هل تحولت مزادات الأعمال الفنية لعرض تلفزيوني لا بدّ من مشاهدته؟

الدُّور باتت تبث مزاداتها مباشرةً أمام أعين ملايين المشاهدين حول العالم

بدء التجهيزات بغرفة التحكم في «كريستيز» للعمل خلال ليالي المزادات (كريستيز)
بدء التجهيزات بغرفة التحكم في «كريستيز» للعمل خلال ليالي المزادات (كريستيز)
TT

هل تحولت مزادات الأعمال الفنية لعرض تلفزيوني لا بدّ من مشاهدته؟

بدء التجهيزات بغرفة التحكم في «كريستيز» للعمل خلال ليالي المزادات (كريستيز)
بدء التجهيزات بغرفة التحكم في «كريستيز» للعمل خلال ليالي المزادات (كريستيز)

تستعد دار «سوذبيز» ودار «كريستيز» لإطلاق مجموعة من المزادات الكبرى في نيويورك، تُعنى بأعمال فنية تنتمي إلى مدارس الانطباعية والحداثة والمعاصرة. ومن المتوقع أن تجلب خلال هذه المزادات إحدى لوحات بابلو بيكاسو، التي أبدعها عام 1932، أكثر من 120 مليون دولار. وفي خضم ذلك، تُجري فرق من الخبراء الفنيين والمنتجين والمخرجين استعداداته داخل صالات البيع، كما لو كانوا من أفراد فريق عمل محطة «سي إن إن».

وحرص أفراد هذه الفرق على توفير مساحات أكبر لكاميرات الفيديو، وشاشات «ليد»، ومعدات الإضاءة المتخصصة، وذلك من خلال تقليص المساحة التي لطالما كانت قيمة للغاية ومخصَّصة لجلوس هواة جمع الأعمال الفنية والتجار المهتمين بها، وذلك بنسبة تقارب 30 في المائة.

رئيس مجلس إدارة «سوذبيز» يشرف على مزاد فريدي ميركوري (سوذبيز)

وكما هي الحال داخل أي محطة تلفزيونية، أضافت كل من «سوذبيز» و«كريستيز» غرف تحكّم تعجّ بمنتجين ومخرجين يراقبون كل زاوية للكاميرا، ويتابعون ما يجري داخل صالة البيع. ولا يتركز اهتمامهم على المشاركين بالمزاد فحسب، بل على الخبراء الممثلين للمشاركين في المزاد عبر الهاتف، والذين يقودون الدراما الدائرة داخل صالة البيع، ويقدمون المشورة لعملائهم من لندن إلى هونغ كونغ إلى الدوحة.

وعن ذلك، قالت غيليان غورمان راوند، مسؤولة التسويق في دار «كريستيز»، إن عمليات البث المباشر تلك بإمكانها «التقاط الطاقة الكامنة في اللحظة».

ومع ذلك، لا تصب هذه الاستعدادات الهائلة في صالح عالم الفن وكبار العملاء، فاليوم، أصبحت دور المزادات تبث مزاداتها مباشرةً أمام أعين ملايين المشاهدين في مختلف أرجاء العالم. كما تُبثّ وقائع المزادات مباشرةً عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ومنها «يوتيوب»، و«تيك توك»، و«فيسبوك»، و«إنستغرام لايف»، إلى جانب المواقع الإلكترونية الخاصة بالدور نفسها. ويجد المشاهدون العاديون أنفسهم مصدومين من كيفية إنفاق صفوة الـ1 في المائة من المجتمع العالمي لأموالهم.

اللافت أن الأسلوب الذي بدأ كطريقة لممارسة الأعمال التجارية في أثناء فترة الجائحة، تحوّل اليوم إلى فقرة ترفيه مسائية يستمتع بها المتلصصون الجدد خلال المواسم الكبرى لمبيعات دور المزادات في مايو (أيار) ونوفمبر (تشرين الثاني).

أوليفر باركر بائع مزادات «سوذبيز» يتلقى عروضاً خلال مزاد لـ«مجموعة إميلي فيشر لانداو»... (أ.ف.ب)

من جهته، قال أدريان ماير، رئيس قسم المبيعات الخاصة لدى «كريستيز»، وأحد كبار التجار في مزادات الدار: «قبل 20 عاماً، ساد اعتقاد بين الناس أنه يجب عليك أن تكون أحد أفراد النخبة كي تتمكن من مجرد المرور عبر باب دار المزادات. الآن، تمكنك مشاهدة عملية بيع وأنت جالس على أريكتك».

ومع أن الكثير من المشترين ما زالوا يحضرون عمليات البيع -ويراقب بعضهم من خلال صناديق مرتفعة مريحة أعلى صالة المزاد- فإن المشاهدة عبر الإنترنت تجذب الأشخاص الذين لا يريدون ببساطة الجلوس في غرفة المبيعات لمدة 3 ساعات، وهي المدة المعتادة لأي مزاد كبير.

واعترفت كل من «كريستيز» و«سوذبيز» بأن عدداً أقل من كبار هواة جمع الأعمال الفنية يفدون إلى المزادات، مفضلين مشاهدة أبرز الأحداث عبر الإنترنت في المنزل. وقالت ساندي هيلر، المستشارة الفنية المخضرمة التي ساعدت في تكوين بعض المجموعات الكبرى في العالم: «هذا هو عصر التكتم. وما هو الأمر الأكثر تكتماً من أن تتابع عملية بيع وأنت في منزلك عبر شاشة هاتفك؟».

حتى أحد رواد المزادات المخضرمين، ستيفن كوهين، الملياردير الذي يعمل في مجال صناديق التحوط ومالك «ميتس»، قال: «بالتأكيد القدرة على مشاهدة هذه المبيعات عبر الإنترنت تجعل الحياة أسهل».

وعبّر تشارلز ستيوارت، الرئيس التنفيذي لدار «سوذبيز»، عن اعتقاده أن دور المزادات عززت مبيعاتها عبر البث المباشر خلال فترة الإغلاق بسبب الجائحة عام 2020، عندما لم يتمكن الناس من رؤية الأعمال الفنية أو الذهاب إلى المزاد. لقد كانت لحظة مهمة طال انتظارها بالنسبة لنا من أجل التوسع رقمياً، وإعادة التفكير في تجربة المزادات الفعلية».

جدير بالذكر أن أول مزاد نظمته «كريستيز» وبُثّ على الهواء مباشرة خلال الجائحة، جذب نحو 100.000 شخص، طبقاً لما أعلنته الدار. وتحدث مارك بورتر، رئيس عمليات «كريستيز» بالأميركتين، عن المزاد الذي جرى في يوليو (تموز) 2020، وتضمن أعمالاً فنية تنتمي للمدارس الانطباعية والحديثة وما بعد الحرب والمعاصرة. وأوضح أن الإنتاج كان بسيطاً، وجرى التصوير باستخدام كاميرا واحدة فقط. إلا أنه استطرد بأن هذا المزاد ساعد على «إطلاق ما أصبح الآن أشبه بعرض في برودواي».

موظفو «سوذبيز» يتلقون مزايدات عبر الهاتف (أ.ف.ب)

ومنذ ذلك الحين، استعانت دور المزادات الثلاث الكبرى (كريستيز، سوذبيز وفيليبس) بشركات إنتاج، وأضافت المزيد من القنوات، وحوّلت هذه الأحداث إلى ما سمّاه ستيوارت «عملاً تلفزيونياً تجب مشاهدته»، مستعيراً الشعار الإعلاني الشهير الخاص بشبكة «إن بي سي». ورغم أن «فيليبس»، دار المزادات الأصغر، لم تقلّص قاعات مبيعاتها، فإنها حرصت في الوقت نفسه على إتاحة مزاداتها الكبيرة عبر «يوتيوب»، و«فيسبوك»، و«تويتر»، و«إنستغرام»، و«لينكد إن»، علاوة على إتاحتها داخل الصين عبر «وي تشات» و«ويبو» و«ريد».

وجاء الاستقبال العالمي المرحِّب بمثابة مفاجأة للخبراء في كل مكان. ومن مايو 2022 حتى مايو الماضي، ارتفعت مشاهدات مزادات «كريستيز» بنسبة 25 في المائة، من 3.7 مليون إلى 4.6 مليون، مع وجود 10 كاميرات تتولى تصوير وقائع المزادات. (لا تشمل هذه الأرقام الأشخاص الذين يشاهدون المزادات في وقت لاحق عبر «يوتيوب»). من ناحيتها، قالت بوني برينان، رئيسة «كريستيز» في الأميركتين: «لم نتوقع هذه الأرقام قط، وهي تعكس قوة وسائل التواصل الاجتماعي».

ومع وجود مثل هذا العدد الكبير من الجماهير والكثير من الأمور على المحكّ، فإن بائعي مزادات «سوذبيز» أصبحوا حريصين اليوم على تقليص أي أحاديث لهم من دون ترتيب مسبق. في الوقت نفسه، يتولى فريقُ تحريرٍ كتابةَ نصوص المبيعات الكبرى مع وصف موجز لكل عمل فني معروض عبر جهاز ملقّن.

قال أوليفر باركر، رئيس دار «سوذبيز» في أوروبا وأحد أبرز التجار بها، الذي يقدم الآن عروضاً ليس فقط من داخل صالات المبيعات ومع المزايدين عبر الهاتف، بل كذلك عبر الإنترنت، ما يجعل العملية أكثر سهولة بكثير: «إن التحدث باستخدام الملقن يجعل الأمر أكثر سلاسة واحترافية، وكذلك أكثر تحدياً من ذي قبل».

يُذكر أن البائعين في مزادات «كريستيز» يجابهون التعقيدات نفسها، لكنهم يستخدمون الملقن للإعلان عن بيانات تخص صالة المبيعات، وليس بالمزادات الفعلية.

وتوفر دور المزادات خبراء في تصفيف الشعر والمكياج للبائعين في المزادات والمتعاونين مع المشاركين في المزادات عبر الهاتف. عن هذا، قالت غورمان راوند: «أشدّد على الخبراء بضرورة ألا يَظهروا بوجوه عابسة أو يأتوا بأي سلوك سيئ».

ومثلما هي الحال لدى البرامج التلفزيونية، فلدى «سوذبيز» أيضاً معلنون. ويمكن رؤية عبارة «بالتعاون مع سامسونغ» داخل صالة مزادات «سوذبيز»، وعبر مواقعها الإلكترونية وفي مقاطع الفيديو الترويجية. وتلتزم شركة الإلكترونيات العملاقة دفع مبلغ مالي ثابت لا تكشف عنه، نظير ذلك.

وفي سياق متصل، أوضحت دار «كريستيز» أنها لا تملك النوع نفسه من الإعلانات، ولكن خلال فترة الجائحة ارتدى البائعون الذكور لديها بدلات «بريوني»، بينما ارتدت السيدات ملابس من «ألكسندر ماكوين». ويتبع «بريوني» و«ألكسندر ماكوين»، مؤسسة «كيرينغ»، وهي بدورها جزء من مجموعة «أرتيميس غروب»، الشركة القابضة المالكة لدار «كريستيز».

ومثلما الحال مع مباريات كرة القدم، تزداد حفلات المزاد شعبية يوماً بعد آخر، وأصبحت محط حديث مرتادي شبكات التواصل الاجتماعي، في الوقت الذي تحوّل البائعون في المزادات إلى نجوم عبر هذه الشبكات.

* خدمة: «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

عالم يبتكر «كوناً مصغراً» لقياس الزمن من دون ساعة

يوميات الشرق مصيدة مغناطيسية بصرية لذرات الروبيديوم عند درجة حرارة تبلغ نحو 0.0001 درجة مئوية فوق الصفر المطلق (جامعة برمنغهام)

عالم يبتكر «كوناً مصغراً» لقياس الزمن من دون ساعة

ابتكر عالم من جامعة برمنغهام الإنجليزية «كوناً مصغراً» في المختبر في محاولة تجريبية للإجابة على أحد أهم أسئلة العلم: «ما هو الزمن؟».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق طائر مالك الحزين يظهر في شمال ويلز (شاترستوك)

زائر استوائي في سماء ويلز... علماء يربطون الظاهرة بتغير المناخ

طائر مالك الحزين هو من الأنواع التي تنتشر عادةً في المناطق الممتدة من غرب أفريقيا إلى الهند، غير أنه شوهد الأسبوع الماضي في شمال ويلز.

«الشرق الأوسط» (ويلز)
يوميات الشرق أفراد العائلة المالكة على شرفة قصر باكنغهام خلال استعراض «تروبينغ ذا كولور» (إ.ب.أ)

«تروبينغ ذا كولور»... بريطانيا تحيي تقليداً ملكياً عمره قرون

شهدت العاصمة البريطانية لندن، السبت، احتفالات رسمية بمناسبة العيد الرسمي لميلاد الملك تشارلز الثالث، وذلك من خلال مراسم «تروبينغ ذا كولور» التقليدية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق دير المحرق بأسيوط من مسار رحلة العائلة المقدسة (وزارة السياحة والآثار)

خطط مصرية لدعم السياحة بمسار «رحلة العائلة المقدسة»

بالتزامن مع إحياء ذكرى مرور العائلة المقدسة إلى أرض مصر، استضاف المتحف القبطي بالقاهرة ندوة بعنوان «مبارك شعبي مصر» لتسليط الضوء على أحد المسارات الدينية.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق أمام إحدى لوحاته «غراند كانيون عن قرب» في مركز جورج بومبيدو بباريس (رويترز)

رحيل ديفيد هوكني... الرّسام الذي أعاد الاعتبار للفن التشخيصي عن 88 عاماً

ظلَّ ديفيد هوكني فناناً غزير الإنتاج على نحو استثنائي، وواصل العمل الإبداعي حتى سنواته الأخيرة.

هولاند كوتير (لندن)

مصر: اقتراح برلماني بإنشاء نقابة لصناع المحتوى يفجر جدلاً

مبنى الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في مصر (فيسبوك)
مبنى الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في مصر (فيسبوك)
TT

مصر: اقتراح برلماني بإنشاء نقابة لصناع المحتوى يفجر جدلاً

مبنى الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في مصر (فيسبوك)
مبنى الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في مصر (فيسبوك)

فجَّر مقترح برلماني بشأن إنشاء نقابة لصُنَّاع المحتوى في مصر جدلاً واسعاً على وسائل التواصل الاجتماعي، بين مَن يراه فرصةً لتقنين أوضاع صُنَّاع المحتوى وتنظيم عملهم ومواجهة التجاوزات، ومن يُعده وسيلةً تمنحهم شرعيةً قانونيةً قد يستغلها بعضهم بطرق غير متوقعة لتحقيق مكاسب مادية من خلال محتوى قد يتضمَّن «تجاوزات».

وكان النائب محمد الجندي، عضو مجلس الشيوخ (الغرفة الثانية للبرلمان المصري)، قد تقدَّم باقتراح برغبة إلى رئيس المجلس بشأن إنشاء نقابة لصُنَّاع المحتوى الرقمي، ووضعِ إطار مهني وقانوني يُنظِّم ممارسة المهنة ويضمن الالتزام بالمعايير المهنية والأخلاقية، وفق ما نشرته وسائل إعلام محلية.

وأكد الجندي أنَّ صناعة المحتوى الرقمي أصبحت من أسرع القطاعات نمواً وتأثيراً في المجتمع المصري، في ظلِّ التطوُّر المتسارع الذي تشهده مجالات التكنولوجيا والاتصالات والتَّحوُّل الرقمي. وأضاف أنَّ المنصات الرقمية تحوَّلت إلى أدوات رئيسية في تشكيل الوعي العام، لا سيما مع تجاوز عدد مستخدمي الإنترنت 100 مليون مستخدم، إلى جانب الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي، مما يجعل هذا القطاع أحد أبرز المجالات الواعدة اقتصادياً وثقافياً.

وحظي المقترح بتفاعل لافت، إذ تصدَّر وسم «نقابة صُنَّاع المحتوى» قوائم الأكثر تداولاً على منصة «إكس» في مصر يومَي الجمعة والسبت. وتباينت الآراء بين مُؤيِّدٍ يرى في هذا المقترح فرصةً لتقنين الأوضاع وتنظيم عمل صُنَّاع المحتوى، ومُعارض يراه باباً خلفياً قد يتيح لبعض صُنَّاع المحتوى «الرديء» أو «غير اللائق» الظهور في الفضاء العام بصفةٍ مشروعة.

وفي هذا السياق، وصف خالد البرماوي، الخبير في وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الرقمي، وجود مقترح يستهدف تقنين أوضاع صُنَّاع المحتوى في مصر بأنه «أمر محمود ومطلوب»، لكنه أبدى تحفظه على فكرة إنشاء نقابة خاصة بهم. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «ربما نجد نموذجاً مشابهاً في الولايات المتحدة، لكنه لم يكن في صورة نقابة مستقلة، بل كان فرعاً تابعاً لإحدى النقابات الفنية يضمُّ مؤدي المحتوى. ومن حيث المبدأ، من المهم جداً تقنين أوضاع صُنَّاع المحتوى والمؤثرين، لكن السؤال هو: مَن الجهة التي ستتولى هذا التقنين؟ لا أعتقد أن الأمر يتطلَّب إنشاء نقابة، بل يمكن لصُنَّاع المحتوى أنفسهم، إذا أرادوا تنظيم عملهم وتطويره وحمايته، أن يؤسِّسوا رابطة أو اتحاداً أو جمعية، فالقانون يتيح ذلك».

وكان المقترح البرلماني قد أشار إلى أهمية إنشاء نقابة متخصِّصة لصُنَّاع المحتوى الرقمي تكون بمثابة مظلة قانونية ومهنية للعاملين في هذا المجال، تتولَّى تنظيم المهنة، ووضع ميثاق شرف مهني، وتوفير برامج التدريب والتأهيل، وحماية الحقوق الفكرية، ودعم المحتوى التعليمي والثقافي والتوعوي الهادف. كما لفت إلى أنَّ النمو المتسارع لهذه الصناعة لا يزال بحاجة إلى إطار قانوني ومهني منظَّم يحفظ حقوق العاملين فيها، ويُسهم في مواجهة بعض الظواهر السلبية المرتبطة بالمحتوى غير الهادف أو المضلل.

ويؤكد الخبير في الإعلام الرقمي أنَّ من حق صُنَّاع المحتوى تأسيس كيان يحمي حقوقهم، غير أنَّ حماية المجتمع يجب أن تظلَّ في إطار سلطة وعمل النقابات المعنية، والمجلس الأعلى للإعلام، ووزارة الاتصالات، خصوصاً جهاز تنظيم الاتصالات المعني بالتعامل مع المنصات الرقمية، وهذا الجهاز لا بدَّ أن يعمل على تقنين أوضاع صناع المحتوى.

وتشهد مصر، بصورة متزايدة، حالات توقيف لبعض صُنَّاع المحتوى أو «البلوغرز»؛ بسبب نشرهم محتوى يتضمَّن ما تصفه الجهات الأمنية بـ«تجاوزات تُضرُّ بقيم المجتمع والأسرة المصرية». وقد صدرت بالفعل أحكام بالسجن بحق عدد منهم، تصل في بعض الحالات إلى السجن لمدة 3 سنوات، إلى جانب غرامات مالية، وذلك استناداً إلى قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018.

وكان الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات قد أصدر تقريراً حول مؤشرات استخدام تطبيقات الإنترنت خلال 24 ساعة في العام الحالي، أشار فيه إلى زيادة ملحوظة في استخدام تطبيقات المحتوى الترفيهي بنسبة بلغت 60 في المائة. كما أظهرت مقارنة المؤشرات بالفترة نفسها من عام 2025 ارتفاع استخدام خدمات الإنترنت عبر الهاتف المحمول بنسبة 12 في المائة، بالتزامن مع زيادة عدد مستخدمي هذه الخدمات بنحو 7.9 مليون مستخدم جديد.


«دار إقامة كبار الفنانين» بمصر... ملاذ آمن لدراما آخر العمر

محمود حميدة وياسر جلال خلال زيارتهما للدار (دار إقامة كبار الفنانين)
محمود حميدة وياسر جلال خلال زيارتهما للدار (دار إقامة كبار الفنانين)
TT

«دار إقامة كبار الفنانين» بمصر... ملاذ آمن لدراما آخر العمر

محمود حميدة وياسر جلال خلال زيارتهما للدار (دار إقامة كبار الفنانين)
محمود حميدة وياسر جلال خلال زيارتهما للدار (دار إقامة كبار الفنانين)

في فيلا أنيقة بمدينة 6 أكتوبر (غرب القاهرة) تصدرتها لافتة «دار إقامة كبار الفنانين» تبدأ الحياة من جديد في أول دار من نوعها بمصر تستقبل الفنانين الكبار لتكون بمثابة حائط الأمان من غدر الزمن، والونس في أوقات الوحدة، والصحبة في خريف العمر.

يعيش الفنان حياة مبهجة حين يحقق نجاحات ويتصدر اسمه وصورته الأفيش ويحيطه التصفيق والإعجاب أينما حل، فيُستقبل بالزهور، ويُقيم في أفخم الفنادق، غير أن النهاية ليست دائماً وردية، لا سيما حين تنحسر الأضواء، وتتبدَّل الأحوال فينزوي، وقد لا يجد المسكن أو المأوى أو الرعاية المطلوبة حين يتقدَّم به العمر.

حدث هذا مع فنانين كبار، فقد عاشت الفنانة فاطمة رشدي إحدى رائدات الفن المصري الملقبة بـ«سارة برنار الشرق» أواخر أيامها في «بنسيون صغير» بوسط القاهرة بعد اعتزالها الفن وتدهور حالتها الصحية والمادية، وكان حلم حياتها أن يكون لها شقة تعيش بها، وتَدخَّل الفنان فريد شوقي لدى المسؤولين حتى خصَّصت لها الدولة وحدة سكنية، لكن الفنانة الرائدة رحلت بعد وقت قليل فلم تهنأ بالإقامة فيها.

دار إقامة كبار الفنانين مجهزة بخدمات كثيرة (إدارة الدار)

في حين عاش الفنان عبد العزيز مكيوي أحد نجوم فيلم «القاهرة 30» أواخر أيامه مُشرداً في شوارع الإسكندرية، وتدخلت نقابة الممثلين لعلاجه وإقامته بدار مسنين قبل وفاته؛ وغيرهما من حالات مماثلة عاشت قمة المجد، وشهدت نهاية مؤلمة على غرار الفنانَين زينات صدقي، وعبد الفتاح القصري. وهذه الحالات وغيرها كانت ماثلة أمام أعين نقابة الممثلين؛ ما جعلهم يتطلعون إلى إقامة دار لرعاية الفنانين الكبار.

يؤكد الدكتور أشرف زكي نقيب المهن التمثيلية، أن «دار إقامة كبار الفنانين كانت حلماً نتطلَّع إليه من واقع نهايات مأساوية عاشها بعض رموز الفن، لكن هذا الحلم ظلَّ بعيدَ المنال، ولم يتحوَّل إلى واقع سوى حين تدخَّل الشيخ سلطان القاسمي حاكم إمارة الشارقة لتمويله منذ البداية، فهو رجل محب لمصر، ويقدِّر الفنانين الذين أثروا الوجدان العربي، وقد تحمَّس لفكرة الدار، ويقوم برعايتها رعاية كاملة، ويتحمَّل جميع نفقاتها، وقد حرص منذ البداية لتكون هذه الدار مجانية بحيث لا يدفع الفنان أي رسوم مقابل إقامته».

ويضيف زكي لـ«الشرق الأوسط» أنه «عند تأسيس الدار رأينا أن تكون دار إقامة لكبار الفنانين وليست دار مسنين، لأن بعضهم لا يزال لديه تحفظ على مسمى (دار المسنين)».

وتحتفل الدار بمرور 3 سنوات على تشغيلها الذي بدأ في 16 يوليو (تموز) 2023، وقد حصلت مؤخراً على قطعة أرض جديدة بجوارها ضمن توسُّعاتها الجديدة، واستقبلت نحو 40 فناناً منذ افتتاحها. حسبما يقول مديرها الفنان محمود عبد الغفار، مضيفا لـ«الشرق الأوسط» أنها تستقبل كبار الفنانين للإقامة الكاملة بها مجاناً، وتُقدِّم لهم خدمة فندقية في غرف فردية أنيقة مكيفة بحمام خاص، كما تضم حمام سباحة، ومكتبة، وصالة رياضة، واستراحة لاستقبال الضيوف، وحديقة واسعة.

نقيب الممثلين أشرف زكي والفنان محمود عبد الغفار مع عدد من الفنانين (إدارة دار إقامة كبار الفنانين)

ويشير عبد الغفار إلى أن استقبال الفنانين يتم من خلال تقدُّمهم شخصياً، أو عبر ذويهم، بطلب للإقامة في الدار، وأحياناً من خلال الدكتور أشرف زكي، نقيب الممثلين ومؤسس الدار، الذي قد يجد بعض الفنانين متحرجين من التقدم بطلب الإقامة فيها، فيرفع عنهم هذا الحرج، ويدعوهم إلى الإقامة بها، كما حدث مع الفنان محيي إسماعيل.

وخلال جولة لـ«الشرق الأوسط» في الدار، التقينا الفنان نبيل نور الدين، الذي انتقل للإقامة فيها مؤخراً إثر حادث سير تعرّض له. ويقول: «كنت أعبر الشارع عندما صدمتني دراجة نارية، وخضعت إثر ذلك لجراحة صعبة أقعدتني عن الحركة فترة من الزمن. ورغم أن عائلتي مستورة الحال، والحمد لله، وأن أبناء إخوتي دعوني للإقامة معهم بدلاً من العيش بمفردي في منزلي، فإنني زرت الدار بعد أن اقترح عليَّ الدكتور أشرف زكي الإقامة فيها. وقد أعجبتني كثيراً، وفضّلت أن أعيش وسط أصدقائي. ووجدت فيها كل ما أحتاج إليه، من العلاج الطبيعي إلى نظافة المكان وأناقته، فضلاً عن توافر جميع الخدمات، حتى باتت بمثابة منزلي».

ويؤكد نبيل نور الدين أنه قرر التوقف عن التمثيل منذ عامين، بعد أن قدّم نحو 400 عمل فني، تنوعت بين الأفلام والمسلسلات والعروض المسرحية، موضحاً أن قراره جاء بسبب تحفظه على أجواء العمل الحالية. ويقول: «في الماضي، كنا ندخل موقع التصوير ونحن جميعاً أصدقاء، أما في السنوات الأخيرة فكنت أبقى وحيداً في غرفتي حتى ينادوني لتصوير المشهد. هذه ليست الأجواء التي اعتدتها وأحببتها».

الشاعرة كوثر مصطفى داخل مكتبة دار إقامة كبار الفنانين (إدارة الدار)

يحصل المقيمون في الدار على رعاية طبية ونفسية واجتماعية؛ إذ تضم عيادة طبية مجهزة، يتناوب عليها طبيب متخصص في أمراض القلب والحالات الحرجة، وطبيبة متخصصة في طب المسنين، إلى جانب استشاري للعلاج الطبيعي. كما تضم الدار مركزاً مجهزاً على أعلى مستوى للعلاج الطبيعي، يعمل تحت إشراف طبي، فضلاً عن توفير رعاية كاملة لمن لا يستطيع خدمة نفسه.

ويشير المخرج أشرف فايق، نجل شقيق الفنان محيي إسماعيل، الذي يقيم في الدار منذ أشهر عدًَّة، إلى أنه بعد انتهاء علاج إسماعيل في المستشفى، تقرر نقله إلى الدار بناءً على اقتراح من الدكتور أشرف زكي. وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «رأيت أن الدار لا ينقصها شيء، سواء من حيث الرعاية أو الإقامة الكاملة أو متابعة الحالة الصحية والنفسية»، لافتاً إلى أن عمه الكاتب بهيج إسماعيل يقيم في الدار منذ 3 سنوات. وأشاد فايق بهذا الصرح العظيم الذي يحفظ كرامة الفنانين، عادّاً ذلك نوعاً من التكريم للفنان.

وأحدثت زيارة الفنانين محمود حميدة، وياسر جلال لدار إقامة كبار الفنانين أثراً إيجابياً كبيراً في المقيمين؛ إذ حرصا على المرور بغرفهم والاطمئنان عليهم. ويلفت مدير الدار إلى أن هذه الزيارات تسعد المقيمين، مؤكداً أن الدار «بيت كل فناني مصر»، وأنها ترحب بزيارة الفنانين لزملائهم المقيمين فيها. ويوضح أن «الإقامة بالدار لا تقتصر على أعضاء نقابة الممثلين، بل تشمل فنانين من مختلف النقابات الفنية، مثل نقابتي الموسيقيين والسينمائيين».


عالم يبتكر «كوناً مصغراً» لقياس الزمن من دون ساعة

مصيدة مغناطيسية بصرية لذرات الروبيديوم عند درجة حرارة تبلغ نحو 0.0001 درجة مئوية فوق الصفر المطلق (جامعة برمنغهام)
مصيدة مغناطيسية بصرية لذرات الروبيديوم عند درجة حرارة تبلغ نحو 0.0001 درجة مئوية فوق الصفر المطلق (جامعة برمنغهام)
TT

عالم يبتكر «كوناً مصغراً» لقياس الزمن من دون ساعة

مصيدة مغناطيسية بصرية لذرات الروبيديوم عند درجة حرارة تبلغ نحو 0.0001 درجة مئوية فوق الصفر المطلق (جامعة برمنغهام)
مصيدة مغناطيسية بصرية لذرات الروبيديوم عند درجة حرارة تبلغ نحو 0.0001 درجة مئوية فوق الصفر المطلق (جامعة برمنغهام)

ابتكر عالم من جامعة برمنغهام البريطانية «كوناً مصغراً» في المختبر في محاولة تجريبية للإجابة على أحد أهم أسئلة العلم: «ما هو الزمن؟».

ونشر البروفيسور جيوفاني بارونتيني نتائج بحثه في مجلة «فيزيكال ريفيو ريسيرش»، موضحاً كيف يُمكن قياس تدفق الزمن من دون استخدام ساعة على الإطلاق.

ووفق الدراسة، تُوفِّر هذه التجربة بيئة اختبار قوية لأفكار علم الكون الكمومي والجاذبية، مما يعني أنه يُمكن الآن اختبار الأفكار المُتعلقة بنشأة الكون المبكر تجريبياً في المختبر.

كما يُمكن توسيع نطاق هذا النهج ليشمل أنظمة أكثر تعقيداً، وربما يسمح للباحثين باستكشاف فيزياء «الانفجار العظيم» و«الانكماش العظيم». ومحاكاة الثقوب السوداء في المختبر أو لاختبار النظريات المتنافسة في كيفية نشوء الزمن في الكون.

وكما أفاد بيان نشر الجمعة بأن هذه النتائج تُقدِّم نموذجاً علمياً ينبثق فيه مفهوم الزمن من التجربة نفسها، حيث تشير بعض نظريات الفيزياء إلى أن الكون، في جوهره، لا يمتلك زمناً داخلياً، بل هو حالة كمومية واحدة ثابتة، تُظهر فيها الجسيمات خصائص موجية وجسيمية. في حين تتعامل هذه النظرية الجديدة مع الكون بوصفه وحدة متكاملة من دون ساعة خارجية، وأن أي إحساس بالزمن ينشأ من العلاقات الداخلية بين أجزائه.

كيف يعمل الكون المصغر؟

استخدم بارونتيني سحابةً من 24 ألف ذرة فائقة البرودة، على بُعد أجزاء قليلة من المليار من الدرجة فوق الصفر المطلق، لإنشاء نظام كمومي مُحكم الإغلاق يُحاكي «كوناً» بسيطاً. حُصرت الجسيمات وفُصلت بواسطة حاجز رقيق مُشكَّل من شعاعي ليزر بترددات مختلفة، لتكوين منطقة مرصودة «مضيئة» وأخرى غير مرصودة «مظلمة» كما هو حال الكون الذي نعيش فيه.

يتمدد القطاع «المضيء» وينهار بشكل متكرِّر، مُختبراً السيناريو الافتراضي لما يُشبه الانفجار العظيم والانكماش العظيم، وهو سيناريو افتراضي يبدأ فيه تمدد الكون بالانعكاس في نهاية المطاف. وتُتيح هذه التجربة إعادة بناء تسلسل الأحداث من داخل الكون المصغَّر نفسه، دون الحاجة إلى أي مرجع لساعة مختبرية خارجية.

ووفق نتائج الدراسة فقد أثبتت التجربة أن الزمن قد ينشأ من التغيرات التي تحدث داخل النظام، بدلاً من اعتبار الزمن شيئاً خارجياً يعمل بشكل مستقل. وأثبت نموذج «الكون المصغر» إمكانية خلق «الزمن» من خلال فوضى الذَّرات وانتشارها وسلوكها داخل النظام أو ما يُعرف علمياً بـ«الإنتروبيا».

الزمن الإنتروبي قيد العمل

عندما يزداد أو ينقص انتشار الجسيمات في القطاع المضيء مع تحرك الذرات إلى الداخل أو إلى الخارج، يكون النظام «يتحرك للأمام في الزمن». وعندما لا يتغيَّر هذا التوزيع للذَّرات، يتوقف الزمن فعلياً.

أطلق بارونتيني على هذه العملية اسم «الزمن الإنتروبي» بعد أن وجد أن هذا النوع من الزمن يتدفَّق في اتجاه واحد ثابت، مما يُعطي «سهماً زمنياً» واضحاً يُرتِّب الأحداث ترتيباً متوالياً صحيحاً، حتى في نظام يتمدَّد وينكمش مثل كون مُصغَّر يتسارع أو يتباطأ تبعاً لكيفية تحرك الإنتروبيا.

قال بارونتيني: «في بعض نظريات الكون، خصوصاً نظرية (الجاذبية الكمومية)، لا يظهر الزمن كخاصية أساسية. ومع ذلك، في الحياة اليومية، يتدفَّق الزمن من الماضي إلى المستقبل. لماذا يحدث هذا، في حين أن معظم قوانين الفيزياء الأساسية تعمل بالطريقة نفسها في الاتجاهين الأمامي والخلفي؟».

ووفق النتائج المنشورة، تُقدم هذه الدراسة أوَّل دليل تجريبي مضبوط على أن «الزمن» يُمكن تعريفه بالتغيُّرات التي تحدث داخل النظام بدلاً من كونه «ساعة خارجية» كما نتصوَّره الآن.