مانيه وديغا... الصديقان العدوان في متحف «متروبوليتان» نيويورك

مواجهة بين عملاقي الفن الحديث تكشف علاقتهما الغامضة

إدغار ديغا، «صورة عائلية (عائلة بيليلي)» من بداية مسيرة ديغا المهنية (نيويورك تايمز)
إدغار ديغا، «صورة عائلية (عائلة بيليلي)» من بداية مسيرة ديغا المهنية (نيويورك تايمز)
TT

مانيه وديغا... الصديقان العدوان في متحف «متروبوليتان» نيويورك

إدغار ديغا، «صورة عائلية (عائلة بيليلي)» من بداية مسيرة ديغا المهنية (نيويورك تايمز)
إدغار ديغا، «صورة عائلية (عائلة بيليلي)» من بداية مسيرة ديغا المهنية (نيويورك تايمز)

تعدّ القاعات في متحف الـ«متروبوليتان» المخصصة لعرض لوحات فنية أوروبية، وتماثيل وأعمال نحت تعود إلى القرنين التاسع عشر والعشرين، من بين الأماكن الأكثر اكتظاظاً في المتحف. إنها دائماً مزدحمة، لماذا؟ لأننا نحب ما نعلم، وهنا نحن في عالم دُنيوي من الروايات والقصص ذات الصلة بالعمل واللعب والموضة التي تحدث في مدن رمادية بلون الدخان وعلى خلفية من مشاهد طبيعية من الخضرة المورقة، لكنها مدجّنة، مثل تلك الموجودة في حديقة «سنترال بارك». لا يوجد هنا هالات، ولا جحيم، ولا توجد معاناة أو موت، أو هكذا يبدو الوضع للوهلة الأولى.

يظهر ذلك خلال جولة سريعة داخل معرض «مانيه/ديغا» المميّز، الذي يضم 160 لوحة زيتية، ونُسخاً مطبوعة، ولوحات بألوان الباستيل، ورسوماً ملاصقة لقاعات العرض الدائمة، مما يجعلها تضمن جذب ذلك العدد الهائل من زائري المتحف.

ويعدّ المعرض، الذي افتُتح في العاصمة الفرنسية باريس، داخل متحف «أورسي»، في وقت مبكر من العام الحالي، الذي يُقام هنا يوم الأحد، هو الحدث المهم الذي يستهلّ به متحف الـ«متروبوليتان» موسمه. إنه بشكل عام، أفضل صورة ينبغي أن يكون عليها أي معرض.

لوحة «امرأة مع مروحة (جين دوفال)» لمانيه (نيويورك تايمز)

هناك بعض ملامح عدم اتزان فيما يتعلق بالانتباه والطاقة. يتجلّى ذلك في عنوان المعرض. لماذا لا يلتزم بالترتيب الهجائي؟ لماذا لا يكون «ديغا/مانيه»؟ على المستوى العملي يمكن للمرء تفسير ذلك استناداً إلى الترتيب الزمني التاريخي، فمانيه أكبر بعامين من ديغا، ولد في عام 1832، لكن في النهاية على ما يبدو أن الترتيب مثل تصنيف ذي طابع انتقادي، ويترك فناناً منطوياً بطبيعته، نحتاج إلى معرفته بدرجة أكبر، تحت ضوء خافت.

نشأة الفنانين... لقاؤهما وعلاقتهما

إضافة إلى ذلك، فإن نهج المعرض القائم على المقارنة وإظهار التباين في استعراض أعمال عملاقين ينتميان إلى الفترة المبكرة من العصر الحديث، مذهل وصائب. كان كل من إدوارد مانيه (1832-1883)، وإدغار ديغا (1834-1917) من سكان باريس. وُلدا لأسرتين ثريتين تنتميان إلى الطبقة البرجوازية الراقية. وقد خالف الاثنان التوقعات العائلية وأصبحا فنانين، كما نبذا أيضاً التدريب الفني التقليدي، واخترعا الفن الذي نُطلق عليه حديثاً وعصرياً، على مدى أيام وسنين طويلة. وقد التقيا، صدفة في بداية حقبة الستينات من القرن التاسع عشر، في وقت كان كلٌ منهما في رحلة تعليم ذاتي منفصلة إلى متحف اللوفر لدراسة الفن القديم ورسمه. وظلا صديقين حتى نهاية حياتهما، لكن تخللت تلك الصداقة فترات من العداء.

لوحة «المصارع الميت» لمانيه (نيويورك تايمز)

علاقتهما دامت وازدهرت اعتماداً على الاختلاف. فعلى الصعيد السياسي، كان مانيه تقدمياً اجتماعياً، في حين كان ديغا محافظاً بدرجة زائدة. ومع ذلك، فيما يتعلق بالسياسة المهنية، كانت الأدوار معكوسة. فطموح مانيه كان عرض أعماله والاحتفاء بها في الصالون السنوي لـ«إيكول دي بوو آر» (مدرسة الفنون الجميلة)، في حين كان ديغا عملياً في تأسيس معرض سنوي بديل، هو المعرض الانطباعي المناهض للمؤسسة (مع كلود مونيه، وكاميل بيساور، وبيرت موريسو)، الذي رفض مانيه المشاركة فيه.

شخصية انبساطية وأخرى انطوائية

كانت شخصية كل منهما مختلفة بشكل أساسي وبدرجة كبيرة عن الآخر. ووصفهما جورج مور، الناقد الآيرلندي الذي كان يرافقهما في باريس، قائلاً: «كان مانيه صاخباً وصريحاً، ويتوق للحصول على الميداليات والأوسمة، في حين كان ديغا حاد الذهن، وثاقب الفكر، وعميقاً، وساخراً بشكل لاذع».

صورة شخصية لمانيه وأخرى لديغا (نيويورك تايمز)

إن شئنا التعبير بشكل مبسّط، يمكن القول إن القوة المحركة للمعرض هي وضع الانبساطي مقابل الانطوائي. ربما يدرك المرء ذلك من الصورتين الذاتيتين اللتين تفتتحان المعرض. يقف الفنان في لوحة مانيه، التي تعود إلى عام 1878 تقريباً، متيقظاً بعينين تملؤهما الحماسة، مرتدياً سترة أنيقة وقبعة، وكأنه مستعد لإنهاء هذه الصورة الذاتية بشكل سريع والانضمام إليك في الحديث والشراب. على العكس من ذلك، في لوحة ديغا، يجلس وتعلو وجهه ملامح الجدّ، وينظر بشكل جانبي، حاملاً فرشاة، أو ربما قلماً، لكنه مخفي بشكل جزئي، وكأنه لم يكن راغباً في الإعلان عن عمله.

إحدى الثنائيات الرائعة، امرأتان في عزلة، لوحة ديغا «في مقهى» وعلى اليمين، لوحة «بلوم براندي» الحزينة لمانيه (نيويورك تايمز)

كان هناك توتر يسود الأجواء في القسم الأول الذي يحمل اسم «علاقة غامضة». نجد هنا عدداً من الصور الشخصية لمانيه بريشة ديغا، في حين لم تكن هناك أي صورة شخصية رسمها مانيه لديغا. وقد عُدّلت الصورة الشخصية، التي رسمها ديغا لزميله، فقد كانت في الأصل صورة شخصية لمانيه وزوجته سوزان لينهوف، عازفة بيانو موهوبة، لكن مانيه كان يكره طريقة تصوير ديغا لسوزان إلى حد دفعه إلى كشطها باستخدام شفرة الحلاقة. وغادر ديغا غاضباً ومعه اللوحة التي كان يعتزم تقديمها هدية.

لوحة ديغا «السيد والسيدة إدوارد مانيه» كانت هدية وقد أثار تصويره لمدام مانيه غضب زوجها فقطعها (نيويورك تايمز)

خلال السنوات الطويلة ظل مانيه وديغا ثنائياً غريباً خصوصاً في توجّههما السياسي. كان الاثنان وطنيين، وحاربا جنباً إلى جنب دفاعاً عن باريس خلال الحرب الفرنسية البروسية (1870-1871)، لكن ولاءاتهما تباينت في أمور أخرى كما يتضح في قسم يحمل اسم «من حرب إلى أخرى».

ومن الحروب التي جرى تناولها، الحرب الأهلية الأميركية، التي أثارت غضب مانيه، وكان يتبنى آراءً متشددة بشأن الشرّ والعبودية. ونجده يؤكد ولاءه وموقفه في لوحتين بحريتين متفاخرتين تحتفيان بنصر بحري حققه الاتحاد عام 1864. وبالقرب من اللوحتين توجد لوحتان لديغا موضوعهما متشابه، فهما عن أميركا أيضاً وعن سياستها العنصرية، وإن كان ذلك على الأقل بشكل سري، لكنهما لا تقدمان صورة معاكسة كثيراً.

من اليسار «معركة يو إس إس كيرسارج وCSS ألاباما» لمانيه عام 1864، و«كيرسارج» في بولوني 1864 (نيويورك تايمز)

تعود لوحات ديغا إلى عام 1873، وقد رسمها خلال زيارته لمدينة نيو أورلينز، مسقط رأس والدته، حيث تدير عائلته عملاً تجارياً مربحاً في صناعة القطن، التي تعتمد على العبودية. كان ذلك العمل موضوع اللوحات، التي صورت تجّاراً يرتدون قبعات بيضاء ويجتمعون في مكتب يتحدثون ويقرأون الصحيفة، ويفحصون عينات محصول جديدة. استمر العمل على النحو المعتاد وكأن آثار حرب مروعة وإخفاقات إعادة الإعمار، التي نشط أثناءها أفراد من عائلة ديغا من خلال مجموعة بيضاء عنصرية، لم يكن يوماً لها وجود.

ديغا «مكتب القطن في نيو أورليانز» 1873 (نيويورك تايمز)

أياً كانت آراء ديغا في التفكير السياسي لمانيه، فقد ظل اعتقاده في أهمية فنه راسخاً، وربما أصبح أقوى بعد وفاة مانيه بمرض الزهري وهو في الـ51 من العمر. وقد أقدم، خلال سنوات عمره اللاحقة التي قضاها في عزلة، على إنشاء مجموعة شخصية من أعمال مانيه، يُعرض نموذجٌ لها في قسم يحمل اسم «ديغا بعد مانيه» ويُختتم المعرض به.

«إعدام ماكسيميليان» لمانيه 1867 (نيويورك تايمز)

لقد التقى ديغا ومانيه، في بداية حياتهما المهنية، في قاعات عرض داخل متحف حكومي ضخم. وفي النهاية ظلا رفيقين داخل مساحة خاصة صغيرة هي الغرف الظليلة في شقة ديغا بباريس. قد يبدو هذا المتحف المنزلي الزاخر بالأشياء، غير عصري تماماً للبعض، فقد كان ضريحاً، ووعاء للذخائر المقدسة، يشرف عليه فنان له سمة الراهب أو الناسك، الذي من الصعب الإعجاب به شخصياً، كما أنه من الصعب تتبعه جمالياً. فهو شخص يشغل المقام الثاني في المعرض الرائع بمتحف الـ«متروبوليتان»، لكنه مع ذلك يظهر منه في النهاية بطل حامل للشعلة.

*خدمة: «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

«مدينة واحدة وإمبراطوريتان»... قصة القسطنطينية وإسطنبول في معرض لندني

يوميات الشرق لوحة تصور آيا صوفيا من عام 1852 (متحف فيكتوريا آند ألبرت)

«مدينة واحدة وإمبراطوريتان»... قصة القسطنطينية وإسطنبول في معرض لندني

يتدثر المعرض بعباءة من الفن والثقافة ليسرد قصص التاريخ والسياسة بأسلوب مشوق يختصر تاريخ أكبر مدينة في أوروبا وعاصمة إمبراطوريتين؛ الأولى مسيحية، والثانية مسلمة.

عبير مشخص (لندن)
يوميات الشرق عمل للفنانة سلمى رضا (نادي عدسة)

«تروماي الإسكندرية»... معرض يحتفي بالذاكرة الإنسانية لـ«عروس المتوسط»

يعدّ «ترام الرمل» بالإسكندرية جزءاً أصيلاً من ملامح المدينة وذاكرتها اليومية، ورفيقاً لحكايات أجيال تعاقبت على شوارع «عروس المتوسط» ومحطاته الممتدة.

محمد عجم (القاهرة)
يوميات الشرق على كل متلقٍ أن يعثر على حكايته الخاصة داخل الأعمال (الشرق الأوسط)

«عَود على بدء» يعيد استكشاف أساطير العالم القديم

بينما اتجه كثيرون في المشهد الفني خلال القرن الماضي إلى استدعاء الكلاسيكيات القديمة عند مناقشة تأثير الأساطير، يعمل فنانون راهناً على توسيع نطاق تلك القصص.

نادية عبد الحليم (القاهرة )
يوميات الشرق السندريلا في مرحلة التألق والنجومية بعيون نور السيف (إدارة المعرض)

سعاد حسني «تحت الضوء» في الرياض

ترسم الأعمال المشاركة في معرض «وحدها تحت الضوء» المقام حالياً في الرياض عبر العديد من البورتريهات ما يمكن اعتباره صحيفة للأحوال النفسية للفنانة سعاد حسني.

حمدي عابدين (القاهرة )
يوميات الشرق في مربّع «الأمير الصغير» يتخيّل تكوين الجنين في رحم زوجته (الشرق الأوسط)

«أحب الزهور كما النجوم» استعادة لأعمال يتجاوز عمرها نصف قرن

مع التقدُّم في الجولة، تطالع الزائر سلسلة لوحات بالأبيض والأسود توثّق أجواء الحرب اللبنانية القاتمة...

فيفيان حداد (بيروت)

«تروبينغ ذا كولور»... بريطانيا تحيي تقليداً ملكياً عمره قرون

أفراد العائلة المالكة على شرفة قصر باكنغهام خلال استعراض «تروبينغ ذا كولور» (إ.ب.أ)
أفراد العائلة المالكة على شرفة قصر باكنغهام خلال استعراض «تروبينغ ذا كولور» (إ.ب.أ)
TT

«تروبينغ ذا كولور»... بريطانيا تحيي تقليداً ملكياً عمره قرون

أفراد العائلة المالكة على شرفة قصر باكنغهام خلال استعراض «تروبينغ ذا كولور» (إ.ب.أ)
أفراد العائلة المالكة على شرفة قصر باكنغهام خلال استعراض «تروبينغ ذا كولور» (إ.ب.أ)

شهدت العاصمة البريطانية لندن، السبت، احتفالات رسمية بمناسبة العيد الرسمي لميلاد الملك تشارلز الثالث، وذلك من خلال مراسم «تروبينغ ذا كولور» التقليدية التي تُعدُّ إحدى أبرز المناسبات في الأجندة الملكية البريطانية.

وانضم الملك تشارلز الثالث والملكة كاميلا إلى أفراد العائلة المالكة وآلاف المتفرجين الذين احتشدوا في منطقة وايتهول، وشارع ذا مول؛ لمتابعة العرض العسكري الذي تشارك فيه أشهر أفواج الجيش البريطاني.

الملك تشارلز الثالث والملكة كاميلا يستقلَّان عربة مكشوفة خلال عودتهما إلى قصر باكنغهام (أ.ب)

وتُقام مراسم «تروبينغ ذا كولور» سنوياً للاحتفال بالعيد الرسمي لميلاد العاهل البريطاني، وهي تقليد عسكري وملكي يعود إلى أكثر من قرنين. وقد نشأت المراسم من عادة استعراض الرايات العسكرية أمام الجنود للتعريف بها قبل المعارك، قبل أن تتحوَّل منذ القرن الثامن عشر إلى احتفال وطني يرمز إلى استمرارية النظام الملكي البريطاني وعلاقته التاريخية بالقوات المسلحة. وعلى الرغم من أنَّ الملك تشارلز الثالث وُلد في 14 نوفمبر (تشرين الثاني)، فإنَّ الاحتفال الرسمي يُنظَّم في شهر يونيو (حزيران) من كل عام للاستفادة من الظروف الجوية المناسبة لإقامة العروض العسكرية والاحتفالات العامة.

وشهدت الاحتفالات موكباً للعربات الملكية تقدمه الملك والملكة، وأميرة ويلز كيت ميدلتون برفقة أطفالها الأمير جورج، والأميرة شارلوت، والأمير لويس، وسط إجراءات أمنية مشدَّدة ومراسم عسكرية تقليدية نفَّذتها وحدات سلاح الفرسان الملكي.

الأمير ويليام وكيت أميرة ويلز وأطفالهما يشاهدون استعراضاً جوياً لطائرات سلاح الجو الملكي البريطاني من شرفة قصر باكنغهام (أ.ب)

وارتدت أميرة ويلز، العقيد الفخري للحرس الآيرلندي، زياً أزرق اللون مع قبعة ودبوس يحملان رموز الفوج، وقد ظهر الملك مرتدياً الزي العسكري لحرس الغرينادير، في حين ارتدت الملكة كاميلا فستاناً أحمر مستوحى من أزياء الحرس الملكي.

كما شارك في المراسم عدد من أفراد العائلة المالكة الذين يشغلون مناصب عسكرية فخرية، من بينهم أمير ويلز والأميرة الملكية ودوق إدنبرة.

وقدَّم جنود الحرس البريطاني، بزيهم القرمزي التقليدي وقبعاتهم الشهيرة المصنوعة من فراء الدببة، عرضاً دقيقاً للمسير العسكري في ساحة «هورس غاردز باريد»، بعد أسابيع من التدريبات المكثفة.

أفراد من فرقة الحرس الملكي يسيرون على طول شارع ذا مول خلال الاستعراض تكريماً للملك تشارلز (رويترز)

واختُتمت الاحتفالات بتجمع أفراد العائلة المالكة على شرفة قصر باكنغهام لمتابعة العرض الجوي التقليدي لطائرات سلاح الجو الملكي البريطاني، إلى جانب إطلاق التحية الملكية بالمدافع.

وتحمل المراسم هذا العام أهميةً خاصةً مع استعراض «راية الملك» الخاصة بفوج حرس الغرينادير، التي سلمها الملك تشارلز الثالث للفوج خلال مراسم أُقيمت في قصر باكنغهام في وقت سابق من الأسبوع الحالي، في تقليد عسكري يعود إلى قرون.


«مسارات متلاشية» يتتبع ترحال قبائل «القشقاي» في إيران

استغرق العمل على الفيلم 7 سنوات من التصوير (الشركة المنتجة)
استغرق العمل على الفيلم 7 سنوات من التصوير (الشركة المنتجة)
TT

«مسارات متلاشية» يتتبع ترحال قبائل «القشقاي» في إيران

استغرق العمل على الفيلم 7 سنوات من التصوير (الشركة المنتجة)
استغرق العمل على الفيلم 7 سنوات من التصوير (الشركة المنتجة)

قال المخرج الإيراني حامد ذو الفقاري إن فيلمه الوثائقي الجديد «Vanishing Tracks» (مسارات متلاشية) نبع من علاقة شخصية وحميمية جداً بعالم قبائل «القشقاي»، موضحاً أنه لا ينظر إلى حياة الترحال بصفتها موضوعاً سينمائياً عابراً أو بعيداً، بل يراها جزءاً أصيلاً من ذاكرته وتكوينه الإنساني؛ ولذلك قدم الفيلم ليكون محاولة للتأمل في عالم لم يندثر تماماً، لكنه يعيش لحظة انتقال حادة ومصيرية بين الاستمرار والتلاشي.

وتدور أحداث الفيلم الوثائقي الإيراني «مسارات متلاشية» -الذي حظي بدعم وتمويل مشترك من عدة دول من بينها فرنسا وقطر- حول عائلة من قبائل «القشقاي» الرحّل تعيش بالقرب من جبال زاغروس خارج مدينة شيراز؛ حيث تتبع الكاميرا تفاصيل حياتهم اليومية خلال رحلتهم السنوية بحثاً عن المراعي الخصبة.

وبينما يبذل الأب وزوجته قصارى جهدهما لإدارة القطيع والحفاظ على هذا النمط التقليدي من الحياة، يواجهان أزمة مفاجئة تتمثل في اختفاء عدد من الأغنام، وذلك في وقت يبدو فيه أبناؤهما أقل ارتباطاً بحياة البدو، وأكثر انجذاباً وتطلعاً نحو المدينة والجامعة ومغريات الحياة الحديثة.

ومن خلال الأحداث التي تمتد على مدار 93 دقيقة، وتعتمد على المزج بين تفاصيل المعيشة اليومية واللحظات الحلمية واللوحات البصرية الواسعة للطبيعة، يرصد المخرج حامد ذو الفقاري عالماً يترنح بين البقاء والاختفاء؛ حيث تتقاطع ذاكرة الترحال الغابرة مع إيقاع الحداثة المتسارع في إيران المعاصرة.

وشهد العمل عرضه الأول في أميركا الشمالية ضمن فعاليات الدورة الخامسة والعشرين لمهرجان «تريبيكا السينمائي» المرموق في مدينة نيويورك بالولايات المتحدة الأميركية.

المخرج الإيراني حامد ذو الفقاري (الشرق الأوسط)

وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أوضح المخرج الإيراني حامد ذو الفقاري أن جده عاش حياة الترحال قبل أن يستقر به المطاف في مدينة «شيراز»، في حين نشأ هو نفسه موزَّعاً بين صخب المدينة وجذور القبيلة، وهو ما خلق في داخله إحساساً دائماً بالانتماء المزدوج إلى عالمين متناقضين، مؤكداً أن هذا التداخل العضوي بين الحاضر الحديث والجذور الضاربة في القدم انعكس بشكل مباشر على رؤيته البصرية والوجدانية للفيلم.

وأشار حامد ذو الفقاري في حواره الذي جرى عبر البريد الإلكتروني (بسبب قيود الإنترنت التي شهدتها إيران خلال الفترة الماضية) إلى أنه تعمّد الابتعاد عن تقديم صورة رومانسية أو حالمة عن حياة البدو، لأن هذا العالم لا يقتصر على سحر الطبيعة والحرية فحسب، بل يفيض أيضاً بالمشقة، وعدم الاستقرار، والتناقضات اليومية المرهقة؛ لافتاً إلى أنه حرص على الاقتراب من شخصياته بصفتهم بشراً حقيقيين يواجهون واقعاً معقداً، وليس مجرد نموذج فولكلوري أو مادة تثير فضول المشاهدين.

وأضاف أن الحداثة لا تظهر في الفيلم بوصفها قوة خلاص منقذة، ولا تهديداً مطلقاً ومدمراً، بل حالة شديدة التعقيد تُعيد صياغة الهوية وشبكة العلاقات العائلية؛ فالمدينة تفتح للأبناء آفاقاً جديدة للحياة والاستقلال، لكنها في الوقت نفسه تبذر في نفوسهم شعوراً بالاغتراب والابتعاد عن الأرض والجذور التي نشأوا عليها.

حامد ذو الفقاري خلال مشاركته في أحد المهرجانات (الشرق الأوسط)

وأكد أن الصراع الأساسي في الفيلم لا يتلخص في مواجهة ثنائية مباشرة بين الماضي والمستقبل، لأن الواقع الفعلي يتجاوز هذه التبسيطات؛ مشيراً إلى أن أبناء العائلة يعيشون حالة من التردد والارتباك بين عالمين، في حين تحاول الأسرة بأكملها التعايش مع تغيرات متسارعة لا تبدو واضحة أو حاسمة لأي طرف من الأطراف.

وعن اللغة البصرية المتميزة للفيلم، أوضح حامد ذو الفقاري أنها تشكّلت وتطورت تلقائياً عبر عنصر الوقت والمراقبة الطويلة والصابرة، ولم تأتِ بناءً على خطة إخراجية جامدة أو صارمة؛ إذ كان الحدس والمشاعر هما المحرك الأساسي لعملية التصوير، لدرجة أن بعض المشاهد والصور كانت تولد وتفرض نفسها قبل أن يتمكن من تفسيرها أو استيعاب مغزاها المنطقي الكامل.

وتابع أنه لم يكن يهدف إلى حشو الفيلم بالمعلومات الجافة عن حياة القبائل، بل أراد منح المشاهد تجربة حسية وعاطفية متكاملة، مؤكداً أنه حاول غمر الجمهور في أجواء عالم يبدو شديد الواقعية، ولكنه يتدثر في الوقت ذاته بإحساس يُشبه الذكرى البعيدة أو الحلم المتلاشي.

يوثق الفيلم جانباً من حياة «القشقاي» (الشركة المنتجة)

وفي سياق متصل، شدد حامد ذو الفقاري على القيمة الإبداعية للصمت في الفيلم، مؤكداً أن الصمت لا يعني الغياب أو الفراغ، بل هو وعاء مشحون بالمشاعر والذكريات والمسافات غير المرئية التي تفصل وتجمع بين الشخصيات؛ فكثير من جوهر الإنسان وحقيقته يتجلى في السينما عبر لغة العيون، والإيماءات، وطريقة الوجود والتعامل مع المكان، وليس فقط من خلال الحوار المباشر.

وأشار إلى أن التفاصيل اليومية البسيطة، مثل رعاية الماشية، أو إيقاد النار، أو الانتظار الطويل في السهول الشاسعة، تكتسي بالنسبة له ببعد أسطوري خفي؛ موضحاً إيمانه بأن العادي والمألوف يمكن أن يكشفا عن معانٍ عميقة وضاربة في القدم إذا ما تأملناهما بجرعة كافية من الصبر الانتباه.

وأضاف أن الفيلم لم يقف عند حدود التوثيق لعائلة واحدة، بل كان محاولة لرصد مخاض انتقال عالم بأسره من حالة إلى أخرى، لافتاً إلى أنه كان يشعر أحياناً وهو ممسك بالكاميرا، بأنه يقتنص لحظة هشّة وحرجة يعيشها هذا المجتمع المتأرجح بين التمسك بالبقاء وحتمية التغير المستمر.

تدور أحداث الفيلم الوثائقي في 93 دقيقة (الشركة المنتجة)

وعن آليات العمل الميداني، قال المخرج الإيراني إن بناء جسور الثقة مع أفراد العائلة بدأ واستغرق وقتاً طويلاً قبل تشغيل الكاميرا، وذلك عبر الحوار الصادق، والانتظار، والاندماج في معاشهم اليومي؛ مشيراً إلى أن سنوات التصوير الطويلة التي امتدت لسبع سنوات جعلت العلاقة تتجاوز الأطر المهنية للسينما، لتصبح رابطة إنسانية عميقة ووثيقة استمرت حتى بعد الفراغ من إنجاز الفيلم.


نورا فتحي وشاكيرا... هل انتزعت نجمة المغرب صدارة أغاني المونديال؟

نورا فتحي وشاكيرا... هل انتزعت نجمة المغرب صدارة أغاني المونديال؟
TT

نورا فتحي وشاكيرا... هل انتزعت نجمة المغرب صدارة أغاني المونديال؟

نورا فتحي وشاكيرا... هل انتزعت نجمة المغرب صدارة أغاني المونديال؟

مع انطلاق كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، لم تقتصر المنافسة على المنتخبات والنجوم داخل المستطيل الأخضر، بل امتدت إلى الساحة الفنية التي لطالما شكلت جزءاً أساسياً من هوية البطولة. وفي هذه النسخة برز اسمان بقوة؛ النجمة الكولومبية شاكيرا التي عادت إلى أجواء المونديال من خلال أغنية «داي داي» في مكسيكو سيتي، والنجمة المغربية الكندية نورا فتحي التي افتتحت المنافسات في تورونتو بأغنية «سير سير».

ومع تصاعد التفاعل الجماهيري على المنصات الرقمية، فتحت المقارنات بين الفنانتين باب التساؤلات حول من تصدرت المشهد الموسيقي للمونديال، وما إذا كانت نورا فتحي قد نجحت أخيراً في كسر الهيمنة التي فرضتها شاكيرا على أغاني كأس العالم طوال العقدين الماضيين.

شاكيرا... الاسم الأكثر ارتباطاً بكأس العالم

شاكيرا تقدمت الفنانين في حفل افتتاح كأس العالم 2026 (رويترز)

يصعب الحديث عن الموسيقى المونديالية دون التوقف عند شاكيرا، التي صنعت علاقةً استثنائيةً مع البطولة جعلتها الفنانة الأكثر حضوراً في تاريخ أغاني كأس العالم الحديثة. فمنذ مونديال ألمانيا 2006 مروراً بجنوب أفريقيا 2010 والبرازيل 2014، وصولاً إلى نسخة 2026، نجحت النجمة الكولومبية في تحويل حضورها إلى جزء من ذاكرة الجماهير.

ويبقى النجاح الأكبر في مسيرتها المونديالية مرتبطاً بأغنية «واكا واكا» التي تحوّلت إلى ظاهرة عالمية تجاوزت حدود كرة القدم، وحصدت أكثر من 4.5 مليار مشاهدة على منصة «يوتيوب»، لتصبح الأغنية الرياضية الأكثر نجاحاً وانتشاراً في تاريخ البطولة. ولم تنجح أي أغنية مونديالية أخرى حتى اليوم في الاقتراب من هذه الأرقام أو من التأثير الثقافي الذي حققته الأغنية منذ إطلاقها عام 2010.

شاكيرا قبل حفل الافتتاح (أ.ف.ب)

نورا فتحي... حضور عربي متصاعد على المسرح العالمي

المغربية نورا فتحي خلال افتتاح مونديال 2026 في تورونتو (أ.ف.ب)

في المقابل، واصلت نورا فتحي تعزيز مكانتها واحدةً من أبرز الفنانات العربيات الحاضرات على الساحة الدولية. وبعد مشاركتها البارزة في فعاليات مونديال قطر 2022 من خلال أغنية «لايت دو سكاي»، عادت في نسخة 2026 لتسجل حضوراً أكبر عبر أغنية «سير سير» التي قُدمت خلال افتتاح البطولة في مدينة تورونتو الكندية.

المغربية نورا فتحي خلال افتتاح مونديال 2026 في تورونتو (أ ف ب)

وشكل ظهور نورا في حفل الافتتاح لحظة رمزية بالنسبة للجمهور المغربي والعربي، إذ عكس حجم الحضور المزداد للفنانين العرب في أكبر التظاهرات الرياضية العالمية. كما لفتت الأغنية الأنظار بدمجها الإيقاعات العالمية مع لمسات مستوحاة من الثقافة المغربية، وهو ما ساهم في انتشارها السريع عبر منصات التواصل الاجتماعي.

معركة المشاهدات... نورا تتفوق في مونديال 2026

على مستوى أرقام نسخة 2026، نجحت نورا فتحي في تحقيق انطلاقة قوية تجاوزت التوقعات. فقد تخطى الفيديو الرسمي لأغنية «سير سير» حاجز 43 مليوناً من المشاهدات خلال فترة قصيرة من إطلاقه (3 أيام)، متقدماً على أغنية شاكيرا الجديدة «داي داي» (19 مليوناً خلال 3 أسابيع ) من حيث سرعة الانتشار والتفاعل الجماهيري خلال الأيام الأولى للبطولة.

كما تصدرت الأغنية قوائم الترند في عدد من الدول، خصوصاً في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والهند وكندا، مستفيدةً من الشعبية الواسعة التي تحظى بها نورا في هذه الأسواق. واعتبر كثيرٌ من المتابعين أن الأغنية تمثل واحدة من أنجح التجارب الفنية المرتبطة بمونديال 2026 حتى الآن.

هل تفوقت نورا على شاكيرا؟

الإجابة تختلف باختلاف معيار المقارنة، فإذا كان الحديث يتعلق بأرقام المشاهدات والتفاعل المرتبط بمونديال 2026 وحده، فإن نورا فتحي تبدو صاحبة الأفضلية حتى الآن، بعدما حققت أغنيتها انتشاراً رقمياً لافتاً وتفوقت على أغنية شاكيرا الجديدة في عدد من مؤشرات التفاعل.

أما إذا كانت المقارنة تشمل التاريخ الكامل لأغاني كأس العالم، فإن الكفة لا تزال تميل بوضوح نحو شاكيرا.

فالنجمة الكولومبية لا تملك مجرد أغنية ناجحة، بل إرثاً موسيقياً كاملاً ارتبط بأكثر من نسخة من البطولة، إضافة إلى أغنية «واكا واكا» التي تحولت إلى مرجع تقاس به جميع الأغاني المونديالية اللاحقة.

بين نجاح اللحظة وإرث التاريخ

تكشف المقارنة بين نورا فتحي وشاكيرا عن مشهد فني يعكس اختلاف مرحلتين، فشاكيرا تمثل جيلاً رسخ حضوره في الذاكرة العالمية عبر أعمال تحولت إلى أيقونات ثقافية مرتبطة بكأس العالم، بينما تجسد نورا فتحي جيلاً جديداً من الفنانين الذين يستفيدون من قوة المنصات الرقمية والانتشار السريع للمحتوى.

ومع ذلك، فإن ما حققته نورا في مونديال 2026 يعد محطة مهمة في مسيرتها الفنية، إذ نجحت لأول مرة في فرض نفسها منافساً حقيقياً في ساحة ارتبطت لعقود باسم شاكيرا. وبينما تحتفظ النجمة الكولومبية بلقب «ملكة أغاني كأس العالم» بفضل تاريخها الطويل، فإن نورا فتحي استطاعت في النسخة الحالية أن تنتزع جزءاً مهماً من الأضواء وأن تثبت أن الأغنية المونديالية لم تعد حكراً على الأسماء التقليدية.

وبين نجاح «سير سير» في الحاضر، واستمرار سطوة «واكا واكا» في الذاكرة العالمية، تبقى المنافسة بين الفنانتين واحدة من أكثر القصص الفنية إثارة خارج ملاعب كأس العالم.