الحرائق المدمّرة... خطر «غير مفهوم» للعلماء

رجل إطفاء وسط حرائق شمال غربي لوس أنجليس بكاليفورنيا (أ.ف.ب)
رجل إطفاء وسط حرائق شمال غربي لوس أنجليس بكاليفورنيا (أ.ف.ب)
TT

الحرائق المدمّرة... خطر «غير مفهوم» للعلماء

رجل إطفاء وسط حرائق شمال غربي لوس أنجليس بكاليفورنيا (أ.ف.ب)
رجل إطفاء وسط حرائق شمال غربي لوس أنجليس بكاليفورنيا (أ.ف.ب)

في عصر يشهد حرائق ضخمة تدمّر مدناً وتولّد أعمدة من الدخان مرئية من الفضاء، يقرّ العلماء بأنهم بعيدون عن فهم مختلف آثارها على البشر والطبيعة والمناخ.

وواجهت أثينا وهاواي ولوس أنجليس أخيراً حرائق مدمّرة، في حين حطّمت الحرائق في الغابات الكندية الأرقام القياسية خلال السنوات الأخيرة، حسب ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وفي العام الفائت، حذرت مجموعة علماء من مختلف أنحاء العالم، في تقرير دعمته وكالة الفضاء الأوروبية وشبكة «فيوتشر إيرث»، من أنّ هذه التغيرات في حدة الحرائق «تمثل خطراً غير مسبوق لا يزال غير مفهوم بشكل جيد».

ويسعى الباحثون في كل أنحاء العالم إلى فهم ما يحدث، فإمّا يستقلون طائرات تعبر الدخان الناتج عن الحرائق، أو يحللون صوراً بالأقمار الاصطناعية لأعمدة دخان مرئية من الفضاء أو يأخذون عينات من التربة والممرات المائية، محاولين تقييم آثار الحرائق على البشر والكوكب.

وأحياناً، يقع هؤلاء العلماء أنفسهم ضحايا للحرائق.

في نهاية ديسمبر (كانون الأول) 2021، طُلب بصورة مفاجئة من كريستين فيدنماير، وهي أستاذة في جامعة كولورادو متخصصة في تلوث الهواء والانبعاثات الناجمة عن الحرائق، إخلاء منزلها حيث كانت تعمل؛ لأنّ حريقاً كان يقترب منه بفعل الرياح.

وتقول لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «رأينا عمود دخان خلف منزلي مباشرة». واضطرت للفرار وسط الدخان والنيران مع عشرات آلاف من الأشخاص.

وفي اليوم التالي، شهدت المدينة تساقطاً للثلوج. وعندما عادت إلى المنزل، وجدته ممتلئاً بالسخام، وبدأ جيرانها يسألونها عن كيفية تنظيف المنازل المتضررة.

يقرّ العلماء بأنهم بعيدون عن فهم مختلف آثارها على البشر والطبيعة والمناخ (أ.ب)

«أسوأ عدوّ لنا»

يقول المؤرخ المتخصص في الحرائق، ستيفن باين، إنّ النار لطالما كانت بمثابة «رفيق» للبشرية، أما اليوم فباتت «أسوأ عدوّ لنا».

ويجعل التغير المناخي خلال القرن الفائت بعض الظروف، وهي الحرّ والجفاف والرياح القوية، مواتية بصورة أكبر لاندلاع حرائق مدمّرة.

لكنّ الاحترار ليس السبب الوحيد في تزايد الحرائق وتفاقم حدّتها.

فالأمطار الغزيرة التي يعززها التغير المناخي لأنّه يغيّر دورة المياه، تزيد من مخاطر الحرائق، لأنها تتسبب في نمو سريع للنباتات التي تصبح خلال فترة الجفاف التالية، بمثابة وقود مثالي للحرائق، كما حصل في لوس أنجليس.

وتوصلت أبحاث أُجريت في عام 2021 إلى وجود صلة بين ذوبان الطبقة الجليدية في القطب الشمالي وحرائق الغابات التي تزداد حدتها في غرب الولايات المتحدة.

لكن تكون الحرائق أحياناً ناجمة عن البرق أو خطوط كهرباء معطّلة أو متعمّدة ببساطة.

وفي عدد من المناطق، تسببت أساليب غير مناسبة للوقاية من الحرائق بتراكم النباتات القابلة للاشتعال.

- التلوّث -

يواصل العلماء اكتشاف تأثيرات جديدة.

فالحرائق تغيّر الطقس؛ إذ تبدّل الرياح وتطلق السخام عالياً ويمكن أن تسبب البرق.

كذلك، تولّد الحرائق كميات هائلة من ثاني أكسيد الكربون، وتؤثر حتى على الغلاف الجوي.

أطلقت حرائق الغابات الكندية سنة 2023 كمية من الكربون خلال 5 أشهر تفوق انبعاثات الكربون الناتجة عن احتراق الوقود في روسيا خلال عام واحد، وفق حسابات علماء في وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، مع العلم أنّ الأشجار أعادت امتصاص كمية منه.

في عام 2023، أظهر العلماء أن تفاعلاً كيميائياً ناتجاً عن الدخان المتأتي من حرائق هائلة في أستراليا تسبب باتساع ثقب الأوزون بنسبة 10 في المائة سنة 2020.

ويكون للحرائق أحيانا آثار غير متوقعة.

فرق الإطفاء تكافح الحرائق في لوس أنجليس (أ.ب)

أظهرت إحدى الدراسات أن الرماد الناتج عن حرائق أستراليا سقط في المحيط على بعد آلاف الأميال، مما أدى إلى تكاثر العوالق التي امتصت ثاني أكسيد الكربون الإضافي.

يجتاز هذا الرماد مسافات بعيدة. ويقول جوان يورت، من مركز الحوسبة الفائقة في برشلونة، الذي أشرف على الدراسة، إن بعضاً منها سقط على الغطاء الجليدي، مما أدى إلى ذوبانه بسرعة أكبر. ويتحدث عن «تغيير النظام» في القطب الشمالي.

- بقايا السخام -

خلال شتاء 2021 في كولورادو، تعيّن على كريستين فيدنماير معرفة كيفية تنظيف المنازل التي اسودّت بسبب الدخان، وهو ما يشكل قضية الساعة لعشرات الآلاف من سكان لوس أنجليس في مناطق الإخلاء.

وتقول الباحثة: «تتسرب مواد ضارة كثيرة عندما يحترق منزل أو سيارة أو أجهزة إلكترونية».

وأخذت مع زملائها عينات من الهواء والتربة والمنازل قبل تنظيفها وبعد ذلك.

وأظهر عملها أن البقايا الأكثر ضرراً تمتصها الجدران، حيث يمكن أن تبقى لأيام أو أشهر.

ولإزالة الدخان بشكل فعّال، تتمثل نصيحتها العلمية بغسل الجدران والأرضيات بالماء والصابون.


مقالات ذات صلة

دراسة: دخان حرائق الغابات قد يرفع خطر الإصابة بأنواع من السرطان

علوم جانب من حرائق غابات في إزمير (إكس)

دراسة: دخان حرائق الغابات قد يرفع خطر الإصابة بأنواع من السرطان

ومن بين 91460 مشاركا تم تسجيل بياناتهم بين عامي 2006 و2018، ارتبط التعرض لدخان حرائق الغابات بشكل كبير بزيادة خطر الإصابة بسرطان الرئة والقولون والمستقيم والثدي

«الشرق الأوسط» (سان دييغو)
العالم منزل دمّرته الحرائق في بلدة هاركورت بولاية فيكتوريا الأسترالية (إ.ب.أ)

إعلان حالة «الكارثة» في جنوب شرق أستراليا بعد حرائق غابات

أعلنت استراليا، اليوم السبت، حالة الكارثة في جنوب شرق البلاد بسبب حرائق حرجية أتت على منازل ومساحات شاسعة من الغابات في مناطق ريفية.

«الشرق الأوسط» (سيدني)
العالم أحد أفراد خدمة إطفاء الحرائق الريفية في نيو ساوث ويلز يحمل خرطوم مياه بعد أن دمر حريق غابات منازلَ على طول طريق جلينروك في كوليونغ (أ.ب)

حرائق الغابات تدمر 40 منزلاً وتقتل رجل إطفاء في أستراليا

تُوفي رجل إطفاء وهو يكافح حرائق دمَّرت نحو 40 منزلاً في ولايتين أستراليتين، حسبما قال مسؤولون، اليوم (الاثنين).

آسيا نمور في الهند (متداولة)

وفاة امرأة وإصابة صبي في هجومين منفصلين لنمور في الهند

قال مسؤولون، الخميس، إن امرأة لقيت حتفها وأصيب صبي بجروح خطيرة في هجومين منفصلين لنمور في مقاطعة بهرايش بإقليم أوتاربراديش.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
شمال افريقيا عناصر الحماية المدنية الجزائرية خلال مكافحة حريق في منطقة تيبازة الواقعة على بعد 70 كيلومتراً غرب العاصمة (الحماية المدنية الجزائرية عبر «فيسبوك»)

رئيس الجزائر يأمر بفتح تحقيق لكشف أسباب اندلاع حرائق كبيرة مؤخراً

أمر رئيس الجزائر عبد المجيد تبّون، بفتح تحقيق بعد حرائق كبيرة شهدتها البلاد في الأيام الأخيرة، اعتبرت غير اعتيادية لشهر نوفمبر.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

عالم يبتكر «كوناً مصغراً» لقياس الزمن من دون ساعة

مصيدة مغناطيسية بصرية لذرات الروبيديوم عند درجة حرارة تبلغ نحو 0.0001 درجة مئوية فوق الصفر المطلق (جامعة برمنغهام)
مصيدة مغناطيسية بصرية لذرات الروبيديوم عند درجة حرارة تبلغ نحو 0.0001 درجة مئوية فوق الصفر المطلق (جامعة برمنغهام)
TT

عالم يبتكر «كوناً مصغراً» لقياس الزمن من دون ساعة

مصيدة مغناطيسية بصرية لذرات الروبيديوم عند درجة حرارة تبلغ نحو 0.0001 درجة مئوية فوق الصفر المطلق (جامعة برمنغهام)
مصيدة مغناطيسية بصرية لذرات الروبيديوم عند درجة حرارة تبلغ نحو 0.0001 درجة مئوية فوق الصفر المطلق (جامعة برمنغهام)

ابتكر عالم من جامعة برمنغهام البريطانية «كوناً مصغراً» في المختبر في محاولة تجريبية للإجابة على أحد أهم أسئلة العلم: «ما هو الزمن؟».

ونشر البروفيسور جيوفاني بارونتيني نتائج بحثه في مجلة «فيزيكال ريفيو ريسيرش»، موضحاً كيف يُمكن قياس تدفق الزمن من دون استخدام ساعة على الإطلاق.

ووفق الدراسة، تُوفِّر هذه التجربة بيئة اختبار قوية لأفكار علم الكون الكمومي والجاذبية، مما يعني أنه يُمكن الآن اختبار الأفكار المُتعلقة بنشأة الكون المبكر تجريبياً في المختبر.

كما يُمكن توسيع نطاق هذا النهج ليشمل أنظمة أكثر تعقيداً، وربما يسمح للباحثين باستكشاف فيزياء «الانفجار العظيم» و«الانكماش العظيم». ومحاكاة الثقوب السوداء في المختبر أو لاختبار النظريات المتنافسة في كيفية نشوء الزمن في الكون.

وكما أفاد بيان نشر الجمعة بأن هذه النتائج تُقدِّم نموذجاً علمياً ينبثق فيه مفهوم الزمن من التجربة نفسها، حيث تشير بعض نظريات الفيزياء إلى أن الكون، في جوهره، لا يمتلك زمناً داخلياً، بل هو حالة كمومية واحدة ثابتة، تُظهر فيها الجسيمات خصائص موجية وجسيمية. في حين تتعامل هذه النظرية الجديدة مع الكون بوصفه وحدة متكاملة من دون ساعة خارجية، وأن أي إحساس بالزمن ينشأ من العلاقات الداخلية بين أجزائه.

كيف يعمل الكون المصغر؟

استخدم بارونتيني سحابةً من 24 ألف ذرة فائقة البرودة، على بُعد أجزاء قليلة من المليار من الدرجة فوق الصفر المطلق، لإنشاء نظام كمومي مُحكم الإغلاق يُحاكي «كوناً» بسيطاً. حُصرت الجسيمات وفُصلت بواسطة حاجز رقيق مُشكَّل من شعاعي ليزر بترددات مختلفة، لتكوين منطقة مرصودة «مضيئة» وأخرى غير مرصودة «مظلمة» كما هو حال الكون الذي نعيش فيه.

يتمدد القطاع «المضيء» وينهار بشكل متكرِّر، مُختبراً السيناريو الافتراضي لما يُشبه الانفجار العظيم والانكماش العظيم، وهو سيناريو افتراضي يبدأ فيه تمدد الكون بالانعكاس في نهاية المطاف. وتُتيح هذه التجربة إعادة بناء تسلسل الأحداث من داخل الكون المصغَّر نفسه، دون الحاجة إلى أي مرجع لساعة مختبرية خارجية.

ووفق نتائج الدراسة فقد أثبتت التجربة أن الزمن قد ينشأ من التغيرات التي تحدث داخل النظام، بدلاً من اعتبار الزمن شيئاً خارجياً يعمل بشكل مستقل. وأثبت نموذج «الكون المصغر» إمكانية خلق «الزمن» من خلال فوضى الذَّرات وانتشارها وسلوكها داخل النظام أو ما يُعرف علمياً بـ«الإنتروبيا».

الزمن الإنتروبي قيد العمل

عندما يزداد أو ينقص انتشار الجسيمات في القطاع المضيء مع تحرك الذرات إلى الداخل أو إلى الخارج، يكون النظام «يتحرك للأمام في الزمن». وعندما لا يتغيَّر هذا التوزيع للذَّرات، يتوقف الزمن فعلياً.

أطلق بارونتيني على هذه العملية اسم «الزمن الإنتروبي» بعد أن وجد أن هذا النوع من الزمن يتدفَّق في اتجاه واحد ثابت، مما يُعطي «سهماً زمنياً» واضحاً يُرتِّب الأحداث ترتيباً متوالياً صحيحاً، حتى في نظام يتمدَّد وينكمش مثل كون مُصغَّر يتسارع أو يتباطأ تبعاً لكيفية تحرك الإنتروبيا.

قال بارونتيني: «في بعض نظريات الكون، خصوصاً نظرية (الجاذبية الكمومية)، لا يظهر الزمن كخاصية أساسية. ومع ذلك، في الحياة اليومية، يتدفَّق الزمن من الماضي إلى المستقبل. لماذا يحدث هذا، في حين أن معظم قوانين الفيزياء الأساسية تعمل بالطريقة نفسها في الاتجاهين الأمامي والخلفي؟».

ووفق النتائج المنشورة، تُقدم هذه الدراسة أوَّل دليل تجريبي مضبوط على أن «الزمن» يُمكن تعريفه بالتغيُّرات التي تحدث داخل النظام بدلاً من كونه «ساعة خارجية» كما نتصوَّره الآن.


«القصص» للمنافسة في صالات السينما بعد حصده جوائز المهرجانات

أمير المصري ونيللي كريم وفاليري باشنر في مشهد من «القصص» (الشركة المنتجة)
أمير المصري ونيللي كريم وفاليري باشنر في مشهد من «القصص» (الشركة المنتجة)
TT

«القصص» للمنافسة في صالات السينما بعد حصده جوائز المهرجانات

أمير المصري ونيللي كريم وفاليري باشنر في مشهد من «القصص» (الشركة المنتجة)
أمير المصري ونيللي كريم وفاليري باشنر في مشهد من «القصص» (الشركة المنتجة)

بعد أشهر من عرضه الافتتاحي في الدورة الـ5 من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي»، ومشاركته في عدد من المهرجانات وحصوله على جوائز مهمة، من بينها «التانيت الذهبي» لأفضل فيلم في «مهرجان قرطاج»، ينطلق العرض التجاري لفيلم «القصص» في القاهرة يوم 17 يونيو (حزيران)، على أن يبدأ عرضه عربياً في 18 من الشهر نفسه.

الملصق الترويجي للفيلم (الشركة المنتجة)

يأتي عرض الفيلم في موسم سينمائي متنوع يضم أفلاماً جماهيرية كبيرة وأعمالاً كوميدية، مراهناً على 5 حكايات إنسانية تدور في خضم أحداث سياسية واجتماعية صاخبة. ويُقسِّم الفيلم هذه الحكايات إلى فصول تحمل عناوين منفصلة، ترتبط بفترات زمنية تمتد من ستينات القرن الماضي حتى أواخر الثمانينات، وكيف ألقت تلك الأحداث بظلالها على أسرة مصرية بسيطة. ويقدِّم الفيلم ذلك في إطار يمتزج فيه السرد الدرامي بالموسيقى والأغنيات ومباريات كرة القدم التي ارتبطت بتلك الحقبة، عبر قصة إنسانية مؤثرة تتناول العائلة والهوية والصمود وقوة الروابط الإنسانية.

ويتزامن العرض الجماهيري للفيلم مع ذكرى نكسة 5 يونيو 1967، التي تنطلق منها أحداث العمل، وذلك بعد نحو 59 عاماً من وقوعها. وكان عنوان الفيلم في البداية «صيف 67» قبل أن يُغيَّر إلى «القصص».

الفيلم من بطولة أمير المصري، ونيللي كريم، وكريم قاسم، والممثلة النمساوية فاليري باشنر، وأحمد كمال، وصبري فواز، وخالد مختار، وشريف الدسوقي، وأحمد العزاز، وعمرو عابد. وهو من تأليف وإخراج المخرج المصري - النمساوي أبو بكر شوقي، وإنتاج شركات «فيلم كلينك»، و«لاجوني للإنتاج السينمائي»، و«فيلم سكوير»، و«شوفها»، بمشاركة «صندوق البحر الأحمر السينمائي»، و«مؤسسة الدوحة للأفلام»، إلى جانب مشاركة كل من فرنسا والنمسا والسويد. وقد صُوِّرت مشاهده بين مصر والنمسا.

وأُقيم عرض خاص للفيلم، الأسبوع الماضي، في القاهرة بحضور طاقم العمل.

طاقم الفيلم في العرض الخاص بالقاهرة (الشركة المنتجة)

ويستعيد المخرج فيه زمن المراسلات البريدية، مستلهماً فكرته من قصة تعارف والديه، إذ ينتمي إلى أب مصري وأم نمساوية. وفي الفيلم يتلقَّى بطل العمل، وهو عازف بيانو شاب، رسالةً بريديةً من فتاة نمساوية بعدما نشر صورته ضمن باب لهواة المراسلة في إحدى المجلات، لتنشأ بينهما صداقة سرعان ما تتحوَّل إلى قصة حب. ويسافر أحمد إلى النمسا من أجلها، ويتعرَّف إلى أسرتها، لكنه يواجه رفضاً من والدها في البداية، في حين يواصل دراسته للموسيقى. ومع الصعوبات التي يواجهها هناك، واستشهاد شقيقه التوأم، يُقرِّر العودة إلى القاهرة.

ويتتبَّع الفيلم حياة أسرة مكونة من الأب، الذي يُجسِّد دوره أحمد كمال ويعمل موظفاً في الزراعة، والأم التي تؤدي دورها نيللي كريم، وتظهر أماً لـ3 أبناء كبار قبل أن تضع طفلها الرابع، إضافة إلى شقيقها العازف في «فرقة أم كلثوم»، الذي يؤدي دوره صبري فواز، وشقيق الزوج الذي يجسِّده شريف الدسوقي. ويجمع أفراد الأسرة شغف متابعة مباريات نادي الزمالك، في حين يرصد الفيلم أحوال المجتمع المصري وانعكاساتها على الأسرة، من هزيمة 1967 إلى نصر أكتوبر (تشرين الأول)، مروراً بمحطات سياسية مهمة، مثل مظاهرات 18 و19 يناير (كانون الثاني) 1977، واغتيال الرئيس أنور السادات عام 1981.

وعن العرض التجاري للفيلم، وما إذا كانت مشاركاته في المهرجانات وتتويجه بالجوائز تؤهِّله للمنافسة بقوة في الموسم الصيفي، يقول المنتج محمد حفظي: «المهرجانات والجوائز ليست شرطاً لضمان المنافسة في شباك التذاكر»، مشدداً على أن «القصص» يُنافس لأنَّه فيلم ممتع وجذاب، ويضم ممثلين يحظون بجماهيرية واسعة، مثل نيللي كريم، وأمير المصري، لافتاً إلى أنَّ «اختيارات الممثلين من أبرز عناصر قوة الفيلم».

وأضاف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «أُدرك أن المنافسة صعبة، لكننا نراهن على قدرة الفيلم على جذب الجمهور. فمَن يشاهده سيُشجع آخرين على مشاهدته، وأعتقد أنَّه قادر على المنافسة وسط الأفلام الكبيرة في موسم الصيف».

وتابع قائلاً: «بالطبع ليس هذا أمراً سهلاً، لكننا لا نقيس نجاح الفيلم فقط بإيرادات شباك التذاكر، بل بقدرته على البقاء في ذاكرة الجمهور لسنوات، ولديَّ شعور بأنَّه قد يُحقِّق مفاجأة على مستوى الإيرادات».

وعن أكثر ما جذبه إلى المشروع، يقول حفظي: «عملت مع أبو بكر شوقي في فيلمه الطويل الأول (يوم الدين)، ثم في فيلمه الثاني (هجَّان)، وأحببت مواصلة هذه التجربة معه، خصوصاً أنَّ سيناريو (القصص) أعجبني كثيراً، كما أنَّه مرتبط بشكل شخصي بالمخرج وأسرته. إضافة إلى ذلك، فإنَّ الفيلم إنتاج مشترك مع فرنسا والنمسا والسويد، وهي تجربة جديدة بالنسبة إلينا، انطوت على تحديات إنتاجية كثيرة، لذلك رغبت في خوضها».

وعن تغيير عنوان الفيلم من «صيف 1967» إلى «القصص»، يقول حفظي: «لأن الفيلم يروي حكايات عائلية، وفي أحد مشاهده تقول شخصية نيللي كريم لزوجة ابنها النمساوية: (عايزة أحكيلك قصص عيلتنا). وقد اقترح المخرج عنوان (القصص)، ورأينا أنه الأنسب، لأنَّ العمل لا يرتبط بأحداث عام 1967 فقط، بل يتناول أكثر من 20 سنة من حياة أسرة مصرية».

صبري فواز وشريف الدسوقي وخالد مختار في لقطة من الفيلم (الشركة المنتجة)

من جانبه، عدَّ الناقد السعودي أحمد العياد فيلم «القصص» من أجمل أفلام أبو بكر شوقي وأكثرها مصرية، مؤكداً أنه، على الرغم ممَّا قد يبدو عليه للوهلة الأولى من طابع أوروبي أو نخبوية فنية، فإنَّه في جوهره شديد القرب من الإنسان المصري والعربي، ومن أسئلته الوجودية وعلاقته بمحيطه وقدره.

وأضاف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «يمتد الفيلم عبر عقود عدة، مستعرضاً أحداثاً تاريخية بإيجابياتها وسلبياتها من منظور إنساني بسيط وعفوي، من دون أن يفقد حِسَّه الترفيهي ومتعة المشاهدة، عبر الأغنيات والملابس والحنين إلى أزمنة مضت. وقد قدَّم أمير المصري واحداً من أفضل أدواره، في حين كانت نيللي كريم، كعادتها، حاضرة بكاريزما وموهبة كبيرتين».

بيد أن العياد أبدى تحفظه على تغيير عنوان الفيلم، مؤكداً أن «صيف 67» كان أكثر خصوصية وجاذبية من «القصص».

ويلفت العياد إلى أن «القصص» يُمثل امتداداً طبيعياً لمشروع أبو بكر شوقي السينمائي، الذي لفت الأنظار عالمياً بفيلمه الأول (يوم الدين)، ومن ثَمَّ قدم التجربة السعودية المختلفة في (هجَّان)، مشيراً إلى أن «القصص» يبدو أقرب أفلامه إلى الجمهور، من دون أن يتخلى عن حساسيته الإنسانية وصوته السينمائي الخاص، وهو ما يجعل شوقي واحداً من أبرز المخرجين العرب الذين يمتلكون بصمةً واضحةً، وشخصيةً فنيةً متفردةً.


زائر استوائي في سماء ويلز... علماء يربطون الظاهرة بتغير المناخ

طائر مالك الحزين يظهر في شمال ويلز (شاترستوك)
طائر مالك الحزين يظهر في شمال ويلز (شاترستوك)
TT

زائر استوائي في سماء ويلز... علماء يربطون الظاهرة بتغير المناخ

طائر مالك الحزين يظهر في شمال ويلز (شاترستوك)
طائر مالك الحزين يظهر في شمال ويلز (شاترستوك)

أثار ظهور طائر مالك الحزين في شمال ويلز اهتماماً واسعاً بين علماء الطيور وهواة مراقبتها، بعدما سُجلت أول مشاهدة معروفة لهذا النوع الاستوائي في المملكة المتحدة، في تطور يرى فيه الخبراء دليلاً جديداً على تأثير التغير المناخي في أنماط انتشار الأنواع البرية.

ويُعد الطائر، المعروف أيضاً باسم البلشون الاستوائي، من الأنواع التي تنتشر عادة في المناطق الممتدة من غرب أفريقيا إلى الهند، غير أنه شُوهد الأسبوع الماضي في شمال ويلز، فيما يُعتقد أنها أول مشاهدة له على الإطلاق في المملكة المتحدة.

ورُصد الطائر للمرة الأولى في خليج فوريد خلال عطلة نهاية الأسبوع، قبل أن ينتقل إلى ميناء كارنارفون القريب، حيث شوهد يتغذى بين القوارب الراسية، وفق «الغارديان» البريطانية.

وعلى الرغم من أن المشاهدة أثارت حماس مراقبي الطيور في أنحاء البلاد، فإن الخبراء قالوا إنها تعكس أيضاً التغيرات التي طرأت على نطاق انتشار هذا النوع نتيجة التحولات المناخية.

وقال نِك موران، مدير التدريب في المؤسسة البريطانية لعلم الطيور: «إن وصول هذه الطيور إلى بريطانيا في المقام الأول، ومن ثَمَّ قدرتها على البقاء فيها، يُرجَّح أنه يعود إلى ازدياد اعتدال فصول الشتاء مقارنة بما كانت عليه في السابق».

وأضاف: «أصبح البقاء خلال الشتاء أسهل بكثير مما كان عليه قبل 50 عاماً، لأننا لم نعد نشهد تجمُّد المسطحات المائية الضحلة بصورة منتظمة. وهذه البلشونات، وكذلك طيور البلشون الأبيض، تعتمد عادة على المياه الضحلة نسبياً في التغذية».

وفي الوقت نفسه، استقطب ظهور بلشون السِّكواكو، وهو طائر استوائي نادر ينتشر عادة في جنوب أوروبا وشمال أفريقيا، أعداداً من هواة مراقبة الطيور إلى مقاطعة لينكولنشاير هذا الأسبوع. ووفقاً للمؤسسة البريطانية لعلم الطيور، لا يُشاهد هذا النوع في المملكة المتحدة إلا مرات قليلة سنوياً.

وقال ألكسندر ليز، الباحث والأستاذ المشارك في التنوع الحيوي بجامعة مانشستر متروبوليتان، ورئيس لجنة السجلات في اتحاد علماء الطيور البريطانيين، تُمثِّل هذه البلشونات أحدث الأمثلة على «أنواع كانت تُعد في السابق استوائية إلى حد كبير، لكنها باتت تتحرك شمالاً بفعل التغير المناخي».

وأضاف: «نشهد حالياً تحوّلاً وإعادة تكيُّف في التنوع الحيوي. فعلى سبيل المثال، سجلنا العام الماضي أول حالة تكاثر لطائر الزيتينغ سيستيكولا، وهو طائر مغرد صغير من منطقة البحر المتوسط انتقل شمالاً بفعل التغير المناخي. والسبب في عدم تكاثره هنا تاريخياً هو حساسيته الشديدة لفصول الشتاء القاسية؛ إذ لم يكن قادراً على البقاء، لأن أي موجة برد طويلة كانت ستقضي عليه. لكننا لم نعد نشهد مثل هذه الفترات الطويلة من الطقس البارد».

وشهدت المملكة المتحدة خلال السنوات الأخيرة ظهور عدد من الأنواع الاستوائية اللافتة، من بينها الحدأة سوداء الجناحين، التي سُجلت أول زيارة لها عام 2023 وما زالت تستقطب هواة مراقبة الطيور في نورفولك هذا العام، إضافة إلى طائر الأطيش البني الذي رُصد عام 2019، والسمامة بيضاء العجز التي بدأت بالانتشار في إسبانيا قادمة من شمال أفريقيا في ستينات القرن الماضي، قبل أن تُرصد في بريطانيا للمرة الأولى عام 2018.

وفي عام 2022، قالت الجمعية الملكية لحماية الطيور إن مشاهدات آكل النحل الأوروبي، المنتشر عادة في أفريقيا وجنوب أوروبا، تمثل «إشارة لا يمكن تجاهلها» إلى أن أزمة الطبيعة والمناخ وصلت إلى بريطانيا.

وأشار ليز إلى أن تسجيلات مالك الحزين تزايدت في جنوب أوروبا، بما في ذلك إسبانيا وفرنسا، خلال السنوات الأخيرة، ولذلك كان من المتوقع رصده في المملكة المتحدة.

وقال سايمون هيوغستون - روبرتس، أول من رصد الطائر في ويلز، لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، إنه كان في نزهة عندما «حالفه الحظ برؤية بلشون صغير داكن اللون يحلق فوق الشاطئ».

وأضاف: «أمضيت وقتاً في مراقبة الطيور في أفريقيا والشرق الأوسط، لذلك فأنا على دراية بأنواع مختلفة من طيور مالك الحزين، بما في ذلك هذا النوع»، وتابع: «اعتمدت على معرفتي وسنوات خبرتي في مراقبة الطيور لتحديد هوية الطائر».

من جانبه، قال إيان ليسيت، الذي سافر إلى شمال ويلز لرؤية الطائر، لموقع «بيرد غايدز»: «لم أكن أتوقع أن أقضي عطلة نهاية الأسبوع في مشاهدة نوع جديد ومذهل بالنسبة لبريطانيا، في حين تشكل قلعة كارنارفون المهيبة خلفية للمشهد».

وأضاف: «كانت الرحلة بالسيارة طويلة من لندن صباح الأحد، لكنها كانت تستحق العناء، إذ أتاح البلشون فرصة مشاهدة رائعة أثناء تغذيته في الميناء وعلى مسافة قريبة».

وعلى الرغم من أن مالك الحزين يشبه البلشون الأبيض الصغير الشائع من حيث الحجم والبنية، فإن ريشه الأزرق الرمادي يميّزه بوضوح، وقال موران: «إنه طائر لافت للنظر للغاية، ولا يشبه أي طائر آخر لدينا هنا في المملكة المتحدة».

وأضاف أن «الطائر الذي شوهد في ويلز بالغ، ومن المرجح أنه قدم من أوروبا لا مباشرة من أفريقيا، وإن كان من المستحيل التأكد من ذلك من دون تتبع مساره»، وتابع: «بل قد يكون طائراً فقس في أوروبا أصلاً».

ورغم أن موران حذَّر من توقع تدفق مفاجئ لهذا النوع إلى بريطانيا، فإنه رجّح تكرار مشاهدته مستقبلاً، قائلاً: «لا أتوقع أن نسجل عشرات الحالات بحلول هذا الوقت من العام المقبل، لكنني أرجّح بقوة أن نشهد المزيد من المشاهدات».