمسينات القرن الماضي، لفهم الجذور التي تشكلت منها المدارس الفنية الحديثة في السودان.

بالإضافة إلى جمع الأعمال، يعمل المشروع على تصنيفها وربطها بسياقاتها، من خلال قاعدة بيانات تفصيلية تشمل الفنانين والأعمال والمؤسسات، بهدف تحويل الإنتاج الفني من مواد متفرقة إلى مادة قابلة للبحث والتحليل، بما يسمح بقراءة التحولات البصرية عبر الزمن، وربطها بالسياقات السياسية والاجتماعية التي أثرت فيها.

يتحرك المشروع ضمن نطاق محدد يشمل «الرسم والتلوين، التصوير، النحت والطباعة»، مع تركيز على بناء هيكل منهجي يمكن التوسع منه لاحقاً، هذا التحديد يعكس إدراكاً لصعوبة التعامل مع المشهد ككتلة واحدة، ويضع أولوية لإنشاء قاعدة منظمة، بدلاً من إعادة إنتاج التشتت داخل الأرشيف نفسه.

أطلق المشروع من القاهرة العام الماضي (الشرق الأوسط)

على المستوى التقني، يعمل المشروع على تطوير منصة رقمية تتيح إدخال البيانات عبر نماذج مخصصة، تخضع للمراجعة قبل النشر، مع اعتماد نظام تخزين يضمن حماية المواد واستمرارية الوصول إليها، ويتم توثيق كل عمل ضمن بيانات تشمل تاريخ الإنتاج، الخامات، والسياق المرتبط به؛ ما يسمح بقراءة الأعمال ضمن شبكة من العلاقات، وليس كعناصر منفصلة.

كما يفتح المشروع باب المساهمة أمام الفنانين والباحثين، سواء عبر رفع الأعمال أو تقديم معلومات إضافية، في محاولة لتوسيع قاعدة البيانات بشكل مستمر، هذه المقاربة تنقل الأرشيف من كونه مشروعاً مغلقاً إلى مساحة تفاعلية تعكس تعددية المشهد الفني، وتحد من مركزية السرد، وتمنح المشاركين دوراً مباشراً في بناء المحتوى.

تأتي هذه الجهود في سياق سياسي واجتماعي ضاغط، لا سيما بعد اندلاع الحرب في السودان في أبريل (نيسان) 2023، التي أدت إلى فقدان واسع للأعمال الفنية والوثائق. هذا الواقع أعاد طرح الأرشفة كأولوية، ليس فقط لتنظيم ما هو موجود، بل أيضاً لحماية ما تبقى من إرث مهدد بالاختفاء، في ظل غياب بنية قادرة على احتوائه.

تقول مديرة المشروع ريم سيف الجعيلي إن الفكرة نشأت من داخل الممارسة اليومية للعمل الفني، عبر مؤسسة «ذا ميوز ملتي استوديوز» التي تأسست عام 2019، وركزت على تنظيم المعارض والورش والإقامات الفنية، إلى جانب البرامج الثقافية المرتبطة بالمشهدين الثقافي والفني في السودان.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن «الاحتكاك المباشر بالفنانين والباحثين كشف مبكراً نقصاً واضحاً في التوثيق، وصعوبة الوصول إلى مصادر يمكن الاعتماد عليها، وهو ما انعكس على طبيعة العمل الثقافي نفسه، وجعل من الصعب بناء مشاريع تستند إلى معرفة دقيقة بتاريخ الفن السوداني»، لافتة إلى أن هذه الملاحظة قادت إلى بلورة فكرة الأرشيف في عام 2021، بوصفه محاولة لبناء منصة يمكن من خلالها قراءة الفن السوداني ضمن صورة شاملة، وليس كمجموعة أعمال متفرقة، مع التركيز على تقديم بنية تسمح بالفهم وليس الحفظ فقط.

وأوضحت أن «مرحلة التفكير استغرقت وقتاً قبل الانتقال إلى التنفيذ في 2022، حيث بدأ العمل على بناء قاعدة بيانات بالتعاون مع باحثين، بهدف جمع المعلومات الأساسية حول الفنانين داخل السودان وخارجه، وتحديد نطاق العمل بشكل أكثر دقة»، مشيرة إلى أن المشروع اعتمد على تحديد إطار زمني واضح يبدأ من خمسينات القرن الماضي كخلفية بحثية، بينما يركز التوثيق المنهجي في مرحلته الأولى على المدة بين 1975 و2025، بما يتيح قراءة التحولات الفنية ضمن نطاق يمكن التحكم فيه وتحليله.

وفيما يتعلق بفريق العمل، قالت إن المشروع يعتمد على نواة أساسية من 5 أفراد ضمن المؤسسة، إلى جانب فريق موسع يصل إلى نحو 10 أشخاص يعملون بشكل مباشر على الأرشيف، مع الاستعانة بخبرات متخصصة في مجالات الفن والنقد، مؤكدة حرصهم على مراعاة حقوق الملكية الفكرية عبر موافقة الفنانين وذويهم وهو ما جعلهم اليوم يسجلون بيانات أعمال نحو 40 فناناً بصرياً سودانياً مع استمرار العمل لإضافة آخرين خلال المرحلة المقبلة.


مقالات ذات صلة

«أحب الزهور كما النجوم» استعادة لأعمال يتجاوز عمرها نصف قرن

يوميات الشرق في مربّع «الأمير الصغير» يتخيّل تكوين الجنين في رحم زوجته (الشرق الأوسط)

«أحب الزهور كما النجوم» استعادة لأعمال يتجاوز عمرها نصف قرن

مع التقدُّم في الجولة، تطالع الزائر سلسلة لوحات بالأبيض والأسود توثّق أجواء الحرب اللبنانية القاتمة...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق لوحة «تلة الشتاء» التي تعود إلى الفترة ما بين عامي 1955 - 1956 (معرض جينا بورلينغهام)

معرض «إليزابيث»... مناظر طبيعية شتوية ولوحات صامتة

ربما تكون شهرة إليزابيث بلاكادر أكبر بفضل لوحاتها البسيطة، التي تصور الزهور والقطط، لكن معرضاً جديداً لأعمالها يركز، بدلاً من ذلك، على المناظر الطبيعية الباردة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق معرض المدينة يتسم بالحس السريالي (الشرق الأوسط)

«المدينة»... معرض فوتوغرافي ينعى دفء الحياة الشعبية بلغة سريالية

«لقد أصبحتُ منسياً في شوارع مدينتي، لا لأنني رحلت عنها، بل لأن ملامحها التي عرفتني... لم تعد هنا».

محمد الكفراوي (القاهرة)
يوميات الشرق الرمز والتجريد يلتقيان في أعمال تستدعي التأمل وإعادة القراءة (الشرق الأوسط)

«حكايات» يبرز وجوه أحمد الصعيدي بين الذاكرة والواقع

في معرضه الجديد «حكايات» المقام بغاليري ضي بالزمالك، يواصل الفنان التشكيلي المصري أحمد الصعيدي تقديم عالمه البصري القائم على التداخل بين الإنسان والذاكرة.

نادية عبد الحليم (القاهرة)
يوميات الشرق اللوحة الشهيرة «ترتيب باللونين الرمادي والأسود (رقم 1 - صورة والدة الفنان) (متحف أورساي - باريس)

خلف لوحات ويسلر الحالمة... صوتٌ مشحون بالعاطفة

«القولُ إنّ الطبيعة على صواب دائماً ادعاءٌ، من الناحية الفنية، خاطئٌ تماماً، كما هي الحال مع حقيقةٍ يُسلّم بها الجميع»، هكذا صرّح الفنان جيمس ماكنيل ويسلر في…

إميلي لابارج (لندن)

«التمساح» يوثق معاناة وأحلام سينمائيين نيجيريين على مدار 13 عاماً

انجذبت المخرجة للفريق بمجرد مشاهدة مقاطعهم عبر الإنترنت (الشركة المنتجة)
انجذبت المخرجة للفريق بمجرد مشاهدة مقاطعهم عبر الإنترنت (الشركة المنتجة)
TT

«التمساح» يوثق معاناة وأحلام سينمائيين نيجيريين على مدار 13 عاماً

انجذبت المخرجة للفريق بمجرد مشاهدة مقاطعهم عبر الإنترنت (الشركة المنتجة)
انجذبت المخرجة للفريق بمجرد مشاهدة مقاطعهم عبر الإنترنت (الشركة المنتجة)

يقدم الفيلم الوثائقي «Crocodile» (التمساح) واحدة من أكثر الحكايات الإنسانية دفئاً وصدقاً، حيث يغوص في أعماق الشغف البشري، ويتتبع بمسؤولية ونضج مسيرة مجموعة «النقاد» (The Critics) النيجيرية الشابة، وتضم هذه المجموعة ريموند يوسف، ورونالد يوسف، وفيكتور جوسايا، وجودوين جوسايا، وبرفقة صديقيهم جوردان، وريتشارد، بالإضافة إلى عدد من المقربين، وأفراد العائلة الذين شاركوهم الرحلة.

من قلب الأزقة المتواضعة في مدينة كادونا النيجيرية قرر هؤلاء الفتية منذ نعومة أظفارهم ألا يستسلموا لواقعهم، فبدأوا في صناعة أفلام خيال علمي هوليوودية الطابع بإمكانات تكاد تكون معدومة، ومحولين الشغف الطفولي إلى قضية حياة.

من فناء منزل طيني بسيط يفتقر لأدنى مقومات التكنولوجيا، استطاع هؤلاء الشباب تأسيس عالم سينمائي متكامل الأركان، مستعينين بأدوات لا تتجاوز هاتفاً جوالاً واحداً بائساً بملامح بدائية، وبعض الملابس والأقمشة القديمة، وقطع الخردة، والمعادن التي يجمعونها من القمامة.

القصة قدمت في الفيلم الوثائقي، وهو إنتاج نيوزيلندي-نيجيري مشترك، وعرض في النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي»، وسيكون عرضه الأول في الولايات المتحدة ضمن فعاليات الدورة الخامسة والعشرين لمهرجان «تريبيكا السينمائي» الشهر المقبل.

مخرجة وأبطال الفيلم على السجادة الحمراء في برلين (إدارة المهرجان)

العمل الذي أخرجته المخرجة النيوزيلندية بيترا بريتكيللي، بالتعاون الإنتاجي والفني الإبداعي مع أعضاء المجموعة أنفسهم، يتجاوز كونه مجرد توثيق تقليدي لصناعة السينما المستقلة، أو الأفلام البديلة في أفريقيا، فهو يتحول تدريجياً إلى رحلة فلسفية عميقة تبحث في جوهر الحلم، ومعنى النجاة، ومحاولات صياغة الهوية الشخصية والثقافية وسط واقع محلي قاسٍ يفيض بالأزمات المعيشية والأمنية.

على مدار ثلاثة عشر عاماً كاملة من التصوير المتواصل والمضني، يرصد الفيلم نمو هؤلاء الشباب جسدياً وفكرياً وعاطفياً أمام عدسة الكاميرا، وكيف تشكلت وتبلورت علاقاتهم المعقدة بالحياة والسينما والعالم الخارجي.

تتحدث المخرجة بيترا بريتكيللي لـ«الشرق الأوسط» عن اللحظة الاستثنائية التي اكتشفت فيها المجموعة للمرة الأولى عبر فضاء الإنترنت، مشيرة إلى أن اهتمامها المهني والإنساني الطويل بفكرة الهوية الثقافية واللغات المهددة بالاختفاء كان السبب الجوهري وراء هذا الانجذاب المباغت.

كانت بيترا تتابع بشغف تجارب ثقافية مغايرة ومستقلة حول العالم، قبل أن تصادف بالصدفة البحتة مقاطع فيديو قصيرة صنعتها مجموعة «النقاد»، وفي تلك اللحظة شعرت المخرجة بأنها تقف أمام تجربة إنسانية نادرة وصادقة للغاية، وتحمل في طياتها طاقة خام، وسحراً دفيناً من الصعب تفسيره بالكلمات العادية، أو النظريات النقدية الجاهزة.

استغرق العمل على الفيلم عدة سنوات (الشركة المنتجة)

وأكدت المخرجة النيوزيلندية في مقابلتها مع «الشرق الأوسط» عبر تطبيق «زووم» أن علاقتها بالمشروع الوثائقي بدأت بشكل غريزي وعاطفي تماماً، بعيداً عن الحسابات الإنتاجية الباردة، أو التخطيط المسبق، واتخذت قراراً جريئاً بالسفر الفوري إلى نيجيريا بعد أيام قليلة جداً من أول تواصل إلكتروني معهم، دون أن تملك أي خطة عمل واضحة، أو تصور نهائي لشكل الفيلم، أو مساره الفني.

ولم يكن طريق التصوير الممتد عبر السنين مفروشاً بالورود، بل واجه تحديات لوجستية وإنسانية بالغة التعقيد، بدأت من مشقة السفر والمسافات الطويلة بين نيوزيلندا ونيجيريا، ومروراً بأزمة جائحة كورونا العالمية التي قطعت أوصال التواصل الفعلي، ومنعتها لسنوات من العودة. امتدت الصعوبات لتشمل تفاصيل الحياة اليومية المضطربة لأبطال الفيلم، من انقطاع دائم للتيار الكهربائي، وغياب شبكات الإنترنت، وهي عقبات كادت تعصف بالمشروع بأكمله.

من جانبه، كشف ريموند يوسف، أحد الأعضاء البارزين في المجموعة، عن الكواليس النفسية الأولى للقاء، موضحاً أنهم تجاهلوا رسائل بيترا المتكررة في البداية عبر منصات التواصل الاجتماعي، مدفوعين بنوع من التوجس والريبة الفطرية.

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن الفضول هو ما حركهم في النهاية للرد عليها، حيث لم يكونوا يستوعبون إطلاقاً لماذا قد تتكبد مخرجة أجنبية مشقة السفر من نيوزيلندا إلى نيجيريا لتصنع فيلماً عن فتيان يصورون مقاطع بسيطة بهواتف متهالكة في حي شعبي منسي، ولم يدركوا وقتها أن شغفهم الصغير يملك هذه القيمة الإنسانية الكبيرة.

وأشار ريموند يوسف إلى أن المجموعة اعتقدت في بادئ الأمر أن المسألة لن تتجاوز بضعة أيام من التصوير التوثيقي العابر، قبل أن تفاجئهم بيترا بإعلان نيتها مرافقة تفاصيل حياتهم، ورصد تقلبات عيشهم لسنوات طويلة قادمة.

هذا الالتزام الزمني الطويل لم يفهم الشباب أهميته وقيمته الفنية في ذلك الوقت المبكر من حياتهم، لكن السنوات اللاحقة جعلتهم يدركون النضج الكامن في هذا التوثيق، فشاهدوا، بكثير من الدهشة والذهول، كيف تغيرت ملامحهم، ونضجت أفكارهم، وكيف كبروا، وتطورت أدواتهم الفنية والشخصية أمام هذه العدسة المخلصة التي رافقت طفولتهم وشبابهم.

أما شقيقه رونالد يوسف، فقد أوضح أن فكرة التصوير المستمر والتوثيق لم تكن غريبة تماماً على بيئة المجموعة، لأنهم اعتادوا منذ الطفولة توثيق كواليس أفلامهم، ومشاركة تفاصيل حياتهم اليومية مع متابعيهم على شبكات التواصل.

وثق الفيلم جانباً من حياة مخرجين شباب في نيجيريا (الشركة المنتجة)

هذا الاعتياد خلق نوعاً من الانسجام الطبيعي والتلقائي مع كاميرا بيترا منذ اللحظات الأولى، وضمن تدفقاً عفوياً للأحداث دون تصنع، لكن رونالد اعترف في الوقت نفسه بأن أحداً منهم لم يكن يتوقع أو يتخيل، ولو في الأحلام، أن يتحول هذا الفيلم الوثائقي إلى علامة فارقة تشكل جزءاً جوهرياً ومصيرياً من حياتهم، ومسيرتهم الفنية والمهنية اللاحقة.

في المقابل، لم ينكر فيكتور جوسايا أن وجود شخص أجنبي يحمل ثقافة مختلفة تماماً ويراقب تفاصيل حياتهم الخاصة بالكاميرا كان أمراً مربكاً ومثيراً للقلق في البداية، وزاد من هذا الإرباك أن المجموعة كانت تتلقى في تلك الفترة عروضاً تجارية، ورسائل بريدية لا حصر لها من جهات وأشخاص يبحثون عن استغلال نجاحهم الرقمي المفاجئ على الإنترنت.

لكن فيكتور أكد أن علاقتهم الإنسانية بالمخرجة النيوزيلاندية تطورت تدريجياً وبثبات مع مرور الوقت، بعدما اكتشفوا بذكائهم الفطري أنها لا تبحث عن إثارة رخيصة، أو صناعة فيلم سريع، بل تسعى بصدق واهتمام لفهم أعماقهم الفكرية.


فك لغز تحمل «قمل البحر» الجوع لسنوات

قمل البحر العملاق (لي شينزهانج - الأكاديمية الصينية للعلوم)
قمل البحر العملاق (لي شينزهانج - الأكاديمية الصينية للعلوم)
TT

فك لغز تحمل «قمل البحر» الجوع لسنوات

قمل البحر العملاق (لي شينزهانج - الأكاديمية الصينية للعلوم)
قمل البحر العملاق (لي شينزهانج - الأكاديمية الصينية للعلوم)

يُعدّ قمل البحر العملاق من نوع «باثينوميد» أحد أنواع القشريات متساوية الأرجل التي تعيش في أعماق البحار، وتشتهر بقدرتها على البقاء أكثر من 5 سنوات دون طعام. ورغم أنها تعيش في بيئة فقيرة للغاية بالعناصر الغذائية، تُظهر هذه الكائنات ضخامةً ملحوظة في أجسامها، وهي سمة تتطلب طاقةً كبيرة.

الأمر الذى يُثير مفارقةً عجيبة: كيف تحافظ هذه القشريات، التي تبدو متعطشةً للطاقة، على حجمها الهائل في ظل ندرة الغذاء في أعماق البحار؟

للإجابة عن هذا السؤال، كشف فريق بحثي من معهد علوم المحيطات التابع للأكاديمية الصينية للعلوم (IOCAS) عن الآليات التي تُمكّن هذه الكائنات العملاقة من الازدهار في الحجم في ظل ظروف غذائية قاسية.

وأفاد بيان، الجمعة، بأنه من خلال الجمع بين تحليلات متعددة للجينات وعلوم الأيض، اكتشف الباحثون أن قشريات أعماق البحار تمتلك استراتيجية بقاء مزدوجة للتكيف مع الظروف الفقيرة بالعناصر الغذائية؛ إذ تمتلك مَعِدة متضخمة قادرة على تخزين كميات كبيرة من الطعام، ومعدل أيض أساسياً منخفضاً للغاية يحول الطعام إلى طاقة، بالتوازي مع تصنيع مواد جديدة يحتاج إليها الجسم للنمو والإصلاح.

زيادة الموارد وتقليل النفقات

في دراستهم، حلل الباحثون نوعين من القشريات متساويات الأرجل من أعماق مختلفة، ومن خلال دمج علم الجينوم المقارن مع التحليلات السلوكية وتحليلات أخرى، كشفوا عن استراتيجية «زيادة الموارد وتقليل النفقات من الطاقة» للتكيف مع ظروف نقص الغذاء.

تشغل معدة قمل البحر في أعماق البحار نحو ثلثي جسمها، وهي أكبر كثيراً من معدة نظيراتها التي تعيش في المياه الضحلة أو في مناطق المد والجزر. وعندما تمتلئ المعدة بالطعام، تحتوي على خليط طيني ناعم مطحون ومهضوم بشكل كبير، يتضمن نسبة منخفضة نسبياً من البكتيريا الهاضمة مثل الفيرميكوتس، وغنية بالبكتيريا الكلاميدية، المرتبطة بتخزين الدهون.

تشير هذه الخصائص إلى أن قمل البحر في أعماق البحار قد يستهلك كميات كبيرة من الطعام عند تتوفر فرص التغذية، ثم يُخفّض معدل الأيض الأساسي لديه بشكل كبير؛ ما يسمح بهضم هذا المخزون الغذائي واستخدامه على مدى فترات طويلة.

حدد الباحثون أيضاً جيناً، يُدعى ND1، يلعب دوراً حاسماً في استقلاب الطاقة.

علاوة على ذلك، اكتشف الباحثون آلية لتنظيم التعبير الجيني في قمل البحر في أعماق البحار تُحقق «كفاءة عالية، وحفظاً للطاقة، وتحكماً دقيقاً»، في ظروف درجات الحرارة المنخفضة التي تحاكي بيئة أعماق البحار؛ ما يؤدي إلى كبح استقلاب الطاقة بشكل فعال وتقليل نشاط الميتوكوندريا – جهاز الطاقة في الخلية-، ومن ثم زيادة القدرة على تحمل الجوع.

ماذا تعني هذه النتائج؟

تشير هذه النتائج إلى أن الجين ND1 يُعدّل شبكة استقلاب الميتوكوندريا من خلال ضبط دقيق لدرجة كبح الاستقلاب، ومن ثم حل المفاضلة الأساسية بين الطلب العالي على الطاقة في وقت زيادة الموارد والحاجة إلى كبح الاستقلاب في وقت شيوع البيئات القاسية.

يقول يوان جيانبو، من معهد علوم المحيطات التابع للأكاديمية الصينية للعلوم، والمؤلف الأول للدراسة: «لا يقتصر عملنا على كشف لغز قدرة قشريات الأرجل في أعماق البحار على تحمل فترات الجوع الطويلة للغاية فحسب، بل يُقدّم أيضاً نموذجاً مهماً لفهم كيفية تحقيق التوازن بين النمو والبقاء في البيئات القاسية».


مصر: استبعاد تصدير «الكلاب الشاردة»... وخطة حكومية لمواجهة انتشارها

الكلاب الحرة في شوارع القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)
الكلاب الحرة في شوارع القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)
TT

مصر: استبعاد تصدير «الكلاب الشاردة»... وخطة حكومية لمواجهة انتشارها

الكلاب الحرة في شوارع القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)
الكلاب الحرة في شوارع القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)

تضع مصر خطةً للتعامل مع الكلاب الشاردة بتطعيمها وإيوائها ضمن حملات منتظمة، وفق بيانات لوزارة الزراعة المصرية، وآراء خبراء وباحثين في مراكز علمية متخصصة، وكذلك مسؤولي الطب البيطري، الذين استبعدوا فكرة تصديرها التي تدعو لها بعض الأصوات، من بينها نائبة بالبرلمان ورجل أعمال شهير.

وعادت قضية التعامل مع الكلاب الشاردة إلى دائرة الضوء مع نشر رجل الأعمال نجيب ساويرس تدوينة، دعا فيها لجمع كلاب الشوارع ومعالجتها وتصديرها للخارج؛ بوصفه حلاً جذرياً لتلك الإشكالية، وكانت نائبة في البرلمان المصري قد أعلنت من قبل عزمها التقدُّم بمقترح لحل قضية «كلاب الشوارع» والاستفادة منها اقتصادياً عبر حصرها وتصديرها، بدلاً من اللجوء إلى التخلص منها.

ويتصدَّى الدكتور خالد عياد، الأستاذ في مركز البحوث الزراعية، التابع لوزارة الزراعة المصرية، لمواجهة هذا الطرح رافضاً فكرة تصدير كلاب الشوارع، مؤكداً أنَّ «الكلاب الشاردة جزء من الشارع، ومثلما يزداد عدد البشر يزداد عدد الكلاب، ويتم التعامل معها بحكمة وإنسانية وطرق علمية وخطط منهجية تعدها الجهات المعنية، ولا يمكن التعامل معها أو حل مشكلتها بالتصدير»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «الذين يفكرون بهذه الطريقة يشيرون إلى بعض الدول التي يشيع فيها أكل لحوم الكلاب، وهذا أمر ضد الدين وضد الإنسانية حتى».

وكانت وزارة الزراعة أعلنت، في يناير (كانون الثاني) الماضي، إطلاق حملة منظمة لتطعيم وتعقيم «الكلاب الحرة» تحت شعار «مصر خالية من السعار 2030» في خطوة استراتيجية تعكس تحولاً نوعياً في ملف التعامل مع ملف الحيوانات الضالة، وفق بيان للوزارة وقتها.

وقال وزير الزراعة واستصلاح الأراضي، علاء فاروق، إن الدولة انتقلت بهذه الحملة من مرحلة «إدارة الأزمات» إلى مرحلة «الحلول الجذرية» عبر منهجية عالمية، وعدَّ الحملة تمثل «نموذجاً للتعاون والتنسيق المشترك، حيث تُنفَّذ تحت إشراف الهيئة العامة للخدمات البيطرية، وبالتعاون مع الاتحاد النوعي لجمعيات الرفق بالحيوان».

وترى رئيسة اتحاد جمعيات الرفق بالحيوان في مصر، الدكتورة منى خليل، أن «مشكلة الكلاب في الشوارع لا تُحل بالتخلص من الحيوانات أو نقلها من مكان إلى آخر، وإنما من خلال تطبيق برامج علمية مستدامة أثبتت نجاحها عالمياً»، وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «على رأس هذه البرامج الإمساك، والتعقيم، والتطعيم، ثم إعادة الإطلاق (TNVR)، إلى جانب إدارة المخلفات بشكل أفضل، والتوعية بمسؤولية اقتناء الحيوانات».

تجمعات للكلاب الحرة في بعض الأماكن (مركز معلومات مجلس الوزراء)

وتلفت منى إلى أنَّ النقاش الحقيقي يجب ألا ينشغل بشعارات فضفاضة مثل «التصدير»، بل يجب أن يركز على السؤال الأهم: ما الوسائل العلمية والإنسانية والقانونية القادرة على تحقيق التوازن بين حماية الإنسان والحفاظ على حياة الحيوان؟

وتكمل: «الإجابة المعروفة عالمياً هي التعقيم، والتطعيم، والإدارة الرشيدة، وليس التخلص من الحيوانات تحت أي مسمى»، على حد تعبيرها.

وإن كانت لا توجد إحصائية دقيقة رسمية لأعداد الكلاب الحرة في مصر، فإنَّ الثابت أنَّ أعدادها تقدر بالملايين، فقد أعلن رئيس الهيئة العامة للخدمات البيطرية أنَّ عددها يتراوح بين 10 و11 مليون كلب، بينما تشير تقديرات أخرى لوزارتَي الزراعة والصحة إلى وجود ما بين 30 و40 مليون كلب شارد في شوارع مصر، ويرى خبراء أنَّ الأرقام الأخيرة مبالغ فيها.

ويقول الدكتور خالد عياد: «إن أعداد الكلاب لا يمكن حصرها علمياً أو السيطرة عليها، ولكن يمكن وضع خطة للتعامل معها وتطعيمها ورعايتها لتصبح جزءاً من منظومة الشارع وليست عبئاً عليه، بدلاً من التفكير في تصديرها، وهو أمر يتعارض مع قيم إنسانية ودينية تربينا عليها، تحضنا على الرفق بالحيوان».

جانب من عمليات التطعيم ضد السعار (وزارة الزراعة)

كما أشارت رئيسة اتحاد جمعيات الرفق بالحيوان إلى أنَّ «بعض الدول التي يحاول البعض الإيحاء بتصدير الكلاب إليها لاستخدامها، قد أصدرت تشريعات تمنع التعامل مع تلك الحيوانات بوصفها غذاءً». وتساءلت: «هل نرتد إلى عصور الجهل لمجرد كرهنا للكلاب، ونستخدم أساليب لا تتفق بأي شكل مع معتقداتنا الدينية أو مع إنسانيتنا».

وأثارت «الكلاب الشاردة» كثيراً من القضايا في المجتمع المصري، من بينها مشاجرات تدخلت فيها وزارة الداخلية بعد قيام إحدى السيدات برش مواد كاوية وسمية على طعام الكلاب الحرة في الشارع، واشتبكت مع جارة لها في مجمع سكني مغلق لأنها تضع طعاماً للكلاب، بدعوى أنَّها تمثِّل خطراً على السكان، وهناك حالات عقر تمَّ رصدها وتثير مخاوف بعض المواطنين الذين يتبنون وجهة نظر تدعو للتخلص من «الكلاب الحرة».