سوق العتبة الشعبي بالقاهرة ينفض «غبار العشوائية» ويستعيد رونقه

الباعة يروون لـ«الشرق الأوسط» رحلة «مغادرة الأرصفة»

باعة سوق العتبة أبدوا حالة من السعادة بعد مشروع تطوير الميدان (الشرق الأوسط)
باعة سوق العتبة أبدوا حالة من السعادة بعد مشروع تطوير الميدان (الشرق الأوسط)
TT

سوق العتبة الشعبي بالقاهرة ينفض «غبار العشوائية» ويستعيد رونقه

باعة سوق العتبة أبدوا حالة من السعادة بعد مشروع تطوير الميدان (الشرق الأوسط)
باعة سوق العتبة أبدوا حالة من السعادة بعد مشروع تطوير الميدان (الشرق الأوسط)

في أحد أركان سوق العتبة الشعبي بوسط القاهرة، وأمام طاولته الخشبية المُزخرفة، التي تسلَّمها قبل ساعات، يقف العم سليمان عبد الكريم، بائع الأحذية الرياضية، والسعادة تملأ وجهه، قائلاً: «لم أكن أصدق أنني سأعيش لأرى العتبة بهذا الشكل الرائع».

فقبل أشهر قليلة، كان الرجل الستيني، والعشرات غيره من باعة السوق الشهير، يفرشون بضاعتهم، التي تتراوح بين مختلف أنواع الملابس الرجالية والنسائية والأحذية والحقائب وغيرها، في نهر الطريق أو يحتلون الأرصفة، مما جعل السوق يعاني من ويلات الزحام والتكدس المروري، على مدى أعوام طويلة.

مشروع تطوير سوق العتبة تضمن إضاءة حديثة تبرز الطابع الجمالي للمكان (الشرق الأوسط)

الآن، تحول الأمر إلى النقيض في 3 شوارع كانت بؤرة تجمع الباعة بالسوق، هي: (يوسف نجيب والجوهري والعتبة الخضراء)، حيث افتتح رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، الثلاثاء الماضي، مشروع تطوير سوق العتبة، في إطار خطة تحديث الأسواق العشوائية والحفاظ على المناطق التراثية ذات الطابع المميز، وتنظيم الحركة التجارية في الأسواق العشوائية.

في مارس (آذار) الماضي، أعلنت الحكومة المصرية بدء تنفيذ المرحلة الأولى من تطوير سوق العتبة، والتي انتهت بتجهيز 473 طاولة للباعة الجائلين بدلاً من الفرشات العشوائية، ليتحول السوق إلى نموذج حضاري يجمع بين الأصالة والمعاصرة، ويعيد الحياة إلى أحد رموز القاهرة التجارية العريقة.

يقف سليمان خلف طاولته، التي تحمل رقم 383، مُستقبلاً زبائنه، مُبتهجاً بما تحقق، بعد أن ظل بائعاً لمدة 30 عاماً تحت أشعة الشمس، التي يحمل آثارها على وجهه الأسمر، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «كنا نبيع تحت الشمس الحارقة والمطر، الآن لدينا سقف يحمينا وواجهة محترمة، وشارع يتسع للسير والتسوق ومرور السيارات بخلاف الماضي».

راعى التطوير ترك ممر رئيسي بعرض 4 أمتار لتيسير حركة سيارات الطوارئ في الشوارع الثلاثة، خصوصاً مع سابقة وقوع حرائق متكررة شهدتها المنطقة خلال الأعوام الماضية، كما تم تنفيذ شبكات المرافق (الصرف الصحي، والمياه، والكهرباء، والاتصالات)، ورصف الأرضيات بـ«الإنترلوك»، وتركيب مظلات مقاومة للحريق، وإضاءة حديثة تبرز الطابع الجمالي للمكان، وتركيب كاميرات مراقبة لتعزيز الأمن والسلامة داخل السوق.

حركة تجارية منتظمة في شارع يوسف نجيب المُطّور بعيداً عن العشوائية والفوضى (الشرق الأوسط)

يتداخل في الحديث البائع الستيني ممدوح إسماعيل، الذي يجاور زميل عُمره سليمان، حيث يقول بائع الأحذية النسائية من خلف طاولته رقم 381، بعد أن انتهى من تقبيل النقود التي أعطتها له إحدى زبوناته، كعادة مصرية عن الامتنان وشكر النعمة: «المكان أصبح نظيفاً، لم نكن نحلم بهذا، أبيع في العتبة منذ 40 عاماً، عشتها على الأرصفة؛ لذا نشكر المسؤولين الذين وفروا لنا أماكن آدمية، فهذه التجارة تفتح مئات البيوت».

مع انتهاء كلماته التفّ من حوله هو وجاره العشرات من الباعة، الذين أطلّت السعادة من وجوههم جميعاً، طالبين من عدسة «الشرق الأوسط» أن توثّق فرحتهم، لما آل إليه حالهم بعد سنوات من تعرضهم لمصادرة بضاعتهم، وفرض الغرامات عليهم. في خلفية صورة «الباعة السُعداء»، ظهرت المحال التجارية ربما لأول مرة للمتجول في الشوارع المُطّورة، بعد أن حجبها الباعة ببضاعتهم المُعلقة بعشوائية لسنوات طويلة، حيث تطورت هي الأخرى لتكون بمثابة مرآة لتحول حضاري في قلب القاهرة.

مشروع تطوير سوق العتبة جاء في إطار خطة الحكومة المصرية للحفاظ على المناطق التراثية المميزة (رئاسة مجلس الوزراء)

الثلاثيني إبراهيم حسن، وهو مستأجر لأحد المحال التي تم تجديدها بشارع يوسف نجيب، من بين 105 محال تجارية خضعت للتطوير، يوضح لـ«الشرق الأوسط» أنه «لأول مرة يظهر سوق العتبة في شكل منظم بعيداً عن العشوائية»، مشيراً إلى أن «جميع المحال التجارية خضعت لعملية ترميم وتصميم للواجهات واللافتات، ما أعاد لها الحياة مجدداً، بعد أن كانت مختفية بفعل احتلال الباعة للأرصفة والشوارع». وتابع بينما يرتّب بضاعته: «الآن أستقبل زبائني داخل محل أنيق، مضاء جيداً، يحمل واجهة حضارية».

امتد تطوير المكان إلى ترميم ورفع كفاءة 4 عقارات ذات طراز معماري متميز، وتجديد 11 عقاراً مطلاً على السوق، أبرزها عمارة «تيرنيج» الشهيرة، التي تعد تحفة معمارية في أعلاها كُرة تحملها 4 تماثيل، وتم بناؤها على يد المهندس المعماري النمساوي أوسكار هورويتز. وحسب بيان سابق، أوضحت محافظة القاهرة أنه تم استعادة معالم المبنى بالاستعانة بصوره القديمة، واستكمال الزخارف والحليات والزجاج والرخام والكرانيش المفقودة، وتم ترميم القبة، ورفع كفاءة مجسم الكرة الأرضية والتماثيل الأربعة التي تحمله.

رئيس الوزراء المصري يتحدث إلى الباعة خلال افتتاحه سوق العتبة عقب تطويره (رئاسة مجلس الوزراء)

خلال افتتاح المشروع، قالت وزيرة التنمية المحلية المصرية، منال عوض، إن التطوير، الذي بلغت تكلفته 50 مليون جنيه (نحو مليون دولار)، تم فيه التنسيق الكامل مع التجار وأصحاب المحلات للوصول إلى تصميمات تراعي متطلباتهم وتوفر بيئة عمل منظمة وآمنة. كما أشارت إلى استهداف تهيئة بيئة تجارية آمنة وحضارية تدعم دمج الأنشطة غير الرسمية في الاقتصاد الرسمي، فضلاً عن رفع القيمة الاقتصادية والاستثمارية لوسط القاهرة.

محمد سيد، البائع الثلاثيني، يؤكد لـ«الشرق الأوسط»، أنه الآن يقف ثابتاً في مكانه الجديد، غير مضطر للخوف من الملاحقات التي تقوم بها الجهات الأمنية على فترات متفاوتة، مضيفاً: «طاولتي حالياً مُرخصة بشكل رسمي، وسوق العتبة تحول من سوق شعبي عشوائي إلى مركز تجاري منظم وآمن، مما يزيد الإقبال علينا من الزبائن؛ لأن كثيراً من الأزواج كانوا يمنعون زوجاتهم من التوجه للسوق المزدحم خوفاً عليهن». يختتم سيد حديثه وهو ينقّر بأصابعه إيقاعات راقصة على طاولته الجديدة، مُردداً بابتسامة واثقة وحماس كبير مقولة مصرية تحمل الكثير من الأمل والتفاؤل: «الخير هيزيد... والأشية هتبقى معدن».


مقالات ذات صلة

وول ستريت تحافظ على استقرارها ترقباً للتطورات الجيوسياسية

الاقتصاد متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ب)

وول ستريت تحافظ على استقرارها ترقباً للتطورات الجيوسياسية

حافظت الأسهم الأميركية على استقرارها، يوم الثلاثاء، بعدما دعمت نتائج قوية لشركات كبرى، مثل «يونايتد هيلث»، معنويات المستثمرين، في وقت استقرت فيه أسعار النفط.

«الشرق الأوسط» (نيويورك )
خاص ميناء نيوم في السعودية (نيوم)

خاص ميناء نيوم يُعيد رسم خريطة التجارة العالمية من شمال السعودية

في الخامس عشر من أبريل نشرت شركة «نيوم» السعودية على منصة «إكس» تغريدة لافتة تحمل رسالة مختصرة وبالغة الدلالة: «أوروبا - مصر - نيوم - الخليج: طريقك الأسرع».

زينب علي (الرياض)
الاقتصاد شخص يتحدث هاتفياً في أثناء مروره قرب مبنى بورصة نيويورك (إ.ب.أ)

العقود الآجلة للأسهم الأميركية ترتفع بدعم تفاؤل الذكاء الاصطناعي

ارتفعت العقود الآجلة لمؤشرات الأسهم الأميركية يوم الثلاثاء، مدعومة بتجدد التفاؤل حول قطاع الذكاء الاصطناعي، مما ساعد في تعزيز معنويات الأسواق.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد رسم بياني لمؤشر الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرانكفورت (رويترز)

الأسهم الأوروبية ترتفع بشكل طفيف وسط تفاؤل حذر بمحادثات السلام

سجلت الأسهم الأوروبية ارتفاعاً طفيفاً يوم الثلاثاء، بعد خسائر في الجلسة السابقة، وسط تفاؤل حذر لدى المستثمرين بشأن استمرار مفاوضات السلام في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي يصافح الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ عقب توقيع مذكرات تفاهم واتفاقيات بين بلديهما. نيودلهي (أ.ب)

سيول ونيودلهي تستهدفان رفع التبادل التجاري إلى 50 مليار دولار بحلول 2030

تعهَّد الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي الجانبان بمضاعفة حجم التبادل التجاري الثنائي تقريباً.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي )

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
TT

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)

غيّب الموت سيدة الشاشة الخليجية، الفنانة الكويتية حياة الفهد، عن عمر ناهز الـ78 عاماً.

عاشت الراحلة منذ بداياتها الأولى في ستينات القرن الماضي حتى رحيلها أمس، عبر الشاشة في بيوت الخليجيين، وتركت خلفها تاريخاً فنياً عصياً على النسيان.

بدأت الفهد رحلتها الفنية في وقت كان فيه حضور المرأة الخليجية في مجال التمثيل محدوداً ومحاطاً بحساسيات اجتماعية، ورغم ذلك دخلت المجال بخطوات مترددة لكنها حاسمة، وشقّت طريقها في بيئة لم تكن مهيأةً بالكامل لتقبّل هذا الحضور النسائي، وهو ما جعل تجربتها الأولى تتجاوز فكرة «الدور» إلى معنى أوسع في كسر الحاجز، وفتح الباب.


مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
TT

مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)

أعلن علماء، الثلاثاء، أن مركبة «كيوريوسيتي» المتنقلة التابعة لوكالة «ناسا» اكتشفت المزيد من «لبنات الحياة» على سطح المريخ، وذلك بعد إجراء تجربة كيميائية لم يسبق لها مثيل على أي كوكب آخر، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأكد الفريق الذي تقوده وكالة «ناسا» أن الجزيئات العضوية ليست دليلاً قاطعاً على وجود حياة سابقة؛ إذ يحتمل أنها تشكلت على سطح المريخ أو سقطت نتيجة اصطدامها بالنيازك.

إلا أنها تكشف عن أن هذه المؤشرات حفظت في الصخور لأكثر من ثلاثة مليارات عام، عندما كان يعتقد أن الكوكب يضم مياهاً سائلة، وفق ما نشرت مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز».

وحملت «كيوريوسيتي»، وهي بحجم سيارة، أنبوبين من مادة كيميائية تسمى TMAH وتستخدم لتحليل المواد العضوية ومعرفة مكوناتها.

وقالت عالمة الأحياء الفلكية العاملة في مهمة «كيوريوسيتي» إيمي ويليامز لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «هذه التجربة لم تجرَ من قبل على كوكب آخر».

وأكدت ويليامز، وهي المؤلفة الرئيسية لدراسة تصف النتائج، أن الفريق «يرى لبنات الحياة، كيمياء ما قبل حيوية على المريخ، محفوظة في هذه الصخور منذ مليارات السنين».

هبطت مركبة «كيوريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» في قاع بحيرة سابقة تسمى فوهة غيل عام 2012، ومنذ ذلك الحين وهي تبحث عن دلائل على وجود حياة سابقة محتملة.

وخلال تجربة أجريت عام 2020 باستخدام مادة TMAH، تم رصد أكثر من 20 جزيئاً عضوياً، بينها مركب «بنزوثيوفين» الموجود أيضاً في النيازك والكويكبات.

وقالت ويليامز إن «المواد نفسها التي هطلت على المريخ من النيازك هي نفسها التي هطلت على الأرض، وربما وفرت اللبنات الأساسية للحياة كما نعرفها على كوكبنا».

وأشارت دراسة جديدة نشرت في مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز» إلى أن المهمات المستقبلية قد تستفيد من تجربة «كيوريوسيتي» التي أثبتت نجاح التجارب التي تستخدم مادة TMAH على عوالم أخرى.

وستحمل مركبة «روزاليند فرانكلين» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، والتي تتميز بحفارة أطول بكثير من «كيوريوسيتي»، هذه المادة الكيميائية إلى المريخ.

وأعلنت «ناسا»، الأسبوع الماضي، أن مركبة الفضاء التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية ستنطلق الآن نحو المريخ في أواخر عام 2028. وستكون المادة الكيميائية أيضاً على متن مركبة «دراغون» الدوارة، المقرر إطلاقها عام 2028 في مهمة لاستكشاف قمر تيتان التابع لكوكب زحل.


أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
TT

أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

يقطع المهندس المعماري محمد رجب يومياً أكثر من 30 كيلومتراً للذهاب إلى موقع عمله في الامتداد الصحراوي لمحافظة الجيزة (غرب القاهرة) حيث يشارك في بناء «كمبوند سكني فاخر»، وهو على يقين من أنه لا يمكنه أن يسكن فيه أو أي أحد من أولاده يوماً ما: «نبني لطبقات غنية. أما نحن فنسكن في إحدى المناطق الشعبية في الجيزة».

ويذكر أن شعور رجب بالتفاوت الطبقي الكبير يتزايد كلما سمع عن الأرقام التي تباع بها الوحدات التي يشارك في بنائها، ويقارنها براتبه هو وأصدقائه حيث «الفيلا الواحدة تباع بـ50 مليون جنيه» (الدولار الأميركي يعادل نحو 52 جنيهاً)، «وهو مبلغ لن أتحصل عليه طوال حياتي المهنية داخل مصر».

ووفق خبراء إسكان وعلم اجتماع، فإن بعض المشروعات السكنية في مصر اعتمدت خلال العقود الماضية على تغذية «مشاعر الفصل الطبقي»، بأسلوب المساحات المعزولة والمغلقة. يقول رجب بنبرة يملؤها الشجن: «بعد الانتهاء من عملي، لن يسمح لي الأمن بدخول المكان الذي شاركت في بنائه».

وأطلقت شركة هشام طلعت مصطفى العقارية أخيراً أحدث مشروعاتها العقارية شرق القاهرة «The Spine»، بأسعار مرتفعة جداً، وهو ما عزاه أحد مندوبي المبيعات بالشركة إلى أنها «أول مدينة ذكية استثمارية تقوم بالكامل على الذكاء الاصطناعي في العالم»، وفق ما ذكره لـ«الشرق الأوسط» عند الاستفسار هاتفياً عن طبيعة وأسعار الوحدات بالمشروع.

أحد المشاريع في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وكان رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي وعدد من الوزراء قد شاركوا في مؤتمر صحافي للإعلان عن المشروع الضخم، السبت. وأثنى مدبولي عليه قائلاً إن «استثماراته تتجاوز 1.4 تريليون جنيه، ويوفر أكثر من 155 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة كما يحقق عوائد ضريبية تتجاوز 800 مليار جنيه».

ويصل سعر الوحدة الكبرى (3 غرف نوم) في مشروع «The Spine» بمساحة 116 متراً، 50 مليون جنيه، ويضم المشروع 165 برجاً، داخل «مدينتي» المشروع السابق للشركة، على مساحة 5 كيلومترات. بينما تُطرح نفس مساحة الوحدة في مشاريع أخرى لـ«طلعت مصطفى» بـ10 ملايين جنيه.

ويُرجع موظف قسم المبيعات ارتفاع سعر الوحدات في المشروع إلى «المزايا الكبيرة والمختلفة فيه، منها شبكة المواصلات الضخمة تحت الأرض، ما يضع أماناً إضافياً إذا ما رغب السكان في التجول، ويحافظ على البيئة. كما أن ساكنه لن يحتاج إلى إطلاق الأوامر حتى تشتغل الإضاءة أو التكييف أو غيرهما من المهام في المشاريع الذكية، يكفي أن يُدخل البيانات لأول مرة، ليعرف الذكاء الاصطناعي تفضيلاته، ويعمل كل شيء نيابة عنه، يفتح المصعد، وباب الوحدة، ويضبط التكييف والإضاءة، حتى قبل أن تصل إلى شقتك».

أما سعر الوحدة ذات غرفة النوم الواحدة، بمساحة 77 متراً، فتصل إلى 20 مليون جنيه. وتقدم الوحدات بنظام تقسيط، أقل مقدم حجز فيها 160 ألف جنيه للمكتب الإداري، و250 ألف جنيه للوحدة السكنية، مع قسط نحو 50 ألف جنيه شهرياً، إلى جانب دفعات سنوية بمتوسط نصف مليون جنيه.

ووُصفت هذه الأسعار عبر مستخدمي مواقع التواصل بـ«المبالغ فيها وغير المنطقية»، وسط انتقاد الاهتمام اللافت بالمشروعات العقارية والإسكان الفاخر وعدم التركيز على توطين الصناعة والتكنولوجيا.

دار الأوبرا داخل مدينة الفنون في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وتتعزز هذه الانتقادات في وقت وصل فيه التضخم في مصر إلى 15.2 في المائة على أساس سنوي في مارس (آذار) الماضي، مرتفعاً نحو 2 في المائة عن فبراير (شباط) الماضي. بالإضافة إلى ارتفاع نسب الفقر إلى 32.5 في المائة، وفق تقرير للبنك الدولي عن مستوى الفقر في مصر عام 2022. مقارنة بـ29.7 في المائة في العام المالي 2019-2020.

وخلال السنوات الخمس الماضية، تراجعت قيمة الجنيه أمام الدولار بشكل حادّ، وارتفعت معدلات التضخم لمستويات غير مسبوقة، إذ انخفضت قيمة الجنيه من 15.5 جنيه في 2020 إلى 50 جنيهاً في 2025، ما ترتب عليه انخفاض القوة الشرائية للمواطنين، ما دفع الحكومة المصرية إلى رفع الحد الأدنى للأجور للعاملين في القطاع العام ليصبح 8 آلاف جنيه مصري شهرياً اعتباراً من يوليو (تموز) المقبل.

ويرى الكاتب الاقتصادي والخبير في أسواق المال، محمد مهدي عبد النبي، أن «المشروع الأحدث يعكس توجهاً من الدولة لفتح سوق عقارات دولي في مصر، لجذب عملة صعبة تساعد على تحسين أزمة العملة الأجنبية في مصر، ما سيؤثر إيجابياً على الاقتصاد الكلي، لكن في الوقت نفسه سينعكس سلباً على أسعار العقارات التي تستطيع شراءها الطبقة الوسطى، وسيزيد نسب التضخم في المجال العقاري».

ويتوقع عبد النبي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «أن يكون الأجانب، وبعض المواطنين العرب وبعض المصريين في الخارج الذين راكموا ثروات كبيرة، هم القادرين وحدهم على الشراء في مشروعات الإسكان الفاخر بمصر، أي أنه يستهدف ذوي الملاءة المالية الواسعة».

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

وهو ما أكّده موظف المبيعات في مجموعة «طلعت مصطفى»: «نستهدف بشكل أساسي الأجانب والعرب، لشراء الوحدات التي سيتم تسليم أول دفعة فيها بعد 5 سنوات».

الباحثة الثلاثينية منى محمد، تابعت الإعلانات التي تروج لمشروعات الإسكان الفاخر بالآونة الأخيرة، وقالت: «عانيت قبل عامين خلال رحلة بحثي عن شراء شقة بمنطقة حدائق الأهرام (غرب القاهرة)، ولأن المبلغ المطلوب كان (مليون جنيه) أكبر من إمكاناتي المادية أنا وزوجي، اضطررت لبيع مصوغاتي الذهبية والاقتراض حتى نتمكن من دفع ثمنها».

وتعلق منى على مشروعات الإسكان الفاخر، وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا النوع من المشاريع يستفز مشاعر أبناء الطبقات الوسطى والدُنيا حتى الطبقة الغنية، التي ستجد نفسها جارة لطبقات أكثر رفاهية، وتتمتع بمزايا ليست لديها، وغالباً سيكونون من غير المصريين».

واعتبر رئيس الوزراء المصري مشروع «The Spine»: «عالمياً بكل المقاييس، ويحقق نقلة حقيقية في شكل التنمية العمرانية والنمو الاقتصادي للدولة المصرية».

ويرى الباحث في الإنثروبولوجيا، وليد محمود، أن «الكومباوندات السكنية أصبحت جزءاً بارزاً من المشهد العمراني في مصر، تعكس طموحاً نحو حياة أكثر تنظيماً ورفاهية، معتمدة على الخصوصية، والخدمات المتكاملة، والمساحات الخضراء، ما يجذب شريحة واسعة من الطبقة المتوسطة العليا والطبقة الميسورة للإقامة فيها».

خبراء يرون أن المساكن المرفهة تعمّق الهوة الاجتماعية في مصر (شركة طلعت مصطفى)

وأضاف محمود لـ«الشرق الأوسط» أنه «بعيداً عن الصورة المثالية التي تروج لها الحملات الإعلانية، يبرز تساؤل مشروع حول التأثيرات الاجتماعية لهذه الظاهرة، التي تعزز فكرة الانفصال الطبقي، وتخلق تصوراً بأن الحياة الأفضل لا تتحقق إلا داخل هذه الأسوار»، مشدداً على أن «الأزمة لا تقتصر على مفهوم الكمبوندات، بل في اتساع الفجوة بين أنماط السكن المختلفة، وما يصاحبها من شعور متزايد بعدم التكافؤ». على حدّ تعبيره.