فيلمان لبنانيان في «متروبوليس»: قراءتان بصريتان للعنف والذاكرة

من التجميل إلى الطريق... «شاشات الواقع» صورةُ الجرح والعائلة

إبرة تُغيّر الملامح وسيارة تُعيد صياغة العلاقة (الشرق الأوسط)
إبرة تُغيّر الملامح وسيارة تُعيد صياغة العلاقة (الشرق الأوسط)
TT

فيلمان لبنانيان في «متروبوليس»: قراءتان بصريتان للعنف والذاكرة

إبرة تُغيّر الملامح وسيارة تُعيد صياغة العلاقة (الشرق الأوسط)
إبرة تُغيّر الملامح وسيارة تُعيد صياغة العلاقة (الشرق الأوسط)

أفلام متعدّدة تَشدّ متابعي العروض اليومية في صالتَي «متروبوليس» خلال مهرجان «شاشات الواقع». في هذا الفضاء الذي بات واحداً من المرافئ النادرة للسينما البديلة في بيروت، يتكرَّس دور «متروبوليس» جسراً بين المدينة والسينما العالمية، ومكاناً يمنح العروض سياقاً وشرعية ثقافية ولا يكتفي باستضافتها. فمنذ تأسيسها، شكَّلت معبراً نحو تجارب لا تصل عادة إلى الشاشات التجارية، وأرشيفاً لذاكرة مدينة ترفض المحو.

خلال المهرجان، تبدو الخيارات بمستوى رفيع، يليق بالسمعة التي راكمها هذا الصرح السينمائي؛ إذ لا يكاد يمرّ فيلم من دون أن يترك سؤالاً أو أثراً أو انطباعاً. كلّ ما يُعرض يبدو حصيلة جهد انتقائي واضح، يُضيء على أفلام وثائقية تسرد حكايات الإنسان العالق في عالم يزداد قسوة، والمُثقل بصراع الهوية والحروب والغربة والتيه.

قُبيل العرض... «شاشات الواقع» تقدّم مشهداً سينمائياً مختلفاً (الشرق الأوسط)

«فتنة في الحاجبين»: العنف قدر جماعي

في الفيلم اللبناني «فتنة في الحاجبين» لعمر مسمار، تُثبّت الكاميرا موقعها في صالون تجميل نسائي ببيروت، ولا تغادر هذه المساحة الضيّقة. هناك، تُصوَّر وجوه نساء ورجال يطرقون الباب أملاً في مظهر يُعيد إليهم توازناً مع أنفسهم ومع تلك الصورة المُرتجفة في المرآة؛ فيما خلف الجدران، الحرب الإسرائيلية الأخيرة تتهيّأ للاشتعال. الغائب عن الكادر حاضرٌ بثقله: ضجيج التهديد رائحة العنف الآتي.

الكاميرا تلتقط تفاصيل مُثيرة للانقباض من دون أن تتنقّل كثيراً: الإبر التي تنخر الوجوه، النزيف الذي يظهر أحياناً، الألم الذي يُمارَس على الطبقة الأكثر انكشافاً في الإنسان، أي وجهه. لكنه الألم التجميلي هو في الحقيقة استعارة لعنف آخر أشمل يمتدّ إلى الخارج. فما يبدو إجراء جمالياً يومياً يتحوّل إلى صورة عن «العنف الكبير» الذي يقتحم الحياة من أبواب أخرى، لكنه يتسلَّل هنا عبر الإبرة نفسها.

كلّ وجه ساحة وكلّ ساحة احتمال لانفجار جديد (لقطة من الفيلم)

الفيلم كثيف الدلالات، يتجاوز كونه لقطات من صالون تجميل. إنه تأمُّل في العلاقة المعقّدة بين الإنسان والعنف. فهؤلاء الذين يُسلّمون وجوههم طوعاً ليدٍ أخرى تُعيد تشكيلها، هم أنفسهم مَن يرضون بأن يصبح وجههم «ساحة» مفتوحة لإعادة تعريف الجمال. الوجه يُشلّ ويُعاد ترتيبه على وَقْع أخبار الحرب المقبلة، ليغدو علامةً على مصير مشترك يتقاسمه الجميع في خرائط مهدَّدة بالنار.

هكذا، يضع المخرج الجمال والخراب في مواجهة صريحة. جمالٌ مُشتهى يُعاد تصنيعه في الداخل، وخرابٌ متوقَّع يتربّص في الخارج. في كلتا الحالتين، العنف قدرٌ جماعي، سواء خرج من إبرة في وجه، أو من حرب لم تتأخّر في الاندلاع بعد انتهاء التصوير.

«يلا بابا!»: ما يُفرّق لا يلغي ما يجمع

فيلم لبناني آخر شاهدناه في «متروبوليس» ضمن «شاشات الواقع» جاء مُحمَّلاً بشحنة عاطفية خاصة، إذ يضع العلاقة بين أب وابنته في صميم حكايته، ويُحوّل رحلة برّية طويلة من بروكسل إلى بيروت مساحةً للمُكاشفة والمصالحة. «يلا بابا!» للمخرجة آنجي عبيد بحثٌ حميمي عن أب غاب طويلاً، وعن علاقة تريد الابنة أن تُعيد إليها الدفء والذاكرة.

تقترح آنجي على والدها منصور تكرار الرحلة التي قام بها قبل أكثر من 40 عاماً، حين غادر لبنان إبّان الحرب الأهلية. في البداية يتردَّد، ثم يقبل، لتنطلق الكاميرا في ملاحقة حواراتهما داخل السيارة، حيث تتكشّف تدريجياً طبقات من الماضي والحاضر. فالأب الصحافي يروي ذكرياته عن تلك الحقبة، عن الجنوب اللبناني تحت الاحتلال، وأسباب هجرته، فيما تعكس ابنته نظرة جيل جديد أكثر انفتاحاً وحرّية. وبين تحفُّظ الأب وجرأة الابنة، تنشأ مساحة مُشتركة تسمح بالبوح والتقارب، ليظهر أنّ ما يُفرّق بينهما لا يلغي ما يجمعهما.

سؤال العودة يُترَك معلّقاً (لقطة من الفيلم)

الطريق نفسه يكشف حجم التحولات السياسية التي عصفت بالمنطقة. فحدودٌ تبدَّلت، ودولٌ تفكّكت، ومسارات أُغلقت. ما كان في الثمانينات يمرّ عبر 6 دول، صار اليوم يستلزم عبور 10. وحتى سوريا، التي شكّلت جزءاً من الرحلة الأولى، أُغلقت أمامهما بسبب صراعاتها. هذا التبدُّل في الجغرافيا يصبح صدى لزمن تغيَّر ولخسارات أثقلت ذاكرة الأب وابنته.

سيارة صغيرة تحمل مسافة 40 عاماً بين أب وابنته (لقطة من الفيلم)

وعند الوصول إلى لبنان، تختلط مشاعر الأب بين النفور من واقع بلده الحالي والحنين العميق إلى أرضه الأولى. يتبدَّل مزاجه فجأة حين يدخل مَزارع الزيتون العائلية، فيستعيد بهجة الطفولة والشباب. تطرح المخرجة سؤال الانتماء: هل سيعود يوماً ليستقر في تلك الأرض؟ ولا تبحث عن إجابة نهائية بقدر ما تُظهر أنّ الرحلة نفسها هي فرصة لها لتتعرّف إلى أبيها من جديد، وله ليُواجه ذاته وذكرياته.

بذلك يكون «يلا بابا!» فيلماً عن علاقة تحتاج إلى الترميم بين جيلَيْن يُحاولان الإصغاء بعضهما إلى بعض. وفي بساطة مساره، يترك أثراً عاطفياً عميقاً.


مقالات ذات صلة

«فتيات الجمباز في مستعمرة الصيادين»... حكاية أمل من أحياء كراتشي المهمشة

يوميات الشرق الملصق الترويجي للفيلم (الشركة المنتجة)

«فتيات الجمباز في مستعمرة الصيادين»... حكاية أمل من أحياء كراتشي المهمشة

عُرض فيلم «فتيات الجمباز» في مستعمرة الصيادين للمرة الأولى عالمياً ضمن فعاليات مهرجان «تريبيكا السينمائي».

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق في فيلمها الجديد تخوض جنيفر لوبيز علاقة شائكة مع أحد موظّفيها (نتفليكس)

فيلم Office Romance... هبوط غير اضطراري لجنيفر لوبيز

Office Romance على «نتفليكس»، والذي يصنّف نفسه كوميديا رومانسيّة، يسجّل صفر أهداف في شباك كلٍ من الكوميديا، والرومانسية، وأسباب ذلك كثيرة.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق يوسف شاهين واحتفالات بمئوية ميلاده (المركز القومي للسينما بمصر)

«100 كلمة حب»... تسجيلي يستعيد تأثير يوسف شاهين في السينما المصرية

ضمن الاحتفاء بمئوية ميلاد المخرج المصري يوسف شاهين، أعلن المركز القومي للسينما عن إنتاج الفيلم التسجيلي الجديد «100 كلمة حب... على إيقاع شاهين».

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق من الملصق الترويجي لفيلم «عائشة لا تستطيع الطيران» (حساب المخرج على فيسبوك)

مراد مصطفى: «شُبهة التمويل الأجنبي» تطارد «الأفلام المستقلة» في مصر

قال المخرج المصري مراد مصطفى إن ظروف صناعة السينما لا تشجع على عرض فيلم «عائشة لا تستطيع الطيران» تجارياً في مصر، حتى بعد حصوله على العديد من الجوائز.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق أحمد داود وسلمى أبو ضيف في العرض الخاص للفيلم (الشركة المنتجة)

كيف صعد فيلم «إذما» للمركز الثاني في ترتيب الإيرادات بمصر؟

واصل فيلم «إذما»، الذي يقوم ببطولته أحمد داود وسلمى أبو ضيف، صعوده في شباك التذاكر المصري ليحافظ على المركز الثاني بالإيرادات اليومية.

أحمد عدلي (القاهرة)

مصر لدعم الاستثمار السياحي في الرحلات النيلية والبحرية

السياحة النيلية تمر على مواقع أثرية (الهيئة العامة للاستعلامات)
السياحة النيلية تمر على مواقع أثرية (الهيئة العامة للاستعلامات)
TT

مصر لدعم الاستثمار السياحي في الرحلات النيلية والبحرية

السياحة النيلية تمر على مواقع أثرية (الهيئة العامة للاستعلامات)
السياحة النيلية تمر على مواقع أثرية (الهيئة العامة للاستعلامات)

تتجه مصر لتعزيز الاستثمار السياحي الخاص بالرحلات النيلية والبحرية الفاخرة، عبر خطة لرحلات تمر على مواقع أثرية متنوعة، فضلاً عن مسار العائلة المقدسة، وبحث وزير السياحة المصري، شريف فتحي، مع مؤسس إحدى الشركات العالمية الرائدة في مجال السفر والرحلات النيلية والبحرية الفاخرة، فرص الاستثمار في قطاع السياحة النيلية والبحرية بمصر.

وأعلن جلين موروني، مؤسس شركة «Scenic Luxury Cruises & Tours» إحدى الشركات العالمية الرائدة في مجال السفر والرحلات النيلية والبحرية الفاخرة في مستهل اللقاء، عن خططها التوسعية المستقبلية، لا سيما في المقصد السياحي المصر، بعد عرض فيلم قصير يستعرض نشاط الشركة وحجم أعمالها، وتصميمات السفن السياحية التابعة لها، والخدمات الفاخرة التي تقدمها لعملائها حول العالم ضمن برامجها ورحلاتها السياحية، وفق بيان لوزارة السياحة والآثار.

وأعرب موروني عن تطلعه إلى الاستثمار في بناء وتشغيل سفن سياحية جديدة للشركة داخل مصر، والترويج دولياً للبرامج والرحلات التي تعتزم الشركة تنظيمها بها، مشيراً إلى قيامه بزيارة مدينتي الإسكندرية والعين السخنة للتعرف على الموانئ والمراسي التي يمكن أن تستقبل السفن التي تخطط الشركة لتشغيلها في مصر.

بواخر نيلية في القاهرة (وزارة السياحة والآثار)

وأكد وزير السياحة والآثار المصري استعداد الوزارة لتقديم ما يلزم من تسهيلات لإنهاء الإجراءات المطلوبة، في إطار حرص الدولة المصرية على تشجيع الاستثمار السياحي، لا سيما في مجال السياحة النيلية الذي يشهد تطوراً ملحوظاً خلال الفترة الحالية، ويحظى باهتمام وإقبال متزايدين من السائحين، مؤكداً خلال بيان الوزارة «الحرص على تطوير هذا المنتج السياحي الهام بوصفه أحد المنتجات السياحية المميزة التي ينفرد بها المقصد السياحي المصري».

مشيراً إلى أن التوسع في هذا النوع من الاستثمارات من شأنه أن يسهم في زيادة الطاقة الفندقية المتاحة في مصر، بما يدعم جهود الدولة لاستيعاب الزيادة المتوقعة في أعداد السائحين خلال المرحلة المقبلة.

وأوضح أن «منتج السياحة النيلية في مصر يتميز بقدرته على تقديم تجربة سياحية متكاملة تجمع بين العديد من الأنماط والمنتجات السياحية، حيث يتيح للسائحين فرصة الجمع بين السياحة الثقافية من خلال زيارة المواقع الأثرية الواقعة على مسار الرحلة، بالإضافة إلى السياحة الترفيهية، والسياحة الروحانية ممثلة في زيارة نقاط مسار رحلة العائلة المقدسة الواقعة على مسار الرحلة، فضلاً عن الاستمتاع بالمأكولات المصرية التقليدية، بما يبرز تنوع المقومات التي يتمتع بها المقصد السياحي المصري، والتي لا تُضاهى».

وكانت وزارة السياحة والآثار قد أطلقت حملة ترويجية تحت عنوان «مصر... تنوع لا يضاهى» أبرزت خلالها تنوع الأنماط السياحية التي تتمتع بها مصر من السياحة الثقافية والشاطئية والعلاجية والترفيهية والرياضية والمؤتمرات والسفاري، وغيرها من الأنماط السياحية التي تجذب ملايين الزوار لمصر سنوياً.

ويرى أمين عام نقابة السياحيين، فارس حسني، أن مصر تدعم الاستثمار السياحي في الرحلات النيلية والبحرية عبر الاستراتيجية الوطنية للسياحة المستدامة بمصر 2030 والتي تستهدف جذب 30 مليون سائح، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «ترتكز الخطة على تقديم تسهيلات للمستثمرين لبناء وتشغيل سفن سياحية جديدة وميكنة الخدمات البحرية»، وعدّ الاستثمار السياحي في الرحلات النيلية يستهدف دعم البنية التحتية للمراسي النيلية، وتسيير «الفنادق العائمة» لتشجيع السياحة الثقافية والبيئية، ولفت إلى وجود العديد من المواقع السياحية التي تستفيد من الاستثمار في هذا المجال من بينها «معابد الأقصر والكرنك»، و«معبد فيلة» ومتحف النوبة ومعابد كوم إمبو وإدفو في أسوان، وعدَّها محطات توقف رئيسية للمراكب العائمة في ضمن مسار سياحي منتظم بنهر النيل.

البواخر العائمة من أهم الاستثمارات في السياحة النيلية (الهيئة العامة للاستعلامات)

ويلفت إلى أهمية «التوسع في سياحة اليخوت، وسياحة الآثار الغارقة، والأنشطة الترفيهية لتشجيع القطاع الخاص على ضخ استثمارات الهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي في بناء المواني والمراسي، خصوصاً في مناطق شرم الشيخ والغردقة والإسكندرية والعلمين الجديدة».

وحققت مصر أرقاماً قياسية في أعداد السائحين خال العام الماضي؛ حيث تجاوز العدد 19 مليون سائح، وتسعى للوصول إلى 30 مليون سائح بحول عام 2030 معتمدة على الزخم الذي تشهده المواقع السياحية والتنوع في أنماط السياحة، وتطوير الخدمات التي تقدم للسائحين في المواقع المختلفة.

وعدّ الخبير السياحي المصري، محمد كارم، الرحلات النيلية والبحرية أكثر الأنماط السياحية القادرة على جذب عدد كبير من السائحين، خصوصاً من فئة الإنفاق المرتفع، وكذلك زيادة أيام الزيارة لمصر، وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «مصر بها ميزة تنافسية فريدة على مستوى العالم؛ حيث تطل على بحرين (الأحمر) و(الأبيض المتوسط) ونهر النيل، وهي أماكن بها العديد من المواقع السياحية الأثرية، فضلاً عن أماكن عالمية للغوص والرياضات المائية والسياحة الاستشفائية؛ ما يخلق منتجاً سياحياً متكاملاً يجمع بين السياحة والترفيه والاستجمام».

وأشار كارم إلى أن الاهتمام وتعظيم قدرات مصر في السياحة النيلية والبحرية بما ينعكس على الجذب وزيادة القدرة التنافسية للمقصد السياحي المصري، لن يحقق عائداً للسياحة فقط، بل لأشكال أخرى مثل النقل والتجارة والمطاعم، وهي خطة تعمل على توزيع المقاصد السياحية والتنمية السياحية المتوازنة بين مختلف المحافظات».


«فتيات الجمباز في مستعمرة الصيادين»... حكاية أمل من أحياء كراتشي المهمشة

الملصق الترويجي للفيلم (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي للفيلم (الشركة المنتجة)
TT

«فتيات الجمباز في مستعمرة الصيادين»... حكاية أمل من أحياء كراتشي المهمشة

الملصق الترويجي للفيلم (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي للفيلم (الشركة المنتجة)

في منطقة مشار كولوني، الواقعة على أطراف مدينة كراتشي الباكستانية، حيث يعيش آلاف السكان في ظروف اقتصادية واجتماعية معقدة، تبدأ حكاية الفيلم الوثائقي الباكستاني - الأميركي «فتيات الجمباز في مستعمرة الصيادين» الذي عُرض للمرة الأولى عالمياً ضمن فعاليات مهرجان «تريبيكا السينمائي» بنسخته الـ25 في نيويورك.

من خلال الاقتراب من حياة مجموعة من الفتيات الصغيرات، ينسج الفيلم صورة إنسانية هادئة عن مجتمع نادراً ما يظهر على الشاشة بعيداً عن الصور النمطية أو العناوين السياسية الكبرى، وتُعرف مشار كولوني بأنها واحدة من أكبر التجمعات السكانية الفقيرة في كراتشي، ويعيش كثير من سكانها في ظروف تجعل الحصول على التعليم والخدمات الأساسية أمراً بالغ الصعوبة.

وفي هذا السياق، يبدو ظهور فريق للجمباز مخصص للفتيات حدثاً غير مألوف، يقترب العمل منه بوصفه عملية مستمرة من التعلم واكتشاف الذات، والفتيات اللواتي يتابعهن العمل لا يحاولن فقط إتقان حركات رياضية جديدة، إنما يخضن أيضاً تجربة مختلفة في النظر إلى أنفسهن وإلى العالم المحيط بهن.

مخرجة الفيلم (الشركة المنتجة)

نشاهد في الأحداث الممتدة على مدار أكثر من 90 دقيقة الشخصيات داخل منازلهن، وفي الشوارع التي يعشن فيها، وأثناء التدريبات اليومية، وفي لحظات المزاح والقلق والترقب، ومن خلال هذا التراكم البسيط للتفاصيل، تتكون صورة أكثر عمقاً عن واقع هؤلاء الفتيات، وعن الأسئلة التي تشغل حياتهن ومستقبلهن، فرياضة الجمباز تمثل إطاراً تتحرك داخله الحكاية.

وعبر التدريبات والمنافسات والعلاقات التي تنشأ داخل الفريق، يفتح الفيلم باباً للحديث عن قضايا أوسع تتعلق بالفرص والتعليم والمكانة الاجتماعية للفتيات، وتحضر في الفيلم شخصية المحامية والناشطة الحقوقية طاهرة حسن بوصفها أحد الأعمدة الرئيسية في هذه التجربة، من خلال دعمها للفتيات وحرصها على توفير مساحة آمنة لهن، تبدو جزءاً من شبكة أوسع من الأشخاص الذين يعملون على إحداث تغيير تدريجي داخل مجتمعهم.

الفيلم الذي أخرجته الصحافية الأميركية من أصول باكستانية حبيبة نوشين، بدأت فكرته كما تقول لـ«الشرق الأوسط»، في مقابلة عبر «زووم»، من خلال مسار شخصي تماماً، فقبل سنوات، وأثناء إجراءات تبني ابنتها من باكستان، تعرفت إلى المحامية طاهرة حسن التي كانت تتولى الملف القانوني، وبعد انتهاء تلك المرحلة، استمر التواصل بينهما بصورة متقطعة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، قبل أن تكتشف منشورات تتعلق بفريق الجمباز الخاص بالفتيات في كراتشي.

عملت المخرجة على الفيلم لعدة سنوات (الشركة المنتجة)

وأضافت أن الصور ومقاطع الفيديو التي كانت تشاهدها أثارت فضولها منذ البداية، فبالنسبة لها، كانت رؤية فتيات باكستانيات يمارسن الجمباز أمراً لم يكن مألوفاً خلال سنوات نشأتها في البلاد، مؤكدة أن ما جذبها لم يكن النشاط الرياضي في حد ذاته، بل ما يحمله من دلالات اجتماعية وثقافية تعكس تغيرات تحدث داخل المجتمع الباكستاني، ولو بصورة تدريجية.

وأكدت أن هذه المشاهد دفعتها إلى العودة إلى باكستان لزيارة المشروع على أرض الواقع، وهناك بدأت تتعرف إلى الفتيات وأسرهن والمدربين والقائمين على البرنامج، وخلال تلك الزيارة أدركت أن القصة التي تبحث عنها لا تتعلق بالرياضة فقط، بل بمجموعة من الفتيات يحاولن توسيع حدود ما هو متاح لهن في بيئة مليئة بالتحديات.

وترجع المخرجة الأميركية أحد الأسباب الرئيسية التي دفعتها لإنجاز الفيلم لرغبتها في تقديم صورة أكثر تنوعاً عن المجتمعات الإسلامية والباكستانية تحديداً، لافتة إلى أنها بحكم عملها الصحافي، تدرك حجم الصور النمطية التي كثيراً ما تهيمن على التغطيات الإعلامية المتعلقة بهذه المنطقة من العالم، لذلك كانت مهتمة بالبحث عن قصص أخرى تتناول الحياة اليومية والطموحات الفردية والتغيرات الاجتماعية التي لا تحظى عادة بالاهتمام نفسه.

وثق الفيلم جانباً من حياة فتيات يمارسن الجمباز (الشركة المنتجة)

وتؤكد نوشين أنها لم تكن تسعى إلى تقديم رسالة جاهزة أو الدفاع عن فكرة مسبقة، بل كانت ترغب في متابعة الشخصيات كما هي، ومنحها الفرصة للتعبير عن نفسها مؤكدة أن ما لفت انتباهها في الفتيات كان مزيجاً من الطموح والعفوية والقدرة على التعامل مع واقعهن بروح مرنة، وهي عناصر شعرت بأنها تستحق التوثيق.

وعن بناء العلاقة مع بطلات الفيلم، تشير المخرجة إلى أن خلفيتها الصحافية ساعدتها كثيراً في هذا الجانب، فخلال سنوات عملها، اعتادت التعامل مع شخصيات ومجتمعات مختلفة، وكانت دائماً حريصة على بناء الثقة قبل البدء في التصوير، معتبرةً أن احترام الشخصيات والتعامل معها بكرامة يمثلان جزءاً أساسياً من منهجها المهني، سواء في الصحافة أو السينما الوثائقية.

وتضيف أن المحامية طاهرة حسن لعبت دوراً مهماً في هذه العملية، ليس فقط باعتبارها إحدى شخصيات الفيلم، بل أيضاً لأنها كانت حريصة على حماية الفتيات والتأكد من أن مشاركتهن تتم في ظروف مناسبة، مشيرة إلى أن وجود شخص يمتلك هذه العلاقة الوثيقة مع الفتيات وعائلاتهن ساعد كثيراً في خلق بيئة تسمح بالتصوير من دون الإخلال بخصوصية المشاركات أو سلامتهن.

أما على المستوى الإنتاجي، فتوضح نوشين أن الفيلم استغرق وقتاً طويلاً في التصوير والتطوير، بعدما أمضى الفريق أكثر من 25 يوماً في التصوير الميداني الذي استمر على مدار أكثر من 3 سنوات، وجمع ما يقرب من 300 ساعة من المواد المصورة. وبعد ذلك بدأت مرحلة طويلة من المشاهدة والتفريغ والمونتاج، وهي العملية التي استغرقت نحو 10 أشهر.

تعرفت المخرجة على بطلات فيلمها بالمصادفة (الشركة المنتجة)

وتشير إلى أن النسخة الأولى من الفيلم كانت أطول بكثير من النسخة النهائية، إذ تجاوزت الساعتين ونصف الساعة. لكن مع تطور عملية المونتاج، بدأ الفريق في التركيز على العناصر الأكثر ارتباطاً بالرحلة الأساسية للفتيات، فالتحدي لا يتمثل في العثور على مشاهد جيدة، بل في اختيار المشاهد التي تخدم الحكاية بأفضل شكل ممكن، ومن ثم كانت عملية الاختيار تعتمد دائماً على سؤال أساسي، مفاداه ما الذي يساعد على فهم رحلة الفتيات بصورة أوضح؟ ومن خلال العودة المتكررة إلى هذا السؤال، تمكن الفريق من بناء النسخة النهائية للفيلم.


محمد التركي: الوقوف أمام العدسة يمنحك تقديراً أكبر للتفاصيل الصغيرة

يجسد التركي شخصية رجل الأعمال «وولفغانغ» في الفيلم (إنستغرام محمد التركي)
يجسد التركي شخصية رجل الأعمال «وولفغانغ» في الفيلم (إنستغرام محمد التركي)
TT

محمد التركي: الوقوف أمام العدسة يمنحك تقديراً أكبر للتفاصيل الصغيرة

يجسد التركي شخصية رجل الأعمال «وولفغانغ» في الفيلم (إنستغرام محمد التركي)
يجسد التركي شخصية رجل الأعمال «وولفغانغ» في الفيلم (إنستغرام محمد التركي)

ثمة لحظات تتداخل فيها أدوار صناعة الفيلم داخل شخص واحد.. وهذا ما حدث مع المُنتج السعودي محمد التركي، الذي انتقل من موقع المنتج إلى مساحة أخرى داخل العمل السينمائي نفسه، عبر مشاركته في الفيلم الأميركي «In the Grey» للمخرج غاي ريتشي، مسجلاً أول ظهور تمثيلي له ضمن إنتاج هوليوودي صُورت أجزاء منه في مدينة جدة.

الفيلم الذي بدأ عرضه في السينما منتصف الشهر الماضي، يؤدي فيه التركي دور «وولفغانغ»، وهي شخصية غامضة وهادئة تتحرك داخل عالم من الصفقات الحساسة والمهمات عالية المخاطر، في إطار يتماشى مع الأسلوب المعروف لغاي ريتشي في بناء الشخصيات المعقدة والأجواء المشحونة بالتوتر. وتضم قائمة أبطال الفيلم مجموعة من نجوم هوليوود، يتقدمهم هنري كافيل وجيك جيلينهال وإيزا غونزاليس.

رغم أنها تجربته الأولى، فإن التركي تمكن من تقديم شخصية «وولفغانغ» عبر الاتكاء على الحضور البصري والكاريزما الصامتة بدلاً من الاندفاع نحو الحوارات الطويلة؛ حيث ساعدت ملامحه الهادئة وطريقة أدائه المتحفظة على تكوين صورة رجل أعمال نافذ يدير صفقات مالية معقدة من خلف الستار.

ما زال يؤمن التركي بأن الإنتاج هو أولويته مقارنةً بالتمثيل (إنستغرام محمد التركي)

اكتشاف المهنة من الداخل

بحماسة عالية، يتحدث التركي لـ«الشرق الأوسط» عن الشرارة الأولى لذلك، قائلاً: «جاءت مشاركتي بشكل طبيعي من خلال علاقتي الطويلة بالمشروع ودعمي له منذ مراحله الأولى عبر شراكة مؤسسة البحر الأحمر السينمائية مع الفيلم». ويتابع: «خلال فترة التصوير في جدة، اقترح فريق العمل أن أظهر في دور صغير، ورحبت بالفكرة بوصفها تجربة ممتعة ومختلفة ضمن مشروع أؤمن بأهميته وما يمثله لصناعة السينما السعودية. كما أتيحت لي فرصة الظهور في مشاهد إلى جانب هنري كافيل، وهو أمر أضاف بعداً مميزاً للتجربة».

وبسؤاله عن أكثر شيء فاجأه في الوقوف أمام الكاميرا كممثل بعد سنوات من العمل في الإنتاج وصناعة الأفلام، يجيب: «أعتقد أن أكثر ما فاجأني هو حجم التركيز والدقة المطلوبة من الممثل في كل لحظة أمام الكاميرا... رغم أنني أمضيت سنوات في مواقع التصوير، فإن الوقوف أمام العدسة يمنحك تقديراً أكبر للتفاصيل الصغيرة التي يصنع من خلالها الممثل أداءه، وللجهد الكبير الذي يبذله فريق العمل لدعم تلك اللحظة وتحويلها إلى مشهد متكامل على الشاشة».

التركي مع النجم هنري كافيل خلال قراءة النص (إنستغرام محمد التركي)

بين الإنتاج والتمثيل... لمن الأولوية؟

لكن هل ستكون هذه المشاركة يتيمة أم سينفتح التركي على تكرار التمثيل؟ يعلق على ذلك قائلاً: «تركيزي الأساسي سيبقى على الإنتاج ودعم صناعة السينما وتمكين المواهب، فهذا هو المجال الذي أشعر أنني أستطيع أن أقدم فيه أكبر قيمة. لكنني استمتعت بالتجربة، وإذا جاء مشروع مناسب وله معنى حقيقي بالنسبة لي، فلن أستبعد تكرارها مستقبلاً».

التركي، الذي سبق أن شغل منصب الرئيس التنفيذي لمؤسسة البحر الأحمر السينمائي بين عامي 2021 و2024، يشير إلى أن ما يجعل هذه التجربة استثنائية بالنسبة له ليس فقط المشاركة أمام الكاميرا، بل كون فيلم «In the Grey» يمثل محطة مهمة في مسيرة تطور صناعة السينما السعودية. مضيفاً: «الفيلم يُعد من أبرز الإنتاجات العالمية التي صُورت في جدة، وشهد مشاركة كوادر سعودية في مختلف مراحل العمل، وهو ما يعكس حجم التقدم الذي تشهده المملكة بوصفها مركزاً متنامياً للإنتاج السينمائي».

إنتاجات عالمية في السعودية

تحمل مشاركة التركي بعداً إضافياً يتجاوز الجانب الفني، إذ يأتي الفيلم ضمن سلسلة من الإنتاجات العالمية التي استفادت من المواقع السعودية والبنية التحتية المتنامية لصناعة السينما في المملكة. وقد جرى تصوير أجزاء من العمل في جدة، بدعم من مؤسسة البحر الأحمر السينمائي، مما أتاح للفيلم الاستفادة من البيئة البصرية التي توفرها المدينة، وأبرز في الوقت نفسه القدرات الإنتاجية التي باتت تستقطب شركات ومشروعات دولية متزايدة.

ويمكن النظر إلى «In The Grey» بوصفه نموذجاً للتقاطع المتزايد بين هوليوود والسينما السعودية، حيث تجتمع أسماء عالمية مع مواقع تصوير سعودية ومواهب محلية ضمن مشروع واحد يستهدف جمهوراً دولياً واسعاً. كما يعكس حضور التركي في العمل تحولاً يشهده القطاع السينمائي السعودي، يتمثل في انتقال عدد من الأسماء المرتبطة بالإنتاج والإدارة الثقافية إلى مساحات إبداعية جديدة داخل الصناعة نفسها.

سنوات في قلب الحراك

وعلى امتداد السنوات الماضية، ارتبط اسم محمد التركي بعدد من المبادرات والمشروعات التي أسهمت في تعزيز مكانة المملكة على الخريطة السينمائية العالمية. فقد سبق أن شغل منصب الرئيس التنفيذي لمؤسسة البحر الأحمر السينمائي، قبل أن يتولى مهمة المستشار للمؤسسة. وخلال تلك الفترة استقطبت الدورات الثلاث الأولى من مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي أكثر من 35 ألف زائر، وأسهمت في ترسيخ مكانة المهرجان كمنصة دولية تجمع صناع الأفلام والمواهب من مختلف أنحاء العالم.

ومن الجدير بالذكر أن محمد التركي، المولود في مدينة الخبر عام 1985، يُعد من أبرز الوجوه السعودية المرتبطة بالحراك السينمائي الحديث، وقد اختير رجل العام من مجلة «GQ الشرق الأوسط» عام 2022، كما نال جائزة القيادة في العمل الخيري خلال حفل «amfAR» على هامش مهرجان البندقية السينمائي الدولي عام 2024. ومع مشاركته في «In The Grey» يضيف فصلاً جديداً إلى مسيرة جمعت بين الإنتاج السينمائي والتشارك الثقافي، لتشهد هذه المرة ظهوره الأول ممثلاً على الشاشة الكبيرة.