شهد أمين: «هجرة» مغامرة فنّية حول مكانة المرأة

المخرجة السعودية أكدت لـ«الشرق الأوسط» سعادتها بعرض فيلمها في «البندقية»

شهد أمين في «البندقية» للمرّة الثانية خلال مسيرتها السينمائية (الشركة المنتجة)
شهد أمين في «البندقية» للمرّة الثانية خلال مسيرتها السينمائية (الشركة المنتجة)
TT

شهد أمين: «هجرة» مغامرة فنّية حول مكانة المرأة

شهد أمين في «البندقية» للمرّة الثانية خلال مسيرتها السينمائية (الشركة المنتجة)
شهد أمين في «البندقية» للمرّة الثانية خلال مسيرتها السينمائية (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة السعودية، شهد أمين، إنّ مشاركتها في مهرجان «البندقية السينمائي الدولي» في دورته الـ82، التي تُقام في 27 أغسطس (آب) الحالي إلى 7 سبتمبر (أيلول) المقبل، بفيلمها الجديد «هِجرة»؛ جاءت تتويجاً لرحلة من العمل امتدّت لسنوات، مشيرة إلى فخرها والفريق بالوقوف مجدداً أمام جمهور المهرجان بعد فيلمها السابق «سيدة البحر».

وعُرض الفيلم الذي كتبته شهد أمين وأخرجته، للمرة الأولى عالمياً، الخميس، ضمن مسابقة «Spotlight» في المهرجان. وتدور أحداثه حول حكاية جدة تسافر مع حفيدتَيها إلى مكة المكرمة عام 2001، في رحلة تتخلّلها مواقف إنسانية مؤثرة. وعندما تختفي الحفيدة الكبرى في ظروف غامضة، تبدأ رحلة البحث عنها برفقة الحفيدة الصغرى، وسط مزيج الألم بالأمل.

وتؤكد المخرجة السعودية، في حوارها مع «الشرق الأوسط»، أنها لم تقدّم أي فيلم طويل منذ 6 سنوات، وأنّ كل مشروع سينمائي جديد يتطلّب منها التفرغ الكامل والإيمان العميق بالفكرة، مضيفةً: «الأفلام ليست مجرّد أعمال، بل تجارب حياتية تستهلك سنوات من عمري»، مشيرة إلى أن فيلم «هِجرة» لم يكن مجرّد مشروع فني، بل مغامرة إنسانية أرادت من خلالها أن تقدّم رؤية مختلفة عن المرأة السعودية ومكانتها داخل المجتمع، من خلال قصة نساء ينتمين إلى أجيال متعدّدة.

طاف صنّاع الفيلم في مناطق عدّة بالمملكة لإنجازه (الشركة المنتجة)

وقالت: «العمل يكشف خلال مساره عن أسرار عائلية وذكريات منسية، ويبرز التنوّع الثقافي والحضاري الذي تتميَّز به المملكة. كما أنّ فكرة تقديم قصة عن نساء من أجيال مختلفة كانت بالنسبة إليّ محوراً رئيسياً، لأنها تعكس صورة واقعية لدور المرأة في بناء المجتمع».

وأشارت شهد أمين إلى أنها منذ البداية أرادت للفيلم أن يكون رحلة متجذرة في تفاصيل المكان، لذلك قرّرت تصويره في 8 مدن سعودية -الطائف، والعلا، وتبوك، ونيوم، وضباء، إضافة إلى جدة والمدينة المنورة وبني مالك- مشيرة إلى أنّ «التنقّل عبر هذه المدن لم يكن مجرّد خيار جغرافي، بل وسيلة لإبراز ثراء المشهد الثقافي والطبيعي للمملكة، وإعطاء المُشاهد إحساساً بالسفر الحقيقي».

فريق عمل الفيلم في مهرجان «البندقية» (إدارة «البحر الأحمر»)

وتابعت أنها رافقت المنتج والسينمائي العراقي محمد جبارة الدراجي في أكثر من رحلة بالسيارة من الطائف إلى شمال المملكة، و«هذه الرحلات ألهمتني تفاصيل إنسانية وبصرية عبر استكشاف عدد من الطرق والمسارات والمواقع، وخوض تجربة اكتشاف تفاصيل المناطق التي مررنا بها، الأمر الذي انعكس لاحقاً في الفيلم».

وأوضحت أنّ «هذه التجارب المُشتركة سمحت للفريق بأن يعيش روح القصة قبل تصويرها، الأمر الذي أضفى على العمل صدقاً خاصاً»، مؤكدة أنّ اختيار المواقع الحقيقية كان ضرورياً، لأنها أرادت أن يمرّ الممثلون بالرحلة نفسها التي مرَّت بها خلال الإعداد، ليصبح الفيلم تجربة مشتركة بين الجميع. لذلك لم تلجأ إلى ديكورات تعبّر عن بعض المناطق رغم سهولة هذا الخيار تقنياً، وفق تعبيرها.

وأكدت شهد أمين أنّ العودة إلى عام 2001 فرضت تحدّيات إنتاجية كبيرة، خصوصاً على الفريق الفنّي المُكلَّف بالديكور وتصميم المَشاهد، موضحة أن «البحث عن أماكن لم تتغيَّر كثيراً منذ ذلك الوقت تطلَّب جهداً مضاعفاً، وكذلك اختيار السيارات والملابس التي تعكس تلك الحقبة».

من كواليس التصوير (الشركة المنتجة)

وأشارت إلى أنّ التعاون مع محمد الدراجي لم يقتصر على الجانب الإنتاجي بكونه منتجاً للعمل، بل امتدَّ إلى المُشاركة الإبداعية، إذ عمل معها منذ مراحل الكتابة وحتى التصوير، مؤكدة أنه «شريك فنّي يُشارك بآرائه في السرد والبناء البصري، الأمر الذي أضاف إلى الفيلم أبعاداً جديدة».

وأكدت أن تمويل المشروع جاء عبر جهات مختلفة؛ من بينها: «صندوق دعم مهرجان البحر الأحمر السينمائي»، و«فيلم العلا»، ومبادرة «ضوء» من وزارة الثقافة السعودية، بالإضافة إلى دعم من «نيوم» و«إثراء»، ومنتجين مستقلّين، مثل فيصل بالطيور، ومحمد حفظي، وأيمن جمال، ومحمد علوي، وآخرين، لافتة إلى أنّ جميع هذه الجهات أبدت ثقة بالرؤية الفنية، ولم تتدخل في تفاصيل العمل، وهو ما منحها وفريقها حرّية كاملة في التنفيذ.

وقالت: «اختيار الممثلة لمار فدان لتجسيد دور (جنى) جاء بعد متابعة استمرت أكثر من عامَين، إذ رأيتُ فيها منذ اللحظة الأولى ملامح تصلح للكاميرا»، موضحةً أنها التقتها مصادفة في إحدى فعاليات البحر الأحمر ولاحظت حضورها المختلف.

وأضافت: «هذا الأمر جرى قبل عامَين تقريباً من بداية التصوير الفعلي. شاهدتُها خلال حديثها مع المنتج فيصل بالطيور، وهرولتُ إليها وحصلتُ على هاتف شقيقتها. وعندما بدأتُ التحضير للعمل بعد نحو عامَين، تواصلتُ مجدداً مع شقيقتها واخترتُها للدور».

وأكدت المخرجة السعودية أنّ «لمار أثبتت شغفها بالتمثيل وقدرتها على التعلُّم، إذ استفادت كثيراً من الخبرة التي نقلتها إليها الممثلة خيرية نظمي والنجم نواف الظفيري»، لافتةً إلى أنّ التعامل مع الأطفال في الفيلم كان تحدّياً آخر، لكن وجود أسرة الطفلة الصغيرة جنى إلى جانبها باستمرار جعل التجربة أكثر سلاسة؛ إذ ساعدوا في تدريبها ومتابعتها خلال التصوير.

وأوضحت أنّ «تصوير بعض المَشاهد تطلَّب جهداً مضاعفاً، خصوصاً في (الميقات) بالطائف لتزامن التصوير مع الأيام الأولى من شهر رمضان، فكان الفريق صائماً، ويعمل تحت ظروف مُجهدة، لكن النتيجة جاءت مُرضية جداً»، وفق تعبيرها.

وأضافت أنّ «مَشاهد نيوم كانت من أصعب التحدّيات أيضاً؛ إذ احتاج الممثلون إلى السير مدّة طويلة تحت الشمس، غير أنّ جمال الموقع عوَّض المشقة ومنح المَشاهد بعداً بصرياً أخّاذاً».


مقالات ذات صلة

«التمساح» يوثق معاناة وأحلام سينمائيين نيجيريين على مدار 13 عاماً

يوميات الشرق انجذبت المخرجة للفريق بمجرد مشاهدة مقاطعهم عبر الإنترنت (الشركة المنتجة)

«التمساح» يوثق معاناة وأحلام سينمائيين نيجيريين على مدار 13 عاماً

يقدم الفيلم الوثائقي «Crocodile» (التمساح) واحدة من أكثر الحكايات الإنسانية دفئاً وصدقاً.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق ختم «شاشات الجنوب» فعالياته مع «اللي باقي منك» (متروبوليس)

مهرجان «شاشات الجنوب» يختم فعالياته بفيلم «اللي باقي منك»

يأتي تنظيم هذا المهرجان انطلاقاً من إيمان جمعية «متروبوليس سينما» بضرورة إفساح المجال أمام أفلام الجنوب.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق الفنان البريطاني المخضرم أنتوني هيد (أسوشييتد برس)

انطفاء الكاريزما الباريتونية... الموت يغيب البريطاني الأنيق أنتوني هيد

غيّب الموت الفنان البريطاني المخضرم أنتوني هيد عن عمر ناهز 72 عاماً، لتفقد الساحة الفنية اللندنية والعالمية واحداً من أكثر وجوهها جاذبية وكاريزما.

كوثر وكيل (لندن)
يوميات الشرق تضمَّن الفيلم عدداً من مَشاهد الأكشن (الشركة المُنتجة)

دانكن كاب: قذفنا سيارات في الهواء بطريقة مُبتَكرة داخل «سفن دوجز»

ما تحقَّق داخل «سفن دوجز» مثَّل خطوةً مختلفةً في طريقة تنفيذ أفلام الحركة داخل المنطقة العربية.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق فهد المطيري في دور المدير شاهين في فيلم «فخر السويدي» (الشركة المنتجة)

بعد شبّاك التذاكر... المنصات الرقمية تمنح الأفلام السعودية «حياة ثانية»

تمنح صالات السينما الفيلم انطلاقته الأولى، فيما تفتح المنصات الرقمية باباً جديداً لقياس مدى استمراره وانتشاره... وخلال الأيام الماضية، فرضت الأعمال السعودية…

إيمان الخطاف (الدمام)

«التمساح» يوثق معاناة وأحلام سينمائيين نيجيريين على مدار 13 عاماً

انجذبت المخرجة للفريق بمجرد مشاهدة مقاطعهم عبر الإنترنت (الشركة المنتجة)
انجذبت المخرجة للفريق بمجرد مشاهدة مقاطعهم عبر الإنترنت (الشركة المنتجة)
TT

«التمساح» يوثق معاناة وأحلام سينمائيين نيجيريين على مدار 13 عاماً

انجذبت المخرجة للفريق بمجرد مشاهدة مقاطعهم عبر الإنترنت (الشركة المنتجة)
انجذبت المخرجة للفريق بمجرد مشاهدة مقاطعهم عبر الإنترنت (الشركة المنتجة)

يقدم الفيلم الوثائقي «Crocodile» (التمساح) واحدة من أكثر الحكايات الإنسانية دفئاً وصدقاً، حيث يغوص في أعماق الشغف البشري، ويتتبع بمسؤولية ونضج مسيرة مجموعة «النقاد» (The Critics) النيجيرية الشابة، وتضم هذه المجموعة ريموند يوسف، ورونالد يوسف، وفيكتور جوسايا، وجودوين جوسايا، وبرفقة صديقيهم جوردان، وريتشارد، بالإضافة إلى عدد من المقربين، وأفراد العائلة الذين شاركوهم الرحلة.

من قلب الأزقة المتواضعة في مدينة كادونا النيجيرية قرر هؤلاء الفتية منذ نعومة أظفارهم ألا يستسلموا لواقعهم، فبدأوا في صناعة أفلام خيال علمي هوليوودية الطابع بإمكانات تكاد تكون معدومة، ومحولين الشغف الطفولي إلى قضية حياة.

من فناء منزل طيني بسيط يفتقر لأدنى مقومات التكنولوجيا، استطاع هؤلاء الشباب تأسيس عالم سينمائي متكامل الأركان، مستعينين بأدوات لا تتجاوز هاتفاً جوالاً واحداً بائساً بملامح بدائية، وبعض الملابس والأقمشة القديمة، وقطع الخردة، والمعادن التي يجمعونها من القمامة.

القصة قدمت في الفيلم الوثائقي، وهو إنتاج نيوزيلندي-نيجيري مشترك، وعرض في النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي»، وسيكون عرضه الأول في الولايات المتحدة ضمن فعاليات الدورة الخامسة والعشرين لمهرجان «تريبيكا السينمائي» الشهر المقبل.

مخرجة وأبطال الفيلم على السجادة الحمراء في برلين (إدارة المهرجان)

العمل الذي أخرجته المخرجة النيوزيلندية بيترا بريتكيللي، بالتعاون الإنتاجي والفني الإبداعي مع أعضاء المجموعة أنفسهم، يتجاوز كونه مجرد توثيق تقليدي لصناعة السينما المستقلة، أو الأفلام البديلة في أفريقيا، فهو يتحول تدريجياً إلى رحلة فلسفية عميقة تبحث في جوهر الحلم، ومعنى النجاة، ومحاولات صياغة الهوية الشخصية والثقافية وسط واقع محلي قاسٍ يفيض بالأزمات المعيشية والأمنية.

على مدار ثلاثة عشر عاماً كاملة من التصوير المتواصل والمضني، يرصد الفيلم نمو هؤلاء الشباب جسدياً وفكرياً وعاطفياً أمام عدسة الكاميرا، وكيف تشكلت وتبلورت علاقاتهم المعقدة بالحياة والسينما والعالم الخارجي.

تتحدث المخرجة بيترا بريتكيللي لـ«الشرق الأوسط» عن اللحظة الاستثنائية التي اكتشفت فيها المجموعة للمرة الأولى عبر فضاء الإنترنت، مشيرة إلى أن اهتمامها المهني والإنساني الطويل بفكرة الهوية الثقافية واللغات المهددة بالاختفاء كان السبب الجوهري وراء هذا الانجذاب المباغت.

كانت بيترا تتابع بشغف تجارب ثقافية مغايرة ومستقلة حول العالم، قبل أن تصادف بالصدفة البحتة مقاطع فيديو قصيرة صنعتها مجموعة «النقاد»، وفي تلك اللحظة شعرت المخرجة بأنها تقف أمام تجربة إنسانية نادرة وصادقة للغاية، وتحمل في طياتها طاقة خام، وسحراً دفيناً من الصعب تفسيره بالكلمات العادية، أو النظريات النقدية الجاهزة.

استغرق العمل على الفيلم عدة سنوات (الشركة المنتجة)

وأكدت المخرجة النيوزيلندية في مقابلتها مع «الشرق الأوسط» عبر تطبيق «زووم» أن علاقتها بالمشروع الوثائقي بدأت بشكل غريزي وعاطفي تماماً، بعيداً عن الحسابات الإنتاجية الباردة، أو التخطيط المسبق، واتخذت قراراً جريئاً بالسفر الفوري إلى نيجيريا بعد أيام قليلة جداً من أول تواصل إلكتروني معهم، دون أن تملك أي خطة عمل واضحة، أو تصور نهائي لشكل الفيلم، أو مساره الفني.

ولم يكن طريق التصوير الممتد عبر السنين مفروشاً بالورود، بل واجه تحديات لوجستية وإنسانية بالغة التعقيد، بدأت من مشقة السفر والمسافات الطويلة بين نيوزيلندا ونيجيريا، ومروراً بأزمة جائحة كورونا العالمية التي قطعت أوصال التواصل الفعلي، ومنعتها لسنوات من العودة. امتدت الصعوبات لتشمل تفاصيل الحياة اليومية المضطربة لأبطال الفيلم، من انقطاع دائم للتيار الكهربائي، وغياب شبكات الإنترنت، وهي عقبات كادت تعصف بالمشروع بأكمله.

من جانبه، كشف ريموند يوسف، أحد الأعضاء البارزين في المجموعة، عن الكواليس النفسية الأولى للقاء، موضحاً أنهم تجاهلوا رسائل بيترا المتكررة في البداية عبر منصات التواصل الاجتماعي، مدفوعين بنوع من التوجس والريبة الفطرية.

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن الفضول هو ما حركهم في النهاية للرد عليها، حيث لم يكونوا يستوعبون إطلاقاً لماذا قد تتكبد مخرجة أجنبية مشقة السفر من نيوزيلندا إلى نيجيريا لتصنع فيلماً عن فتيان يصورون مقاطع بسيطة بهواتف متهالكة في حي شعبي منسي، ولم يدركوا وقتها أن شغفهم الصغير يملك هذه القيمة الإنسانية الكبيرة.

وأشار ريموند يوسف إلى أن المجموعة اعتقدت في بادئ الأمر أن المسألة لن تتجاوز بضعة أيام من التصوير التوثيقي العابر، قبل أن تفاجئهم بيترا بإعلان نيتها مرافقة تفاصيل حياتهم، ورصد تقلبات عيشهم لسنوات طويلة قادمة.

هذا الالتزام الزمني الطويل لم يفهم الشباب أهميته وقيمته الفنية في ذلك الوقت المبكر من حياتهم، لكن السنوات اللاحقة جعلتهم يدركون النضج الكامن في هذا التوثيق، فشاهدوا، بكثير من الدهشة والذهول، كيف تغيرت ملامحهم، ونضجت أفكارهم، وكيف كبروا، وتطورت أدواتهم الفنية والشخصية أمام هذه العدسة المخلصة التي رافقت طفولتهم وشبابهم.

أما شقيقه رونالد يوسف، فقد أوضح أن فكرة التصوير المستمر والتوثيق لم تكن غريبة تماماً على بيئة المجموعة، لأنهم اعتادوا منذ الطفولة توثيق كواليس أفلامهم، ومشاركة تفاصيل حياتهم اليومية مع متابعيهم على شبكات التواصل.

وثق الفيلم جانباً من حياة مخرجين شباب في نيجيريا (الشركة المنتجة)

هذا الاعتياد خلق نوعاً من الانسجام الطبيعي والتلقائي مع كاميرا بيترا منذ اللحظات الأولى، وضمن تدفقاً عفوياً للأحداث دون تصنع، لكن رونالد اعترف في الوقت نفسه بأن أحداً منهم لم يكن يتوقع أو يتخيل، ولو في الأحلام، أن يتحول هذا الفيلم الوثائقي إلى علامة فارقة تشكل جزءاً جوهرياً ومصيرياً من حياتهم، ومسيرتهم الفنية والمهنية اللاحقة.

في المقابل، لم ينكر فيكتور جوسايا أن وجود شخص أجنبي يحمل ثقافة مختلفة تماماً ويراقب تفاصيل حياتهم الخاصة بالكاميرا كان أمراً مربكاً ومثيراً للقلق في البداية، وزاد من هذا الإرباك أن المجموعة كانت تتلقى في تلك الفترة عروضاً تجارية، ورسائل بريدية لا حصر لها من جهات وأشخاص يبحثون عن استغلال نجاحهم الرقمي المفاجئ على الإنترنت.

لكن فيكتور أكد أن علاقتهم الإنسانية بالمخرجة النيوزيلاندية تطورت تدريجياً وبثبات مع مرور الوقت، بعدما اكتشفوا بذكائهم الفطري أنها لا تبحث عن إثارة رخيصة، أو صناعة فيلم سريع، بل تسعى بصدق واهتمام لفهم أعماقهم الفكرية.


فك لغز تحمل «قمل البحر» الجوع لسنوات

قمل البحر العملاق (لي شينزهانج - الأكاديمية الصينية للعلوم)
قمل البحر العملاق (لي شينزهانج - الأكاديمية الصينية للعلوم)
TT

فك لغز تحمل «قمل البحر» الجوع لسنوات

قمل البحر العملاق (لي شينزهانج - الأكاديمية الصينية للعلوم)
قمل البحر العملاق (لي شينزهانج - الأكاديمية الصينية للعلوم)

يُعدّ قمل البحر العملاق من نوع «باثينوميد» أحد أنواع القشريات متساوية الأرجل التي تعيش في أعماق البحار، وتشتهر بقدرتها على البقاء أكثر من 5 سنوات دون طعام. ورغم أنها تعيش في بيئة فقيرة للغاية بالعناصر الغذائية، تُظهر هذه الكائنات ضخامةً ملحوظة في أجسامها، وهي سمة تتطلب طاقةً كبيرة.

الأمر الذى يُثير مفارقةً عجيبة: كيف تحافظ هذه القشريات، التي تبدو متعطشةً للطاقة، على حجمها الهائل في ظل ندرة الغذاء في أعماق البحار؟

للإجابة عن هذا السؤال، كشف فريق بحثي من معهد علوم المحيطات التابع للأكاديمية الصينية للعلوم (IOCAS) عن الآليات التي تُمكّن هذه الكائنات العملاقة من الازدهار في الحجم في ظل ظروف غذائية قاسية.

وأفاد بيان، الجمعة، بأنه من خلال الجمع بين تحليلات متعددة للجينات وعلوم الأيض، اكتشف الباحثون أن قشريات أعماق البحار تمتلك استراتيجية بقاء مزدوجة للتكيف مع الظروف الفقيرة بالعناصر الغذائية؛ إذ تمتلك مَعِدة متضخمة قادرة على تخزين كميات كبيرة من الطعام، ومعدل أيض أساسياً منخفضاً للغاية يحول الطعام إلى طاقة، بالتوازي مع تصنيع مواد جديدة يحتاج إليها الجسم للنمو والإصلاح.

زيادة الموارد وتقليل النفقات

في دراستهم، حلل الباحثون نوعين من القشريات متساويات الأرجل من أعماق مختلفة، ومن خلال دمج علم الجينوم المقارن مع التحليلات السلوكية وتحليلات أخرى، كشفوا عن استراتيجية «زيادة الموارد وتقليل النفقات من الطاقة» للتكيف مع ظروف نقص الغذاء.

تشغل معدة قمل البحر في أعماق البحار نحو ثلثي جسمها، وهي أكبر كثيراً من معدة نظيراتها التي تعيش في المياه الضحلة أو في مناطق المد والجزر. وعندما تمتلئ المعدة بالطعام، تحتوي على خليط طيني ناعم مطحون ومهضوم بشكل كبير، يتضمن نسبة منخفضة نسبياً من البكتيريا الهاضمة مثل الفيرميكوتس، وغنية بالبكتيريا الكلاميدية، المرتبطة بتخزين الدهون.

تشير هذه الخصائص إلى أن قمل البحر في أعماق البحار قد يستهلك كميات كبيرة من الطعام عند تتوفر فرص التغذية، ثم يُخفّض معدل الأيض الأساسي لديه بشكل كبير؛ ما يسمح بهضم هذا المخزون الغذائي واستخدامه على مدى فترات طويلة.

حدد الباحثون أيضاً جيناً، يُدعى ND1، يلعب دوراً حاسماً في استقلاب الطاقة.

علاوة على ذلك، اكتشف الباحثون آلية لتنظيم التعبير الجيني في قمل البحر في أعماق البحار تُحقق «كفاءة عالية، وحفظاً للطاقة، وتحكماً دقيقاً»، في ظروف درجات الحرارة المنخفضة التي تحاكي بيئة أعماق البحار؛ ما يؤدي إلى كبح استقلاب الطاقة بشكل فعال وتقليل نشاط الميتوكوندريا – جهاز الطاقة في الخلية-، ومن ثم زيادة القدرة على تحمل الجوع.

ماذا تعني هذه النتائج؟

تشير هذه النتائج إلى أن الجين ND1 يُعدّل شبكة استقلاب الميتوكوندريا من خلال ضبط دقيق لدرجة كبح الاستقلاب، ومن ثم حل المفاضلة الأساسية بين الطلب العالي على الطاقة في وقت زيادة الموارد والحاجة إلى كبح الاستقلاب في وقت شيوع البيئات القاسية.

يقول يوان جيانبو، من معهد علوم المحيطات التابع للأكاديمية الصينية للعلوم، والمؤلف الأول للدراسة: «لا يقتصر عملنا على كشف لغز قدرة قشريات الأرجل في أعماق البحار على تحمل فترات الجوع الطويلة للغاية فحسب، بل يُقدّم أيضاً نموذجاً مهماً لفهم كيفية تحقيق التوازن بين النمو والبقاء في البيئات القاسية».


مصر: استبعاد تصدير «الكلاب الشاردة»... وخطة حكومية لمواجهة انتشارها

الكلاب الحرة في شوارع القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)
الكلاب الحرة في شوارع القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)
TT

مصر: استبعاد تصدير «الكلاب الشاردة»... وخطة حكومية لمواجهة انتشارها

الكلاب الحرة في شوارع القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)
الكلاب الحرة في شوارع القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)

تضع مصر خطةً للتعامل مع الكلاب الشاردة بتطعيمها وإيوائها ضمن حملات منتظمة، وفق بيانات لوزارة الزراعة المصرية، وآراء خبراء وباحثين في مراكز علمية متخصصة، وكذلك مسؤولي الطب البيطري، الذين استبعدوا فكرة تصديرها التي تدعو لها بعض الأصوات، من بينها نائبة بالبرلمان ورجل أعمال شهير.

وعادت قضية التعامل مع الكلاب الشاردة إلى دائرة الضوء مع نشر رجل الأعمال نجيب ساويرس تدوينة، دعا فيها لجمع كلاب الشوارع ومعالجتها وتصديرها للخارج؛ بوصفه حلاً جذرياً لتلك الإشكالية، وكانت نائبة في البرلمان المصري قد أعلنت من قبل عزمها التقدُّم بمقترح لحل قضية «كلاب الشوارع» والاستفادة منها اقتصادياً عبر حصرها وتصديرها، بدلاً من اللجوء إلى التخلص منها.

ويتصدَّى الدكتور خالد عياد، الأستاذ في مركز البحوث الزراعية، التابع لوزارة الزراعة المصرية، لمواجهة هذا الطرح رافضاً فكرة تصدير كلاب الشوارع، مؤكداً أنَّ «الكلاب الشاردة جزء من الشارع، ومثلما يزداد عدد البشر يزداد عدد الكلاب، ويتم التعامل معها بحكمة وإنسانية وطرق علمية وخطط منهجية تعدها الجهات المعنية، ولا يمكن التعامل معها أو حل مشكلتها بالتصدير»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «الذين يفكرون بهذه الطريقة يشيرون إلى بعض الدول التي يشيع فيها أكل لحوم الكلاب، وهذا أمر ضد الدين وضد الإنسانية حتى».

وكانت وزارة الزراعة أعلنت، في يناير (كانون الثاني) الماضي، إطلاق حملة منظمة لتطعيم وتعقيم «الكلاب الحرة» تحت شعار «مصر خالية من السعار 2030» في خطوة استراتيجية تعكس تحولاً نوعياً في ملف التعامل مع ملف الحيوانات الضالة، وفق بيان للوزارة وقتها.

وقال وزير الزراعة واستصلاح الأراضي، علاء فاروق، إن الدولة انتقلت بهذه الحملة من مرحلة «إدارة الأزمات» إلى مرحلة «الحلول الجذرية» عبر منهجية عالمية، وعدَّ الحملة تمثل «نموذجاً للتعاون والتنسيق المشترك، حيث تُنفَّذ تحت إشراف الهيئة العامة للخدمات البيطرية، وبالتعاون مع الاتحاد النوعي لجمعيات الرفق بالحيوان».

وترى رئيسة اتحاد جمعيات الرفق بالحيوان في مصر، الدكتورة منى خليل، أن «مشكلة الكلاب في الشوارع لا تُحل بالتخلص من الحيوانات أو نقلها من مكان إلى آخر، وإنما من خلال تطبيق برامج علمية مستدامة أثبتت نجاحها عالمياً»، وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «على رأس هذه البرامج الإمساك، والتعقيم، والتطعيم، ثم إعادة الإطلاق (TNVR)، إلى جانب إدارة المخلفات بشكل أفضل، والتوعية بمسؤولية اقتناء الحيوانات».

تجمعات للكلاب الحرة في بعض الأماكن (مركز معلومات مجلس الوزراء)

وتلفت منى إلى أنَّ النقاش الحقيقي يجب ألا ينشغل بشعارات فضفاضة مثل «التصدير»، بل يجب أن يركز على السؤال الأهم: ما الوسائل العلمية والإنسانية والقانونية القادرة على تحقيق التوازن بين حماية الإنسان والحفاظ على حياة الحيوان؟

وتكمل: «الإجابة المعروفة عالمياً هي التعقيم، والتطعيم، والإدارة الرشيدة، وليس التخلص من الحيوانات تحت أي مسمى»، على حد تعبيرها.

وإن كانت لا توجد إحصائية دقيقة رسمية لأعداد الكلاب الحرة في مصر، فإنَّ الثابت أنَّ أعدادها تقدر بالملايين، فقد أعلن رئيس الهيئة العامة للخدمات البيطرية أنَّ عددها يتراوح بين 10 و11 مليون كلب، بينما تشير تقديرات أخرى لوزارتَي الزراعة والصحة إلى وجود ما بين 30 و40 مليون كلب شارد في شوارع مصر، ويرى خبراء أنَّ الأرقام الأخيرة مبالغ فيها.

ويقول الدكتور خالد عياد: «إن أعداد الكلاب لا يمكن حصرها علمياً أو السيطرة عليها، ولكن يمكن وضع خطة للتعامل معها وتطعيمها ورعايتها لتصبح جزءاً من منظومة الشارع وليست عبئاً عليه، بدلاً من التفكير في تصديرها، وهو أمر يتعارض مع قيم إنسانية ودينية تربينا عليها، تحضنا على الرفق بالحيوان».

جانب من عمليات التطعيم ضد السعار (وزارة الزراعة)

كما أشارت رئيسة اتحاد جمعيات الرفق بالحيوان إلى أنَّ «بعض الدول التي يحاول البعض الإيحاء بتصدير الكلاب إليها لاستخدامها، قد أصدرت تشريعات تمنع التعامل مع تلك الحيوانات بوصفها غذاءً». وتساءلت: «هل نرتد إلى عصور الجهل لمجرد كرهنا للكلاب، ونستخدم أساليب لا تتفق بأي شكل مع معتقداتنا الدينية أو مع إنسانيتنا».

وأثارت «الكلاب الشاردة» كثيراً من القضايا في المجتمع المصري، من بينها مشاجرات تدخلت فيها وزارة الداخلية بعد قيام إحدى السيدات برش مواد كاوية وسمية على طعام الكلاب الحرة في الشارع، واشتبكت مع جارة لها في مجمع سكني مغلق لأنها تضع طعاماً للكلاب، بدعوى أنَّها تمثِّل خطراً على السكان، وهناك حالات عقر تمَّ رصدها وتثير مخاوف بعض المواطنين الذين يتبنون وجهة نظر تدعو للتخلص من «الكلاب الحرة».