التباعد الاجتماعي ليس ابتكاراً بشرياً... النمل طبّقه أولاً

يُعدّل هندسة أعشاشه للحدّ من انتشار الأمراض داخل مستعمراته

شيفرة النجاة أتقنها النمل قبل البشر (د.ب.أ)
شيفرة النجاة أتقنها النمل قبل البشر (د.ب.أ)
TT

التباعد الاجتماعي ليس ابتكاراً بشرياً... النمل طبّقه أولاً

شيفرة النجاة أتقنها النمل قبل البشر (د.ب.أ)
شيفرة النجاة أتقنها النمل قبل البشر (د.ب.أ)

عندما اجتاحت جائحة «كورونا» العالم قبل سنوات، اتّبع البشر قواعد التباعد الاجتماعي لتجنُّب مخالطة المرضى ونقل العدوى وانتشار المرض، فأقاموا الحواجز الشفَّافة بين الموظفين والمتعاملين في المصالح والبنوك، وأوجدوا نظام العمل من المنزل، وأنظمة التعليم عبر الدوائر المغلقة، وانتشرت في الأماكن العامة لافتات تدعو إلى ترك مسافات آمنة لا تقلّ عن 6 أقدام بين الواقفين أو الجالسين في المكان نفسه. غير أنّ دراسة حديثة أثبتت أنّ البشر ليسوا أول مَن عرف قواعد التباعد الاجتماعي في مواجهة الأمراض والأوبئة، وأنّ بعض المخلوقات تتّبع الممارسات نفسها بشكل تلقائي وغريزي في حالة التعرُّض لأي جائحة أو مرض وبائي.

ووفق «وكالة الأنباء الألمانية»، قد يتبادر إلى الذهن في بادئ الأمر أنّ قرود الشمبانزي أو البابون هي التي تراعي قواعد التباعد الاجتماعي عند التعرُّض للمرض أو الوباء، بكونها الأقرب إلى الإنسان من بين سائر المخلوقات لجهة معدّلات الذكاء والسمات الاجتماعية، وإنما المدهش أنّ فريقاً بحثياً بريطانياً توصَّل إلى أنّ النمل يُجري تعديلات هندسية على أعشاشه في حالة الأمراض لتجنُّب انتشار العدوى، إذ يُقيم أعشاشاً أكثر اتّساعاً ويجعل لها مداخل ومخارج على مسافات متباعدة، ولا يحفر ممرات مباشرة تربط بين الغرف داخل العشّ الواحد.

ويقول الباحث في مجال العلوم الحيوية بجامعة بريستول البريطانية، لوك ليكي: «كنا نعرف بالفعل أنّ النمل يُعدّل سلوكيات الحفر لديه وفق عوامل معيّنة مثل نوع التربة ودرجات الحرارة، ولكن هذه هي المرة الأولى التي يتّضح فيها أنّ مخلوقات غير بشرية يمكن أن تُجري تعديلات على تركيبة البيئة التي تعيش فيها من أجل الحدّ من انتشار المرض».

وفي إطار الدراسة التي نشرتها الدورية العلمية «ساينس»، وضع فريق الباحثين 180 نملة داخل أوعية تحتوي على كميات من التربة مع السماح لها ببناء عشّها على مدار يوم كامل، ثم وضعوا 20 نملة أخرى في كلّ وعاء من الأوعية، من بينها 10 نملات مُصابة بطفيليات معينة، خصوصاً بؤراً فطرية. وترك الباحثون النمل يواصل بناء أعشاشه لمدة 6 أيام أخرى، مع متابعة عملية البناء بواسطة تقنية التصوير المقطعي الدقيق التي تتيح للعلماء رؤية هيكل العشّ تحت الأرض بشكل مجسّم، بغرض إجراء قياسات تتعلَق بشكل البناء ومعدل التقدّم في العمل.

ووجد الباحثون أنّ الأعشاش التي أقامتها المجموعات التي تضم نملات مريضة تحتوي على غرف أوسع وممرات أطول، ولها مداخل على مسافات متباعدة، ولا توجد ممرات مباشرة تربط بين غرفها المختلفة. وقال ليكي في تصريح للموقع الإلكتروني «بوبيولار ساينس» المتخصّص في البحوث العلمية إنّ «جميع هذه التعديلات الهندسية تهدف إلى الحدّ من انتشار العدوى»؛ إذ وجد الباحثون أنّ هذه التعديلات توفّر الحماية للغرف التي تحتوي على مخزونات الغذاء أو تؤوي يرقات النمل.

ومن أجل اختبار صحة هذه الفرضية، أجرى الباحثون تجربة محاكاة لانتشار المرض في نماذج ثلاثية البُعد لأعشاش النمل بعد 6 أيام من دخول العدوى إلى العشّ، وأثبتت التجربة بالفعل أنّ التعديلات الهندسية التي أجرتها مجموعة النمل التي تضم بين عناصرها نملات مريضة قلَّلت بالفعل من معدلات انتشار المرض داخل الخليّة. ويقول ليكي إنه في حين أنّ هذه التعديلات كان لها تأثير محدود في انتشار المرض، فإنّ النمل المُصاب بالمرض كان يعزل نفسه بشكل تلقائي.

ويؤكد الباحث أنّ تجربة المحاكاة أثبتت أنه في حالة وجود عدوى داخل الخليّة، يُجري النمل تعديلات هندسية على بناء العشّ، مع مراعاة آليات التباعد الاجتماعي بشكل متزامن للحدّ من انتشار المرض. ويوضح أنّ النمل لا يبني أعشاشاً تراعي قواعد مكافحة العدوى بشكل تلقائي، بل يراعي هذه المعايير فقط في حالات الأمراض والأوبئة، نظراً إلى أنه، على غرار البشر، يحتاج إلى بناء أعشاش أو مساكن تتيح سهولة تبادل المعلومات ونقل الموارد والتواصل المباشر بين أفراد الخلية الواحدة.

وكانت دراسة سابقة أُجريت في جامعة بريستول أيضاً قد أثبتت أنّه بمجرد التعرُّض لعدوى فطرية، يحرص النمل المُصاب على قضاء وقت أطول خارج الخليّة للحيلولة دون انتشار المرض. كما يبدأ زيادة المسافات بينه وبين النمل غير المريض لمنع العدوى. وأكدت الباحثة ناتالي سترويمايت من جامعة بريستول أنّ النمل يوظّف قواعد التباعد الاجتماعي بشكل غريزي للدفاع عن أعشاشه، مشيرةً إلى أنه «يطوّر ردود فعل سريعة وفعّالة لمكافحة الطفيليات، وتُقلّل هذه الإجراءات بشكل كبير من مخاطر انتشار العدوى داخل أعشاشه».

وأضافت: «عن طريق إعادة تنظيم الهيكل الاجتماعي في غضون ساعات من رصد العدوى، يُقلّل النمل من احتمالات تفاقم المرض بين أفراد العشّ الواحد، ويسيطر على مسارات انتشاره واحتمالات وصوله إلى ملكة النمل أو العاملات الصغار، وهو ما يكفل نجاح مستعمرة النمل واستمرارها على المدى الطويل». وأكدت الباحثة أنّ «النمل يُعدّل سلوكياته ويقدّم تضحيات من أجل ضمان استمرارية المستعمرة، وذلك بالطبع هو نفسه ما كان يفعله البشر خلال مرحلة انتشار الجائحة».


مقالات ذات صلة

خطط مصرية لدعم السياحة بمسار «رحلة العائلة المقدسة»

يوميات الشرق دير المحرق بأسيوط من مسار رحلة العائلة المقدسة (وزارة السياحة والآثار)

خطط مصرية لدعم السياحة بمسار «رحلة العائلة المقدسة»

بالتزامن مع إحياء ذكرى مرور العائلة المقدسة إلى أرض مصر، استضاف المتحف القبطي بالقاهرة ندوة بعنوان «مبارك شعبي مصر» لتسليط الضوء على أحد المسارات الدينية.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق أمام إحدى لوحاته «غراند كانيون عن قرب» في مركز جورج بومبيدو بباريس (رويترز)

رحيل ديفيد هوكني... الرّسام الذي أعاد الاعتبار للفن التشخيصي عن 88 عاماً

ظلَّ ديفيد هوكني فناناً غزير الإنتاج على نحو استثنائي، وواصل العمل الإبداعي حتى سنواته الأخيرة.

هولاند كوتير (لندن)
يوميات الشرق كلما ظنَّ الإنسان أنه رأى كلَّ شيء... فاجأه البحر (جامعة أستراليا الغربية لبحوث أعماق البحار)

«أبشع سمكة قرش على وجه الأرض» تظهر حيّةً في أعماق المحيط

وثَّق علماء ظهوراً نادراً لأسماك «قرش العفريت» في بيئتها الطبيعية بأعماق المحيط، في أول مشاهدة مباشرة لهذا النوع الغامض وهو حيّ في موطنه الأصلي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق الطبيعة أيضاً تضع شروطها (غيتي)

شاطئ إيطالي يسمح بالمظلات للأطفال والمسنّين فقط

أُبلغ زوار أحد الشواطئ الخلّابة في جزيرة سردينيا الإيطالية بأنه لن يُسمح لهم بنصب المظلّات الشمسية إلا إذا كانوا برفقة أطفال دون العاشرة أو كانوا فوق 65 عاماً.

«الشرق الأوسط» (سردينيا - إيطاليا)
يوميات الشرق يعقوب الفرحان في مشهد من فيلمه الجديد (الشرق الأوسط)

يعقوب الفرحان: أتبع شعوري في اختيار الأدوار

يتحدث يعقوب الفرحان عن فيلمه الجديد «مسألة حياة أو موت»، كاشفاً عن رؤيته للفن والنجاح والعاطفة، وموقفه من استمرار ارتباط الجمهور بشخصية «رشاش».

إيمان الخطاف (الدمام)

نجوم هوليوود يروون الحكايات لأطفال مستشفى في روما

غلاف كتاب «قصص ما قبل النوم» (الشرق الأوسط)
غلاف كتاب «قصص ما قبل النوم» (الشرق الأوسط)
TT

نجوم هوليوود يروون الحكايات لأطفال مستشفى في روما

غلاف كتاب «قصص ما قبل النوم» (الشرق الأوسط)
غلاف كتاب «قصص ما قبل النوم» (الشرق الأوسط)

في مبادرة إنسانية تستهدف دعم الأطفال خلال رحلتهم العلاجية، أُطلق مشروع «قصص ما قبل النوم» الصوتي في مستشفى «جيميلي» الجامعي في روما، مستعيناً بأصوات نخبة من نجوم السينما والتلفزيون العالميين، لتقديم مجموعة من القصص الكلاسيكية للأطفال المرضى؛ بهدف منحهم لحظات من الراحة والطمأنينة والخيال داخل أروقة المستشفى.

الممثل آندي غارسيا (غريغ غورمان)

ويضم المشروع، الذي يقدم عشر قصص مستوحاة من أشهر حكايات «إيسوب»، مشاركة عدد من الأسماء البارزة في عالم الفن، من بينهم الممثل الأميركي وينستون ديوك، المعروف بأدواره في سلسلة أفلام «المنتقمون»، وآندي غارسيا، الذي أدى صوت شخصية «إدواردو» في فيلم الرسوم المتحركة «Rio 2»، إضافة إلى النجم الحائز جائزة الأوسكار ماثيو ماكونهي، صاحب صوت شخصية «باستر مون» في فيلمي «Sing» و«Sing 2».

ويعتمد المشروع على قوة الأصوات المألوفة لدى الأطفال؛ إذ جرى اختيار رواة ارتبطت أصواتهم بشخصيات كرتونية وأفلام عائلية محبوبة، بما يعزز شعور الأطفال بالألفة والراحة النفسية خلال فترة العلاج. كما تضم النسخة الإيطالية أصوات الممثلين الذين قدموا شخصيات شهيرة مثل «ويني الدبدوب» و«بيبا بيغ» و«دونكي» من فيلم «شريك» و«موفاسا» من «الأسد الملك»؛ لتمنح المستمعين الصغار تجربة قريبة من عالمهم المفضل.

الممثل وينستون ديوك (غريغ غورمان)

وتستند المجموعة القصصية إلى حكايات خالدة، مثل «الثعلب والعنب» و«النملة والجرادة»، والتي اختيرت لما تحمله من رسائل إيجابية وقيم تربوية بسيطة وسهلة الفهم للأطفال. وقد تم تسجيل معظم القصص في روما باللغتين الإنجليزية والإيطالية، لتكون متاحة لشريحة واسعة من المرضى الصغار.

ويأتي إطلاق المشروع في مستشفى «جيميلي» الجامعي، الذي يستقبل سنوياً نحو 20 ألف طفل لتلقي الرعاية الطبية، في إطار جهود تهدف إلى تخفيف التوتر والضغوط النفسية المرتبطة بالإقامة في المستشفيات، من خلال إعادة إحياء «حكاية ما قبل النوم» التي ترتبط لدى الأطفال بالدفء العائلي والأمان.

وتقف خلف المبادرة مجموعة «روكو فورتي» للفنادق بالتعاون مع شركة الإنتاج الصوتي «سوني لاب»، إلى جانب عدد من المؤسسات الخيرية الإيطالية، في خطوة تسعى إلى توظيف الفن وصوت المشاهير كوسيلة لدعم الصحة النفسية للأطفال وعائلاتهم خلال فترات العلاج الطويلة.


تقنية مبتكرة من مخلّفات القطن لتنقية المياه

مخلّفات قشور القطن تنتج عن بقايا العمليات الزراعية المرتبطة بالمحصول (جامعة ولاية ميسيسيبي)
مخلّفات قشور القطن تنتج عن بقايا العمليات الزراعية المرتبطة بالمحصول (جامعة ولاية ميسيسيبي)
TT

تقنية مبتكرة من مخلّفات القطن لتنقية المياه

مخلّفات قشور القطن تنتج عن بقايا العمليات الزراعية المرتبطة بالمحصول (جامعة ولاية ميسيسيبي)
مخلّفات قشور القطن تنتج عن بقايا العمليات الزراعية المرتبطة بالمحصول (جامعة ولاية ميسيسيبي)

طوَّر فريق بحثي في الصين تقنية جديدة تعتمد على تحويل مخلّفات القطن إلى مادة محفزة فعّالة قادرة على تحسين كفاءة تنقية المياه بشكل كبير. وأوضح الباحثون من جامعة شنيانغ الزراعية الصينية أن التقنية المبتكرة تقوم على تحويل مخلَّفات زراعية بسيطة إلى مادة عالية القيمة تُستخدم في تنقية المياه، بما يعزز مفهوم الاقتصاد الدائري ويحدّ من النفايات. ونُشرت النتائج، الخميس، في دورية «Biochar».

وتعتمد معالجة المياه بالأوزون على استخدام غاز الأوزون بوصفه مؤكسداً قوياً لقتل الكائنات الدقيقة وتفكيك الملوّثات العضوية في المياه، حيث يعمل على أكسدة المركبات الضارة وتحويلها إلى مواد أبسط وأقل خطورة، مما يحسِّن جودة المياه ويقلل الروائح واللون. ومع ذلك، فقد لا يكون الأوزون وحده كافياً في بعض الحالات لمعالجة الملوثات المستقرة أو المعقدة، لذلك تُستخدم محفزات إضافية لتعزيز كفاءته وتسريع التحلُّل الكامل للملوثات.

وتعتمد التقنية الجديدة على تحويل مخلَّفات القطن؛ وهي بقايا العمليات الزراعية المرتبطة بمحصول القطن، إلى مادة وظيفية متقدمة تُعرَف باسم الفحم الحيوي المطعَّم بالنيتروجين، والمصمَّم ليعمل محفِّزاً يعزز كفاءة معالجة المياه باستخدام الأوزون. ويُنتَج هذا الفحم الحيوي عبر عملية تحلل حراري للمخلَّفات الزراعية مع إضافة مصدر للنيتروجين مثل اليوريا، لإعادة تشكيل البنية السطحية للمادة.

وتمكَّن الباحثون من تطوير مادة محدَّدة من هذا الفحم الحيوي المطعَّم بالنيتروجين تُعرف باسم «N-BC-800» صُنِّعت من مخلَّفات القطن باستخدام اليوريا بوصفها مصدراً للنيتروجين، عبر عملية تحلل حراري من مرحلتين.

وأظهرت النتائج أن المادة الجديدة قادرة على رفع كفاءة معالجة المياه، بشكل ملحوظ، خصوصاً في إزالة مركب «ديت» (DEET)، وهو من أكثر المواد استخداماً في طرد الحشرات، ويُعد من الملوثات المستمرة في البيئات المائية وصعبة التحلل.

وتمكنت التقنية من إزالة نحو 74 في المائة من هذا المركب عند دمجه مع الأوزون، متفوقة، بشكل واضح، على استخدام الأوزون وحده أو الفحم الحيوي غير المعدَّل.

كما سجلت العملية زيادة كبيرة في سرعة التفاعل، إذ ارتفع معدل التفاعل بنحو 106 أضعاف، مقارنة بالأوزون وحده، ونحو 25 ضِعفاً مقارنة بالأوزون مع الفحم الحيوي التقليدي، مما يعكس تحسناً كبيراً في كفاءة المعالجة.

ووفق الدراسة، تكمن آلية العمل في أن المادة المحفزة لا تقوم بدور تنقية المياه، بشكل مباشر فحسب، بل تسهم في تنشيط جزيئات الأوزون داخل الماء، ما يحوِّلها إلى نظام أكسدة أكثر قوة وفاعلية. وينتج عن ذلك تكوين أنواع شديدة التفاعل من الأكسجين، مسؤولة عن تفكيك الروابط الكيماوية في الملوثات العضوية المعقدة.

وأوضح الباحثون أن هذا الأداء المتميز يعود إلى التعديل الكيماوي لسطح الفحم الحيوي، حيث أسهم إدخال النيتروجين في زيادة المساحة السطحية وتحسين انتقال الإلكترونات.

ولم تقتصر فاعلية المادة على مركب «ديت»، بل أثبتت كفاءتها أيضاً في إزالة ملوثات دوائية وزراعية أخرى، مثل الإيبوبروفين، والكيتوبروفين، والأترازين، والبريميدون، مما يعزز إمكانية استخدامها، على نطاق واسع، في معالجة المياه الملوثة.

كما أظهرت التجارب أن المادة الجديدة تتمتع بدرجة جيدة من الاستقرار، إذ احتفظت بنحو 80 في المائة من نشاطها بعد 5 دورات استخدام متتالية، وظلَّت فعَّالة حتى في مياه الصرف الحقيقية، مع احتفاظها بنحو 73 في المائة من كفاءتها.


«روتردام للفيلم العربي» يراهن على سينما المهجر وحقوق الإنسان

لبلبة خلال التكريم (فيسبوك المهرجان)
لبلبة خلال التكريم (فيسبوك المهرجان)
TT

«روتردام للفيلم العربي» يراهن على سينما المهجر وحقوق الإنسان

لبلبة خلال التكريم (فيسبوك المهرجان)
لبلبة خلال التكريم (فيسبوك المهرجان)

يحتفي مهرجان روتردام للفيلم العربي بالسينما الفلسطينية في دورته الـ26، التي تُقام خلال الفترة من 10 إلى 14 يونيو (حزيران) الحالي. ويراهن المهرجان في هذه الدورة على سينما المهجر، ويولي اهتماماً خاصاً بالأفلام التي تعكس قضايا حقوق الإنسان. كما تشهد الدورة حضوراً لافتاً للسينما الفلسطينية، وهو حضور تحرص إدارة المهرجان على تكريسه في جميع دوراته.

وعكس ملصق الدورة هذا الاهتمام، إذ حمل دلالات رمزية مستوحاة من «أسطول الحرية»، وتضمّن صورة لـ26 زورقاً أبيض تشق مياه البحر. كما أهدى المهرجان هذه الدورة إلى أرواح 3 شخصيات راحلة، هي: الشاعر الفلسطيني محمد أبو ليل، أحد مؤسسي المهرجان، والمخرج المصري داود عبد السيد، والممثل التونسي فتحي الهداوي.

وشهد حفل الافتتاح، الذي أُقيم الأربعاء، تكريم عدد من نجوم السينما العربية، من بينهم الفنانة المصرية لبلبة، والفنان السوري جمال سليمان، والفنانة السورية ديما قندلفت، والفنان التونسي لمين النهدي، إلى جانب المخرج المصري خالد يوسف، الذي يترأس لجنة تحكيم مسابقة الأفلام الروائية الطويلة.

ويُنظّم المهرجان 3 مسابقات للأفلام الروائية الطويلة، والأفلام القصيرة، والأفلام الوثائقية الطويلة، بمشاركة نحو 70 فيلماً من 30 دولة.

وعبَّرت الفنانة لبلبة عن سعادتها بهذا التكريم، وقالت خلال تسلّمها درع المهرجان إنها تحضر للمرة الأولى، وإن هذه الزيارة تُعد الأولى لها إلى هولندا. ووجّهت الشكر إلى الجمهور الذي ساندها منذ طفولتها وحتى اليوم، كما شكرت كبار المخرجين الذين عملت معهم، مؤكدة أن لهم فضلاً كبيراً في مسيرتها الفنية. وأضافت أنه رغم مشاركتها في نحو 100 فيلم خلال مشوارها الفني، فإنها لا تزال تتطلع إلى تقديم أعمال جديدة وأدوار تنال إعجاب الجمهور.

وأكد مؤسس المهرجان، خالد شوكات، خلال حفل الافتتاح، أن «السينما العربية، والتونسية على وجه الخصوص، حققت نجاحات لافتة في المحافل الدولية، وأثبتت قدرتها على المنافسة عالمياً». في حين قال المدير الفني للمهرجان، روش عبد الفتاح، إن «المهرجان ظل، منذ تأسيسه، منحازاً للقضية الفلسطينية»، معتبراً أن السينما ليست مجرد مساحة للإبداع الفني، بل منصة للدفاع عن الحرية أيضاً.

الفنانة السورية ديما قندلفت حازت تكريماً من روتردام (فيسبوك المهرجان)

ويتضمن برنامج المهرجان العرض الأول لفيلم «وقائع زمن الحصار» للمخرج الفلسطيني عبد الله الخطيب، الذي يتناول مأساة «مخيم اليرموك» في سوريا وتجربة الشتات الفلسطيني، وذلك بعد مشاركته في الدورة الماضية من مهرجان برلين. كما يشارك فيلم «يسعدني أنك ميت» للمخرج الفلسطيني توفيق برهوم في مسابقة الأفلام القصيرة.

ويخصص المهرجان يوماً لفلسطين تحت عنوان «عين على فلسطين»، تُعرض خلاله 4 أفلام حظيت باهتمام واسع العام الماضي، هي: «صوت هند رجب»، و«اللي باقي منك»، و«فلسطين 36»، و«الطبيب الأخير». كما يسلّط الضوء على عدد من القضايا العربية من خلال فعاليات أخرى، من بينها «سوريا الجديدة» و«مبدعات عربيات».

ويُعد مهرجان روتردام للفيلم العربي من أعرق التظاهرات السينمائية العربية في أوروبا، ويتضمن برنامجه لهذه الدورة عدداً من الفعاليات الفنية والثقافية الموازية، من بينها «سوق الإنتاج» المخصص لدعم المواهب الشابة، و«السوق العربي» الذي يمتد على مدى 3 أيام، ويضم مأكولات عربية وشرقية، إلى جانب عروض موسيقية ومعرض للكتاب العربي.

المخرج خالد يوسف تكريم ورئاسة لجنة التحكيم (فيسبوك المهرجان)

وأشاد الناقد سيد محمود بمهرجان «روتردام للفيلم العربي»، وقال في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إن «المهرجان حقق تأثيراً لافتاً عبر دوراته الممتدة لأكثر من ربع قرن، بوصفه مهرجاناً فنياً يقوم على حسن اختيار أفلامه وضيوفه. ويتجلى ذلك في تكريمات هذا العام التي شملت فنانين ومخرجين أصحاب تاريخ سينمائي ومكانة راسخة في السينما العربية، فضلاً عن اهتمامه المستمر بالسينما الفلسطينية».

ورأى محمود أن مهرجانات السينما العربية في أوروبا، سواء في روتردام أو باريس أو مالمو، تمثل جسوراً مهمة للسينما العربية في الخارج، لا سيما في ظل وجود جاليات عربية كبيرة. وأضاف أن هذه المهرجانات توفر مساحة حيوية للمخرجين وصنّاع الأفلام، خصوصاً من بلدان المغرب العربي وفلسطين والعراق، لعرض أعمالهم والتعريف بها، فضلاً عن دورها الأبرز في تعزيز التواصل بين السينما العربية ومنجزاتها المتراكمة عبر عقود طويلة، ونظيرتها الأوروبية.

Your Premium trial has ended