«أسبوع القاهرة للصورة»: حين تستعيد عدسة الكاميرا سحر الأبيض والأسود

26 معرضاً تضمّ 5 آلاف بورتريه لفنانين وزعماء... ومأساة غزة

«العندليب» في صور نادرة من أفلامه (أسبوع القاهرة للصورة)
«العندليب» في صور نادرة من أفلامه (أسبوع القاهرة للصورة)
TT

«أسبوع القاهرة للصورة»: حين تستعيد عدسة الكاميرا سحر الأبيض والأسود

«العندليب» في صور نادرة من أفلامه (أسبوع القاهرة للصورة)
«العندليب» في صور نادرة من أفلامه (أسبوع القاهرة للصورة)

بحكايات من الزمن الماضي تتقاطع مع وجوه وقصص مُعاصرة، يتجلَّى سحر الأبيض والأسود في «أسبوع القاهرة للصورة»، الذي يضمّ 26 معرضاً تحتوي على نحو 5 آلاف صورة متنوّعة لفنانين وزعماء سياسيين وبورتريهات لشخصيات عابرة، إلى جانب صور ومعارض متعدّدة تُضيء على مأساة غزة.

ويحتفي الأسبوع الفوتوغرافي بعدد من الزعماء المصريين، على رأسهم عبد الناصر والسادات، كما يكرّم الفنانين أم كلثوم، وفاتن حمامة، وعبد الحليم حافظ، وعمرو دياب، إلى جانب ملصقات مسلسلات حديثة ومعارض فردية لمصوّرين تعكس ملامح زمنها من خلال الملابس والوجوه وتسريحات الشَّعر.

ويُقام «أسبوع القاهرة للصورة» في دورته الرابعة، بمشاركة عدد من المصوّرين المحترفين المحلّيين والدوليين، إلى جانب مؤسّسات مرموقة مثل «غيتي»، و«وورلد برس فوتو»، و«ناشونال جيوغرافيك إيماج»، وتستمرّ فعالياته حتى 18 مايو (أيار) الحالي.

فاتن حمامة في زيارة الجنود من مُصابي الحرب (أسبوع القاهرة للصورة)

يُقام الحدث في منطقة وسط القاهرة بزخمها الفنّي والمعماري، وتحديداً في سينما «راديو» العائدة إلى ثلاثينات القرن الماضي، وتمتدّ معارضه للمرّة الأولى لتشمل 14 موقعاً داخل العاصمة؛ وذلك من تنظيم مؤسّسة «فوتوبيا» برئاسة مروة أبو ليلة، علماً بأنه يُقام كل عامين بشراكات متنوّعة، أبرزها مع الاتحاد الأوروبي و«يونيك»، وقد شهد منذ افتتاحه إقبالاً لافتاً من جمهور الشباب من هواة التصوير وعشاقه.

وتتحدَّث مؤسِّسة «الأسبوع»، مروة أبو ليلة، عن تطوّر الحدث عبر دوراته الأربع، قائلة: «شهد (أسبوع القاهرة للصورة) توسُّعاً كبيراً وزيادة واضحة في عدد المشاركين. هذا العام، استضفنا نخبة من كبار المصوّرين العالميين، وقدَّمنا معارض للمرّة الأولى في التجمُّع الخامس، إلى جانب معرض لأحدث معدّات التصوير. كل دورة تحمل بصمتها وتجاربها الخاصة».

سيدة الغناء العربي خلال دعمها للجنود عقب نكسة 1967 (أسبوع القاهرة للصورة)

وتُولي الدورة الحالية اهتماماً خاصاً بالقضية الفلسطينية، فتوضح مروة أبو ليلة لـ«الشرق الأوسط»: «نقدّم معرضاً مميّزاً للفنان الفلسطيني نضال رحمي، إلى جانب معرض (غزة) الذي يضم أعمالاً استثنائية لمصوّرين من القطاع، وتُعرض فيه أيضاً جدارية كبيرة تضم أسماء المصوّرين الذين استشهدوا خلال الحرب وصُورهم».

ولا يقتصر الأسبوع على المعارض، وإنما يقدّم ورشات عمل متخصِّصة في فنون التصوير، ويوفّر فرصاً للمصوّرين من مختلف المحافظات المصرية لحضور الفعاليات مع التكفُّل بإقامتهم في القاهرة، إيماناً من القائمين عليه بأهمية دعم المواهب الشابة وربطها بمجتمع المصوّرين محلّياً ودولياً.

وتتنوَّع المعارض المُشاركة، منها معرض «صاحبة الجلالة»، الذي يضم أعمالاً لـ46 مصوّراً صحافياً ترصد لحظات محورية في التاريخ المصري، مثل جنازة الرئيس جمال عبد الناصر، واغتيال الرئيس أنور السادات، مع الإضاءة على إسهامات أم كلثوم في دعم المجهود الحربي، وزيارة فاتن حمامة لمُصابي نكسة 1967.

في حين يستعرض معرض «الديناصور» أكثر من 30 صورة من أرشيف المصور العراقي - الأميركي ياسر علوان، التُقطت بعدسته منذ إقامته في مصر، حتى وفاته عام 2022، ويتداخل فيها مع التراث المصري بصرياً وروحياً.

وتُعرَض في «التهجير» أعمال عدد كبير من المصوّرين الحائزين على جوائز «وورلد برس فوتو»، بتنظيم مشترك بين الأخيرة و«فوتوبيا»، وبدعم من السفارة الهولندية، إذ توثّق الصور قصصاً إنسانية للهجرة من مناطق النزاع، وتأثير تغيّر المناخ، ورحلات البشر نحو الأمان.

«نافذة الألم» للمصوّر الفلسطيني محمود أبو حمدة في غزة (أسبوع القاهرة للصورة)

أما معرض «صندوق المزيكا»، فيقدّم تجربة بصرية لتاريخ الموسيقى في الشرق الأوسط من أربعينات القرن الماضي حتى اليوم؛ ويشارك فيه قسم من الجامعة الأميركية بالقاهرة بصور نادرة لعبد الحليم حافظ ولقطات من أفلامه، وتصدح خلاله أغنيات من العندليب حتى عمرو دياب.

ويفتح معرض «موسم من مسلسلنا» نافذة على فنّ ملصقات الأعمال الدرامية، إذ يُعاد تصوير هذه الملصقات بعدسة المصوّرَيْن أحمد هيمن وعائشة الشبراوي بأسلوب بصري فريد وألوان غير تقليدية، ما يرفع البوستر إلى مستوى السرد المستقل، إذ يتجاوز الإشارة إلى الدراما إلى الغوص في مضمونها.

في هذا السياق، تقول منسّقة المعرض، هبة المعاذ، لـ«الشرق الأوسط»: «نحتفي بالبوستر بوصفه أول ما يجذب انتباه الجمهور، وهو عنصر محوري في تشكيل انطباعه عن العمل. لذلك نبحث وراء الكواليس لالتقاط لحظة البوستر، ونولي اهتماماً خاصاً لتصويره في مواقع خارجية تنبض بالحياة، مثل ملصق مسلسل (تحت الوصاية) لمنى زكي، ومسلسل (إخواتي)».

وتعرض نرمين هلال، في معرضها «وتيكو»، مجموعة من أعمالها الفوتوغرافية المركَّبة التي تمزج بين التصوير والتقنيات المستوحاة من الرسم. وتتناول في المعرض موضوعات الهوية والإدراك من خلال إعادة تخيُّل الصور وتحويلها إلى لوحات غنية بالرموز والدلالات البصرية.

زحف الجماهير في وداع الرئيس جمال عبد الناصر (تصوير: أحمد عبد العزيز)

وإلى جانب المعارض الجماعية، يضمّ «أسبوع القاهرة للصورة» عدداً من المعارض الفردية لمصوّرين بارزين، من بينهم المصوٍّرة الفلسطينية راندا شعث، التي تقدّم معرض «القاهرة 90» تحت شعار «اكتشاف المشهد»، وكذلك معرض «شيء من السحر» لمدير التصوير عبد السلام موسى، بتنسيق المخرجة هالة القوصي. كما تُشارك المصوِّرة كوكلا رفعت بمعرض «أولاد النيل»، الذي صوّرته في أسوان، بالإضافة إلى معرض المصوِّر الأرمني فان ليو المتخصّص في فن البورتريه، والذي يُعدّ أرشيفه توثيقاً بصرياً لتاريخ الفنانين المصريين.


مقالات ذات صلة

«أحب الزهور كما النجوم» استعادة لأعمال يتجاوز عمرها نصف قرن

يوميات الشرق في مربّع «الأمير الصغير» يتخيّل تكوين الجنين في رحم زوجته (الشرق الأوسط)

«أحب الزهور كما النجوم» استعادة لأعمال يتجاوز عمرها نصف قرن

مع التقدُّم في الجولة، تطالع الزائر سلسلة لوحات بالأبيض والأسود توثّق أجواء الحرب اللبنانية القاتمة...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق لوحة «تلة الشتاء» التي تعود إلى الفترة ما بين عامي 1955 - 1956 (معرض جينا بورلينغهام)

معرض «إليزابيث»... مناظر طبيعية شتوية ولوحات صامتة

ربما تكون شهرة إليزابيث بلاكادر أكبر بفضل لوحاتها البسيطة، التي تصور الزهور والقطط، لكن معرضاً جديداً لأعمالها يركز، بدلاً من ذلك، على المناظر الطبيعية الباردة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق معرض المدينة يتسم بالحس السريالي (الشرق الأوسط)

«المدينة»... معرض فوتوغرافي ينعى دفء الحياة الشعبية بلغة سريالية

«لقد أصبحتُ منسياً في شوارع مدينتي، لا لأنني رحلت عنها، بل لأن ملامحها التي عرفتني... لم تعد هنا».

محمد الكفراوي (القاهرة)
يوميات الشرق الرمز والتجريد يلتقيان في أعمال تستدعي التأمل وإعادة القراءة (الشرق الأوسط)

«حكايات» يبرز وجوه أحمد الصعيدي بين الذاكرة والواقع

في معرضه الجديد «حكايات» المقام بغاليري ضي بالزمالك، يواصل الفنان التشكيلي المصري أحمد الصعيدي تقديم عالمه البصري القائم على التداخل بين الإنسان والذاكرة.

نادية عبد الحليم (القاهرة)
يوميات الشرق اللوحة الشهيرة «ترتيب باللونين الرمادي والأسود (رقم 1 - صورة والدة الفنان) (متحف أورساي - باريس)

خلف لوحات ويسلر الحالمة... صوتٌ مشحون بالعاطفة

«القولُ إنّ الطبيعة على صواب دائماً ادعاءٌ، من الناحية الفنية، خاطئٌ تماماً، كما هي الحال مع حقيقةٍ يُسلّم بها الجميع»، هكذا صرّح الفنان جيمس ماكنيل ويسلر في…

إميلي لابارج (لندن)

«أحب الزهور كما النجوم» استعادة لأعمال يتجاوز عمرها نصف قرن

في مربّع «الأمير الصغير» يتخيّل تكوين الجنين في رحم زوجته (الشرق الأوسط)
في مربّع «الأمير الصغير» يتخيّل تكوين الجنين في رحم زوجته (الشرق الأوسط)
TT

«أحب الزهور كما النجوم» استعادة لأعمال يتجاوز عمرها نصف قرن

في مربّع «الأمير الصغير» يتخيّل تكوين الجنين في رحم زوجته (الشرق الأوسط)
في مربّع «الأمير الصغير» يتخيّل تكوين الجنين في رحم زوجته (الشرق الأوسط)

يستعيد نبض بيروت الثقافي حيويته تدريجياً، مع عودة النشاطات الفنية إلى المدينة. ويأتي معرض «أحب الزهور كما النجوم» للفنان الراحل عارف الريّس ليُضيء ذاكرة عاصمةٍ قلقة. وهو يتضمّن مجموعة لوحات تغطّي مراحل مختلفة من مسيرته التشكيلية. واختار غاليري «صفير زملر» في وسط بيروت، بالتعاون مع ابنته هالة الريّس، أعمالاً نفّذها بين عامَي 1958 و1980، تروي رحلة فنّية تنقلت بين العتمة والنور، والأزمنة السوداء وتلك الأكثر إشراقاً.

وفي مساحة هادئة تحتضن أكثر من 50 لوحة تتنوّع تقنياتها بين الباستيل والغواش و«الميكسد ميديا»، يخوض زائر «صفير زملر» رحلة فنّية مشبعة بالعاطفة والذاكرة. فابن مدينة عاليه يُعدّ أحد أبرز روّاد الفن التشكيلي الحديث في لبنان، وقد حمل في أعماله هواجس وطنه كما لحظات الأمل التي كانت تنتشله من قلقه الداخلي.

في معرض «أحب الزهور كما النجوم» لمحة عن العمارة المصرية (الشرق الأوسط)

في هذا المعرض الاستعادي، نراه يغوص في أزمنة الحرب والانقسامات الطائفية، قبل أن يُحلّق بالمشاهد فوق سماء لبنان الزرقاء أو يتأمل ملامح تكوين طفلته الوحيدة هالة. وبين هذين العالمين، يفسح المعرض حيّزاً لأعمال مستوحاة من العمارة المصرية القديمة. بينما تحضر طبيعة لبنان في لوحات صغيرة تنبض بجمال ريفه وضياعه، وقد نقلها الريّس إلى القماش المخملي بحسّ شاعري ودفء بصري لافت.

يستقبل الزائر عند مدخل الغاليري أحد أقدم أعماله، يعود إلى عام 1958، وتُصوّر 3 رجال من الطائفة الدرزية بلباسهم التراثي الجبلي. وهي لوحة أنجزها في بدايات مسيرته الفنّية خلال إقامته في بلدته الأم عاليه. وتشرح سيبيللا، إحدى المُشرفات على تنظيم المعرض، أنّ هذه الأعمال منفّذة بتقنية «الغواش»، وتقول: «كان جبل الشوف يومها يعيش توترات وانقسامات بين الطائفتين المسيحية والدرزية. وتكشف هذه الوجوه الثلاثة خصوصية ريشة الريّس في رسم البورتريه، وهي المرحلة التي انطلق منها قبل انتقاله إلى مدارس فنية أخرى».

ومع التقدُّم في الجولة، تطالع الزائر سلسلة لوحات بالأبيض والأسود توثّق أجواء الحرب اللبنانية القاتمة. وقد استُخرجت هذه الرسومات من كتاب «في طريق السلم» المؤلَّف من 75 صفحة، والذي أنجزه الريّس عام 1976 قبل أن يُنشر في السنة التالية. وفيه يُقدّم الفنان صرخة بصرية تختصر قسوة الحرب الأهلية ومآسيها. وتشير سيبيللا إلى أنّ هذه الأعمال «مُنعت من العرض لعام كامل بقرار من الرقابة التابعة للأمن العام اللبناني، قبل أن يُفرج عنها عام 1977».

وتتألَّف هذه المجموعة من مشاهد دمار واقتتال رسمها بقلم الرصاص على الورق الأبيض، لتبدو من بعيد كأنها غيمة سوداء تختصر مرحلة دامية من تاريخ لبنان.

«طريق السلام» بريشة الراحل عارف الريّس (الشرق الأوسط)

كما يُضيء المعرض على تأثُّر عارف الريّس بالمعماري المصري حسن فتحي، الملقَّب بـ«مهندس الفقراء». ويُعدّ أحد أبرز روّاد العمارة في العالم. وقد كرّمه الريّس بعد لقائه به عبر مجموعة لوحات تستلهم الهندسة المعمارية المصرية، فتظهر فيها البيوت الرملية والمساجد الحجرية والقناطر والأدراج والزخارف الفرعونية. قدّمها الفنان بألوان زاهية مثل الزهري والأصفر والأزرق، في أعمال تتوسَّط المعرض وتعكس شغفه بالتفاصيل الدقيقة وجمالية العمارة الشرقية.

وفي لوحات «الوردة» وأعمال أخرى تستحضر طبيعة لبنان، يُقدّم الريّس زهوَ الأرض الجبلية في الربيع كما في مختلف الفصول، في مقاربة بصرية تتقاطع فيها الذاكرة مع الحسّ التأملي. نفّذ بعض هذه اللوحات في عام 1980 مستخدماً تقنية «الميكسد ميديا»، وينقل فيها مشاهداته على الورق والقماش المخملي. وكلما اقترب المشاهد من اللوحة انكشفت طبقات أعمق من تفاصيل الطبيعة اللبنانية وغناها.

وتعكس غزارة الألوان التي يعتمدها ارتباطه العميق بالأرض، رغم تنقّله وإقامته في أكثر من محطة خارجية، بين أفريقيا وباريس والجزائر. ومع كلّ عودة إلى لبنان، كانت هذه العلاقة تتجدَّد وتزداد توتراً أو دفئاً. وكأنّ البلاد نفسها تعيد إشعال جذوة الانتماء في أعماله، فتتحوّل اللوحة إلى مساحة لقاء دائم بين الفنان ووطنه.

طبيعة لبنان بتقنية «الغواش» يرسمها على المخمل (الشرق الأوسط)

عام 1979، عندما علم بحَمْل زوجته بابنته هالة، اتّجه عارف الريّس إلى تأمّل هذا الحدث المُفرح من زاوية داخلية حميمة، محاولاً تحويل التجربة إلى مساحة بصرية نابضة. وانطلق يرسم سلسلة أعمال بتقنية الباستيل، يستحضر فيها مشاعره تجاه فكرة الطفل البكر قبل ولادته، متخيّلاً مراحل تكوّن الجنين داخل الرحم على أنها رحلة فنية تتدرّج من النواة إلى الاكتمال.

وفي مربّع خاص يحمل عنوان «الأمير الصغير» داخل صالة المعرض، تُروى هذه الحكاية بوصفها تجربة وجدانية فريدة، ويقدّم خلالها الريّس تصوّراته عن تشكّل الحياة عبر أشكال دائرية وأخرى عمودية وأفقية، ملوّنة بالأحمر والزهري والأصفر والأخضر، في لغة تشكيلية تمزج بين الرمزية والعاطفة.

وتُعلّق سيبيللا: «يمكننا من خلال هذه الرسوم إدراك طبيعتها الرمزية. الدوائر تجسّد مرحلة الحمل، بينما يعبّر الشكلان العمودي والأفقي عن دور الأب والأم، وكأننا أمام نظام بصري يشرح العلاقة بين الذكر والأنثى. حتى إنه صوَّر اكتمال نمو الجنين عبر أطرافه ووضعياته داخل الرحم، وذلك في قراءة بصرية لتكوّن الحياة قبل الولادة».


هل قُتل مؤسس «مانغو» إيزاك أنديك على يدَي ابنِه طمعاً في ثروته؟

إيزاك أنديك مؤسس مجموعة «مانغو» للملابس وابنه جوناثان المتهم بقتله (أ.ف.ب)
إيزاك أنديك مؤسس مجموعة «مانغو» للملابس وابنه جوناثان المتهم بقتله (أ.ف.ب)
TT

هل قُتل مؤسس «مانغو» إيزاك أنديك على يدَي ابنِه طمعاً في ثروته؟

إيزاك أنديك مؤسس مجموعة «مانغو» للملابس وابنه جوناثان المتهم بقتله (أ.ف.ب)
إيزاك أنديك مؤسس مجموعة «مانغو» للملابس وابنه جوناثان المتهم بقتله (أ.ف.ب)

يوم سقط إيزاك أنديك في الوادي خلال رحلة مشي في الطبيعة شتاء 2024، اتجهت الأنظار فوراً إلى ابنه جوناثان. وحدَه كان يرافق والده، وهو مَن سمعَه يُطلق شهقته الأخيرة بعد انزلاقه من أعلى تلّة ارتفاعُها 150 متراً.

ليس أنديك رجُلاً عادياً، إنما يُعدّ أحد أثرى أثرياء إسبانيا والأغنى على الإطلاق في منطقة كاتالونيا حيث وقع الحادث الأليم. كان حسابُه المصرفي يشير حينها إلى 4.5 مليار دولار، وثروتُه في عالم الأعمال تُختصَر بـ3 آلاف فرعٍ حول العالم من متاجر «مانغو» المعروفة للأزياء.

منذ وفاة أنديك عن 71 عاماً، أمضى نجلُه ساعات طويلة في المحاكم وأمام القضاة، إلا أنّ الأدلّة لم تكن كافية لتوقيفه. لكن قبل أيام، أُلقي القبض على جوناثان في برشلونة مُشتبهاً به في جريمة قتل والده.

أوقفت شرطة كاتالونيا جوناثان أنديك الشهر الماضي وأحضرته مكبّل اليدين إلى التحقيق (أ.ف.ب)

من بائع قمصان إلى إمبراطوريّة «مانغو»

عام 1969 حطّ إيزاك أنديك رحاله في إسبانيا، كان في الـ16 من عمره. عزمت العائلة التركية على الهجرة من إسطنبول إلى برشلونة لبدء حياةٍ جديدة هناك. لم تتوقّع حينها أن يتربّع ابنُها خلال سنوات على رأس إمبراطورية إحدى أشهر العلامات التجارية الخاصة بالملابس الجاهزة.

بعِصاميّة المُهاجر الشاب وبالتعاون مع شقيقه البكر نعمان، بدأ إيزاك يستورد القمصان المطرّزة والقباقيب المصنّعة في تركيا ويبيعها للمتاجر في برشلونة ومدريد. وما هي إلا سنوات قليلة حتى فتحَ متجرَين في المدينتَين الإسبانيتَين لتنطلق بعد ذلك رحلة «مانغو» عام 1984.

لم يلتقط آخر صورة...

أنديك الذي لطالما ردّد مقولة «حدودي السماء»، وقف على حافّة الهاوية ليلتقط صورةً للسماء وهي تعانق الجبال الشاهقة في منطقة مونسيرات الإسبانية. هكذا أخبرَ ابنُه جوناثان (45 عاماً) الذي كان قد سبقه بأمتار قبل أن يسمع صوت حجارة تسقط، ثم أبصر جثّةً تتدحرج بين الشجيرات وفق إفادته للشرطة.

كان على القاضية راكيل غالفان أن تدخل على خطّ القضية الغامضة، كي تبدأ الخيوط بالانكشاف. لاحظت غالفان تناقضات بين ادّعاءات أنديك الابن وحيثيّات موقع الوفاة. فعندما انتُشلت جثّة إيزاك، كان هاتفه في جَيبه الأمامي ولم يُعثر فيه على صور من المكان حيث كان موجوداً قبل أن يسقط.

النقطة الثانية التي استوقفت القاضية كانت ادّعاء جوناثان أنه قصد المكان للسير فيه قبل أسبوعين من الحادثة، فيما أظهرت بيانات تتبّع المركبات أنه قاد سيارته إلى المنطقة ثلاث مرات في الأسبوع الذي سبق وفاة والده. هذا عدا عن زَعمه أنّ هاتفه الشخصي قد سُرق بعد الحادثة.

سلسلة جبال مونسيرات الإسبانية حيث وقع الحادث (ويكيبيديا)

علاقة سامّة وهوَس بالمال

خلال سنوات الطفولة والمراهقة وفيما كان والده منشغلاً بتوسيع إمبراطوريته للأزياء، باعدت المسافات بين جوناثان وإيزاك. انتقل الولد إلى سويسرا للإقامة في مدرسة داخلية، ثم سافر إلى الولايات المتحدة الأميركية ليتخصّص في التواصل السمعي البصري. من الواضح أنه لم يكن مهتماً بعالم الموضة والتجارة. إلا أنه عاد إلى إسبانيا ليتابع دروساً في المحاسبة والإدارة. وفي عام 2005 خطا أولى خطواته داخل «مانغو»، ليتدرّج ويصبح في 2012 نائب رئيس المجموعة. لكن بعد نتائج مالية مخيّبة، جرّد الأب ابنَه من بعض مسؤولياته، ورقى المدير العام للعلامة التجارية توني رويز إلى منصب الرئيس التنفيذي في 2020؛ لتقتصر مسؤوليات الابن على قسم الملابس الرّجالية المُلحق بـ«مانغو».

عام 2020 قام إيزاك أنديك بترقية توني رويز إلى منصب رئيس تنفيذي (مانغو)

هذا القرار الحاسم أسهم في إحداث مزيدٍ من الشرخ بين الأب وابنه. وتذهب القاضية غالفان في تقريرها، إلى حدّ التلميح إلى علاقة سامّة كانت تجمع بينهما وإلى هوَس جوناثان بالمال، متحدّثةً عن «التلاعب العاطفي» الذي كان يمارسه على والده. وما كانت رحلةُ السير في جبال مونسيرات سوى جزءٍ من تلك اللعبة؛ إذ تكتب القاضية: «وافق الأب، في محاولة منه للمصالحة مع ابنه، على النزهة التي اقترحها الأخير حتى يتمكّن الاثنان من التحدّث على انفراد».

وفاة أسرع من تعديل الوصيّة

لحظة إعلان وفاته، تحوّل جوناثان أنديك وشقيقتاه جوديث وسارة إلى مالكين لـ95 في المائة من مجموعة «مانغو». أما توني رويز فبات يملك 5 في المائة من أسهم الشركة، وقد تسلّم رئاسة مجلس الإدارة بعد فترة وجيزة من الوفاة.

لكن وفق تقارير نشرتها كلٌّ من شبكة «بلومبرغ» وصحيفة «إل باييس» الإسبانية، فإنّ إيزاك أنديك كان يريد مصيراً مغايراً لثروته؛ إذ كان يخطّط لتأسيس جمعيّة خيريّة تَرِثُ جزءاً من أمواله بعد رحيله، وهو كان بصددِ تعديل وصيّته لهذه الغاية قبل مدّة وجيزة من وفاته.

قبل وفاته خطّط أنديك لترك جزء من ثروته لمؤسسة خيريّة (مانغو)

من جانبها، توقّفت صحيفة «فاينانشال تايمز» عند شهادات شهود كشفوا عن تدهور علاقة الأب وابنه خلال الأشهر الأخيرة من حياة إيزاك نتيجة غضبِ جوناثان من احتمال تقسيم تَرِكة العائلة ووصيّة والده. وهذا ما أكّدته القاضية غالفان في تقريرها، لافتةً إلى أنّ جوناثان انقلبَ رأساً على عقب بعد علمِه بنيّة والده تركَ قسم من أمواله لمؤسسة خيريّة منتصف عام 2024.

إيزاك اللطيف وجوناثان المتعالي

من بين الشهادات التي جمعتها «فاينانشال تايمز»، حديثٌ مع شخصٍ كان قد تقدّم لإجراء مقابلة عمل قبل سنوات في «مانغو». ويقول ذاك الرجل إنه فيما «كان إيزاك لطيفاً وودوداً للغاية، بدا جوناثان متعالياً ومتغطرساً».

وتضيف إحدى الشخصيات النافذة في برشلونة للصحيفة أنّ جوناثان كان معروفاً بأسلوب حياته الباذخ. أما زوجته باولا ناتا، وهي مؤثّرة على وسائل التواصل الاجتماعي، فتُشارك متابعيها صوراً بالأزياء الفاخرة، إلى جانب أسفارها ورحلاتها على متن اليخوت.

جوناثان أنديك وزوجته باولا معروفان بأسلوب حياتهما الباذخ (إنستغرام)

بالعودة إلى تقرير القاضية غالفان، فإنه جرى اعتقال جوناثان إيزاك على خلفيّة أدلّة تشير إلى أنّه «لعب دوراً فعّالاً ومتعمّداً» في وفاة والده، مما رفع القضية إلى مستوى التحقيق في جريمة قتل، وفق ما نقلت وكالة «رويترز». كما أشارت مذكّرة التوقيف إلى أنّ رسائل الابن عبر تطبيق «واتساب»، عبّرت عن «مشاعر كراهية واستياء وتفكير بالموت، وتحميل والده مسؤولية ما حدث».

أما إذا ثبُتَ تورُّط جوناثان في مقتل والده إيزاك أنديك فسيُحرم على الأرجح من إرثه الذي يبلغ 1.4 مليار دولار، والذي أودى به إلى السجن وبوالده إلى وادي الموت.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


بدء تنفيذ مبادرة ساعات العمل المرنة في الرياض

تشمل مبادرة ساعات العمل المرنة أكثر من 50 جهة في 6 مواقع عمل بمدينة الرياض (واس)
تشمل مبادرة ساعات العمل المرنة أكثر من 50 جهة في 6 مواقع عمل بمدينة الرياض (واس)
TT

بدء تنفيذ مبادرة ساعات العمل المرنة في الرياض

تشمل مبادرة ساعات العمل المرنة أكثر من 50 جهة في 6 مواقع عمل بمدينة الرياض (واس)
تشمل مبادرة ساعات العمل المرنة أكثر من 50 جهة في 6 مواقع عمل بمدينة الرياض (واس)

بدأ، الثلاثاء، تنفيذ مبادرة ساعات العمل المرنة في ست مناطق عمل بمدينة الرياض، وذلك ضمن الجهود الرامية إلى تعزيز كفاءة التنقل في العاصمة السعودية، ودعم انسيابية الحركة المرورية، وتحسين جودة الحياة.

جاءت هذه المبادرة التي تنفذها الهيئة الملكية لمدينة الرياض، بالشراكة مع وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، وتشمل المبادرة أكثر من 50 جهة حكومية في 6 مواقع عمل «المركز المالي (كافد)، المدينة الرقمية، حي السفارات، ليسن فالي، غرناطة بزنس، وواجهة روشن».

وتتضمن المبادرة زيادة نافذة الساعات المرنة إلى أربع ساعات في مواقع العمل الست، بما يتيح توزيع أوقات الحضور والانصراف على فترات زمنية متعددة، ويحد من تركز الحركة خلال ساعات الذروة.

وتُمكِّن المبادرة من توزيع أوقات حضور الموظفين لتصبح بالنسبة للجهات الخاضعة لنظام الخدمة المدنية من 5:30 حتى 9:30 صباحاً، أما الخاضعة لنظام العمل من 7:00 حتى 11:00 صباحاً.

ويتوقع أن تسهم المبادرة في توفير مرونة أكبر للموظفين في اختيار أوقات الحضور، بما ينعكس إيجاباً على تجربة العمل، ويرفع من كفاءة التنقل، ويدعم الجهود المستمرة لتطوير بيئة حضرية أكثر كفاءة واستدامة.

وتأتي هذه المبادرة ضمن منظومة متكاملة من الحلول والمشاريع التي تنفذها الهيئة لتطوير التنقل في العاصمة، إلى جانب مشاريع الطرق، والنقل العام، وإدارة الحركة المرورية، والحلول التنظيمية الحديثة، بما يواكب النمو المتسارع الذي تشهده المدينة.

وتُطبق المبادرة على الوظائف الإدارية ذات الجداول الثابتة، فيما تُستثنى منها القطاعات التي تتطلب طبيعة أعمالها استمرارية التشغيل وتقديم الخدمات، كالصحة والتعليم العام والوظائف الميدانية والتشغيلية.