الجواهري... جغرافية الكتابة وأثرها على تحولاته الشعرية

محمد مهدي الجواهري
محمد مهدي الجواهري
TT

الجواهري... جغرافية الكتابة وأثرها على تحولاته الشعرية

محمد مهدي الجواهري
محمد مهدي الجواهري

يُروى أن الشاعر علي بن الجهم، وهو شاعر تمتعت لغته بفصاحة عالية، قدم إلى بغداد أيام «المتوكل»، حيث ازدهار بغداد، وحيث الحياة الناعمة المختلفة تماماً عن حياة البداوة. وكعادة الشعراء، توجه ليمدح الخليفة، فبدأ بقصيدته التي مطلعها:
أنت كالكلب في حفاظك للود
وكالتيس في قراع الخطوبِ
أنت كالدلو لا عدمناك دلــواً
من كبار الدلا كثير الذنـوبِ
فاستغرب جلاس الخليفة ونداماه من هذه الخشونة التي تطغى على خطاب الشاعر ذي اللهجة البدوية، ولكن الخليفة كان أعرف بطبيعة البيئة وأثرها على النتاج الأدبي، فأمر له بدارٍ حسنة على شاطئ دجلة، فيها بستان حسن، والجسر قريب منه، وأمر بالغذاء اللطيف، وكان يرى حركة الناس، ولطافة الحضر، فأقام ستة أشهر على ذلك، والأدباء يتعاهدون مجالسته، حتى استدعاه الخليفة، فأنشد بين يديه قصيدته الشهيرة:
عيون المها بين الرصافة والجسر
جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري
فقال المتوكل قولته الشهيرة في علي بن الجهم: «لقد خشيت عليه أنْ يذوب رقة ولطافة».
أسوق هذه المقدمة لأتحدث عن نموذج شعري عراقي ملأ الدنيا المعاصرة، وشغل الناس جدلاً وحواراً، ذلك هو الشاعر الكبير «محمد مهدي الجواهري»، بوصفه المثال والنموذج الأكثر التصاقاً بالمكان وبجغرافيته، حتى لتبدو شقوق الأرض طافحة في نصوصه، أو خضرة المكان متفشية في نصوص أخرى، مما جعله نموذجاً شعرياً لتجسد الأمكنة، وحلولها في نصوصه، وكأنه ملتصقٌ بروحه وجسده في المكان، ومعبرٌ عنه بنصوصه التي يُشم منها عطرُ الأمكنة التي عاشها وألفها.
وبسبب من مرجعياته الثقافية التي كونت شخصيته الثقافية، وهي مرجعيات تراثية ودينية أسهمت ببناء شخصيته الشعرية، كان السائد في شعر «الجواهري» هو غلبة اللغة والروح التراثية، ويصل الحال في نصوص كثيرة إلى الوعورة في اللفظ، مما استدعى محققي ديوانه في بغداد في سبعينات القرن الماضي أنْ يضعوا تحت كل قصيدة من قصائده معاني للكلمات، وتحديداً في بداياته الشعرية، والجواهري نفسه يوصي المبدعين ويقول لهم: «لا بد لكم أنْ تختزنوا من مفردات اللغة الجميلة كنزاً دفيناً يمدُ إليكم نفسه بنفسه عند الضرورة الماسة قبل أنْ تمدوا أيديكم إليه».
وفعلاً، فالجواهري أحد أهم الشعراء الذين تلبس الموروث شعرهم، ولكنْ في الواقع هناك زوايا نظر مختلفة تفحص شعر الجواهري، وأهم هذه الزوايا - كما أظن - هي المكان، ولا أقصد به ذلك البعد الفلسفي للمكان، إنما المكان بجغرافيته، وبيئته، وبأشجاره، ووحشته، أو بلطفه ومائه وثلجه، بالقرية التي فيه وبالمدينة، وهنا سأتوقف في هذا البحث عند محور «الجغرافية المكانية»، لأن التراث أخذ حصته من الدراسة في شعر الجواهري.
إن الذي دعاني أنْ أخصص الجغرافية في نصوص الجواهري هو ذلك التنوع الهائل الذي يحصل على النصوص من خلال تجواله المستمر، مما يعني أن مرجعيته التراثية لم تكن هي المرجعية الأقوى لديه، فاللغة التي أجهد نفسه في حفظ مفرداتها، والغوص بمكنوناتها، لم تكن هي الأساس الوحيد لصناعة الجواهري الشعرية، بل إن هذه اللغة التي يمتلكها تتحول وتتبدل بتبدل الأماكن والمناخات، فهي «كالماء الجاري وهو يمر على الحصى والحجر والطين وكل شيء فيؤثر فيه ويتأثر به».
بهذا المنظور، نحاول مقاربة هذه الفكرة التي تقول إن المكان هو الموجه الأكثر أثراً على الجواهري في إنتاج القصيدة، على خلاف ما هو متعارف عليه، من أن الموروث له سطوة كبيرة على شعر الجواهري، وأن مغذياته الكبرى تنبع من اللغة وموروثها، ذلك أن الأماكن جميعاً (مدناً وقرى، وعواصم أوروبية وعربية وشرقية، تلك التي عاش فيها) تُعدُ نبعاً، ومغذياً حياً ينشر ظلاله في نصوصه المختلفة، ذلك أن شعر الجواهري في النجف هو غير شعره في بغداد، وهو غيره في «علي الغربي»، وغيره في طهران، وغيره في بيروت ودمشق، وهو يكاد يكون شخصاً آخر وشاعراً آخر في براغ.
إن هذه التحولات التي تحدث للجواهري، بوصفه نصاً شعرياً متنقلاً، وهو ذاته من تحدث عنها في مذكراته أيضاً من خلال تأثير الأماكن على وعيه وثقافته، وبالتالي على نصه الشعري - هذه التحولات في لغة القصيدة، ومعجمها بالتحديد، وفي صورها، وزاوية النظر، أي في شكل الخطاب بشكل عام وفي مزاج القصيدة - إذا صحت هذه التسمية - حين تكون بمزاج جيد.
إذن هي تحولات رُصِدت من خلال متابعة رحلات الجواهري، وما كتبه في تلك المدن: شاباً في النجف، أو مهاجراً لبغداد، أو منفياً ومزارعاً في قرى «علي الغربي» في جنوب العراق، أو لاجئاً في دمشق، أو مسافراً في أصفهان وطهران، أو منفياً ومقيماً في براغ.
- جواهري النجف
فمن النجف التي ولد فيها ونشأ ودرس وكتب أولى حروفه، نجد تضافراً ين البيئة والنص الذي كتبه في تلك المدة، فضلاً عن أثر الموروث المهم، ولكن جغرافية النجف الوعرة كان لها أثرٌ واضحٌ في نصه أيام شبابه، هذه المدينة التي يقول عنها في أول سطر في مذكراته: «ولدتُ فوق أرض ملحية عطشى، رغم أنها على مقربة ميل أو ميلين من مياه الفرات»، ثم يستمر الجواهري بسرد مشاهد عن هذه المدينة التي يضيق فيها، حيث كان يقول: «بين آونة وأخرى، تضيق عيناي بمشهد الصحراء الجافة اللانهائية». إذن، ما الذي يمكن أنْ تتركه مشاهد هذه المدينة في قلب الصبي الشاعر وذاكرته؟ وهي المدينة التي يقول إنها «كانت مدينة بلا شجر، ولا عشب، وبما يشبه الشحة في المياه أيضاً، عدا مياه الآبار. فقد زحف الملح من البحر اليابس إلى أرضها، وغطت رياح السموم كل ما فيها بلون التراب الرمادي». وضمن هذا السياق الذي يلف المدينة، ما الذي يمكن أنْ يُنتجه الشاعر الذي تشكل البيئة جزءاً أساسياً في نصه الشعري، وتحديداً المكان الذي يحيط به؟ منطلقين من الرؤية التي ترى أن المكان قد «يفرض لغته على النص، وقد يشكل هذا جزءاً من وعي لغة المكان»، نستعير سؤال الناقد ياسين النصير حول الربط بين المكان والنتاج الأدبي، فهل يحمل المكان كروموسومات وراثية ليفرضها على سكنته، بحيث تفرز من خلال نتاج أبنائه خصوصية سلوكية وإبداعية؟ ومن ثم يعود ياسين النصير ويرى أن تساؤله افتراضي، وربما غير مشروع، لكنه يستحث هذا التساؤل ما هو بيولوجي لأنْ يستوعب ما هو ثقافي، وضمن هذا الفهم يتشكل ما يشبه الاندماج الكلي بين الشخص وجسده المكاني.
أما نحن الباحثين عن هذا الربط بين البيئة والقصيدة، فليس لنا إلا الإجراء الواقعي، أي فحص القصائد، وكأننا في مختبر تحليلي لفحص دم القصيدة، أو البحث عن dna»» القصيدة، وبهذا نقول إن هذا النص عائدٌ للمدينة الفلانية دون تلك المدينة، وما سهل عملية هذا الفحص السريري للنصوص هو الجهد العظيم الذي قام به محققو ديوان الجواهري، وهم من كبار علماء العربية (مهدي المخزومي، وعلي جواد الطاهر، ورشيد بكتاش، وإبراهيم السامرائي)، حيث وضعوا تحت كل قصيدة تاريخ كتابتها، والمكان الذي كُتبت فيه ومناسبته، وبهذا قد قدموا خدمة كبيرة للباحثين الذين سيعيدون النصوص إلى مدنها التي كتبت فيها، حيث التحول في اللغة والصورة وزاوية النظر.
فها هو «الجواهري» في بداية كتاباته في النجف يقول في أوائل قصائده 1921:
هو العزم لا ما تدعي السمْر والقضْبُ
وذو الجــــد حتــــى كل ما دونه لعبُ
ومن أخلفته في المعــــالي قضيــــــة
تكفل في إنتاجها الصارم العضْـــــبُ
ومن يتطلب مصعبــــــاتِ مســـــالكٍ
فأيسرُ شيءٍ عنده المركـــب الصعبُ
- التراث والمكان
يتبين من خلال هذه الأبيات، وهي جزء من نص طويل، أن الشاعر الذي يتحدث في النص منشطر على نصفين: التراث والمكان، حيث الشجاعة التي تبعث أمصالها في اللغة وبلاغتها، وحيث البيئة التي تصفق لمثل هذه الأفكار المكررة، فوعورة اللغة، واللجوء إلى مفردات مثل «السمر، والقضب، والجد، والصارم، والعضب، ومصعبات، والصعب»، كل هذا المفردات الخشنة في ثلاثة أبيات، وهي تُشبه خشونة المدينة التي يصفها الجواهري لحظة فتح عينيه على ملوحتها وسورها القديم، علماً بأن النص يشتمل معظمه على هذه اللغة التي ألجأت محققي الديوان إلى وضع معانٍ للكلمات، وكأن الشاعر - في هذه النصوص - ينتمي للعصر الجاهلي، لهذا فاللغة هي ليست لغة الجواهري، قدر ما هي اللغة التقليدية التي تشربها، والبيئة النجفية التي غرق فيها، وتأثر بمناخها وخشونتها، فأنتج نصاً مطابقاً للمدينة التي كان يعيش فيها الجواهري ذو العشرين عاماً، وللمكان الذي لم يرَ غيره في تلك المدة، فلا يستطيع الانفلات من الواقع إلا بهذا النص الذي يشبه مدينته الصحراوية.
لقد بقي الجواهري - كما أزعم - متأثراً بالبيئة أكثر من الموروث اللغوي، رغم سطوة الموروث وهيمنته، إلا أن البيئة بقيت محرضاً رئيساً في الكتابة، فهو حتى حين كتب عن ثورة العشرين، فإن الناقد علي جواد الطاهر، في مقدمة ديوان الجواهري، يرى أن المكان هو سبب هذه الكتابات «لقد انصرم عام 1920 أو كاد... ولتكن بقايا الثورة العراقية أول موضوعات النشر، كأنه لا يريد أن يخرج عن النجف وعلى النجف، بما ترسخ فيها من مفهوم الشعر وموضوعاته حتى كاد يأسن» (11). لهذا فالبيئة تشكلُ عاملاً مهماً لدى «الجواهري» في بناء نصوصه الشعرية، وحتى في طريقة المعالجة، وزاوية النظر، فضلاً عن العامل الأهم، وهو تغير معجمه الشعري، تبعاً لتغير المكان الذي يسكنه ويعيش فيه، ليصل حد التسرب بمساماته.
- من محاضرة ألقيت في مؤتمر نقدي نظمته مؤسسة «سلطان بن علي العويس الثقافية» في دبي احتفاء بمنجز الجواهري الشعري



رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
TT

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)

غيّب الموت سيدة الشاشة الخليجية، الفنانة الكويتية حياة الفهد، عن عمر ناهز الـ78 عاماً.

عاشت الراحلة منذ بداياتها الأولى في ستينات القرن الماضي حتى رحيلها أمس، عبر الشاشة في بيوت الخليجيين، وتركت خلفها تاريخاً فنياً عصياً على النسيان.

بدأت الفهد رحلتها الفنية في وقت كان فيه حضور المرأة الخليجية في مجال التمثيل محدوداً ومحاطاً بحساسيات اجتماعية، ورغم ذلك دخلت المجال بخطوات مترددة لكنها حاسمة، وشقّت طريقها في بيئة لم تكن مهيأةً بالكامل لتقبّل هذا الحضور النسائي، وهو ما جعل تجربتها الأولى تتجاوز فكرة «الدور» إلى معنى أوسع في كسر الحاجز، وفتح الباب.


مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
TT

مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)

أعلن علماء، الثلاثاء، أن مركبة «كيوريوسيتي» المتنقلة التابعة لوكالة «ناسا» اكتشفت المزيد من «لبنات الحياة» على سطح المريخ، وذلك بعد إجراء تجربة كيميائية لم يسبق لها مثيل على أي كوكب آخر، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأكد الفريق الذي تقوده وكالة «ناسا» أن الجزيئات العضوية ليست دليلاً قاطعاً على وجود حياة سابقة؛ إذ يحتمل أنها تشكلت على سطح المريخ أو سقطت نتيجة اصطدامها بالنيازك.

إلا أنها تكشف عن أن هذه المؤشرات حفظت في الصخور لأكثر من ثلاثة مليارات عام، عندما كان يعتقد أن الكوكب يضم مياهاً سائلة، وفق ما نشرت مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز».

وحملت «كيوريوسيتي»، وهي بحجم سيارة، أنبوبين من مادة كيميائية تسمى TMAH وتستخدم لتحليل المواد العضوية ومعرفة مكوناتها.

وقالت عالمة الأحياء الفلكية العاملة في مهمة «كيوريوسيتي» إيمي ويليامز لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «هذه التجربة لم تجرَ من قبل على كوكب آخر».

وأكدت ويليامز، وهي المؤلفة الرئيسية لدراسة تصف النتائج، أن الفريق «يرى لبنات الحياة، كيمياء ما قبل حيوية على المريخ، محفوظة في هذه الصخور منذ مليارات السنين».

هبطت مركبة «كيوريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» في قاع بحيرة سابقة تسمى فوهة غيل عام 2012، ومنذ ذلك الحين وهي تبحث عن دلائل على وجود حياة سابقة محتملة.

وخلال تجربة أجريت عام 2020 باستخدام مادة TMAH، تم رصد أكثر من 20 جزيئاً عضوياً، بينها مركب «بنزوثيوفين» الموجود أيضاً في النيازك والكويكبات.

وقالت ويليامز إن «المواد نفسها التي هطلت على المريخ من النيازك هي نفسها التي هطلت على الأرض، وربما وفرت اللبنات الأساسية للحياة كما نعرفها على كوكبنا».

وأشارت دراسة جديدة نشرت في مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز» إلى أن المهمات المستقبلية قد تستفيد من تجربة «كيوريوسيتي» التي أثبتت نجاح التجارب التي تستخدم مادة TMAH على عوالم أخرى.

وستحمل مركبة «روزاليند فرانكلين» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، والتي تتميز بحفارة أطول بكثير من «كيوريوسيتي»، هذه المادة الكيميائية إلى المريخ.

وأعلنت «ناسا»، الأسبوع الماضي، أن مركبة الفضاء التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية ستنطلق الآن نحو المريخ في أواخر عام 2028. وستكون المادة الكيميائية أيضاً على متن مركبة «دراغون» الدوارة، المقرر إطلاقها عام 2028 في مهمة لاستكشاف قمر تيتان التابع لكوكب زحل.


أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
TT

أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

يقطع المهندس المعماري محمد رجب يومياً أكثر من 30 كيلومتراً للذهاب إلى موقع عمله في الامتداد الصحراوي لمحافظة الجيزة (غرب القاهرة) حيث يشارك في بناء «كمبوند سكني فاخر»، وهو على يقين من أنه لا يمكنه أن يسكن فيه أو أي أحد من أولاده يوماً ما: «نبني لطبقات غنية. أما نحن فنسكن في إحدى المناطق الشعبية في الجيزة».

ويذكر أن شعور رجب بالتفاوت الطبقي الكبير يتزايد كلما سمع عن الأرقام التي تباع بها الوحدات التي يشارك في بنائها، ويقارنها براتبه هو وأصدقائه حيث «الفيلا الواحدة تباع بـ50 مليون جنيه» (الدولار الأميركي يعادل نحو 52 جنيهاً)، «وهو مبلغ لن أتحصل عليه طوال حياتي المهنية داخل مصر».

ووفق خبراء إسكان وعلم اجتماع، فإن بعض المشروعات السكنية في مصر اعتمدت خلال العقود الماضية على تغذية «مشاعر الفصل الطبقي»، بأسلوب المساحات المعزولة والمغلقة. يقول رجب بنبرة يملؤها الشجن: «بعد الانتهاء من عملي، لن يسمح لي الأمن بدخول المكان الذي شاركت في بنائه».

وأطلقت شركة هشام طلعت مصطفى العقارية أخيراً أحدث مشروعاتها العقارية شرق القاهرة «The Spine»، بأسعار مرتفعة جداً، وهو ما عزاه أحد مندوبي المبيعات بالشركة إلى أنها «أول مدينة ذكية استثمارية تقوم بالكامل على الذكاء الاصطناعي في العالم»، وفق ما ذكره لـ«الشرق الأوسط» عند الاستفسار هاتفياً عن طبيعة وأسعار الوحدات بالمشروع.

أحد المشاريع في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وكان رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي وعدد من الوزراء قد شاركوا في مؤتمر صحافي للإعلان عن المشروع الضخم، السبت. وأثنى مدبولي عليه قائلاً إن «استثماراته تتجاوز 1.4 تريليون جنيه، ويوفر أكثر من 155 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة كما يحقق عوائد ضريبية تتجاوز 800 مليار جنيه».

ويصل سعر الوحدة الكبرى (3 غرف نوم) في مشروع «The Spine» بمساحة 116 متراً، 50 مليون جنيه، ويضم المشروع 165 برجاً، داخل «مدينتي» المشروع السابق للشركة، على مساحة 5 كيلومترات. بينما تُطرح نفس مساحة الوحدة في مشاريع أخرى لـ«طلعت مصطفى» بـ10 ملايين جنيه.

ويُرجع موظف قسم المبيعات ارتفاع سعر الوحدات في المشروع إلى «المزايا الكبيرة والمختلفة فيه، منها شبكة المواصلات الضخمة تحت الأرض، ما يضع أماناً إضافياً إذا ما رغب السكان في التجول، ويحافظ على البيئة. كما أن ساكنه لن يحتاج إلى إطلاق الأوامر حتى تشتغل الإضاءة أو التكييف أو غيرهما من المهام في المشاريع الذكية، يكفي أن يُدخل البيانات لأول مرة، ليعرف الذكاء الاصطناعي تفضيلاته، ويعمل كل شيء نيابة عنه، يفتح المصعد، وباب الوحدة، ويضبط التكييف والإضاءة، حتى قبل أن تصل إلى شقتك».

أما سعر الوحدة ذات غرفة النوم الواحدة، بمساحة 77 متراً، فتصل إلى 20 مليون جنيه. وتقدم الوحدات بنظام تقسيط، أقل مقدم حجز فيها 160 ألف جنيه للمكتب الإداري، و250 ألف جنيه للوحدة السكنية، مع قسط نحو 50 ألف جنيه شهرياً، إلى جانب دفعات سنوية بمتوسط نصف مليون جنيه.

ووُصفت هذه الأسعار عبر مستخدمي مواقع التواصل بـ«المبالغ فيها وغير المنطقية»، وسط انتقاد الاهتمام اللافت بالمشروعات العقارية والإسكان الفاخر وعدم التركيز على توطين الصناعة والتكنولوجيا.

دار الأوبرا داخل مدينة الفنون في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وتتعزز هذه الانتقادات في وقت وصل فيه التضخم في مصر إلى 15.2 في المائة على أساس سنوي في مارس (آذار) الماضي، مرتفعاً نحو 2 في المائة عن فبراير (شباط) الماضي. بالإضافة إلى ارتفاع نسب الفقر إلى 32.5 في المائة، وفق تقرير للبنك الدولي عن مستوى الفقر في مصر عام 2022. مقارنة بـ29.7 في المائة في العام المالي 2019-2020.

وخلال السنوات الخمس الماضية، تراجعت قيمة الجنيه أمام الدولار بشكل حادّ، وارتفعت معدلات التضخم لمستويات غير مسبوقة، إذ انخفضت قيمة الجنيه من 15.5 جنيه في 2020 إلى 50 جنيهاً في 2025، ما ترتب عليه انخفاض القوة الشرائية للمواطنين، ما دفع الحكومة المصرية إلى رفع الحد الأدنى للأجور للعاملين في القطاع العام ليصبح 8 آلاف جنيه مصري شهرياً اعتباراً من يوليو (تموز) المقبل.

ويرى الكاتب الاقتصادي والخبير في أسواق المال، محمد مهدي عبد النبي، أن «المشروع الأحدث يعكس توجهاً من الدولة لفتح سوق عقارات دولي في مصر، لجذب عملة صعبة تساعد على تحسين أزمة العملة الأجنبية في مصر، ما سيؤثر إيجابياً على الاقتصاد الكلي، لكن في الوقت نفسه سينعكس سلباً على أسعار العقارات التي تستطيع شراءها الطبقة الوسطى، وسيزيد نسب التضخم في المجال العقاري».

ويتوقع عبد النبي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «أن يكون الأجانب، وبعض المواطنين العرب وبعض المصريين في الخارج الذين راكموا ثروات كبيرة، هم القادرين وحدهم على الشراء في مشروعات الإسكان الفاخر بمصر، أي أنه يستهدف ذوي الملاءة المالية الواسعة».

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

وهو ما أكّده موظف المبيعات في مجموعة «طلعت مصطفى»: «نستهدف بشكل أساسي الأجانب والعرب، لشراء الوحدات التي سيتم تسليم أول دفعة فيها بعد 5 سنوات».

الباحثة الثلاثينية منى محمد، تابعت الإعلانات التي تروج لمشروعات الإسكان الفاخر بالآونة الأخيرة، وقالت: «عانيت قبل عامين خلال رحلة بحثي عن شراء شقة بمنطقة حدائق الأهرام (غرب القاهرة)، ولأن المبلغ المطلوب كان (مليون جنيه) أكبر من إمكاناتي المادية أنا وزوجي، اضطررت لبيع مصوغاتي الذهبية والاقتراض حتى نتمكن من دفع ثمنها».

وتعلق منى على مشروعات الإسكان الفاخر، وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا النوع من المشاريع يستفز مشاعر أبناء الطبقات الوسطى والدُنيا حتى الطبقة الغنية، التي ستجد نفسها جارة لطبقات أكثر رفاهية، وتتمتع بمزايا ليست لديها، وغالباً سيكونون من غير المصريين».

واعتبر رئيس الوزراء المصري مشروع «The Spine»: «عالمياً بكل المقاييس، ويحقق نقلة حقيقية في شكل التنمية العمرانية والنمو الاقتصادي للدولة المصرية».

ويرى الباحث في الإنثروبولوجيا، وليد محمود، أن «الكومباوندات السكنية أصبحت جزءاً بارزاً من المشهد العمراني في مصر، تعكس طموحاً نحو حياة أكثر تنظيماً ورفاهية، معتمدة على الخصوصية، والخدمات المتكاملة، والمساحات الخضراء، ما يجذب شريحة واسعة من الطبقة المتوسطة العليا والطبقة الميسورة للإقامة فيها».

خبراء يرون أن المساكن المرفهة تعمّق الهوة الاجتماعية في مصر (شركة طلعت مصطفى)

وأضاف محمود لـ«الشرق الأوسط» أنه «بعيداً عن الصورة المثالية التي تروج لها الحملات الإعلانية، يبرز تساؤل مشروع حول التأثيرات الاجتماعية لهذه الظاهرة، التي تعزز فكرة الانفصال الطبقي، وتخلق تصوراً بأن الحياة الأفضل لا تتحقق إلا داخل هذه الأسوار»، مشدداً على أن «الأزمة لا تقتصر على مفهوم الكمبوندات، بل في اتساع الفجوة بين أنماط السكن المختلفة، وما يصاحبها من شعور متزايد بعدم التكافؤ». على حدّ تعبيره.