«ما زلت ألعب»... فيلم ينقل مأساة فلسطين إلى الألعاب الإلكترونية

المخرج الجزائري محمد مصباح وصف عمله بأنه «رحلة عميقة»

مشهد من الفيلم (مهرجان لوكارنو)
مشهد من الفيلم (مهرجان لوكارنو)
TT

«ما زلت ألعب»... فيلم ينقل مأساة فلسطين إلى الألعاب الإلكترونية

مشهد من الفيلم (مهرجان لوكارنو)
مشهد من الفيلم (مهرجان لوكارنو)

وصف المخرج الجزائري - الفرنسي محمد مصباح تجربة فيلمه القصير «ما زلت ألعب» بأنها رحلة شخصية وفنية عميقة، بدأت منذ اللحظة التي قرر فيها تحويل القضايا الاجتماعية والسياسية إلى سرد بصري ملموس، مشيراً إلى أن فكرة الفيلم بدأت من اهتمامه بعالم الألعاب الإلكترونية، وارتباطه بفكرة نقل الواقع الصعب وتجارب البشر إلى فضاءات افتراضية قادرة على إيصال رسائل قوية دون أن تفقد العنصر الإنساني.

الفيلم القصير عرض للمرة الأولى ضمن فعاليات النسخة الماضية من مهرجان «لوكارنو» السينمائي وحصد جائزة «الفهد الفضي»، وهي الجائزة التي اعتبرها المخرج الشاب الذي يخوض أولى تجاربه الإخراجية بمنزلة «تقدير للجهد الذي بذله في توظيف السينما باعتبارها وسيلة للتعبير عن التجربة الإنسانية تحت ظروف الحرب والاحتلال».

تدور أحداث فيلم «ما زلت ألعب» حول حياة «رشيد»، وهو أب فلسطيني رفض المنفى، مفضلاً تربية أطفاله في وطنهم رغم القصف والحصار. كما تتناول تفاصيل الفيلم أيضاً قصة «رشيد» الذي يعمل مطوّراً لألعاب الفيديو، حيث يحول معاناة شعبه وتجربته الشخصية إلى عوالم افتراضية، تتسرب فيها المأساة إلى صناعة الترفيه.

الفيلم صُور باللغتين العربية والإنجليزية، مع ترجمة فرنسية، مستهدفاً بذلك جمهوراً غربياً قد يجهل حجم المأساة الفلسطينية، ليظهر من خلال قصة شخصية كيف يمكن للفن واللعب أن يصبحا وسيلتين للمقاومة والتواصل الإنساني العميق، وفق المخرج الشاب.

المخرج الجزائري محمد مصباح (الشرق الأوسط)

يقول مصباح لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أريد أن أرى كيف يمكن لشخص يعيش تحت القصف والحصار أن يجد مساحة للتعبير واللعب في الوقت نفسه، وكيف يمكن لهذه التجربة أن تتحول إلى مادة سينمائية غنية بالمعاني»، لافتاً إلى أن «العمل سعى لإيصال فكرة أن اللعب، ورغم كونه متعة للأطفال، يمكن أن يصبح أداة مقاومة سياسية وفنية في آن واحد».

كما أكد أن المشهد الذي يجسد فلسفة الفيلم بالكامل يظهر على شرفة المنزل، حيث ينظر «رشيد» إلى الأفق بينما يعمل طفله على الروبوت في الخلفية، موضحاً أن هذا المشهد يعكس التناقض بين اللعب والواقع، ويكشف عن صعوبة ممارسة الأبوة في سياق الحرب، فالروبوت ليس مجرد لعبة، بل وسيلة للتواصل مع أطفاله وتقديم درس عن الحياة وسط صعوبات الاحتلال والمجازر المستمرة.

وحول التوازن بين الطابع السياسي والجمالي في الفيلم، قال مصباح: «عند صناعة الفيلم، خصوصاً أثناء التصوير، لا يمكنك التفكير كثيراً، بل يجب أن تعتمد على حدسك وانتباهك لكل التفاصيل الصغيرة. اللحظة المناسبة والمكان المناسب، والانتباه للعناصر الصحيحة، يمكن أن تكشف عن معانٍ عميقة حتى في أبسط الكلمات أو المشاهد».

وأوضح مصباح أن «دراسته للعلوم السياسية في باريس ساعدته على تطوير حساسيات مختلفة في قراءة العالم وسرد القصص»، مؤكداً أن «هذه الخلفية السياسية جعلته أكثر قدرة على التعمق في القضايا الاجتماعية والسياسية دون أن تتحول السينما إلى مجرد بيان سياسي». إضافة إلى ذلك يرى أن «السياسة جزء لا يتجزأ من حياتنا اليومية، ومن الصعب تجنبها، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالصراعات والهويات، لذا كان من الطبيعي أن ينطوي الفيلم على أبعاد سياسية وإنسانية في آن معاً».

لقطة من الفيلم (مهرجان لوكارنو)

وتابع: «خبرتي في دراسة العلوم السياسية لم تكن لتشكل وصفة جاهزة لصنع الفيلم، لكنها ساعدت على توسيع رؤيتي للعالم وفهم الصراعات الاجتماعية والسياسية التي تشكل الواقع المحيط، مما أثر بشكل مباشر على حسه الإبداعي وقدرته على خلق مشاهد غنية بالدلالة والرمزية».

وأوضح مصباح أن «الدراسة المكثفة لتاريخ السينما وفلسفة السياسة كانت أدوات تساعده على فهم عمق القضايا الإنسانية، لكنها لم تحدد شكل الفيلم مسبقاً، بل سمحت له بالاعتماد على حدسه وحدود قدرته الإبداعية في اللحظة، مع التركيز على التفاصيل التي تعكس المأساة الإنسانية والواقعية اليومية». وأضاف: «عندما تصنع فيلماً لا يمكنك الاعتماد فقط على الثقافة السينمائية، بل يجب أن تكون متفاعلاً مع اللحظة، وأن تستمع وتلاحظ وتختار ما سيترك أثراً حقيقياً في المشاهد».

يقدم الفيلم جانباً من معاناة الفلسطينيين (مهرجان لوكارنو)

وشرح محمد مصباح أن «التحدي الأكبر الذي واجهه بصفته مخرجاً لأول مرة لم يكن التمويل أو الكتابة، بل الثقة بنفسه كونه صوتاً سينمائياً جديداً»، معلقاً: «الفيلم كان يسير بسلاسة في التمويل والكتابة، لكن الحرب التي اندلعت في منتصف الإنتاج شكلت تحدياً كبيراً، وجعلت عملية التصوير أكثر صعوبة وتعقيداً، خصوصاً أن الفيلم يتناول حياة أشخاص يعيشون تحت القصف والمجازر اليومية».

وأشار إلى أن العمل الوثائقي يختلف عن كتابة مقالة سياسية، حيث إن الفيلم يركز على معاناة فردية وحياة شخصية، ليعكس من خلالها مصيراً جماعياً لشعب بأكمله، لافتاً إلى أن بطل فيلمه رشيد يمتلك شخصية فريدة وطريقة خاصة في التعبير عن نفسه، وهذا ما يجعل الفيلم أكثر إنسانية وأقرب إلى المشاهدين، بدلاً من أن يكون مجرد تحليل سياسي جاف.

وأكد مصباح حرصه خلال كتابة الفيلم على «التركيز على استخراج أقصى تأثير عاطفي من أداء الشخصيات، سواء في المشاهد الوثائقية أو التمثيلية»، موضحاً أن العلاقة مع الشخصية هي الأساس لإظهار الإنسانية الحقيقية، وأن المشاهد العاطفية يجب أن تكون المحرك الرئيسي للفيلم. ومضى إلى القول إن «اهتمامه كان منصباً على الأداء الشخصي لـ(رشيد)، وكيفية جعل الجمهور يتعاطف معه ويشعر بما يعيشه، مؤكداً أن النجاح يكمن في قدرة المشاهد على فهم التجربة الإنسانية من خلال التفاصيل الصغيرة والتصرفات اليومية».

مشهد من الفيلم (مهرجان لوكارنو)

وأشار إلى أن تجربته في صناعة فيلم «ما زلت ألعب» كانت أيضاً محاولة لإيجاد لغة سينمائية تعبر عن الهوية الفلسطينية وتجارب الأبوة تحت ظروف الحرب، حيث كل مشهد يحمل رمزية مزدوجة تجمع بين المعنى الشخصي والسياسي، لافتاً إلى أن الهدف من الفيلم يكمن في الوصول إلى جمهور عالمي يمكنه فهم معاناة الفلسطينيين من خلال قصة إنسانية، وأن يكتشف كيف يمكن للفن والألعاب الرقمية أن يصبحا وسيلتين للمقاومة، و«المقاومة الإبداعية» في آن واحد.

واعتبر المخرج الجزائري أن السينما، رغم أنها قد لا تغير العالم بمفردها، فإنها تمتلك القدرة على تشكيل خيال الناس، وإيصال التجارب الإنسانية بطريقة تجعل المشاهدين يشعرون ويستوعبون ما يحدث بعيداً عن الإحصاءات والسياسات، وفي ختام حديثه قال: «الفن قادر على بناء تعاطف، والفيلم الذي يصنعه الشخص يعكس تجربة فريدة يمكنها أن تساهم في وعي أوسع ومعرفة أعمق بالقضايا الإنسانية».


مقالات ذات صلة

مايان السيد لـ«الشرق الأوسط»: «كولونيا» منحني دفعة معنوية كبيرة

يوميات الشرق مايان السيد حصدت جائزة أفضل ممثلة (مهرجان مالمو)

مايان السيد لـ«الشرق الأوسط»: «كولونيا» منحني دفعة معنوية كبيرة

كانت تجربة «كولونيا» محطة مهمة في مسيرة الفنانة المصرية مايان السيد، إذ شكلت تحدياً جديداً عزَّز تطورها الفني بفضل ثقة المخرج واجتهادها في تعميق تفاصيل الشخصية.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق محمد رمضان ورزان جمال في لقطة من فيلم «أسد» (حساب محمد رمضان على «فيسبوك»)

«ثنائيات سينمائية» جديدة في أفلام «موسم عيد الأضحى» بمصر

يشهد موسم «عيد الأضحى» السينمائي في مصر طرح عدد من الأفلام التي تضم «ثنائيات فنية» لأول مرة، من بينها أفلام «صقر وكناريا»، و«أسد».

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق المخرجة قدمت الفيلم من منظور إنساني (الشركة المنتجة)

أنيت أوسترو لـ«الشرق الأوسط»: «البجعة الذهبية» رحلة إنسانية معقدة

قالت المخرجة النرويجية أنيت أوسترو إن فيلمها «البجعة الذهبية» جاء بعد رحلة طويلة من التفكير في الطريقة التي يمكن من خلالها سرد هذه القصة المعقدة.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق وثَّق الفيلم جوانب مختلفة في رحلة المخرج (الشركة المنتجة)

مارسيل فايس يواجه خوفه من الموت... ويحوّله إلى فيلم «أفتح عقلي»

قال المخرج السويسري، مارسيل فايس، إن فيلمه الوثائقي «أفتح عقلي» كان محاولة لرصد تجارب العلاج النفسي من الخارج.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق المعهد العالي للسينما في مصر (فيسبوك)

أزمة في «أكاديمية الفنون» المصرية فجّرها قسم التصوير بمعهد السينما

أصدرت أكاديمية الفنون المصرية، التابعة لوزارة الثقافة، بياناً حول الأزمة التي أثيرت بخصوص إلحاق طالب بالدراسات العليا في قسم التصوير بمعهد السينما.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

شيرين عبد الوهاب لتجاوز أزماتها بغناء «عايزة أشتكي»

شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)
شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)
TT

شيرين عبد الوهاب لتجاوز أزماتها بغناء «عايزة أشتكي»

شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)
شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)

عادت المطربة المصرية شيرين عبد الوهاب للأضواء مرة أخرى، بعد إعلان الملحن والموزع عزيز الشافعي عن قرب إصدار أغنية جديدة لها بعنوان «عايزة أشتكي»، ما حظي باهتمام لافت على صفحات «سوشيالية»، وتصدر «الترند» على «غوغل» في مصر، الأحد، وعَدّه بعض المتابعين والنقاد خطوة من شيرين لتجاوز أزمات تعرضت لها في الفترة الأخيرة، تسببت في غيابها عن الساحة الغنائية.

ونشر الملحن عزيز الشافعي مقطع فيديو تظهر فيه شيرين خلال تصوير أغنية جديدة تقول كلماتها «عايزة أشتكي... أشكي»، وقال في الفيديو إنه يعرف أنها أوحشت جمهورها كثيراً، وهي أيضاً تشتاق إليهم، معلناً عن عودتها قريباً بعد فترة غياب شغلت كل محبيها.

وتعرضت شيرين عبد الوهاب للعديد من الأزمات والقضايا والمحاضر المتبادلة بينها والملحن والمطرب حسام حبيب بعد ارتباطهما وانفصالهما أكثر من مرة، كما شهدت أزمات أخرى حول حقوق استغلال صفحاتها «السوشيالية» وفي علاقتها بأخيها وأسرتها، وتعرضت لأزمة صحية بعد جدل أثير حول حفل قدمته في المغرب، واتهمها الجمهور باستخدام «البلاي باك» على خلاف المتوقع منها.

شيرين عبد الوهاب (إنستغرام)

وغابت شيرين عن الساحة الفنية والغنائية لفترة طويلة، إلى أن ظهرت في مارس (آذار) الماضي عبر فيديو متداول على «السوشيال ميديا» بصحبة ابنتها هنا وهما يغنيان في حالة من البهجة والمرح، إلى أن ظهرت أخيراً في مقطع الفيديو الذي نشره عزيز الشافعي من كواليس التسجيل، معلناً عن عودتها للساحة الغنائية.

ويرى الناقد الموسيقي المصري، محمود فوزي السيد، أن محبي وجمهور شيرين يتمنى عودتها بشكل نهائي للساحة الغنائية وتجاوز كل أزماتها، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «للأسف رفاهية الفرص الجديدة لم تعد متاحة بشكل كبير بالنسبة لشيرين، خصوصاً أنها حظيت بفرص للعودة من قبل ولم تستثمرها بالشكل المنشود».

وتابع: «نتمنى رجوعها طبعاً لأنها صوت مهم جداً على ساحتي الغناء المصرية والعربية، ونتمنى أن يكون هذا قرار العودة النهائية بألبوم كامل، وأن يكون فريق العمل معها من ملحنين وشعراء وموزعين ومهندسي صوت على قدر المسؤولية؛ لأنها مسؤولية كبيرة عودة شيرين، ويجب أن تكون أعمالها القادمة مناسبة لقيمتها الفنية وموهبتها واشتياق الجمهور لها، وليست مجرد أعمال لملء الألبوم».

ووصف السيد صوت شيرين بأنه «يتميز بالأصالة الشديدة، ومن ثم حين تعود يجب أن تعود بكامل لياقتها الصوتية، لأنها صوت مميز جداً، وهذا التميز يجب أن يظل العلامة المميزة لصوتها وأدائها».

من كواليس الأغنية الجديدة (صفحة عزيز الشافعي على فيسبوك)

وقدمت شيرين العديد من الألبومات الغنائية والأغاني الفردية على مدى مشورها كما أحيت عشرات الحفلات في مصر والخارج، وكان أول ألبوماتها المفردة «جرح تاني» الذي صدر عام 2003، ثم توالت أعمالها مثل «آه يا ليل» و«بتوحشني» و«أنا كثير» و«حبيت»، وكانت أحدث أغنياتها بعنوان «باتمنى أنساك».

ويصف الناقد الموسيقي المصري، أحمد السماحي، الاهتمام بعودة شيرين بأنها «قد يكون مفتعلاً من صفحات مؤثرة»، ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «شيرين بقدر محبة جمهورها لها فهو غاضب منها، وربما كان الاهتمام بإعلان عزيز الشافعي قرب عودة شيرين؛ لأن الشافعي واحد من فرسان الساحة الغنائية حالياً، والجميع يهتم بما يعلن عنه».

وتابع السماحي: «أرجو أن تبعد شيرين أزماتها الأسرية والشخصية عن الإعلام والمجال العام، كما تفعل الكثير من المطربات، فهناك العديد من الأسرار في حياة النجوم ونجمات الغناء لا نعرف عنها شيئاً، لأنهم تمكنوا من بناء حائط صد وخط أحمر يفصل بين حياتهم الفنية وحياتهم الشخصية وأتمنى أن تتمكن شيرين من رسم هذا الخط الأحمر لحياتها الشخصية والأسرية، وتبتعد عن الصخب والجدل الذي يحيط بوجودها وتترك المساحة لصوتها فقط وأغنياتها؛ أقول ذلك بحكم محبتي لصوتها ومتابعتي لها منذ بداياتها، وأعرف مدى طيبتها وعفويتها».

وأشار السماحي إلى أن حضور شيرين حالياً في وجدان محبيها وجمهورها يعود إلى «عذوبة وجمال صوتها، واختياراتها الغنائية الموفقة، فهي من المطربات القليلات في مصر والوطن العربي اللائي يجيدن اختيار أغانيهن، لذلك حظيت بمكانة ما في قلب الجمهور العربي، لكن هذا المكان أصبح عرضة للتراجع بسبب الخلط بين الحياة الشخصية وبين المشوار الفني»؛ على حد تعبيره.


العلا تعيد رسم موقعها على خريطة الأفلام العالمية

استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)
استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)
TT

العلا تعيد رسم موقعها على خريطة الأفلام العالمية

استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)
استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)

في سباق عالمي محتدم على استقطاب كبرى الإنتاجات السينمائية، تدخل العلا المشهد بثقل مختلف، لا يعتمد فقط على سحر الموقع، بل على «مشروع متكامل» يعيد تشكيل مفهوم صناعة الفيلم في المنطقة. فمن صحرائها التي احتضنت عبر التاريخ حضارات متعاقبة، تنطلق اليوم رؤية حديثة يقودها «فيلم العلا»، ليضع المملكة في موقع تنافسي جديد، ليس بوصفها محطة تصوير عابرة، بل وجهة إنتاج سينمائي متكاملة تسعى إلى ترسيخ حضورها في قلب الصناعة العالمية.

وفي مؤشر واضح على تصاعد حضورها الدولي، جاءت العلا مؤخراً ضمن القائمة النهائية لـ«جوائز الإنتاج العالمية 2026»، في فئة «مدينة الأفلام»، وهي من أبرز الجوائز المهنية التي تُنظم سنوياً بالتزامن مع «مهرجان كان السينمائي». ومن المقرر أن تُعلن النتائج في 18 مايو (أيار) 2026 خلال حفل رسمي بمدينة كان الفرنسية، حيث تتنافس العلا مع وجهات إنتاج عالمية، في سباق يعكس مكانتها المتنامية في صناعة السينما الدولية.

هذا الترشيح لا يُقرأ على أنه إنجاز رمزي فحسب، بل أيضاً بوصفه دليلاً على انتقال «فيلم العلا» من مشروع محلي ناشئ إلى لاعب حاضر في مشهد الإنتاج العالمي، مدعوماً ببنية تحتية متطورة ومواقع تصوير استثنائية.

من موقع تصوير إلى مركز إنتاج عالمي

لم يعد الرهان على جمال الطبيعة وحده كافياً، فالعلا، كما يؤكد لـ«الشرق الأوسط» المدير التنفيذي المكلف بالإنابة «فيلم العلا»، زيد شاكر، «تتحرك بخطى مدروسة نحو بناء منظومة إنتاج متكاملة، قادرة على استقطاب المشروعات العالمية وتوطينها في الوقت ذاته». ويشير إلى أن البنية التحتية التي يجري تطويرها ليست مجرد إضافة تقنية، «بل هي أيضاً عنصر حاسم في هذا التحول»، موضحاً أن الهدف هو الانتقال بالعلا «من موقع تصوير مميز إلى مركز إنتاج سينمائي متكامل يستقطب كبرى المشروعات العالمية».

خلال تصوير عدد من الأعمال العالمية، لم تكن الطبيعة وحدها هي العامل الجاذب، بل تكاملها مع بنية إنتاجية متقدمة. ويؤكد شاكر أن العلا تمتلك مزيجاً فريداً من «الصحارى والجبال والتكوينات الصخرية والمواقع الأثرية»؛ مما يمنحها قدرة استثنائية على تمثيل بيئات متعددة على الشاشة، دون الحاجة إلى التنقل بين مواقع مختلفة. لكن الأهم، وفقه، هو «ما وراء الكاميرا: استوديوهات مجهزة، ومرافق إنتاج، ودعم لوجيستي، وخدمات متكاملة... تتيح تنفيذ المشروعات السينمائية الكبرى بكفاءة عالية».

بين العالمية والمحلية

أحد أبرز رهانات «فيلم العلا» تمثل في تحقيق توازن مستدام بين استقطاب الإنتاجات العالمية، وبناء كوادر وطنية قادرة على قيادة الصناعة مستقبلاً. وفي هذا السياق، يوضح شاكر أن «الجهود تتركز على برامج تدريبية وشراكات تعليمية دولية، إلى جانب حوافز إنتاجية تنافسية لدعم المشروعات المحلية والعالمية، بما يسهم في نقل المعرفة وتوطينها».

قبل وصولهم إلى العلا، يحمل كثير من صناع الأفلام تصورات مسبقة عن تحديات التصوير في المنطقة، لكن هذه الصورة تتغير سريعاً بمجرد بدء العمل. ويشير شاكر إلى أن «الشركاء الدوليين يفاجأون بمستوى الجاهزية، وسلاسة الإجراءات، والدعم اللوجيستي المتكامل؛ مما يعزز ثقتهم ويشجعهم على العودة بمشروعات جديدة».

الجغرافيا بوصفها عاملاً إبداعياً... لا مجرد خلفية

ليست العلا مجرد موقع بصري جذاب، بل بيئة سردية تؤثر في طبيعة الأعمال التي تنتَج فيها. ويؤكد شاكر أن «الخصائص الجغرافية والتاريخية للمنطقة تلعب دوراً مباشراً في اختيار المشروعات؛ لما توفره من تنوع بصري وسردي يفتح آفاقاً واسعة أمام صناع الأفلام». ورغم البعد الاقتصادي الواضح، فإن «فيلم العلا» يحمل بعداً ثقافياً استراتيجياً، فالمشروع، وفق شاكر، «يسهم في إعادة تشكيل الصورة السينمائية للمملكة عالمياً، ويعزز حضورها مصدراً للقصص، وليس فقط موقعَ تصوير».

وعند تلخيص التجربة، تبدو الرسالة واضحة: العلا ليست مجرد موقع تصوير، بل بيئة متكاملة لصناعة القصص، ففي وقت تتنافس فيه الوجهات العالمية على جذب الإنتاجات، تقدم العلا نموذجاً مختلفاً، يجمع بين المكان، والبنية، والرؤية، ليؤسس لصناعة سينمائية واعدة، تتجاوز حدود الجغرافيا نحو فضاء أوسع من التأثير والحضور.


حل لغز اختفاء عائلة عام 1958 بعد سبعة عقود

العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)
العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)
TT

حل لغز اختفاء عائلة عام 1958 بعد سبعة عقود

العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)
العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)

كُشف أخيراً عن مصير عائلة أميركية اختفت في ظروف غامضة قبل نحو سبعة عقود، في قضية أثارت اهتماماً واسعاً آنذاك. فقد اختفت عائلة مارتن، المكوّنة من الوالدين كينيث وباربرا، وبناتهما: باربي (14 عاماً)، وفيرجينيا (13 عاماً)، وسوزان (11 عاماً)، في ديسمبر (كانون الأول) 1958 بولاية أوريغون، بعد تغيّب الوالدين عن العمل بشكل مفاجئ. وعُثر بعد أشهر على جثتي فيرجينيا وسوزان، في حين ظل مصير بقية أفراد الأسرة مجهولاً، حسب «سي إن إن» الأميركية. وظل اختفاء باربي ووالديها لغزاً لعقود، إلى أن قاد اكتشاف حديث إلى حل القضية، إذ عثر الغواص آرتشر مايو، عام 2024 على سيارة من طراز «فورد ستيشن واغن» في نهر كولومبيا، قبل أن تُنتشل في العام التالي وبداخلها بقايا بشرية.

وأكدت فحوص الحمض النووي أنها تعود إلى بقية أفراد عائلة مارتن. وقالت كريستن ميتمان، من مختبر «أورثام»: «كثيرون عملوا لسنوات طويلة لكشف مصير العائلة، ونحن فخورون بالإسهام في هذا الإنجاز. مثل هذه الألغاز لا تثقل كاهل العائلة فحسب، بل المجتمع بأسره، ونأمل أن ينهي هذا حالة الانتظار الطويلة». وكان الابن الأكبر دونالد، الذي كان يبلغ 28 عاماً آنذاك ويقيم في نيويورك، قد شكك في فرضية الحادث العرضي، مرجحاً وجود شُبهة جنائية.

غير أن مكتب شريف مقاطعة هود ريفر، أكد عدم وجود أي دليل على وقوع جريمة، موضحاً أن العائلة اختفت خلال زيارة يُعتقد أنهم قاموا بها إلى منطقة كولومبيا ريفر غورج لجمع نباتات عيد الميلاد، وأنه رغم العثور على بقايا فيرجينيا وسوزان في مجرى النهر بعد أشهر، لم تُثمر عمليات البحث المكثفة، بما فيها الغوص، عن العثور على الوالدين كينيث وباربرا، أو الابنة الكبرى باربي آنذاك.