صعود الطبيب النفسي في الدراما السعودية... من «هزاع» إلى «حالات نادرة»

الناقد فهد اليحيا لـ«الشرق الأوسط»: الأعمال المحلية الأخيرة تتجاوز الصورة النمطية القديمة

فهد البتيري في دور الطبيب النفسي من مسلسل «حالات نادرة» («شاهد»)
فهد البتيري في دور الطبيب النفسي من مسلسل «حالات نادرة» («شاهد»)
TT

صعود الطبيب النفسي في الدراما السعودية... من «هزاع» إلى «حالات نادرة»

فهد البتيري في دور الطبيب النفسي من مسلسل «حالات نادرة» («شاهد»)
فهد البتيري في دور الطبيب النفسي من مسلسل «حالات نادرة» («شاهد»)

قبل نحو عقدين من الزمان، كانت زيارة الطبيب النفسي أمراً محرجاً في السعودية، وتتم في غالب الأحيان بالخفاء توجساً من وصمة «العيب»، بيد أن الدراما السعودية تقف اليوم أمام مشهد مغاير تماماً؛ فشخصية «الطبيب النفسي» أصبحت تتصدر أدوار البطولة، مع تكرار ظهوره في أعمال محلية حديثة ومتقاربة في رؤيتها.

وشهد العام الحالي وحده مجموعة أعمال حول ذلك، حيث قدّم الممثل خالد صقر شخصية الطبيب النفسي في مسلسل «هزاع»، وهي شخصية محورية حول رجل يتقمص دور الطبيب النفسي بشكل ساخر، بما يُظهر أن حضور الطبيب النفسي لم يعد عابراً أو لسد فراغ العمل، بل يتم تقديمه من منظور صنّاع الدراما وإدراكهم أن الصحة النفسية مساحة غنية بالأسئلة والحكايات.

وحالياً يقدم الممثل فهد البتيري في مسلسل «حالات نادرة»، الذي يُعرض على «MBC»، دور الطبيب النفسي الذي يستقبل مرضاه في العيادة ويسمع مشاكلهم ويحاول حلها من منظور نفسي علاجي، مع محاولة تقديم الطبيب النفسي بشكل جاد بعيداً عن قولبته في صورة المضطرب كما عمدت الدراما العربية لسنوات مضت، كما ابتعدت هذه الأعمال عن اختزال المرضى في الجنون والبارانويا وانفصام الشخصية.

جلسة طب نفسي من مسلسل «حالات نادرة» الذي يعرض حالياً («شاهد»)

جذور مبكرة

وبالعودة إلى الماضي، لا يزال كثير من السعوديين يتذكرون حتى الآن حلقة «الطب النفسي» من مسلسل «طاش ما طاش»، التي كتبها عبد العزيز السماعيل وجاءت بإشراف الدكتور فهد اليحيا، وقدم الممثل راشد الشمراني دور الطبيب النفسي فيها، ومثّلت محاولة جريئة لتصحيح المفاهيم المغلوطة آنذاك. تلك الحلقة الساخرة كانت من أوائل الأعمال التي ناقشت جدوى العلاج النفسي بصراحة، في وقت لم يكن المجتمع فيه مستعداً كلياً لهذا الحوار.

ولاحقاً ظهر المسلسل السعودي «يوم 42» الذي عُرض عام 2016، من تأليف فهد الأسطا وعبد المحسن الضبعان، وجسّد فيه الممثل مشعل المطيري شخصية طبيب نفسي يقود العمل إلى مناطق إنسانية معقّدة، غير أن دور الطبيب النفسي بقي محصوراً في دائرة ضيقة من المشاهدين، ولم تتحول إلى موجة أو تيار درامي إلا في السنوات الأخيرة.

الناقد والطبيب النفسي د. فهد اليحيا (الشرق الأوسط)

ابتعاد عن التنميط

يتحدث لـ«الشرق الأوسط» الدكتور فهد اليحيا، الناقد والطبيب النفسي، مبيناً أن الدراما التلفزيونية والسينمائية السعودية تميزت بتقديم الطبيب النفسي والمشكلات النفسية بشكل علمي قدر الإمكان، مبتعدةً عن الصور النمطية التي سادت في عدد من الأفلام العربية القديمة، إذ كانت الشخصية تتأرجح بين تقديم الطبيب النفسي بصورة قريبة من «المهرج» في الأعمال الكوميدية، أو في صورة مثالية مبالغ فيها. ويرى أن الطبيب النفسي، في جوهره، «مثل كل الأطباء والبشر عموماً»، ولا ينبغي وضعه في أحد هذين القالبين.

ويستعيد اليحيا تجربة شارك فيها مع صديقه الممثل راشد الشمراني عبر سيناريو مسلسل «خطوات على الجبال»، حيث كانت إحدى الشخصيات تعاني من فقدان الذاكرة. طُلب منه الاطلاع على الحالة والتأكد من دقتها، وبما أن فقدان الذاكرة حالة عصبية وليست نفسية، استعان اليحيا بأطباء في طب الأعصاب الذين أكدوا صحتها، ثم راجع العمل كاملاً بطلب من الشمراني.

وتوّقف خلال حديثه عند الحلقة القديمة من «طاش ما طاش» التي دارت حول طبيب نفسي يعود من الخارج ليمارس عمله، لكنه يُفاجأ بأن الناس يترددون على مشعوذ قريب منه، ويتركون الطب النفسي، وهذا التناقض يدفع الطبيب إلى التركيز على الجوانب الاجتماعية وتقديم النصائح العامة أكثر من الممارسة العلاجية المباشرة، في انعكاس لمرحلة اجتماعية محددة كانت العلاجات الشعبية فيها أكثر انتشاراً من الطب النفسي.

وفي مسلسل «هزاع»، يلفت اليحيا إلى فكرة تقمص حارس أمن «سيكورتي» شخصية الطبيب النفسي، والتعامل مع الحالات التي يقابلها بحس إنساني وتعاطف صادق. وهو ما قد يبدو اختزالاً لدور الطبيب النفسي، لكنه يراه ذا قيمة لأن التعاطف والتفهّم عنصر أساسي في العلاج النفسي، مستشهداً في البيت الشعري «ولا بد من شكوى إلى ذي مروءة/ يواسيك أو يسليك أو يتوجع»، وهو بيت كان أحد أساتذته يؤكد أن «فيه نصف معنى العلاج النفسي»، كما يقول اليحيا.

خالد صقر هو طبيب نفسي في مسلسل «هزاع» («شاهد»)

السينما تدخل على الخط

وهذا الحضور لا يقتصر على التلفزيون فقط، بل يمتد إلى السينما السعودية، من ذلك فيلم «المسافة صفر» (2019) للمخرج عبد العزيز الشلاحي ومن تأليف مفرج المجفل، حيث يضطر بطل الفيلم ماجد «خالد صقر» إلى الذهاب إلى الطبيب النفسي نتيجة الاضطرابات التي يمر بها. في حين قدم فيلم «بسمة» للممثلة والمخرجة فاطمة البنوي (2024)، معالجة إنسانية لحالة نفسية داخل أسرة سعودية، وجعل الاضطراب النفسي جزءاً من بنية السرد، ورغم أن الفيلم لا يركّز على شخصية الطبيب مباشرة، فإنه يضع الخوف من التشخيص والخجل من طلب المساعدة وتقلّبات العائلة أمام الأزمة في قلب الحكاية.

إلى جانب ظهور الطبيب النفسي في أفلام قصيرة شكّلت بدايات السينما السعودية، أبرزها «ست عيون عمياء» (2011) للمخرج عبد الله آل عياف، الذي يدور بالكامل حول مواجهة بين طبيب نفسي «أحمد الملا» ومريض نفسي «عبد المجيد الكناني»، مستفيداً من الحوار العلاجي بوصفه مساحة للكشف عن هشاشة الإنسان وصراعه الداخلي. وهذا الفيلم الذي لا تتجاوز مدته الربع ساعة، ورغم بساطة أدواته، فإنه محطة مبكرة في السينما السعودية سعت إلى تفكيك النظرة النمطية للعلاج النفسي، وإظهار العلاقة العلاجية بوصفها علاقة إنسانية مركّبة لا تخلو من التوتر والتساؤلات.

التعاطف واضح بقوة في شخصية الطبيب النفسي في الأعمال السعودية («شاهد»)

دراسة حديثة

وتشير دراسة حديثة نُشرت خلال العام الحالي، في المجلة الأكاديمية الأميركية «التكنولوجيا في العلوم السلوكية» إلى أن صورة المعالِج النفسي في الدراما العالمية أصبحت عاملاً مؤثراً في استعداد المشاهد لطلب المساعدة. وتُظهر الدراسة التي جاءت بعنوان «خلف الأريكة: كيف يتم تصوير الاستشارة في البرامج التلفزيونية الشعبية؟»، أن التلفزيون يقدم صورة مزدوجة للمعالج النفسي: جانب واقعي ومهني يعكس طبيعة الجلسات كما تجري في الحقيقة، وجانب آخر مبالغ فيه أو متجاوز للحدود الأخلاقية والمهنية التي تنظّم العلاقة العلاجية.

وترى الدراسة أن الأعمال التي تقدم جلسات علاجية دقيقة وتحترم خصوصية المريض والضوابط المهنية تسهم في تخفيف الوصمة المرتبطة بالذهاب إلى العلاج النفسي، بينما تؤدي النماذج المشوّهة، مثل تلك التي تحول الجلسة العلاجية إلى مساحة للتهريج أو الدراما المبالغ فيها، أو التي تُظهر المعالِج بصورة خارقة أو متورط عاطفياً، إلى ترسيخ فكرة أن المرض النفسي عيب اجتماعي أو أن العلاقة العلاجية غير آمنة.

كما تشير الدراسة إلى أن جزءاً كبيراً من الدراما العالمية يخلط بين الطبيب النفسي والاختصاصي النفسي والمعالج، بحيث تظهر هذه المهن وكأنها وظيفة واحدة. وترى أن هذا الخلط يؤثر مباشرة على الجمهور، الذي يتعامل مع كل شخصية علاجية بوصفها «طبيباً نفسياً»، وهي إشكالية تتكرر في كثير من الأعمال العربية والسعودية، حيث تُقدّم الشخصية النفسية بملامح عامة لا تعكس تخصصاً محدداً.

الطبيب النفسي... المنقذ دائماً

ورغم التطور الكبير في الدراما السعودية، فإنها ما زالت تقدّم الطبيب النفسي في صورة «المنقذ» صاحب الحلول السريعة والسحرية، وهذه الصورة، التي ورثتها الدراما العربية عموماً، لا تعبّر عن الواقع العلاجي المعقّد، لكنها تعكس حاجة درامية لتسريع الإيقاع أو حل أزمة الشخصية في مشهد واحد. وما بين حلقة «طاش ما طاش» قبل نحو 20 عاماً ومسلسل «حالات نادرة» اليوم، قطعت الدراما السعودية شوطاً طويلاً في تمثيل الصحة النفسية، فالطبيب النفسي الذي كان يُقدَّم بوصفه حالة استثنائية أو «كوميديا اجتماعية» أصبح اليوم جزءاً طبيعياً من السرد، ومحركاً رئيسياً للحكاية.


مقالات ذات صلة

انتقاد مذيع مصري خاض في «خصوصيات» عبد العزيز مخيون

يوميات الشرق مخيون في لقطة من أحد أعماله (حسابه على فيسبوك)

انتقاد مذيع مصري خاض في «خصوصيات» عبد العزيز مخيون

تعرض إعلامي مصري للهجوم الحاد من فنانين ومتابعين لتعرضه للحياة الشخصية للفنان الراحل عبد العزيز مخيون.

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق الفنانة المصرية بشرى (الشرق الأوسط)

بشرى لـ«الشرق الأوسط»: تأخرت فنياً بسبب صراحتي

أعربت الفنانة المصرية بشرى عن حزنها لعدم ترشيحها لأعمال فنية خلال الفترة الماضية، مؤكدة أنها لم ولن تعلن احتجاجها عن ذلك على غرار بعض الفنانين.

مصطفى ياسين (القاهرة)
يوميات الشرق الفنان عبد العزيز مخيون في لقطة من أحد أعماله (حسابه بموقع فيسبوك)

عبد العزيز مخيون يتعرض لوعكة صحية مفاجئة

تعرض الفنان المصري عبد العزيز مخيون (80 عاماً) لوعكة صحية تمثلت في إصابته بالتهاب رئوي وضيق حاد في التنفس.

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق صبا مبارك وأحمد عبد الوهاب في المسلسل (الشركة المنتجة)

«ورد على فل وياسمين»... كوميديا رومانسية تجذب الجمهور بنعومة

خطف المسلسل الكوميدي الرومانسي «ورد على فل وياسمين»، الذي يجمع الفنانين أحمد عبد الوهاب وصبا مبارك لأول مرة في الدراما التلفزيونية الاهتمام بمصر.

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق جيهان الشماشرجي (حسابها على فيسبوك)

محكمة مصرية تطلب ضبط وإحضار الفنانة جيهان الشماشرجي

قررت محكمة جنايات القاهرة (الأحد) ضبط وإحضار الممثلة المصرية جيهان الشماشرجي.

أحمد عدلي (القاهرة)

مصر: اقتراح برلماني بإنشاء نقابة لصناع المحتوى يفجر جدلاً

مبنى الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في مصر (فيسبوك)
مبنى الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في مصر (فيسبوك)
TT

مصر: اقتراح برلماني بإنشاء نقابة لصناع المحتوى يفجر جدلاً

مبنى الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في مصر (فيسبوك)
مبنى الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في مصر (فيسبوك)

فجَّر مقترح برلماني بشأن إنشاء نقابة لصُنَّاع المحتوى في مصر جدلاً واسعاً على وسائل التواصل الاجتماعي، بين مَن يراه فرصةً لتقنين أوضاع صُنَّاع المحتوى وتنظيم عملهم ومواجهة التجاوزات، ومن يُعده وسيلةً تمنحهم شرعيةً قانونيةً قد يستغلها بعضهم بطرق غير متوقعة لتحقيق مكاسب مادية من خلال محتوى قد يتضمَّن «تجاوزات».

وكان النائب محمد الجندي، عضو مجلس الشيوخ (الغرفة الثانية للبرلمان المصري)، قد تقدَّم باقتراح برغبة إلى رئيس المجلس بشأن إنشاء نقابة لصُنَّاع المحتوى الرقمي، ووضعِ إطار مهني وقانوني يُنظِّم ممارسة المهنة ويضمن الالتزام بالمعايير المهنية والأخلاقية، وفق ما نشرته وسائل إعلام محلية.

وأكد الجندي أنَّ صناعة المحتوى الرقمي أصبحت من أسرع القطاعات نمواً وتأثيراً في المجتمع المصري، في ظلِّ التطوُّر المتسارع الذي تشهده مجالات التكنولوجيا والاتصالات والتَّحوُّل الرقمي. وأضاف أنَّ المنصات الرقمية تحوَّلت إلى أدوات رئيسية في تشكيل الوعي العام، لا سيما مع تجاوز عدد مستخدمي الإنترنت 100 مليون مستخدم، إلى جانب الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي، مما يجعل هذا القطاع أحد أبرز المجالات الواعدة اقتصادياً وثقافياً.

وحظي المقترح بتفاعل لافت، إذ تصدَّر وسم «نقابة صُنَّاع المحتوى» قوائم الأكثر تداولاً على منصة «إكس» في مصر يومَي الجمعة والسبت. وتباينت الآراء بين مُؤيِّدٍ يرى في هذا المقترح فرصةً لتقنين الأوضاع وتنظيم عمل صُنَّاع المحتوى، ومُعارض يراه باباً خلفياً قد يتيح لبعض صُنَّاع المحتوى «الرديء» أو «غير اللائق» الظهور في الفضاء العام بصفةٍ مشروعة.

وفي هذا السياق، وصف خالد البرماوي، الخبير في وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الرقمي، وجود مقترح يستهدف تقنين أوضاع صُنَّاع المحتوى في مصر بأنه «أمر محمود ومطلوب»، لكنه أبدى تحفظه على فكرة إنشاء نقابة خاصة بهم. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «ربما نجد نموذجاً مشابهاً في الولايات المتحدة، لكنه لم يكن في صورة نقابة مستقلة، بل كان فرعاً تابعاً لإحدى النقابات الفنية يضمُّ مؤدي المحتوى. ومن حيث المبدأ، من المهم جداً تقنين أوضاع صُنَّاع المحتوى والمؤثرين، لكن السؤال هو: مَن الجهة التي ستتولى هذا التقنين؟ لا أعتقد أن الأمر يتطلَّب إنشاء نقابة، بل يمكن لصُنَّاع المحتوى أنفسهم، إذا أرادوا تنظيم عملهم وتطويره وحمايته، أن يؤسِّسوا رابطة أو اتحاداً أو جمعية، فالقانون يتيح ذلك».

وكان المقترح البرلماني قد أشار إلى أهمية إنشاء نقابة متخصِّصة لصُنَّاع المحتوى الرقمي تكون بمثابة مظلة قانونية ومهنية للعاملين في هذا المجال، تتولَّى تنظيم المهنة، ووضع ميثاق شرف مهني، وتوفير برامج التدريب والتأهيل، وحماية الحقوق الفكرية، ودعم المحتوى التعليمي والثقافي والتوعوي الهادف. كما لفت إلى أنَّ النمو المتسارع لهذه الصناعة لا يزال بحاجة إلى إطار قانوني ومهني منظَّم يحفظ حقوق العاملين فيها، ويُسهم في مواجهة بعض الظواهر السلبية المرتبطة بالمحتوى غير الهادف أو المضلل.

ويؤكد الخبير في الإعلام الرقمي أنَّ من حق صُنَّاع المحتوى تأسيس كيان يحمي حقوقهم، غير أنَّ حماية المجتمع يجب أن تظلَّ في إطار سلطة وعمل النقابات المعنية، والمجلس الأعلى للإعلام، ووزارة الاتصالات، خصوصاً جهاز تنظيم الاتصالات المعني بالتعامل مع المنصات الرقمية، وهذا الجهاز لا بدَّ أن يعمل على تقنين أوضاع صناع المحتوى.

وتشهد مصر، بصورة متزايدة، حالات توقيف لبعض صُنَّاع المحتوى أو «البلوغرز»؛ بسبب نشرهم محتوى يتضمَّن ما تصفه الجهات الأمنية بـ«تجاوزات تُضرُّ بقيم المجتمع والأسرة المصرية». وقد صدرت بالفعل أحكام بالسجن بحق عدد منهم، تصل في بعض الحالات إلى السجن لمدة 3 سنوات، إلى جانب غرامات مالية، وذلك استناداً إلى قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018.

وكان الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات قد أصدر تقريراً حول مؤشرات استخدام تطبيقات الإنترنت خلال 24 ساعة في العام الحالي، أشار فيه إلى زيادة ملحوظة في استخدام تطبيقات المحتوى الترفيهي بنسبة بلغت 60 في المائة. كما أظهرت مقارنة المؤشرات بالفترة نفسها من عام 2025 ارتفاع استخدام خدمات الإنترنت عبر الهاتف المحمول بنسبة 12 في المائة، بالتزامن مع زيادة عدد مستخدمي هذه الخدمات بنحو 7.9 مليون مستخدم جديد.


«دار إقامة كبار الفنانين» بمصر... ملاذ آمن لدراما آخر العمر

محمود حميدة وياسر جلال خلال زيارتهما للدار (دار إقامة كبار الفنانين)
محمود حميدة وياسر جلال خلال زيارتهما للدار (دار إقامة كبار الفنانين)
TT

«دار إقامة كبار الفنانين» بمصر... ملاذ آمن لدراما آخر العمر

محمود حميدة وياسر جلال خلال زيارتهما للدار (دار إقامة كبار الفنانين)
محمود حميدة وياسر جلال خلال زيارتهما للدار (دار إقامة كبار الفنانين)

في فيلا أنيقة بمدينة 6 أكتوبر (غرب القاهرة) تصدرتها لافتة «دار إقامة كبار الفنانين» تبدأ الحياة من جديد في أول دار من نوعها بمصر تستقبل الفنانين الكبار لتكون بمثابة حائط الأمان من غدر الزمن، والونس في أوقات الوحدة، والصحبة في خريف العمر.

يعيش الفنان حياة مبهجة حين يحقق نجاحات ويتصدر اسمه وصورته الأفيش ويحيطه التصفيق والإعجاب أينما حل، فيُستقبل بالزهور، ويُقيم في أفخم الفنادق، غير أن النهاية ليست دائماً وردية، لا سيما حين تنحسر الأضواء، وتتبدَّل الأحوال فينزوي، وقد لا يجد المسكن أو المأوى أو الرعاية المطلوبة حين يتقدَّم به العمر.

حدث هذا مع فنانين كبار، فقد عاشت الفنانة فاطمة رشدي إحدى رائدات الفن المصري الملقبة بـ«سارة برنار الشرق» أواخر أيامها في «بنسيون صغير» بوسط القاهرة بعد اعتزالها الفن وتدهور حالتها الصحية والمادية، وكان حلم حياتها أن يكون لها شقة تعيش بها، وتَدخَّل الفنان فريد شوقي لدى المسؤولين حتى خصَّصت لها الدولة وحدة سكنية، لكن الفنانة الرائدة رحلت بعد وقت قليل فلم تهنأ بالإقامة فيها.

دار إقامة كبار الفنانين مجهزة بخدمات كثيرة (إدارة الدار)

في حين عاش الفنان عبد العزيز مكيوي أحد نجوم فيلم «القاهرة 30» أواخر أيامه مُشرداً في شوارع الإسكندرية، وتدخلت نقابة الممثلين لعلاجه وإقامته بدار مسنين قبل وفاته؛ وغيرهما من حالات مماثلة عاشت قمة المجد، وشهدت نهاية مؤلمة على غرار الفنانَين زينات صدقي، وعبد الفتاح القصري. وهذه الحالات وغيرها كانت ماثلة أمام أعين نقابة الممثلين؛ ما جعلهم يتطلعون إلى إقامة دار لرعاية الفنانين الكبار.

يؤكد الدكتور أشرف زكي نقيب المهن التمثيلية، أن «دار إقامة كبار الفنانين كانت حلماً نتطلَّع إليه من واقع نهايات مأساوية عاشها بعض رموز الفن، لكن هذا الحلم ظلَّ بعيدَ المنال، ولم يتحوَّل إلى واقع سوى حين تدخَّل الشيخ سلطان القاسمي حاكم إمارة الشارقة لتمويله منذ البداية، فهو رجل محب لمصر، ويقدِّر الفنانين الذين أثروا الوجدان العربي، وقد تحمَّس لفكرة الدار، ويقوم برعايتها رعاية كاملة، ويتحمَّل جميع نفقاتها، وقد حرص منذ البداية لتكون هذه الدار مجانية بحيث لا يدفع الفنان أي رسوم مقابل إقامته».

ويضيف زكي لـ«الشرق الأوسط» أنه «عند تأسيس الدار رأينا أن تكون دار إقامة لكبار الفنانين وليست دار مسنين، لأن بعضهم لا يزال لديه تحفظ على مسمى (دار المسنين)».

وتحتفل الدار بمرور 3 سنوات على تشغيلها الذي بدأ في 16 يوليو (تموز) 2023، وقد حصلت مؤخراً على قطعة أرض جديدة بجوارها ضمن توسُّعاتها الجديدة، واستقبلت نحو 40 فناناً منذ افتتاحها. حسبما يقول مديرها الفنان محمود عبد الغفار، مضيفا لـ«الشرق الأوسط» أنها تستقبل كبار الفنانين للإقامة الكاملة بها مجاناً، وتُقدِّم لهم خدمة فندقية في غرف فردية أنيقة مكيفة بحمام خاص، كما تضم حمام سباحة، ومكتبة، وصالة رياضة، واستراحة لاستقبال الضيوف، وحديقة واسعة.

نقيب الممثلين أشرف زكي والفنان محمود عبد الغفار مع عدد من الفنانين (إدارة دار إقامة كبار الفنانين)

ويشير عبد الغفار إلى أن استقبال الفنانين يتم من خلال تقدُّمهم شخصياً، أو عبر ذويهم، بطلب للإقامة في الدار، وأحياناً من خلال الدكتور أشرف زكي، نقيب الممثلين ومؤسس الدار، الذي قد يجد بعض الفنانين متحرجين من التقدم بطلب الإقامة فيها، فيرفع عنهم هذا الحرج، ويدعوهم إلى الإقامة بها، كما حدث مع الفنان محيي إسماعيل.

وخلال جولة لـ«الشرق الأوسط» في الدار، التقينا الفنان نبيل نور الدين، الذي انتقل للإقامة فيها مؤخراً إثر حادث سير تعرّض له. ويقول: «كنت أعبر الشارع عندما صدمتني دراجة نارية، وخضعت إثر ذلك لجراحة صعبة أقعدتني عن الحركة فترة من الزمن. ورغم أن عائلتي مستورة الحال، والحمد لله، وأن أبناء إخوتي دعوني للإقامة معهم بدلاً من العيش بمفردي في منزلي، فإنني زرت الدار بعد أن اقترح عليَّ الدكتور أشرف زكي الإقامة فيها. وقد أعجبتني كثيراً، وفضّلت أن أعيش وسط أصدقائي. ووجدت فيها كل ما أحتاج إليه، من العلاج الطبيعي إلى نظافة المكان وأناقته، فضلاً عن توافر جميع الخدمات، حتى باتت بمثابة منزلي».

ويؤكد نبيل نور الدين أنه قرر التوقف عن التمثيل منذ عامين، بعد أن قدّم نحو 400 عمل فني، تنوعت بين الأفلام والمسلسلات والعروض المسرحية، موضحاً أن قراره جاء بسبب تحفظه على أجواء العمل الحالية. ويقول: «في الماضي، كنا ندخل موقع التصوير ونحن جميعاً أصدقاء، أما في السنوات الأخيرة فكنت أبقى وحيداً في غرفتي حتى ينادوني لتصوير المشهد. هذه ليست الأجواء التي اعتدتها وأحببتها».

الشاعرة كوثر مصطفى داخل مكتبة دار إقامة كبار الفنانين (إدارة الدار)

يحصل المقيمون في الدار على رعاية طبية ونفسية واجتماعية؛ إذ تضم عيادة طبية مجهزة، يتناوب عليها طبيب متخصص في أمراض القلب والحالات الحرجة، وطبيبة متخصصة في طب المسنين، إلى جانب استشاري للعلاج الطبيعي. كما تضم الدار مركزاً مجهزاً على أعلى مستوى للعلاج الطبيعي، يعمل تحت إشراف طبي، فضلاً عن توفير رعاية كاملة لمن لا يستطيع خدمة نفسه.

ويشير المخرج أشرف فايق، نجل شقيق الفنان محيي إسماعيل، الذي يقيم في الدار منذ أشهر عدًَّة، إلى أنه بعد انتهاء علاج إسماعيل في المستشفى، تقرر نقله إلى الدار بناءً على اقتراح من الدكتور أشرف زكي. وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «رأيت أن الدار لا ينقصها شيء، سواء من حيث الرعاية أو الإقامة الكاملة أو متابعة الحالة الصحية والنفسية»، لافتاً إلى أن عمه الكاتب بهيج إسماعيل يقيم في الدار منذ 3 سنوات. وأشاد فايق بهذا الصرح العظيم الذي يحفظ كرامة الفنانين، عادّاً ذلك نوعاً من التكريم للفنان.

وأحدثت زيارة الفنانين محمود حميدة، وياسر جلال لدار إقامة كبار الفنانين أثراً إيجابياً كبيراً في المقيمين؛ إذ حرصا على المرور بغرفهم والاطمئنان عليهم. ويلفت مدير الدار إلى أن هذه الزيارات تسعد المقيمين، مؤكداً أن الدار «بيت كل فناني مصر»، وأنها ترحب بزيارة الفنانين لزملائهم المقيمين فيها. ويوضح أن «الإقامة بالدار لا تقتصر على أعضاء نقابة الممثلين، بل تشمل فنانين من مختلف النقابات الفنية، مثل نقابتي الموسيقيين والسينمائيين».


عالم يبتكر «كوناً مصغراً» لقياس الزمن من دون ساعة

مصيدة مغناطيسية بصرية لذرات الروبيديوم عند درجة حرارة تبلغ نحو 0.0001 درجة مئوية فوق الصفر المطلق (جامعة برمنغهام)
مصيدة مغناطيسية بصرية لذرات الروبيديوم عند درجة حرارة تبلغ نحو 0.0001 درجة مئوية فوق الصفر المطلق (جامعة برمنغهام)
TT

عالم يبتكر «كوناً مصغراً» لقياس الزمن من دون ساعة

مصيدة مغناطيسية بصرية لذرات الروبيديوم عند درجة حرارة تبلغ نحو 0.0001 درجة مئوية فوق الصفر المطلق (جامعة برمنغهام)
مصيدة مغناطيسية بصرية لذرات الروبيديوم عند درجة حرارة تبلغ نحو 0.0001 درجة مئوية فوق الصفر المطلق (جامعة برمنغهام)

ابتكر عالم من جامعة برمنغهام البريطانية «كوناً مصغراً» في المختبر في محاولة تجريبية للإجابة على أحد أهم أسئلة العلم: «ما هو الزمن؟».

ونشر البروفيسور جيوفاني بارونتيني نتائج بحثه في مجلة «فيزيكال ريفيو ريسيرش»، موضحاً كيف يُمكن قياس تدفق الزمن من دون استخدام ساعة على الإطلاق.

ووفق الدراسة، تُوفِّر هذه التجربة بيئة اختبار قوية لأفكار علم الكون الكمومي والجاذبية، مما يعني أنه يُمكن الآن اختبار الأفكار المُتعلقة بنشأة الكون المبكر تجريبياً في المختبر.

كما يُمكن توسيع نطاق هذا النهج ليشمل أنظمة أكثر تعقيداً، وربما يسمح للباحثين باستكشاف فيزياء «الانفجار العظيم» و«الانكماش العظيم». ومحاكاة الثقوب السوداء في المختبر أو لاختبار النظريات المتنافسة في كيفية نشوء الزمن في الكون.

وكما أفاد بيان نشر الجمعة بأن هذه النتائج تُقدِّم نموذجاً علمياً ينبثق فيه مفهوم الزمن من التجربة نفسها، حيث تشير بعض نظريات الفيزياء إلى أن الكون، في جوهره، لا يمتلك زمناً داخلياً، بل هو حالة كمومية واحدة ثابتة، تُظهر فيها الجسيمات خصائص موجية وجسيمية. في حين تتعامل هذه النظرية الجديدة مع الكون بوصفه وحدة متكاملة من دون ساعة خارجية، وأن أي إحساس بالزمن ينشأ من العلاقات الداخلية بين أجزائه.

كيف يعمل الكون المصغر؟

استخدم بارونتيني سحابةً من 24 ألف ذرة فائقة البرودة، على بُعد أجزاء قليلة من المليار من الدرجة فوق الصفر المطلق، لإنشاء نظام كمومي مُحكم الإغلاق يُحاكي «كوناً» بسيطاً. حُصرت الجسيمات وفُصلت بواسطة حاجز رقيق مُشكَّل من شعاعي ليزر بترددات مختلفة، لتكوين منطقة مرصودة «مضيئة» وأخرى غير مرصودة «مظلمة» كما هو حال الكون الذي نعيش فيه.

يتمدد القطاع «المضيء» وينهار بشكل متكرِّر، مُختبراً السيناريو الافتراضي لما يُشبه الانفجار العظيم والانكماش العظيم، وهو سيناريو افتراضي يبدأ فيه تمدد الكون بالانعكاس في نهاية المطاف. وتُتيح هذه التجربة إعادة بناء تسلسل الأحداث من داخل الكون المصغَّر نفسه، دون الحاجة إلى أي مرجع لساعة مختبرية خارجية.

ووفق نتائج الدراسة فقد أثبتت التجربة أن الزمن قد ينشأ من التغيرات التي تحدث داخل النظام، بدلاً من اعتبار الزمن شيئاً خارجياً يعمل بشكل مستقل. وأثبت نموذج «الكون المصغر» إمكانية خلق «الزمن» من خلال فوضى الذَّرات وانتشارها وسلوكها داخل النظام أو ما يُعرف علمياً بـ«الإنتروبيا».

الزمن الإنتروبي قيد العمل

عندما يزداد أو ينقص انتشار الجسيمات في القطاع المضيء مع تحرك الذرات إلى الداخل أو إلى الخارج، يكون النظام «يتحرك للأمام في الزمن». وعندما لا يتغيَّر هذا التوزيع للذَّرات، يتوقف الزمن فعلياً.

أطلق بارونتيني على هذه العملية اسم «الزمن الإنتروبي» بعد أن وجد أن هذا النوع من الزمن يتدفَّق في اتجاه واحد ثابت، مما يُعطي «سهماً زمنياً» واضحاً يُرتِّب الأحداث ترتيباً متوالياً صحيحاً، حتى في نظام يتمدَّد وينكمش مثل كون مُصغَّر يتسارع أو يتباطأ تبعاً لكيفية تحرك الإنتروبيا.

قال بارونتيني: «في بعض نظريات الكون، خصوصاً نظرية (الجاذبية الكمومية)، لا يظهر الزمن كخاصية أساسية. ومع ذلك، في الحياة اليومية، يتدفَّق الزمن من الماضي إلى المستقبل. لماذا يحدث هذا، في حين أن معظم قوانين الفيزياء الأساسية تعمل بالطريقة نفسها في الاتجاهين الأمامي والخلفي؟».

ووفق النتائج المنشورة، تُقدم هذه الدراسة أوَّل دليل تجريبي مضبوط على أن «الزمن» يُمكن تعريفه بالتغيُّرات التي تحدث داخل النظام بدلاً من كونه «ساعة خارجية» كما نتصوَّره الآن.