«إثراء» في أسبوع الفن بالرياض... فنانون سعوديون وعالميون يتألقون

شارك المركز بمعرض عنوانه «المشهد والذاكرة»

«إثراء» في أسبوع الفن بالرياض... فنانون سعوديون وعالميون يتألقون
TT

«إثراء» في أسبوع الفن بالرياض... فنانون سعوديون وعالميون يتألقون

«إثراء» في أسبوع الفن بالرياض... فنانون سعوديون وعالميون يتألقون

سجل عدد من المؤسسات الفنية في السعودية حضوراً بارزاً في النسخة الأولى من أسبوع الرياض للفن، واحتضنت مساحات العرض أعمالاً فنية تنوعت في وسائطها بين التركيب واللوحات والتصوير الفوتوغرافي وأفلام الفيديو في معالجات مختلفة لعنوان أسبوع الفن، وهو «على مشارف الأفق».

في القاعات المتتالية نرى عرضاً للوحات رواد الفن السعودي؛ أمثال طه صبان وعبد الحليم رضوي ومحمد السليم ضمن مِسَاحَة عرض لمجموعة «SRMG» الإعلامية، أما مؤسسة «فن جميل» فقدمت مجموعة مختارة من الفيديوهات الفنية التي تعرض محطات أساسية في تطور فن الفيديو في المنطقة، وتتناول موضوعات مثل الهوية، والانتماء، والتحولات الثقافية.

نتوقف عند مَعْرِض مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي (إثراء) الذي يقدم مجموعة من الأعمال الفنية من مقتنيات إثراء التي سبق لها الظهور في معارض المركز. يقام المعرض تحت عنوان «المشهد والذاكرة»، ويسلط الضوء على العلاقة بين الذاكرة المادية والتحولات الفنية.

القيّم الفني للمعرض كميل المصلي يأخذنا في جولة بين الأعمال المختلفة، ويتحدث عن المشاركة بين «إثراء» وهيئة الفنون البصرية وأسبوع فن الرياض. يقول في بداية الجولة إن العرض يتجاوب مع عنوان أسبوع الفن، وهو «على مشارف الأفق»، ويضيف: «عدنا لمجموعة إثراء، واخترنا أعمالاً تتناغم مع هذا المفهوم، وأطلقنا على العرض عنوان (المشهد والذاكرة)، وهو يدور حول المشهد الطبيعي والبيئة وتأثيرها على الفنان ونشأته وهويته».

بيستوليتو والعزلة الرقمية

يبدأ العرض بعمل للفنان الإيطالي مايكل أنجلو بيستوليتو بعنوان «الأشخاص في تواصلهم»، وهنا يجب التوقف للحديث عن العمل الذي استوقف الزوار وأثار التعليقات. نحن أمام ما يشبه المرآة نرى فيها أشخاصاً من السعودية بعضهم واقف والبعض الآخر جالس، وفي كل أوضاعهم يجمع بينهم أمر واحد، وهو الهاتف الذكي، يبدو الأشخاص منشغلين عما حولهم بالجهاز الصغير في أيديهم. في بداية الأمر يتهيأ للزائر أنه في مقابل أشخاص حقيقيين، ولكن يدرك سريعاً أنه أيضا يظهر معهم، فالعمل أشبه بالمرآة التي تعرض صوراً لأشخاص، وتسمح للزائر بالوجود معهم. بهذا يصبح المشاهد جزءاً من موضوع اللوحة. يتحدث المصلي عن العمل المصنوع من الفولاذ المقاوم للصدأ «ستينليس ستيل» وهو مطبوع عليه صور بتقنية الطباعة بالحرير. «ينظر الفنان إلى كيفية انجذاب الناس وغرقهم في التكنولوجيا، يقصد الفنان أن يكون المشاهد جزءاً من العمل، وأن يكون واحداً من هؤلاء الأشخاص المعزولين عما حولهم، غير أن المشاهد أمامه الفرصة للتحرك خارج العمل، يمكنك أن تبعد نفسك عنهم أو تبعد الصلة بهم عبر تحركك خارج مجال الرؤية». يخبرنا المصلي. في رأي القيّم الفني العمل يصف الجيل الحالي بأنه «مشغول دائماً وغير متواصل... هو متصل على الدوام بجهازه».

من فلسطين أرشيف الذاكرة

داخل مِسَاحَة العرض نرى عملاً للفنان الفلسطيني حازم حرب بعنوان «المكان ملكي، السلسلة #3» وهو كولاج من الصور التي تصور مشاهد مختلفة من فلسطين. يشير المصلي إلى أن هوية الفنان ترتبط بمفهوم التهجير الذي يظهر كثيراً في أعماله، «هنا صنع حرب من مواد أرشيفية عمل كولاج فيه إعادة تركيب للذاكرة الجمعية، ويقوم بإعادة بناء التاريخ بطريقته». هل هذه الأماكن ما زالت موجودة؟ تساؤل يجيب عنه القيّم الفني: «هذا مكان به صراع وبعض هذه الأماكن قد لا تكون موجودة الآن، ولعل ذلك يفسر أن الفنان يقوم بإعادة تركيب المشهد».

«إعصار» لعبد الرحمن قطناني (إثراء)

«إعصار» هو عنوان عمل الفنان الفلسطيني عبد الرحمن قطناني، وهو عمل جاذب للبصر، فهو يبدو على هيئة الإعصار المكون من الأسلاك الشائكة التي تبعث الإحساس بالحدة والخشونة، وتكاد تنقل الناظر لعالم عدواني. يشير بيان العرض إلى أن الفنان نفذ العمل في عام 2020 في ذكرى النكبة، مستحضراً تهجير الفلسطينيين عام 1948م. استغرق الفنان ثمانية عشر شهراً من البحث والتأمل العميق خلال إقامته في «المدينة الدولية للفنون» في باريس، ليتشكّل من خلال تلك التجربة عمله «إعصار»، الذي يرمز إلى تصاعد العنف الذي دمّر حياة الأفراد والمجتمعات والمشهد الطبيعي في فلسطين.

حلويات النفط

من أعمال الفنانة السعودية مها الملوح يقدم العرض عملاً من سلسلة «حلويات النفط»، وهو عمل عرضته من قبل في عدد من المحافل المحلية والدولية. وكعادة الملوح نرى أمامنا قطعاً معتادة نراها في حياتنا اليومية، وقد لا نتوقف عندها كثيراً، ولكن ما يمر على عين الشخص العادي من دون أثر، يستوقف عين الفنان. وفي هذه الحالة كانت براميل النفط المعدنية الفارغة هي ما استوقف الملوح، وحولتها لعمل ملون ينتظم في تصميم جاذب أمام المشاهد ليثير لديه التفكير فيما وراء هذه القطع الملونة.

من أعمال الفنانة السعودية مها الملوح... يقدم العرض عملاً من سلسلة «حلويات النفط» (إثراء)

يقول المصلي إن البراميل «تبدو مثل أوراق الحلوى بعد استهلاكها»، وهو ما يطرحه عنوان العمل، ويضيف: «هي براميل مهملة تأخذها الفنانة، وتغير شكلها عبر الضغط، ما يخرج به المشاهد هو أن هذا الشكل جميل بصرياً»، ولكن هناك معنى جاد خلف ذلك: «العمل يخلط بين الجوانب الاجتماعية والاقتصادية للنفط وتأثيرها على الاقتصاد المحلي»، ويدعو المشاهدين إلى التفكير في علاقتهم بهذا المورد والبيئة، مما يثير نقاشات حول الاستدامة كما يتناغم طرح الفنانة مع رؤية 2030 من تنويع مصادر الدخل.

العالم يحترق والشبكة الاجتماعية

من أعمال الفنان المصري معتز نصر، نرى خريطة للعالم مصنوعة بأعواد الثقاب الملونة، يحمل العمل عنوان «احتراق»، ويبدو من خلاله اهتمام الفنان بمصير العالم والخوف عليه، يقول المصلي: «يعكس العمل تأثر الفنان بالأحداث والاضطرابات التي حدثت في العالم». ينقل لنا الفنان تلك الحالة الشعورية عبر استخدام أعواد الثقاب الملونة: «تبدو جميلة للناظر، ولكنها أيضاً حساسة، فما إن تشتعل إحداها حتى يشتعل الكل، هنا يجتمع الخوف والجمال». يعلق المنسق الفني.

«احتراق» معتز نصر (إثراء)

في القاعة يلفتنا عمل ملون ضخم يبدو مثل الشبكة الملونة وبالاقتراب منها نرى أن مركبة من قطع صغيرة ملونة، كل قطعة منها تمثل رجلاً أو امرأة مختلفين سواء في ألوان ونوعية الثياب، وحتى في الملامح وقصة الشعر. العمل للفنان دو هو سو ويحمل عنوان «شاشة». يقول المصلي في شرحه للعمل: «الفنان مهتم بالمجتمع، العمل يمكن عدّه قطعة تتأمل في فكرة المجتمع وأهمية التنوع وما يساهم به كل عنصر في سبيل الجميع».

الصور والأرشيف

يضم المعرض أيضاً عملاً فوتوغرافيا للفنان سلطان بن فهد بعنوان «1440م»، يُعيد تقديم صورة من أرشيف أرامكو، تُظهر الملك عبد العزيز في أثناء تفقده لحقول النفط عام 1947م من داخل سيارة، حيث يقوم الفنان بعكس الصورة، ليُظهر الملك المؤسس، وكأنه السائق، بينما تنعكس في مرآة السيارة صورة لشخص يتأمل الحقول النفطية.

«المشهد» لمعاذ العوفي (إثراء)

للفنان معاذ العوفي ثلاثة أعمال بعناوين «المشهد»، و«العائلة» و«من أنا»، وهي من مجموعة أكبر من الصور الفوتوغرافية التي يحاول العوفي من خلالها أرشفة النقوشات الصخرية والمناظر الطبيعية مثل فوهة بركان وغيرها من المشاهد في المدينة المنورة، يقول المصلي إن العوفي «استخدم المدينة المنورة ونواحيها بمثابة الاستوديو الخاص به».

«أحافير المعرفة» لمحمد الفرج (أثر)

أما الفنان محمد الفرج فيُعرض له عمل بعنوان «أحافير المعرفة». هنا صور فوتوغرافية لمراحل تأثر النخلة بسوسة النخيل «الأعمال هي جزء من محاولته لإثارة الوعي بالبيئة، تحمل أيضاً تساؤلات عن التاريخ والذاكرة» يعلق المصلى. يجمع عمل «أحافير المعرفة» بين أشكال عضوية تُشبه أحافير الزمن، ومقاربة فنية متعددة الوسائط، ليُجسد الروابط العميقة التي تحتفظ بذاكرة المنطقة. يتوسط العمل عرض فيديو يصوّر مزارعي الأرز في أثناء عملهم، حيث تخلق الأهازيج الإيقاعية وحركات الحصاد لوحة نابضة بالحياة من مشهد الزراعة في الأحساء بالمنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية.


مقالات ذات صلة

«مدينة واحدة وإمبراطوريتان»... قصة القسطنطينية وإسطنبول في معرض لندني

يوميات الشرق لوحة تصور آيا صوفيا من عام 1852 (متحف فيكتوريا آند ألبرت)

«مدينة واحدة وإمبراطوريتان»... قصة القسطنطينية وإسطنبول في معرض لندني

يتدثر المعرض بعباءة من الفن والثقافة ليسرد قصص التاريخ والسياسة بأسلوب مشوق يختصر تاريخ أكبر مدينة في أوروبا وعاصمة إمبراطوريتين؛ الأولى مسيحية، والثانية مسلمة.

عبير مشخص (لندن)
يوميات الشرق عمل للفنانة سلمى رضا (نادي عدسة)

«تروماي الإسكندرية»... معرض يحتفي بالذاكرة الإنسانية لـ«عروس المتوسط»

يعدّ «ترام الرمل» بالإسكندرية جزءاً أصيلاً من ملامح المدينة وذاكرتها اليومية، ورفيقاً لحكايات أجيال تعاقبت على شوارع «عروس المتوسط» ومحطاته الممتدة.

محمد عجم (القاهرة)
يوميات الشرق على كل متلقٍ أن يعثر على حكايته الخاصة داخل الأعمال (الشرق الأوسط)

«عَود على بدء» يعيد استكشاف أساطير العالم القديم

بينما اتجه كثيرون في المشهد الفني خلال القرن الماضي إلى استدعاء الكلاسيكيات القديمة عند مناقشة تأثير الأساطير، يعمل فنانون راهناً على توسيع نطاق تلك القصص.

نادية عبد الحليم (القاهرة )
يوميات الشرق السندريلا في مرحلة التألق والنجومية بعيون نور السيف (إدارة المعرض)

سعاد حسني «تحت الضوء» في الرياض

ترسم الأعمال المشاركة في معرض «وحدها تحت الضوء» المقام حالياً في الرياض عبر العديد من البورتريهات ما يمكن اعتباره صحيفة للأحوال النفسية للفنانة سعاد حسني.

حمدي عابدين (القاهرة )
يوميات الشرق في مربّع «الأمير الصغير» يتخيّل تكوين الجنين في رحم زوجته (الشرق الأوسط)

«أحب الزهور كما النجوم» استعادة لأعمال يتجاوز عمرها نصف قرن

مع التقدُّم في الجولة، تطالع الزائر سلسلة لوحات بالأبيض والأسود توثّق أجواء الحرب اللبنانية القاتمة...

فيفيان حداد (بيروت)

مصر: اقتراح برلماني بإنشاء نقابة لصناع المحتوى يفجر جدلاً

مبنى الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في مصر (فيسبوك)
مبنى الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في مصر (فيسبوك)
TT

مصر: اقتراح برلماني بإنشاء نقابة لصناع المحتوى يفجر جدلاً

مبنى الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في مصر (فيسبوك)
مبنى الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في مصر (فيسبوك)

فجَّر مقترح برلماني بشأن إنشاء نقابة لصُنَّاع المحتوى في مصر جدلاً واسعاً على وسائل التواصل الاجتماعي، بين مَن يراه فرصةً لتقنين أوضاع صُنَّاع المحتوى وتنظيم عملهم ومواجهة التجاوزات، ومن يُعده وسيلةً تمنحهم شرعيةً قانونيةً قد يستغلها بعضهم بطرق غير متوقعة لتحقيق مكاسب مادية من خلال محتوى قد يتضمَّن «تجاوزات».

وكان النائب محمد الجندي، عضو مجلس الشيوخ (الغرفة الثانية للبرلمان المصري)، قد تقدَّم باقتراح برغبة إلى رئيس المجلس بشأن إنشاء نقابة لصُنَّاع المحتوى الرقمي، ووضعِ إطار مهني وقانوني يُنظِّم ممارسة المهنة ويضمن الالتزام بالمعايير المهنية والأخلاقية، وفق ما نشرته وسائل إعلام محلية.

وأكد الجندي أنَّ صناعة المحتوى الرقمي أصبحت من أسرع القطاعات نمواً وتأثيراً في المجتمع المصري، في ظلِّ التطوُّر المتسارع الذي تشهده مجالات التكنولوجيا والاتصالات والتَّحوُّل الرقمي. وأضاف أنَّ المنصات الرقمية تحوَّلت إلى أدوات رئيسية في تشكيل الوعي العام، لا سيما مع تجاوز عدد مستخدمي الإنترنت 100 مليون مستخدم، إلى جانب الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي، مما يجعل هذا القطاع أحد أبرز المجالات الواعدة اقتصادياً وثقافياً.

وحظي المقترح بتفاعل لافت، إذ تصدَّر وسم «نقابة صُنَّاع المحتوى» قوائم الأكثر تداولاً على منصة «إكس» في مصر يومَي الجمعة والسبت. وتباينت الآراء بين مُؤيِّدٍ يرى في هذا المقترح فرصةً لتقنين الأوضاع وتنظيم عمل صُنَّاع المحتوى، ومُعارض يراه باباً خلفياً قد يتيح لبعض صُنَّاع المحتوى «الرديء» أو «غير اللائق» الظهور في الفضاء العام بصفةٍ مشروعة.

وفي هذا السياق، وصف خالد البرماوي، الخبير في وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الرقمي، وجود مقترح يستهدف تقنين أوضاع صُنَّاع المحتوى في مصر بأنه «أمر محمود ومطلوب»، لكنه أبدى تحفظه على فكرة إنشاء نقابة خاصة بهم. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «ربما نجد نموذجاً مشابهاً في الولايات المتحدة، لكنه لم يكن في صورة نقابة مستقلة، بل كان فرعاً تابعاً لإحدى النقابات الفنية يضمُّ مؤدي المحتوى. ومن حيث المبدأ، من المهم جداً تقنين أوضاع صُنَّاع المحتوى والمؤثرين، لكن السؤال هو: مَن الجهة التي ستتولى هذا التقنين؟ لا أعتقد أن الأمر يتطلَّب إنشاء نقابة، بل يمكن لصُنَّاع المحتوى أنفسهم، إذا أرادوا تنظيم عملهم وتطويره وحمايته، أن يؤسِّسوا رابطة أو اتحاداً أو جمعية، فالقانون يتيح ذلك».

وكان المقترح البرلماني قد أشار إلى أهمية إنشاء نقابة متخصِّصة لصُنَّاع المحتوى الرقمي تكون بمثابة مظلة قانونية ومهنية للعاملين في هذا المجال، تتولَّى تنظيم المهنة، ووضع ميثاق شرف مهني، وتوفير برامج التدريب والتأهيل، وحماية الحقوق الفكرية، ودعم المحتوى التعليمي والثقافي والتوعوي الهادف. كما لفت إلى أنَّ النمو المتسارع لهذه الصناعة لا يزال بحاجة إلى إطار قانوني ومهني منظَّم يحفظ حقوق العاملين فيها، ويُسهم في مواجهة بعض الظواهر السلبية المرتبطة بالمحتوى غير الهادف أو المضلل.

ويؤكد الخبير في الإعلام الرقمي أنَّ من حق صُنَّاع المحتوى تأسيس كيان يحمي حقوقهم، غير أنَّ حماية المجتمع يجب أن تظلَّ في إطار سلطة وعمل النقابات المعنية، والمجلس الأعلى للإعلام، ووزارة الاتصالات، خصوصاً جهاز تنظيم الاتصالات المعني بالتعامل مع المنصات الرقمية، وهذا الجهاز لا بدَّ أن يعمل على تقنين أوضاع صناع المحتوى.

وتشهد مصر، بصورة متزايدة، حالات توقيف لبعض صُنَّاع المحتوى أو «البلوغرز»؛ بسبب نشرهم محتوى يتضمَّن ما تصفه الجهات الأمنية بـ«تجاوزات تُضرُّ بقيم المجتمع والأسرة المصرية». وقد صدرت بالفعل أحكام بالسجن بحق عدد منهم، تصل في بعض الحالات إلى السجن لمدة 3 سنوات، إلى جانب غرامات مالية، وذلك استناداً إلى قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018.

وكان الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات قد أصدر تقريراً حول مؤشرات استخدام تطبيقات الإنترنت خلال 24 ساعة في العام الحالي، أشار فيه إلى زيادة ملحوظة في استخدام تطبيقات المحتوى الترفيهي بنسبة بلغت 60 في المائة. كما أظهرت مقارنة المؤشرات بالفترة نفسها من عام 2025 ارتفاع استخدام خدمات الإنترنت عبر الهاتف المحمول بنسبة 12 في المائة، بالتزامن مع زيادة عدد مستخدمي هذه الخدمات بنحو 7.9 مليون مستخدم جديد.


«دار إقامة كبار الفنانين» بمصر... ملاذ آمن لدراما آخر العمر

محمود حميدة وياسر جلال خلال زيارتهما للدار (دار إقامة كبار الفنانين)
محمود حميدة وياسر جلال خلال زيارتهما للدار (دار إقامة كبار الفنانين)
TT

«دار إقامة كبار الفنانين» بمصر... ملاذ آمن لدراما آخر العمر

محمود حميدة وياسر جلال خلال زيارتهما للدار (دار إقامة كبار الفنانين)
محمود حميدة وياسر جلال خلال زيارتهما للدار (دار إقامة كبار الفنانين)

في فيلا أنيقة بمدينة 6 أكتوبر (غرب القاهرة) تصدرتها لافتة «دار إقامة كبار الفنانين» تبدأ الحياة من جديد في أول دار من نوعها بمصر تستقبل الفنانين الكبار لتكون بمثابة حائط الأمان من غدر الزمن، والونس في أوقات الوحدة، والصحبة في خريف العمر.

يعيش الفنان حياة مبهجة حين يحقق نجاحات ويتصدر اسمه وصورته الأفيش ويحيطه التصفيق والإعجاب أينما حل، فيُستقبل بالزهور، ويُقيم في أفخم الفنادق، غير أن النهاية ليست دائماً وردية، لا سيما حين تنحسر الأضواء، وتتبدَّل الأحوال فينزوي، وقد لا يجد المسكن أو المأوى أو الرعاية المطلوبة حين يتقدَّم به العمر.

حدث هذا مع فنانين كبار، فقد عاشت الفنانة فاطمة رشدي إحدى رائدات الفن المصري الملقبة بـ«سارة برنار الشرق» أواخر أيامها في «بنسيون صغير» بوسط القاهرة بعد اعتزالها الفن وتدهور حالتها الصحية والمادية، وكان حلم حياتها أن يكون لها شقة تعيش بها، وتَدخَّل الفنان فريد شوقي لدى المسؤولين حتى خصَّصت لها الدولة وحدة سكنية، لكن الفنانة الرائدة رحلت بعد وقت قليل فلم تهنأ بالإقامة فيها.

دار إقامة كبار الفنانين مجهزة بخدمات كثيرة (إدارة الدار)

في حين عاش الفنان عبد العزيز مكيوي أحد نجوم فيلم «القاهرة 30» أواخر أيامه مُشرداً في شوارع الإسكندرية، وتدخلت نقابة الممثلين لعلاجه وإقامته بدار مسنين قبل وفاته؛ وغيرهما من حالات مماثلة عاشت قمة المجد، وشهدت نهاية مؤلمة على غرار الفنانَين زينات صدقي، وعبد الفتاح القصري. وهذه الحالات وغيرها كانت ماثلة أمام أعين نقابة الممثلين؛ ما جعلهم يتطلعون إلى إقامة دار لرعاية الفنانين الكبار.

يؤكد الدكتور أشرف زكي نقيب المهن التمثيلية، أن «دار إقامة كبار الفنانين كانت حلماً نتطلَّع إليه من واقع نهايات مأساوية عاشها بعض رموز الفن، لكن هذا الحلم ظلَّ بعيدَ المنال، ولم يتحوَّل إلى واقع سوى حين تدخَّل الشيخ سلطان القاسمي حاكم إمارة الشارقة لتمويله منذ البداية، فهو رجل محب لمصر، ويقدِّر الفنانين الذين أثروا الوجدان العربي، وقد تحمَّس لفكرة الدار، ويقوم برعايتها رعاية كاملة، ويتحمَّل جميع نفقاتها، وقد حرص منذ البداية لتكون هذه الدار مجانية بحيث لا يدفع الفنان أي رسوم مقابل إقامته».

ويضيف زكي لـ«الشرق الأوسط» أنه «عند تأسيس الدار رأينا أن تكون دار إقامة لكبار الفنانين وليست دار مسنين، لأن بعضهم لا يزال لديه تحفظ على مسمى (دار المسنين)».

وتحتفل الدار بمرور 3 سنوات على تشغيلها الذي بدأ في 16 يوليو (تموز) 2023، وقد حصلت مؤخراً على قطعة أرض جديدة بجوارها ضمن توسُّعاتها الجديدة، واستقبلت نحو 40 فناناً منذ افتتاحها. حسبما يقول مديرها الفنان محمود عبد الغفار، مضيفا لـ«الشرق الأوسط» أنها تستقبل كبار الفنانين للإقامة الكاملة بها مجاناً، وتُقدِّم لهم خدمة فندقية في غرف فردية أنيقة مكيفة بحمام خاص، كما تضم حمام سباحة، ومكتبة، وصالة رياضة، واستراحة لاستقبال الضيوف، وحديقة واسعة.

نقيب الممثلين أشرف زكي والفنان محمود عبد الغفار مع عدد من الفنانين (إدارة دار إقامة كبار الفنانين)

ويشير عبد الغفار إلى أن استقبال الفنانين يتم من خلال تقدُّمهم شخصياً، أو عبر ذويهم، بطلب للإقامة في الدار، وأحياناً من خلال الدكتور أشرف زكي، نقيب الممثلين ومؤسس الدار، الذي قد يجد بعض الفنانين متحرجين من التقدم بطلب الإقامة فيها، فيرفع عنهم هذا الحرج، ويدعوهم إلى الإقامة بها، كما حدث مع الفنان محيي إسماعيل.

وخلال جولة لـ«الشرق الأوسط» في الدار، التقينا الفنان نبيل نور الدين، الذي انتقل للإقامة فيها مؤخراً إثر حادث سير تعرّض له. ويقول: «كنت أعبر الشارع عندما صدمتني دراجة نارية، وخضعت إثر ذلك لجراحة صعبة أقعدتني عن الحركة فترة من الزمن. ورغم أن عائلتي مستورة الحال، والحمد لله، وأن أبناء إخوتي دعوني للإقامة معهم بدلاً من العيش بمفردي في منزلي، فإنني زرت الدار بعد أن اقترح عليَّ الدكتور أشرف زكي الإقامة فيها. وقد أعجبتني كثيراً، وفضّلت أن أعيش وسط أصدقائي. ووجدت فيها كل ما أحتاج إليه، من العلاج الطبيعي إلى نظافة المكان وأناقته، فضلاً عن توافر جميع الخدمات، حتى باتت بمثابة منزلي».

ويؤكد نبيل نور الدين أنه قرر التوقف عن التمثيل منذ عامين، بعد أن قدّم نحو 400 عمل فني، تنوعت بين الأفلام والمسلسلات والعروض المسرحية، موضحاً أن قراره جاء بسبب تحفظه على أجواء العمل الحالية. ويقول: «في الماضي، كنا ندخل موقع التصوير ونحن جميعاً أصدقاء، أما في السنوات الأخيرة فكنت أبقى وحيداً في غرفتي حتى ينادوني لتصوير المشهد. هذه ليست الأجواء التي اعتدتها وأحببتها».

الشاعرة كوثر مصطفى داخل مكتبة دار إقامة كبار الفنانين (إدارة الدار)

يحصل المقيمون في الدار على رعاية طبية ونفسية واجتماعية؛ إذ تضم عيادة طبية مجهزة، يتناوب عليها طبيب متخصص في أمراض القلب والحالات الحرجة، وطبيبة متخصصة في طب المسنين، إلى جانب استشاري للعلاج الطبيعي. كما تضم الدار مركزاً مجهزاً على أعلى مستوى للعلاج الطبيعي، يعمل تحت إشراف طبي، فضلاً عن توفير رعاية كاملة لمن لا يستطيع خدمة نفسه.

ويشير المخرج أشرف فايق، نجل شقيق الفنان محيي إسماعيل، الذي يقيم في الدار منذ أشهر عدًَّة، إلى أنه بعد انتهاء علاج إسماعيل في المستشفى، تقرر نقله إلى الدار بناءً على اقتراح من الدكتور أشرف زكي. وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «رأيت أن الدار لا ينقصها شيء، سواء من حيث الرعاية أو الإقامة الكاملة أو متابعة الحالة الصحية والنفسية»، لافتاً إلى أن عمه الكاتب بهيج إسماعيل يقيم في الدار منذ 3 سنوات. وأشاد فايق بهذا الصرح العظيم الذي يحفظ كرامة الفنانين، عادّاً ذلك نوعاً من التكريم للفنان.

وأحدثت زيارة الفنانين محمود حميدة، وياسر جلال لدار إقامة كبار الفنانين أثراً إيجابياً كبيراً في المقيمين؛ إذ حرصا على المرور بغرفهم والاطمئنان عليهم. ويلفت مدير الدار إلى أن هذه الزيارات تسعد المقيمين، مؤكداً أن الدار «بيت كل فناني مصر»، وأنها ترحب بزيارة الفنانين لزملائهم المقيمين فيها. ويوضح أن «الإقامة بالدار لا تقتصر على أعضاء نقابة الممثلين، بل تشمل فنانين من مختلف النقابات الفنية، مثل نقابتي الموسيقيين والسينمائيين».


عالم يبتكر «كوناً مصغراً» لقياس الزمن من دون ساعة

مصيدة مغناطيسية بصرية لذرات الروبيديوم عند درجة حرارة تبلغ نحو 0.0001 درجة مئوية فوق الصفر المطلق (جامعة برمنغهام)
مصيدة مغناطيسية بصرية لذرات الروبيديوم عند درجة حرارة تبلغ نحو 0.0001 درجة مئوية فوق الصفر المطلق (جامعة برمنغهام)
TT

عالم يبتكر «كوناً مصغراً» لقياس الزمن من دون ساعة

مصيدة مغناطيسية بصرية لذرات الروبيديوم عند درجة حرارة تبلغ نحو 0.0001 درجة مئوية فوق الصفر المطلق (جامعة برمنغهام)
مصيدة مغناطيسية بصرية لذرات الروبيديوم عند درجة حرارة تبلغ نحو 0.0001 درجة مئوية فوق الصفر المطلق (جامعة برمنغهام)

ابتكر عالم من جامعة برمنغهام البريطانية «كوناً مصغراً» في المختبر في محاولة تجريبية للإجابة على أحد أهم أسئلة العلم: «ما هو الزمن؟».

ونشر البروفيسور جيوفاني بارونتيني نتائج بحثه في مجلة «فيزيكال ريفيو ريسيرش»، موضحاً كيف يُمكن قياس تدفق الزمن من دون استخدام ساعة على الإطلاق.

ووفق الدراسة، تُوفِّر هذه التجربة بيئة اختبار قوية لأفكار علم الكون الكمومي والجاذبية، مما يعني أنه يُمكن الآن اختبار الأفكار المُتعلقة بنشأة الكون المبكر تجريبياً في المختبر.

كما يُمكن توسيع نطاق هذا النهج ليشمل أنظمة أكثر تعقيداً، وربما يسمح للباحثين باستكشاف فيزياء «الانفجار العظيم» و«الانكماش العظيم». ومحاكاة الثقوب السوداء في المختبر أو لاختبار النظريات المتنافسة في كيفية نشوء الزمن في الكون.

وكما أفاد بيان نشر الجمعة بأن هذه النتائج تُقدِّم نموذجاً علمياً ينبثق فيه مفهوم الزمن من التجربة نفسها، حيث تشير بعض نظريات الفيزياء إلى أن الكون، في جوهره، لا يمتلك زمناً داخلياً، بل هو حالة كمومية واحدة ثابتة، تُظهر فيها الجسيمات خصائص موجية وجسيمية. في حين تتعامل هذه النظرية الجديدة مع الكون بوصفه وحدة متكاملة من دون ساعة خارجية، وأن أي إحساس بالزمن ينشأ من العلاقات الداخلية بين أجزائه.

كيف يعمل الكون المصغر؟

استخدم بارونتيني سحابةً من 24 ألف ذرة فائقة البرودة، على بُعد أجزاء قليلة من المليار من الدرجة فوق الصفر المطلق، لإنشاء نظام كمومي مُحكم الإغلاق يُحاكي «كوناً» بسيطاً. حُصرت الجسيمات وفُصلت بواسطة حاجز رقيق مُشكَّل من شعاعي ليزر بترددات مختلفة، لتكوين منطقة مرصودة «مضيئة» وأخرى غير مرصودة «مظلمة» كما هو حال الكون الذي نعيش فيه.

يتمدد القطاع «المضيء» وينهار بشكل متكرِّر، مُختبراً السيناريو الافتراضي لما يُشبه الانفجار العظيم والانكماش العظيم، وهو سيناريو افتراضي يبدأ فيه تمدد الكون بالانعكاس في نهاية المطاف. وتُتيح هذه التجربة إعادة بناء تسلسل الأحداث من داخل الكون المصغَّر نفسه، دون الحاجة إلى أي مرجع لساعة مختبرية خارجية.

ووفق نتائج الدراسة فقد أثبتت التجربة أن الزمن قد ينشأ من التغيرات التي تحدث داخل النظام، بدلاً من اعتبار الزمن شيئاً خارجياً يعمل بشكل مستقل. وأثبت نموذج «الكون المصغر» إمكانية خلق «الزمن» من خلال فوضى الذَّرات وانتشارها وسلوكها داخل النظام أو ما يُعرف علمياً بـ«الإنتروبيا».

الزمن الإنتروبي قيد العمل

عندما يزداد أو ينقص انتشار الجسيمات في القطاع المضيء مع تحرك الذرات إلى الداخل أو إلى الخارج، يكون النظام «يتحرك للأمام في الزمن». وعندما لا يتغيَّر هذا التوزيع للذَّرات، يتوقف الزمن فعلياً.

أطلق بارونتيني على هذه العملية اسم «الزمن الإنتروبي» بعد أن وجد أن هذا النوع من الزمن يتدفَّق في اتجاه واحد ثابت، مما يُعطي «سهماً زمنياً» واضحاً يُرتِّب الأحداث ترتيباً متوالياً صحيحاً، حتى في نظام يتمدَّد وينكمش مثل كون مُصغَّر يتسارع أو يتباطأ تبعاً لكيفية تحرك الإنتروبيا.

قال بارونتيني: «في بعض نظريات الكون، خصوصاً نظرية (الجاذبية الكمومية)، لا يظهر الزمن كخاصية أساسية. ومع ذلك، في الحياة اليومية، يتدفَّق الزمن من الماضي إلى المستقبل. لماذا يحدث هذا، في حين أن معظم قوانين الفيزياء الأساسية تعمل بالطريقة نفسها في الاتجاهين الأمامي والخلفي؟».

ووفق النتائج المنشورة، تُقدم هذه الدراسة أوَّل دليل تجريبي مضبوط على أن «الزمن» يُمكن تعريفه بالتغيُّرات التي تحدث داخل النظام بدلاً من كونه «ساعة خارجية» كما نتصوَّره الآن.