دانا عورتاني... حب التراث والفنون التقليدية والطريق لفينيسيا

حديث مع الفنانة وفريق تنسيق جناح المملكة في أكبر محفل عالمي للفنون

من عمل لدانا عورتاني في 2017 (الفنانة - أثر غاليري)
من عمل لدانا عورتاني في 2017 (الفنانة - أثر غاليري)
TT

دانا عورتاني... حب التراث والفنون التقليدية والطريق لفينيسيا

من عمل لدانا عورتاني في 2017 (الفنانة - أثر غاليري)
من عمل لدانا عورتاني في 2017 (الفنانة - أثر غاليري)

أصبحت دانا عورتاني رابع فنانة سعودية تمثل المملكة في بينالي فينيسيا للفنون، بحسب ما أعلنت هيئة الفنون البصرية السعودية الأسبوع الماضي. الخبر كان وقعه مفرحاً في السعودية ولكل من تابع مسيرة الفنانة الشابة التي انطلقت محملة بخلفية أكاديمية من مؤسسات عريقة، مثل كلية سانت مارتن للفنون، ومدرسة الأمير للفنون التراثية في لندن، ثم ثبتت أقدامها عبر مشاركات فنية في فعاليات ضخمة في المملكة، مثل بينالي الدرعية للفن المعاصر 2021، وفي خارجها كان أحدثها مشاركة متميزة هذا العام في بينالي بخاري للفن المعاصر.

عبر فريق تنسيق فني متميز يضم أنطونيا كارفر، المديرة التنفيذية لمؤسسة «فن جميل» والقيمة السعودية حفصة الخضيري يجري العمل حالياً، وتدور المناقشات على قدم وساق للإعداد وتنفيذ رابع مشاركات المملكة في بينالي فينيسيا للفنون.

صورة جماعية لدانا عورتاني وأنطونيا كارفر وحفصة الخضيري (هيئة الفنون البصرية)

ما الذي يعمل عليه الفريق؟ وما هي الرؤية الفنية والموضوع الذي سينتظرنا في فينيسيا العام المقبل؟ هذه أسئلة نتوجه بها للفنانة دانا عورتاني، وأنطونيا كارفر، وحفصة الخضيري، في حوار مطول معهن. مع العلم بأن التفاصيل ستظل طي الكتمان لأطول فترة ممكنة، ولكن كان من المهم الغوص قليلاً في تفكير الفنانة وفريق التنسيق وأفكارهن حول الجناح السعودي المقبل في فينيسيا.

الفن وإعادة إحياء التراث

البداية مع دانا عورتاني، تتحدث الفنانة السعودية من أصل فلسطيني عن ممارستها الفنية التي تميزت بقوة حرصها على إبراز دور الفنون التراثية التي تعلمتها في مدرسة الأمير للفنون التراثية بلندن، ثم زادت عليها بالحصول على إجازة للخط العربي من تركيا وغيرها. المتابع لدانا يرى في أعمالها دائماً حواراً متصلاً حول إحياء التراث والحرف التقليدية والحفاظ على الموروثات الثقافية والمعمارية التي تتعرض للهدم والإزالة. هل تفكر دانا في هذا الإطار لمشاركتها المقبلة في فينيسيا؟ تأخذ الفنانة الحديث بعيداً عن التفاصيل التي لن تستطيع الإفصاح عنها الآن، وتعبر عن فخرها باختيارها لتمثيل المملكة في هذا المحفل العالمي. وتضيف ملقية خيطاً من الضوء على المشروع المقبل: «لن أستطيع الإفصاح عن التفاصيل، ولكن يمكنني القول إن المشروع سيمثل استمراراً لجميع جوانب ممارستي الفنية المختلفة، منها السعي إلى الحفاظ على التراث الثقافي وإحيائه. في أعمالي اعتدت التعاون مع الحرفيين، وآمل أن أطبق ذلك أيضاً في الجناح».

أنطونيا كارفر (هيئة الفنون البصرية)

تتحدث أنطونيا كارفر عن النقاشات الدائرة بين أعضاء الفريق حول أهم المحاور في أعمال دانا حتى الآن، التي يمكن أن ترتبط بما سيقدم في الجناح، مثل الممارسات التقليدية والتراثية والخبرات المتناقلة عبر أجيال من الحرفيين: «ما نفكر فيه بالنسبة للجناح يدور إلى حد كبير حول إعادة النظر في تلك التواريخ والتقاليد وإعادة تفسيرها في أنواع مختلفة من المواد التي تبرز الهشاشة والوعي بالمواد الموجودة فيها. نشعر أن الجناح يتحدث عن اللحظة الراهنة».

رتق المثقوب ومحاولة التعافي

في محاولة للاقتراب أكثر من عالم الفنانة، نتحدث عن مشاركة دانا السابقة في المعرض العام في بينالي فينيسيا العام الماضي، التي تلقي الضوء على اهتمام الفنانة بالدمار الذي تتعرض له الذاكرة الثقافية في العالم العربي، سواء عبر الحروب أو التدمير المتعمد. عملها هناك حمل عنواناً شعرياً: «تعال، دعني أشفي جراحك. دعني أصلح عظامك المكسورة» (2024). ليس العنوان فقط الذي يبوح عاطفة وحزناً على ما فقدنا من مواقع وحرف تراثية، بل يمكن اعتبار العمل مرثية للمواقع التاريخية والثقافية التي دمرت في العالم العربي بسبب الحروب والإرهاب.

اختارت الفنانة الحديث عن تدمير غزة الممنهج. المدهش في أعمال دانا هو المواد التي تلجأ لتطويعها لتعبر عن موضوعاتها، وكلها تعتمد على مساهمات حرفيين مهرة وحرف قديمة كادت تندثر. استخدمت في عملها هنا أمتاراً من المنسوجات الحريرية التي تمثل حالة من الرقة والهشاشة، واختارت أن تمزقها في أماكن مختلفة بحيث يشير كل شق إلى موقع تاريخي وأثري لتقوم بعدها برتقه. بشكل مدهش نرى أمامنا ما تعبر عنه الفنانة، فكل شق في القطعة الحريرية يمثل جرحاً، وكل رتق محاولة للتعافي. تقول إن العمل تناول مواقع تراثية مختلفة في الشرق الأوسط، دُمرت نتيجةً للعنف والصراع. سواء أكان تدميراً متعمداً مثل ما فعلت «داعش»، أو غير متعمد. لعملها هذا قامت بأرشفة المواقع المتضررة، وبلغ عددها 350 موقعاً، ورسمت خريطة لها على الحرير، وتم تلوين منسوجات الحرير بالأصباغ الطبيعية. وكعادتها استعانت بحرفيين لصباغة الحرير باستخدام الأعشاب الطبيعية والتوابل، وهو ما تعتبره محاولة رمزية للشفاء بالطبيعة، ولرتق الثقوب المختلفة في القطعة استعانت أيضاً بحرفي متخصص في رفو الأقمشة، وهو فن آخر في طريقه للزوال. الجميل في العمل هو تكامل عناصره المختلفة، فهو يتحدث عن محاولة إصلاح ما دمر ورتق ما تشقق بالشكل المعنوي. وتعدّ الاستعانة بحرفيين لحرف تتلاشى هي الأخرى وفي طريقها للزوال إضافة بليغة للمعنى العام للعمل، تقول عنها: «كان أجدادنا يجيدون رتق الملابس، لكن لا أحد يفعل ذلك الآن.

ففي الماضي، كنا نُصلح الأشياء. كنا نُصلح منسوجاتنا بعناية، ونعتني بها مع مرور الوقت، ولا نتجاهلها. ولكن في مجتمعنا الحالي، حيث أصبح شراء كل شيء واستبداله سهلاً للغاية، فقدنا أسلوب حياتنا المستدام. لذا، يتحدث العمل، أولاً وقبل كل شيء، عن سبل تمكين الحرف اليدوية من تبني أساليب مستدامة للمستقبل، بالإضافة إلى دعم الحرفيين المعرضين للخطر».

جانب من عمل الفنانة ضمن العرض العام في بينالي فينيسيا (الفنانة)

الحرف التقليدية من القديم للمعاصر

يبدو العمل جزءاً من رؤية خاصة بدانا عورتاني، التي عبّرت مراراً عن مواضيع التدمير الثقافي وفقدان الذاكرة التراثية والحرف وكل ما يرتبط بممارسات تقليدية مثّلت العناصر الرئيسية في ممارسة الفنانة.

أذكرها بأعمال أخرى لها، مثل عملها في بينالي «الدرعية للفن المعاصر 2021» المعنون «الوقوف على الأطلال»، وعالجت فيه موضوع فقدان معالم أثرية قديمة، مثل جامع حلب الكبير، الذي دمّرته الاشتباكات التي شهدتها ساحة الجامع عام 2013، وأسقطت مئذنته البالغ عمرها أكثر من ألف عام.

وفي بينالي «بخارى للفن المعاصر» قدّمت عورتاني تنويعة أخرى على الموضوع، عبر محاولة إعادة تكوين أجزاء من أرضيات حمام السمرة بغزة، وفي العمل استخدمت طيناً من فلسطين لتعيد تشكيل قطع من أرضيات الحمام التاريخي، بالتعاون مع حرفي سيراميك من أوزبكستان.

أرضيات حمام السمرة من غزة تلتئم في بخارى (ACDF)

ورغم اختلاف طريقة التعبير في الأعمال المختلفة وتنوعها ما بين استخدام القماش لرسم خريطة مثقوبة للعالم العربي وبين استخدام حرفة السيراميك، فإن الموضوع الأساسي للفنانة ظل كما هو يتمحور حول «التدمير الثقافي»، تعلق: «ركّزتُ كثيراً على موضوعات التدمير الثقافي، ذلك لأنه واقعٌ حقيقيٌّ في جميع أنحاء الشرق الأوسط، إنه يحدث لنا جميعاً. ومن جانب آخر، يُؤدي التحديث السريع أحياناً إلى محو التقاليد. وأعتقد أنه من المهم تحقيق التوازن بين الأمرين».

التوجه لجمهور عالمي

تأخذ المنسقة أنطونيا كارفر الحديث لجانب أوسع، بما أن العمل المقبل سيكون مصمماً لجمهور عالمي، وتبدأ بالقول: «أنا متحمسة جداً للعمل مع دانا، لأني أشعر أن أسلوبها الفني يُخاطب الجميع». تشير إلى أهمية إبراز أهمية المواقع التراثية المهددة عبر أعمال الفنانة، سواء أكانت في فلسطين أو سوريا أو لبنان، باعتبارها جزءاً من تراث عالمي مشترك: «فقدان معلم أثري في فلسطين يعتبر خسارة عالمية لنا جميعاً».

تستطرد في أفكارها: «من ناحية أخرى، نفكر في وضع السعودية، فمن ناحية تلعب دور الحفاظ على المواقع الإسلامية المقدسة. ومن ناحية أخرى على مدى العقد الماضي تنامى الاهتمام بالحفاظ على المواقع الأثرية والتاريخية في المملكة.

هذه أفكار كثيراً ما زلنا نتناقش فيها، في إطار ما سيقدمه الجناح السعودي في فينيسيا، الذي يجب أن يحمل طابعاً عالمياً».

من عمل دانا عورتاني في «ديزرت إكس» في العلا عام 2022 (لانس غيربر)

بمعنى أن الجناح ينطلق من الخاص إلى العام وإلى العالم؟ «بالضبط، يجب أن نفكر أيضاً في كل أنواع القوى التي تلعب أدواراً هامة في التراث المادي، هناك بالطبع قوى تدميرية، ولكن أيضاً هناك قوى تحافظ وتحمي، وتعيد إحياء ذلك التراث». تشير لما ذكرته الفنانة

بخصوص دور الفن المعاصر في مساعدة الحرفيين، ولفت الاهتمام لنوع المهارات والحرف الأساسية وإيجاد أدوار لها في المستقبل: «أعتقد أن هذه هي المبادئ الأساسية التي نفكر فيها».

من جانبها، تعلق المنسقة المشاركة حفصة الخضيري: «العمل مع دانا وأنطونيا ممتع للغاية، جميعنا مهتم بالتراث، ونهتم بسرد القصص من خلال هذه السرديات البصرية».


مقالات ذات صلة

«مدينة واحدة وإمبراطوريتان»... قصة القسطنطينية وإسطنبول في معرض لندني

يوميات الشرق لوحة تصور آيا صوفيا من عام 1852 (متحف فيكتوريا آند ألبرت)

«مدينة واحدة وإمبراطوريتان»... قصة القسطنطينية وإسطنبول في معرض لندني

يتدثر المعرض بعباءة من الفن والثقافة ليسرد قصص التاريخ والسياسة بأسلوب مشوق يختصر تاريخ أكبر مدينة في أوروبا وعاصمة إمبراطوريتين؛ الأولى مسيحية، والثانية مسلمة.

عبير مشخص (لندن)
يوميات الشرق عمل للفنانة سلمى رضا (نادي عدسة)

«تروماي الإسكندرية»... معرض يحتفي بالذاكرة الإنسانية لـ«عروس المتوسط»

يعدّ «ترام الرمل» بالإسكندرية جزءاً أصيلاً من ملامح المدينة وذاكرتها اليومية، ورفيقاً لحكايات أجيال تعاقبت على شوارع «عروس المتوسط» ومحطاته الممتدة.

محمد عجم (القاهرة)
يوميات الشرق على كل متلقٍ أن يعثر على حكايته الخاصة داخل الأعمال (الشرق الأوسط)

«عَود على بدء» يعيد استكشاف أساطير العالم القديم

بينما اتجه كثيرون في المشهد الفني خلال القرن الماضي إلى استدعاء الكلاسيكيات القديمة عند مناقشة تأثير الأساطير، يعمل فنانون راهناً على توسيع نطاق تلك القصص.

نادية عبد الحليم (القاهرة )
يوميات الشرق السندريلا في مرحلة التألق والنجومية بعيون نور السيف (إدارة المعرض)

سعاد حسني «تحت الضوء» في الرياض

ترسم الأعمال المشاركة في معرض «وحدها تحت الضوء» المقام حالياً في الرياض عبر العديد من البورتريهات ما يمكن اعتباره صحيفة للأحوال النفسية للفنانة سعاد حسني.

حمدي عابدين (القاهرة )
يوميات الشرق في مربّع «الأمير الصغير» يتخيّل تكوين الجنين في رحم زوجته (الشرق الأوسط)

«أحب الزهور كما النجوم» استعادة لأعمال يتجاوز عمرها نصف قرن

مع التقدُّم في الجولة، تطالع الزائر سلسلة لوحات بالأبيض والأسود توثّق أجواء الحرب اللبنانية القاتمة...

فيفيان حداد (بيروت)

«مسارات متلاشية» يتتبع ترحال قبائل «القشقاي» في إيران

استغرق العمل على الفيلم 7 سنوات من التصوير (الشركة المنتجة)
استغرق العمل على الفيلم 7 سنوات من التصوير (الشركة المنتجة)
TT

«مسارات متلاشية» يتتبع ترحال قبائل «القشقاي» في إيران

استغرق العمل على الفيلم 7 سنوات من التصوير (الشركة المنتجة)
استغرق العمل على الفيلم 7 سنوات من التصوير (الشركة المنتجة)

قال المخرج الإيراني حامد ذو الفقاري إن فيلمه الوثائقي الجديد «Vanishing Tracks» (مسارات متلاشية) نبع من علاقة شخصية وحميمية جداً بعالم قبائل «القشقاي»، موضحاً أنه لا ينظر إلى حياة الترحال بصفتها موضوعاً سينمائياً عابراً أو بعيداً، بل يراها جزءاً أصيلاً من ذاكرته وتكوينه الإنساني؛ ولذلك قدم الفيلم ليكون محاولة للتأمل في عالم لم يندثر تماماً، لكنه يعيش لحظة انتقال حادة ومصيرية بين الاستمرار والتلاشي.

وتدور أحداث الفيلم الوثائقي الإيراني «مسارات متلاشية» -الذي حظي بدعم وتمويل مشترك من عدة دول من بينها فرنسا وقطر- حول عائلة من قبائل «القشقاي» الرحّل تعيش بالقرب من جبال زاغروس خارج مدينة شيراز؛ حيث تتبع الكاميرا تفاصيل حياتهم اليومية خلال رحلتهم السنوية بحثاً عن المراعي الخصبة.

وبينما يبذل الأب وزوجته قصارى جهدهما لإدارة القطيع والحفاظ على هذا النمط التقليدي من الحياة، يواجهان أزمة مفاجئة تتمثل في اختفاء عدد من الأغنام، وذلك في وقت يبدو فيه أبناؤهما أقل ارتباطاً بحياة البدو، وأكثر انجذاباً وتطلعاً نحو المدينة والجامعة ومغريات الحياة الحديثة.

ومن خلال الأحداث التي تمتد على مدار 93 دقيقة، وتعتمد على المزج بين تفاصيل المعيشة اليومية واللحظات الحلمية واللوحات البصرية الواسعة للطبيعة، يرصد المخرج حامد ذو الفقاري عالماً يترنح بين البقاء والاختفاء؛ حيث تتقاطع ذاكرة الترحال الغابرة مع إيقاع الحداثة المتسارع في إيران المعاصرة.

وشهد العمل عرضه الأول في أميركا الشمالية ضمن فعاليات الدورة الخامسة والعشرين لمهرجان «تريبيكا السينمائي» المرموق في مدينة نيويورك بالولايات المتحدة الأميركية.

المخرج الإيراني حامد ذو الفقاري (الشرق الأوسط)

وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أوضح المخرج الإيراني حامد ذو الفقاري أن جده عاش حياة الترحال قبل أن يستقر به المطاف في مدينة «شيراز»، في حين نشأ هو نفسه موزَّعاً بين صخب المدينة وجذور القبيلة، وهو ما خلق في داخله إحساساً دائماً بالانتماء المزدوج إلى عالمين متناقضين، مؤكداً أن هذا التداخل العضوي بين الحاضر الحديث والجذور الضاربة في القدم انعكس بشكل مباشر على رؤيته البصرية والوجدانية للفيلم.

وأشار حامد ذو الفقاري في حواره الذي جرى عبر البريد الإلكتروني (بسبب قيود الإنترنت التي شهدتها إيران خلال الفترة الماضية) إلى أنه تعمّد الابتعاد عن تقديم صورة رومانسية أو حالمة عن حياة البدو، لأن هذا العالم لا يقتصر على سحر الطبيعة والحرية فحسب، بل يفيض أيضاً بالمشقة، وعدم الاستقرار، والتناقضات اليومية المرهقة؛ لافتاً إلى أنه حرص على الاقتراب من شخصياته بصفتهم بشراً حقيقيين يواجهون واقعاً معقداً، وليس مجرد نموذج فولكلوري أو مادة تثير فضول المشاهدين.

وأضاف أن الحداثة لا تظهر في الفيلم بوصفها قوة خلاص منقذة، ولا تهديداً مطلقاً ومدمراً، بل حالة شديدة التعقيد تُعيد صياغة الهوية وشبكة العلاقات العائلية؛ فالمدينة تفتح للأبناء آفاقاً جديدة للحياة والاستقلال، لكنها في الوقت نفسه تبذر في نفوسهم شعوراً بالاغتراب والابتعاد عن الأرض والجذور التي نشأوا عليها.

حامد ذو الفقاري خلال مشاركته في أحد المهرجانات (الشرق الأوسط)

وأكد أن الصراع الأساسي في الفيلم لا يتلخص في مواجهة ثنائية مباشرة بين الماضي والمستقبل، لأن الواقع الفعلي يتجاوز هذه التبسيطات؛ مشيراً إلى أن أبناء العائلة يعيشون حالة من التردد والارتباك بين عالمين، في حين تحاول الأسرة بأكملها التعايش مع تغيرات متسارعة لا تبدو واضحة أو حاسمة لأي طرف من الأطراف.

وعن اللغة البصرية المتميزة للفيلم، أوضح حامد ذو الفقاري أنها تشكّلت وتطورت تلقائياً عبر عنصر الوقت والمراقبة الطويلة والصابرة، ولم تأتِ بناءً على خطة إخراجية جامدة أو صارمة؛ إذ كان الحدس والمشاعر هما المحرك الأساسي لعملية التصوير، لدرجة أن بعض المشاهد والصور كانت تولد وتفرض نفسها قبل أن يتمكن من تفسيرها أو استيعاب مغزاها المنطقي الكامل.

وتابع أنه لم يكن يهدف إلى حشو الفيلم بالمعلومات الجافة عن حياة القبائل، بل أراد منح المشاهد تجربة حسية وعاطفية متكاملة، مؤكداً أنه حاول غمر الجمهور في أجواء عالم يبدو شديد الواقعية، ولكنه يتدثر في الوقت ذاته بإحساس يُشبه الذكرى البعيدة أو الحلم المتلاشي.

يوثق الفيلم جانباً من حياة «القشقاي» (الشركة المنتجة)

وفي سياق متصل، شدد حامد ذو الفقاري على القيمة الإبداعية للصمت في الفيلم، مؤكداً أن الصمت لا يعني الغياب أو الفراغ، بل هو وعاء مشحون بالمشاعر والذكريات والمسافات غير المرئية التي تفصل وتجمع بين الشخصيات؛ فكثير من جوهر الإنسان وحقيقته يتجلى في السينما عبر لغة العيون، والإيماءات، وطريقة الوجود والتعامل مع المكان، وليس فقط من خلال الحوار المباشر.

وأشار إلى أن التفاصيل اليومية البسيطة، مثل رعاية الماشية، أو إيقاد النار، أو الانتظار الطويل في السهول الشاسعة، تكتسي بالنسبة له ببعد أسطوري خفي؛ موضحاً إيمانه بأن العادي والمألوف يمكن أن يكشفا عن معانٍ عميقة وضاربة في القدم إذا ما تأملناهما بجرعة كافية من الصبر الانتباه.

وأضاف أن الفيلم لم يقف عند حدود التوثيق لعائلة واحدة، بل كان محاولة لرصد مخاض انتقال عالم بأسره من حالة إلى أخرى، لافتاً إلى أنه كان يشعر أحياناً وهو ممسك بالكاميرا، بأنه يقتنص لحظة هشّة وحرجة يعيشها هذا المجتمع المتأرجح بين التمسك بالبقاء وحتمية التغير المستمر.

تدور أحداث الفيلم الوثائقي في 93 دقيقة (الشركة المنتجة)

وعن آليات العمل الميداني، قال المخرج الإيراني إن بناء جسور الثقة مع أفراد العائلة بدأ واستغرق وقتاً طويلاً قبل تشغيل الكاميرا، وذلك عبر الحوار الصادق، والانتظار، والاندماج في معاشهم اليومي؛ مشيراً إلى أن سنوات التصوير الطويلة التي امتدت لسبع سنوات جعلت العلاقة تتجاوز الأطر المهنية للسينما، لتصبح رابطة إنسانية عميقة ووثيقة استمرت حتى بعد الفراغ من إنجاز الفيلم.


نورا فتحي وشاكيرا... هل انتزعت نجمة المغرب صدارة أغاني المونديال؟

نورا فتحي وشاكيرا... هل انتزعت نجمة المغرب صدارة أغاني المونديال؟
TT

نورا فتحي وشاكيرا... هل انتزعت نجمة المغرب صدارة أغاني المونديال؟

نورا فتحي وشاكيرا... هل انتزعت نجمة المغرب صدارة أغاني المونديال؟

مع انطلاق كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، لم تقتصر المنافسة على المنتخبات والنجوم داخل المستطيل الأخضر، بل امتدت إلى الساحة الفنية التي لطالما شكلت جزءاً أساسياً من هوية البطولة. وفي هذه النسخة برز اسمان بقوة؛ النجمة الكولومبية شاكيرا التي عادت إلى أجواء المونديال من خلال أغنية «داي داي» في مكسيكو سيتي، والنجمة المغربية الكندية نورا فتحي التي افتتحت المنافسات في تورونتو بأغنية «سير سير».

ومع تصاعد التفاعل الجماهيري على المنصات الرقمية، فتحت المقارنات بين الفنانتين باب التساؤلات حول من تصدرت المشهد الموسيقي للمونديال، وما إذا كانت نورا فتحي قد نجحت أخيراً في كسر الهيمنة التي فرضتها شاكيرا على أغاني كأس العالم طوال العقدين الماضيين.

شاكيرا... الاسم الأكثر ارتباطاً بكأس العالم

شاكيرا تقدمت الفنانين في حفل افتتاح كأس العالم 2026 (رويترز)

يصعب الحديث عن الموسيقى المونديالية دون التوقف عند شاكيرا، التي صنعت علاقةً استثنائيةً مع البطولة جعلتها الفنانة الأكثر حضوراً في تاريخ أغاني كأس العالم الحديثة. فمنذ مونديال ألمانيا 2006 مروراً بجنوب أفريقيا 2010 والبرازيل 2014، وصولاً إلى نسخة 2026، نجحت النجمة الكولومبية في تحويل حضورها إلى جزء من ذاكرة الجماهير.

ويبقى النجاح الأكبر في مسيرتها المونديالية مرتبطاً بأغنية «واكا واكا» التي تحوّلت إلى ظاهرة عالمية تجاوزت حدود كرة القدم، وحصدت أكثر من 4.5 مليار مشاهدة على منصة «يوتيوب»، لتصبح الأغنية الرياضية الأكثر نجاحاً وانتشاراً في تاريخ البطولة. ولم تنجح أي أغنية مونديالية أخرى حتى اليوم في الاقتراب من هذه الأرقام أو من التأثير الثقافي الذي حققته الأغنية منذ إطلاقها عام 2010.

شاكيرا قبل حفل الافتتاح (أ.ف.ب)

نورا فتحي... حضور عربي متصاعد على المسرح العالمي

المغربية نورا فتحي خلال افتتاح مونديال 2026 في تورونتو (أ.ف.ب)

في المقابل، واصلت نورا فتحي تعزيز مكانتها واحدةً من أبرز الفنانات العربيات الحاضرات على الساحة الدولية. وبعد مشاركتها البارزة في فعاليات مونديال قطر 2022 من خلال أغنية «لايت دو سكاي»، عادت في نسخة 2026 لتسجل حضوراً أكبر عبر أغنية «سير سير» التي قُدمت خلال افتتاح البطولة في مدينة تورونتو الكندية.

المغربية نورا فتحي خلال افتتاح مونديال 2026 في تورونتو (أ ف ب)

وشكل ظهور نورا في حفل الافتتاح لحظة رمزية بالنسبة للجمهور المغربي والعربي، إذ عكس حجم الحضور المزداد للفنانين العرب في أكبر التظاهرات الرياضية العالمية. كما لفتت الأغنية الأنظار بدمجها الإيقاعات العالمية مع لمسات مستوحاة من الثقافة المغربية، وهو ما ساهم في انتشارها السريع عبر منصات التواصل الاجتماعي.

معركة المشاهدات... نورا تتفوق في مونديال 2026

على مستوى أرقام نسخة 2026، نجحت نورا فتحي في تحقيق انطلاقة قوية تجاوزت التوقعات. فقد تخطى الفيديو الرسمي لأغنية «سير سير» حاجز 43 مليوناً من المشاهدات خلال فترة قصيرة من إطلاقه (3 أيام)، متقدماً على أغنية شاكيرا الجديدة «داي داي» (19 مليوناً خلال 3 أسابيع ) من حيث سرعة الانتشار والتفاعل الجماهيري خلال الأيام الأولى للبطولة.

كما تصدرت الأغنية قوائم الترند في عدد من الدول، خصوصاً في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والهند وكندا، مستفيدةً من الشعبية الواسعة التي تحظى بها نورا في هذه الأسواق. واعتبر كثيرٌ من المتابعين أن الأغنية تمثل واحدة من أنجح التجارب الفنية المرتبطة بمونديال 2026 حتى الآن.

هل تفوقت نورا على شاكيرا؟

الإجابة تختلف باختلاف معيار المقارنة، فإذا كان الحديث يتعلق بأرقام المشاهدات والتفاعل المرتبط بمونديال 2026 وحده، فإن نورا فتحي تبدو صاحبة الأفضلية حتى الآن، بعدما حققت أغنيتها انتشاراً رقمياً لافتاً وتفوقت على أغنية شاكيرا الجديدة في عدد من مؤشرات التفاعل.

أما إذا كانت المقارنة تشمل التاريخ الكامل لأغاني كأس العالم، فإن الكفة لا تزال تميل بوضوح نحو شاكيرا.

فالنجمة الكولومبية لا تملك مجرد أغنية ناجحة، بل إرثاً موسيقياً كاملاً ارتبط بأكثر من نسخة من البطولة، إضافة إلى أغنية «واكا واكا» التي تحولت إلى مرجع تقاس به جميع الأغاني المونديالية اللاحقة.

بين نجاح اللحظة وإرث التاريخ

تكشف المقارنة بين نورا فتحي وشاكيرا عن مشهد فني يعكس اختلاف مرحلتين، فشاكيرا تمثل جيلاً رسخ حضوره في الذاكرة العالمية عبر أعمال تحولت إلى أيقونات ثقافية مرتبطة بكأس العالم، بينما تجسد نورا فتحي جيلاً جديداً من الفنانين الذين يستفيدون من قوة المنصات الرقمية والانتشار السريع للمحتوى.

ومع ذلك، فإن ما حققته نورا في مونديال 2026 يعد محطة مهمة في مسيرتها الفنية، إذ نجحت لأول مرة في فرض نفسها منافساً حقيقياً في ساحة ارتبطت لعقود باسم شاكيرا. وبينما تحتفظ النجمة الكولومبية بلقب «ملكة أغاني كأس العالم» بفضل تاريخها الطويل، فإن نورا فتحي استطاعت في النسخة الحالية أن تنتزع جزءاً مهماً من الأضواء وأن تثبت أن الأغنية المونديالية لم تعد حكراً على الأسماء التقليدية.

وبين نجاح «سير سير» في الحاضر، واستمرار سطوة «واكا واكا» في الذاكرة العالمية، تبقى المنافسة بين الفنانتين واحدة من أكثر القصص الفنية إثارة خارج ملاعب كأس العالم.


نجوم هوليوود يروون الحكايات لأطفال مستشفى في روما

غلاف كتاب «قصص ما قبل النوم» (الشرق الأوسط)
غلاف كتاب «قصص ما قبل النوم» (الشرق الأوسط)
TT

نجوم هوليوود يروون الحكايات لأطفال مستشفى في روما

غلاف كتاب «قصص ما قبل النوم» (الشرق الأوسط)
غلاف كتاب «قصص ما قبل النوم» (الشرق الأوسط)

في مبادرة إنسانية تستهدف دعم الأطفال خلال رحلتهم العلاجية، أُطلق مشروع «قصص ما قبل النوم» الصوتي في مستشفى «جيميلي» الجامعي في روما، مستعيناً بأصوات نخبة من نجوم السينما والتلفزيون العالميين، لتقديم مجموعة من القصص الكلاسيكية للأطفال المرضى؛ بهدف منحهم لحظات من الراحة والطمأنينة والخيال داخل أروقة المستشفى.

الممثل آندي غارسيا (غريغ غورمان)

ويضم المشروع، الذي يقدم عشر قصص مستوحاة من أشهر حكايات «إيسوب»، مشاركة عدد من الأسماء البارزة في عالم الفن، من بينهم الممثل الأميركي وينستون ديوك، المعروف بأدواره في سلسلة أفلام «المنتقمون»، وآندي غارسيا، الذي أدى صوت شخصية «إدواردو» في فيلم الرسوم المتحركة «Rio 2»، إضافة إلى النجم الحائز جائزة الأوسكار ماثيو ماكونهي، صاحب صوت شخصية «باستر مون» في فيلمي «Sing» و«Sing 2».

ويعتمد المشروع على قوة الأصوات المألوفة لدى الأطفال؛ إذ جرى اختيار رواة ارتبطت أصواتهم بشخصيات كرتونية وأفلام عائلية محبوبة، بما يعزز شعور الأطفال بالألفة والراحة النفسية خلال فترة العلاج. كما تضم النسخة الإيطالية أصوات الممثلين الذين قدموا شخصيات شهيرة مثل «ويني الدبدوب» و«بيبا بيغ» و«دونكي» من فيلم «شريك» و«موفاسا» من «الأسد الملك»؛ لتمنح المستمعين الصغار تجربة قريبة من عالمهم المفضل.

الممثل وينستون ديوك (غريغ غورمان)

وتستند المجموعة القصصية إلى حكايات خالدة، مثل «الثعلب والعنب» و«النملة والجرادة»، والتي اختيرت لما تحمله من رسائل إيجابية وقيم تربوية بسيطة وسهلة الفهم للأطفال. وقد تم تسجيل معظم القصص في روما باللغتين الإنجليزية والإيطالية، لتكون متاحة لشريحة واسعة من المرضى الصغار.

ويأتي إطلاق المشروع في مستشفى «جيميلي» الجامعي، الذي يستقبل سنوياً نحو 20 ألف طفل لتلقي الرعاية الطبية، في إطار جهود تهدف إلى تخفيف التوتر والضغوط النفسية المرتبطة بالإقامة في المستشفيات، من خلال إعادة إحياء «حكاية ما قبل النوم» التي ترتبط لدى الأطفال بالدفء العائلي والأمان.

وتقف خلف المبادرة مجموعة «روكو فورتي» للفنادق بالتعاون مع شركة الإنتاج الصوتي «سوني لاب»، إلى جانب عدد من المؤسسات الخيرية الإيطالية، في خطوة تسعى إلى توظيف الفن وصوت المشاهير كوسيلة لدعم الصحة النفسية للأطفال وعائلاتهم خلال فترات العلاج الطويلة.