سارة بيرتون تودّع دار «ألكسندر ماكوين» بتشكيلة صبَّت فيها «جام إبداعها»

بتصاميم تستحضر صراع الراحل لي ماكوين بين السوداوية والرومانسية

مصممة كايت ميدلتون المفضلة توُدّع دار «ألكسندر ماكوين» وتشير التوقعات إلى استمرار التعاون بينهما (أ.ب)
مصممة كايت ميدلتون المفضلة توُدّع دار «ألكسندر ماكوين» وتشير التوقعات إلى استمرار التعاون بينهما (أ.ب)
TT

سارة بيرتون تودّع دار «ألكسندر ماكوين» بتشكيلة صبَّت فيها «جام إبداعها»

مصممة كايت ميدلتون المفضلة توُدّع دار «ألكسندر ماكوين» وتشير التوقعات إلى استمرار التعاون بينهما (أ.ب)
مصممة كايت ميدلتون المفضلة توُدّع دار «ألكسندر ماكوين» وتشير التوقعات إلى استمرار التعاون بينهما (أ.ب)

في آخر يوم من شهر سبتمبر (أيلول) الماضي وخلال أسبوع باريس لربيع وصيف 2024، ودّعت أوساط الموضة المديرة الإبداعية لدار «ألكسندر ماكوين» بعد أكثر من عقدين من الزمن دخلت فيهما الدار مساعدةً لماكوين قبل أن تتولى قيادتها الإبداعية بعد انتحاره في عام 2010. بعد انتهاء عرضها خرجت وسط تصفيق حار لتودّع محبيها وأصدقاءها ممن وقفوا احتراماً لها لدقائق عدة. كما دخلت الدار بهدوء خرجت سارة بيرتون منها أيضاً بهدوء. بعد أن ألقت بالتحية على الحضور، لم تعُد إلى الكواليس لتقابل الصحفيين وتجيب عن أسئلتهم كما جرت العادة بعد كل عرض. غادرت المكان مع أطفالها في سيارة كانت تنتظرها بالخارج من دون أن تلتفت للوراء.

المصممة سارة بيرتون بعد عرضها (ألكسندر ماكوين)

لم تُدل لأحد عن أسباب خروجها من دار أصبحت جزءاً منها، كما لم تعطِ أي تبريرات. فقط قدمت تشكيلة للتاريخ وضعت فيها نقطة النهاية على فصل مهم في مسيرة الدار ومسيرتها الشخصية على حد سواء. فهي ستبقى في ذاكرة الموضة المصممة التي لم تضمن بقاء إرث مؤسسها واسمه فحسب، بل ضمنت استمراره ووهجه أيضاً. وهذا ما اعترفت به مجموعة «كرينغ» المالكة للدار عندما أعطتها الفرصة لتقديم تشكيلة تضع فيها ختم النهاية على علاقة مثمرة، في وقت أصبح فيه الاستغناء عن المصممين أمراً سهلاً وعادياً لا يستدعي أي احتفال. سارة بيرتون لم تكن عادية كما أثبتت السنون.

كانت الأشكال والأحجام الدرامية تخفي مهارة عالية على التفصيل (ألكسندر ماكوين)

عندما اختارتها المجموعة خليفة للي ألكسندر ماكوين بعد انتحاره، لم يكن أحد يتوقع أن تستطيع أن تحمل على كتفيها إرثاً مُثقلاً بالدراما وميالاً لإحداث الصدمات. عدد لا يستهان به ممن صفَّقوا لها بحرارة وتأثر في الـ30 من شهر سبتمبر الماضي، كانوا من بين المشككين في اختيار «كيرينغ». صرّحوا في مناسبات كثيرة بأن لا أحد يمكن أن يأخذ محل لي ألكسندر ماكوين أو يضاهي عبقريته ومهارته في قص بدلة وتفصيلها بتقنيات تجمع الدقة بالخيال.

كان العرض تحية لذكرى لي ماكوين ونظرته للمرأة (ألكسندر ماكوين)

من أول عرض قدّمته أسكتت كل المنتقدين والمشككين. كانت خير خلف لخير سلف. لم تحاول أن تأخذ محله، بل عملت على الحفاظ على اسمه وأسلوبه. ضاهته في مهارته ولم تحاول أن تسرق الأضواء منه بتغيير الاتجاه الذي أرساه. فعملها إلى جانبه لـ12 عاماً علّمها الكثير وأثّر في أسلوبها إلى حد كبير. تبنَّت الدراما وإيحاءات سوداوية ورثتها من ماكوين، لكن لم تصل إلى المستوى الذي أودى به في الأخير. روَّضت غرابته وميله لإحداث الصدمة، بل وأدخلته القصور والبلاطات الملكية. اتخذت التفصيل سلاحاً مع لمسة أنوثة، ربما لم تكن مقصودة بقدر ما كانت عفوية، جعلت نجمات مثل كايت بلانشيت وكايت ميدلتون، أميرة ويلز حالياً، يُقبلن على تصاميمها ويُعززن مكانتها بين مصممي جيلها.

وربما تكون النقلة المهمة في مسيرتها عندما اختارتها كايت ميدلتون لتصميم فستان زفافها على وريث العرش البريطاني، الأمير ويليام، رغم أنها لم يكن قد مرَّ على تعيينها أكثر من عام. كانت هي أيضاً من صمم فستان أختها بيبا، الذي كاد أن يخطف الأضواء من فستان العروس.

الوردة تكررت في الكثير من الإطلالات بأشكال مختلفة (ألكسندر ماكوين)

عرضها الأخير ضمن أسبوع باريس لربيع وصيف 2024 كان «ماكوينيا» روحاً وتفصيلاً. فقد كان كما قالت «يحترم المرأة ويسعى لتمكينها» من خلال أزياء تُبرز تفرّدها وقوتها. وهذا ما ركّزت عليه هي الأخرى في هذه التشكيلة. شرّحت جسد المرأة وأبرزت قوته الكامنة في تضاريسه الأنثوية، التي زوّدتها بدروع على شكل كورسيهات من الجلد تحميها من أي عوامل خارجية تهدد كينونتها.

قدمت المصممة كورسيهات وأحزمة تبدو وكأنها دروع (ألكسندر ماكوين)

هل كانت بيرتون تعرف مسبقاً أن من سيخلفها رجل وليس امرأة؟ جرأة التصاميم وسوداوية الألوان تقول إنها كانت تعرف ولا ترضى. فحتى الأزهار التي تعدّ أحد رموز الدار جاءت في بعض القطع تسيل دماً. بعد يومين فقط على العرض، أعلنت مجموعة «كرينيغ» تعيينها الآيرلندي شون ماكغير خلفاً لها. في بيان أصدرته الدار، قال الرئيس التنفيذي للمجموعة، فرنسوا هنري بينو: «نحن متحمسون لفتح هذا الفصل الجديد في تاريخ هذه العلامة التجارية الفريدة»، بينما صرّح رئيسها التنفيذي بأنه يتوقع أن يساهم ماكغير «بفضل خبرته وشخصيته وطاقته الإبداعية» في «إضافة لغة إبداعية قوية» إلى الدار «استناداً إلى عراقتها».

وبينما لا يستطيع أحد انتقاد المصمم الشاب أو الانتقاص من قدراته، فإن فقدان ساحة الموضة مصممتين في أسبوع واحد، هما سارة بيرتون وغابرييلا هيرتس التي قدمت آخر تشكيلة لها لدار «كلوي» بعد ثلاث سنوات فقط، فتح نقاشات جديدة عن دور المرأة ومكانتها في عالم الموضة. ليس غريباً أن تتعاون بيرتون مع الفنانة البولندية ماغدالينا أبكانوفيتش باستعمال مجموعة من أعمالها التي تُخضع فيها جسد المرأة للتشريح بطريقة عنيفة كديكور.

افتتحت العرض كايا غيربر البالغة من العمر 22 عاماً بفستان أسود قصير مبالَغ في صرامة أكتافه وضمور خصره واستدارة تنورته القصيرة، واختتمته العارضة ناعومي كامبل البالغة من العمر 53 عاماً بفستان فضي بشراشيب تتراقص مع كل خطوة تقوم بها.

اختيارها جيلين له دلالاته، وهو أن هذه التصاميم للمرأة أياً كان شكلها أو لونها أو عمرها. لا يختلف اثنان على أن التصاميم كانت درساً في التفصيل والحرفية. حتى القطع المحاكة بالصوف طرّزتها أيادٍ ماهرة لتأتي بأشكال مبتكرة تتباين بين ورود تزين صدرها وسحاب على شكل عمود فقري يزين ظهرها، في حين بدت خيوط كثيرة تتدلى من على الأكتاف والأذرع وكأنها قطرات من الدم. لكن وراء الدراما والأكتاف الضخمة، كانت هناك قطع مفصلة تفصيلاً لا يُعلى عليه، سواء كانت بنطلونات تم تنسيقها مع جاكيت توكسيدو، أو كورسيه منحوت يغطي الصدر ومنطقة الخصر كحزام. كانت هناك أيضاً تنورات منسدلة ومطرّزة وفساتين ناعمة طُبعت على بعضها وردة حمراء يسيل الدم من بتلاتها في بعض الإطلالات، ومعطف من الصوف الدمشقي بطيات كثيرة تبدو وكأنها مقصوصة باليد.

الأشكال المتنوعة تخللتها تفاصيل غريبة (ألكسندر ماكوين)

لا يختلف اثنان على أن هذه التشكيلة كانت الأكثر جُرأة على مدى الـ13 سنة تولت فيها سارة بيرتون قيادة الدار الإبداعية بعد مصرع ماكوين. من قبل، احترمت أسلوبه، وإن روّضت جنوحه نحو الغريب والسريالي واستبدلته بغرابة بريطانية أكسبها ولاء الطبقات المالكة، أما هنا، فتعمّدت أن تكون النهاية مثل البداية: قوية وجريئة تحيي ذكرى الراحل لي ماكوين بكل عُنفه وعنفوانه.

علاقة سارة بيرتون وكايت ميدلتون أميرة ويلز

بعد عام واحد على تسلمها منصب المديرة الإبداعية لـ«ألكسندر ماكوين»، ابتسم لها الحظ وفُتحت لها أبواب العالمية على مصراعيها، عندما طلبت منها كايت ميدلتون في عام 2011 تصميم فستان زفافها على الأمير ويليام.

ترسّخت مكانتها العالمية بعد أن صمّمت فستان زفاف كايت ميدلتون على الأمير ويليام في عام 2010 (أ.ب)

فستان انتظره أكثر من 26.3 مليون مشاهد في بريطانيا و72 مليون مشاهد على «يوتيوب». تم الأمر في سرية تامة، ورسّخ مكانة بيرتون بتصميمه الكلاسيكي والرومانسي. جاء يعكس شخصية صاحبته المتحفظة بعض الشيء وأسلوبها الذي فهمته المصممة جيداً.

كانت وراء تلميع صورة كايت ميدلتون وإضفاء العصرية على إطلالاتها (أ.ف.ب)

منذ ذلك الحين وهي المصممة المفضلة لها بالنظر إلى عدد المرات التي ارتدت أميرة ويلز تصاميمها. ويقال أيضاً أن صداقة شخصية مبنية إلى الثقة باتت تربط بينهما، وهو ما أكده الأمير هاري في كتابه «spare» حين تطرق إلى الحادثة الشهيرة حول فستان الأميرة الصغيرة شارلوت والتي تحولت مشكلة كبيرة بين كايت وزوجته ميغان ماركل، حيث لا تزال الصحف والمجلات تعود إليها بين الفينة والأخرى. قال الأمير هاري في كتابه: إن كايت لجأت إلى سارة بيرتون تأخذ رأيها في الأمر. كانت سارة بيرتون أيضاً من تولت تنظيم جلسة التصوير الخاصة بكايت بمناسبة ميلادها الـ40، التي قام بها مصورها المفضل باولو روفيرسي.

هي المفضلة للأميرة في المناسبات الرسمية (رويترز)

بينما ساهمت كايت ميدلتون في شهرة بيرتون على المستوى العالمي وترسيخ مكانتها في مجموعة «كيرينغ»، ساهمت هذه الأخيرة بدورها في تشكيل أسلوب الأميرة وصورتها الأنيقة. فكايت لم تكن معروفة بأسلوب يعكس فهمها للموضة، بل وتعرّضت لانتقادات كثيرة في البداية على أساس أنها تعتمد أسلوباً مضموناً وعادياً. اختيارها مصممة من دار تشتهر بأسلوب درامي وحداثي جريء لم يكن صُدفة. فقد أرادت أن تختصر الطريق وتدخل عالم الموضة من أوسع الأبواب. سارة بيرتون فهمت الإشارة، لكنها راعت أيضاً شخصية كايت. فالموضة لا تبرُز وتعطي تأثيرها الجميل إذا لم تمنح المرأة الراحة والثقة؛ لهذا لم يكن وارداً أن تقدم لكايت ميدلتون آنذاك تصاميم حداثية صادمة. بهدوء، شكّلت أسلوبها العصري كما نعرفه الآن: أنيقاً وكلاسيكياً عصرياً. هذه العلاقة التي تحوّلت صداقة، تجعل أوساط الموضة يتساءلون عما إذا كانت المصممة البالغة من العمر 49 عاماً ستبقى المفضلة لدى أميرة ويلز بحيث تتعامل معها بشكل شخصي مثلما تعاملت أنجيلا كيلي مع الملكة الراحلة إليزابيث الثانية.


مقالات ذات صلة

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

لمسات الموضة جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

خلال ثماني سنوات تغيَرت أمور كثيرة في حياة ميغان ماركل، إلا تعاملها مع إطلالاتها وأزيائها كرسائل مبطنة

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)

درجات التراب والرمل تُلوِّن خزانة الرجل هذا الموسم

درجات التراب والرمل والذهب، لها سحر خاص، لأنها ليست لوناً واحداً، بل عشرات الاحتمالات، يتغيَّر كل واحد منها حسب النسيج والكثافة وطريقة الانسدال وانعكاسات الضوء

جميلة حلفيشي (لندن)
ثقافة وفنون جانب من معرض «الملكة إليزابيث الثانية: حياتها من خلال الأناقة»... في معرض الملك بقصر باكنغهام لندن 9 أبريل 2026 (رويترز)

بالصور: بريطانيا تحتفي بالملكة إليزابيث الثانية أيقونةً للموضة بمعرض ضخم في الذكرى المئوية لميلادها

تحتفي بريطانيا بمرور مائة عام على ميلاد الملكة إليزابيث الثانية عبر معرض ضخم في قصر باكنغهام يبرز دور أزيائها أداةً دبلوماسيةً ورمزاً لأناقتها وتأثيرها الثقافي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة هل خضعت أنجلينا لتدخلات تجميلية أم لا؟ هذا هو السؤال (خاص)

أنجلينا جولي وعيناها... هل خضعت النجمة للتجميل؟

تبلغ أنجلينا جولي اليوم 50 عاماً، وبالتالي من الطبيعي أن تتغير ملامحها، إضافة إلى ظروفها الشخصية والضغوط التي رافقت سنوات ما بعد انفصالها عن النجم براد بيت.

«الشرق الأوسط» (لندن)
خاص الفوز بالجائزة ليس مادياً فحسب بل هو مفتاح للتعرف على أسماء كبيرة في مجالات إبداعية شتى (فاشن ترست أرابيا)

خاص جوائز الموضة العربية... بوابة نجاح أم مجرد حافز مؤقت؟

تجربة الراحل إيف سان لوران خير دليل على أن الموهبة تحتاج إلى دعم. فهل كان بإمكانه أن يبلغ ما بلغه من مجد لولا مشاركته في مسابقة الصوف الدولية وتألقه فيها؟

جميلة حلفيشي (لندن)

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
TT

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)

ثماني سنوات مرَت على أوَل زيارة قامت بها دوقة ساسيكس ميغان ماركل وزوجها الأمير هاري إلى أستراليا، وكأن الزمن توقَّف عند تلك اللحظة من ناحية الصورة وليس الأحداث. فهذه حملت تحوَّلات كبيرة غيَّرت وجه المؤسسة الملكية إلى حد ما، لكن الصور الأولى لتلك الزيارة بقيت حاضرة بوصفها مرجعاً يقارن به الماضي بالحاضر. فرغم ما رافق الزيارة الحالية من انتقادات وجدل بعد الإعلان عنها رسمياً قبل نحو شهر تقريباً، فإن الصور المتداولة بمجرد أن حطّت بهما الطائرة، تُخلّف الانطباع أن الثنائي لا يبدو منشغلاً بضجيج التعليقات على السوشيال ميديا. فقد بدت ميغان أكثر تألقاً ببشرة نضرة وماكياج ناجح أضفى عليها ألقاً. وطبعاً، كان من الصعب فصل الحدث عن تفاصيل إطلالاتها.

8 سنوات مرت على الزيارة الأولى تغيَّرت فيها أشياء كثيرة ولم تتغيَّر المصممة (أ.ف.ب + موقع كارين جي)

كانت لافتة عودتها إلى المصممة الأسترالية كارين جي التي سبق أن ظهرت بأحد تصاميمها خلال زيارة عام 2018: فستان أبيض بتصميم مستقيم. أجمل ما كان فيه بساطته وأناقته الهادئة.

هذه المرة ولدى وصولها إلى ملبورن، اختارت فستاناً كحلياً يحمل اسم «بريسيلا». يتميّز بياقة دائرية تحيط بالعنق وحزام رفيع يحدد الخصر، مستوحاة بشكل غير مباشر من روح «النيولوك» لكريستيان ديور لكن بأسلوب معاصر يناسب الأيام العادية. كسّرت المصممة عمق لونه بستة أزرار ذهبية عند الصدر ألغت الحاجة إلى قلادة أو سلاسل. كل ما في الفستان يحمل السمات التي تميل إليها ميغان، وهي اللون الأحادي والخطوط الواضحة والبسيطة التي تناسب مقاييس جسدها المعقّدة. نسّقت الإطلالة بحذاء من «ديور».

ميغان ماركل والأمير هاري في ظهورهما الثاني في أستراليا (إ.ب.أ)

في الظهور الثاني لها، خلال زيارتها لمتحف الفنون الوطني للمحاربين القدامى في ملبورن، كانت أكثر جُرأة نسبياً، عبر سترة من السويد باللون الكاكي، وتنورة مستقيمة طويلة من نفس خامة ولون السترة من العلامة الأسترالية «سانت أغني» مع كنزة بلون الموكا من علامة «بي جونسون». كانت رسالة تؤكد فيها استمرار استخدام علامات أسترالية ضمن الجولة كنوع من البروتوكول الرمزي.

اختيار كارين جي للمرة الثانية نقطة تستحق التوقف. أوَّل تفسير يتبادر للذهن أن المصممة التي يوجد مقرها في سيدني، لا تُقدّم أزياء موسمية بقدر ما تركّز على ملابس عملية يمكن ارتداؤها في أكثر من مناسبة. إضافة إلى هذا، فإنها بنت سمعتها على أسلوب مضمون «يمكن الاعتماد عليه في كل زمان أو مكان» وفق وصفها، وهي فلسفة ترتكز على الاستدامة أكثر من الصرعات الموسمية العابرة، سواء من ناحية الألوان أو الخطوط البسيطة والهادئة.

صور ميغان ماركل تشير إلى استمرارية رمزية وكأن خروجها من المؤسسة الملكية لم يكن (رويترز)

هذا التوجه نحو المضمون يخدم صورة ميغان التي تزعزت في السنوات الأخيرة. وبينما كان ظهورها بالفستان الأبيض عام 2018 كفيلاً بتسليط الضوء على مصممته كارين جي عالمياً؛ نظراً لمكانتها آنذاك ضمن المنظومة الملكية، فإن عودتها إليها اليوم، يتقاطع مع ما صرّحت به في مقابلة سابقة عن وعيها بتأثير كل ظهور علني لها. قالت إنها تُدرك تماماً أن كل صغيرة وكبيرة تخضع للتمحيص والتحليل؛ الأمر الذي يدفعها لتوجيه هذا التأثير بشكل إيجابي، إما لدعم مصممين صاعدين تُؤمن بمساراتهم، أو تربطها بهم علاقات شخصية.

لا تزال ميغان تتعامل مع جولاتها وكأنها رسمية يجب أن تخضع لبروتوكولات الأناقة (أ.ب)

بيد أن هناك أيضاً عامل الاستمرارية، وكأن دوقة ساسيكس تريد أن تقول إن مكانتها محفوظة، وبأن الحاضر ما هو إلا امتداد للأمس. على الأقل من ناحية تأثيرها الذي تراه لا يزال قوِياً، حتى بعد تمرّدها على المؤسسة الملكية البريطانية وخروجها منها في 2020. حينها كانت دوقة جديدة، تتمتع بشعبية كبيرة، إلى حد أن جولتها فيها، كانت ناجحة بدرجة لافتة مقارنة ببقية أفراد العائلة المالكة، بمن فيهم كاثرين ميدلتون وزوجها الأمير ويليام. حينها كانت إطلالات ميغان تُقرأ ضمن إطار البروتوكول الملكي، واليوم يبدو أنها تعتمد الأسلوب نفسه تقريباً لفرض نفسها، أو على الأقل التذكير بمكانتها.


درجات التراب والرمل تُلوِّن خزانة الرجل هذا الموسم

من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)
من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)
TT

درجات التراب والرمل تُلوِّن خزانة الرجل هذا الموسم

من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)
من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)

«لوروبيانا»، «زينيا»، «برونيلو كوتشينيلي» و«هوكرتي» وغيرها من بيوت الأزياء، اتجهت هذا الموسم نحو لوحة فنية مستوحاة من التراب والرمل والذهب، في رسالة واضحة: أناقة هادئة تحلّ محل خزانة كانت، حتى عهد قريب، أسيرة ألوان كلاسيكية داكنة.

في مجموعة «لورو بيانا» لربيع - صيف 2026، مثلاً يبرز اللون كخيطٍ يربطها بقصر تشيتيريو في ميلانو، المكان الذي اختير لتصويرها وتقديمها. لم يكن اختيار الدار الإيطالية عشوائياً؛ فإلى جانب ما يزخر به من أعمال فنية، شكَّل خلفية مناسبة للتدرجات اللونية التي سادت مجموعة مستلهَمة من بساطة فنون «المينيماليزم» و«آرت بوفيري»، وكل ما يحتفي بما هو طبيعي كقيمة جمالية. وهكذا جاءت التوليفات اللونية غنية بالدرجات الترابية والرملية الذهبية المشرقة، إلى جانب درجات باستيلية أخرى.

فدرجات التراب والرمل والذهب، كما تؤكد عروض الأزياء، لها سحر خاص، لأنها ليست لوناً واحداً، بل عشرات الاحتمالات، يتغيَّر كل واحد منها حسب النسيج والكثافة وطريقة الانسدال على الجسد، مما يُدخلها خانة السهل الممتنع. فتنسيقها مع ألوان أخرى، حتى وإن كانت صارخة، لا ينتقص من جمالها، كما يمكن اعتماد تدرّجاتها ضمن إطلالة موحدة من الرأس إلى أخمص القدم.

من اقتراحات دار «لورو بيانا» لربيع وصيف 2026 (لورو بيانا)

«برونيلو كوتشينيلي» و«زينيا» و«سان لوران» و«هوكرتي» هي الأخرى تفننت هذا الموسم في توظيف هذه الدرجات، مستهدفةً رجلاً أنيقاً يسعى للانطلاق والتحرُّر من أي قيود قد تحدّ من خياراته؛ فهدوء الألوان لم يقتصر على اللوحة البصرية فحسب، بل امتدّ إلى التصاميم أيضاً، حيث تم تنعيم الأكتاف والتخفيف من سماكة ووزن السترات، بالاستغناء أحياناً عن التبطين. وهكذا تكتسب في الصيف خفة تتنفس عبر خيوط الكتان والقطن، وفي الشتاء عمقاً ودفئاً، حين تُنسج بالصوف والكشمير.

بداية التسلل

من الصعب تحديد الموسم الذي اقتحمت فيه الألوان الترابية والحيادية خزانة الرجل، لأن الأمر لم يكن انقلاباً مفاجئاً، بقدر ما كان تسللاً تدريجياً. لكن يمكن تعقُبه إلى السبعينات، وتحديداً بعد فيلم «ذي أميركان جيغولو» الذي تألق فيه النجم ريتشارد غير بتصاميم الراحل من جيورجيو أرماني. كان هذا بداية التغيُّر الواضح. ولا يزال أرماني يُعدّ أكثر مصمم منح هذه الدرجات شعبيتها، وأدخلها خزانة الرجل لتُصبح مع الوقت منافساً قوياً للألوان التقليدية، مثل الكُحلي والرمادي والأسود والأزرق. هذا لا يعني أن هذه الدرجات اختفت تماماً؛ فقد كانت ولا تزال بالنسبة لدار «جيورجيو أرماني»، كما لشريحة كبيرة من الرجال، عنواناً للأناقة الجدية وترمز للانضباط في أماكن العمل والمناسبات المهمة.

من اقتراحات دار «سان لوران» لربيع وصيف 2026 (سان لوران)

كل ما في الأمر أن العالم الذي روَّج لتلك الألوان لم يعد قائماً بالكامل؛ فمنذ جائحة «كورونا»، تلاشت الحدود بين العمل والحياة، وبين الرسمي واليومي، وبدأت علاقة جديدة بين الرجل ومظهره تراجعت فيها الألوان القاتمة لصالح درجات الرملي والزيتوني والوردي المطفي والأصفر المستردي وما شابه من ألوان باستيلية وجدت صدى طيباً في أوساط الشباب من متابعي الموضة، لا سيما أن بيوت أزياء مهمة، مثل «سان لوران» و«جيورجيو أرماني» قدمتها بأشكال أنيقة وجذابة.

الألوان ترابية والقصات إيطالية

بيد أنها لدى بعض بيوت الأزياء تبدو أقوى من ناحية الاستمرارية والكثافة. مجموعات «لورو بيانا» أكبر دليل على هذا؛ إذ تبدو فيها هذه الدرجات أكثر حضوراً ومصداقية، كونها جزءاً من هوية الدار الإيطالية، تعود إليها في كل موسم على أساس أنها امتداد للطبيعة، كونها غالباً ما تكون مستمَدّة من الصوف غير المدبوغ، ومن الحجر والجدران والصنوبر والضوء.

أسلوب الطبقات والأقمشة المبتكرة كان لها حضور قوي في هذه التشكيلة إلى جانب الألوان الترابية والرملية(زينيا)

بيد أن سحر هذه الألوان مسّ معظم بيوت الأزياء التي تُعتبر وجهة الرجل الذي يتوخى أناقة تشي بالوجاهة والتفرد، مثل «زينيا». مجموعتها الأخيرة لربيع وصيف 2026 تتمتع ببُعد حيوي استُخدِمت فيه هذه الألوان كخيار جمالي وسردي لتحكي قصتها التاريخية مع الفخامة الهادئة من جهة، ومع تقنيات تطوير الأقمشة التي لا تتوقف عن البحث من جهة أخرى. في سعيها لمنح الرجل حرية وخفة، اعتمدت على تفكيك كل قطعة من تفاصيلها الكلاسيكية وإعادة صياغتها بأسلوب يجمع الكاجوال بالكلاسيكي؛ إذ خفّف مديرها الإبداعي، أليساندرو سارتوري، من سُمك ووزن الأقمشة، وجعل الخطوط أكثر انسيابية، كما جعل الأكتاف أقل صرامة تنسدل قليلاً عن الخط المرسوم لها تقليدياً، والجيوب واضحة وكبيرة. الجلود أيضاً اكتسبت خفة غير مسبوقة توازي خفة الحرير. أما الحرير فتجسَّد في بدلة متكاملة بوزن لا يتجاوز 300 غرام.

في دبي حيث عُرِضت هذه المجموعة، أكّد المصمم سارتوري أن هذه الألوان ليست جديدة على الدار أو وليدة موسم بعينه «بل شكَلت دائماً جزءاً أصيلاً من هويتها»، مستشهداً بتشكيلات سابقة. وأضاف أن الجديد في هذه المجموعة يكمن في التصاميم والتفاصيل التي أضفت عليها بُعداً أكثر تحرراً وانطلاقاً.

من مجموعة «برونيلو كوتشنيللي» ربيع وصيف 2026 (برونيلو كوتشينلي)

منتعشة صيفاً... دافئة شتاء

هذه الخفة، إلى جانب الخطوط الانسيابية والابتعاد عن التكلُّف، كانت أيضاً سمة من سمات مجموعة «برونيلو كوتشينلي»، كما يشير عنوانها: «ملامح الضوء». ركَّزت في تصاميمها على التباين والانسجام بين القطع، حيث جاءت سترات «بلايزر» بقصات أطول بقليل من المعتاد، والسراويل منسدلة بنعومة بفضل طيات خفيفة تحت منطقة الحزام. للمساء، اقترحت سترات بياقات تأخذ شكل شال، نسقتها مع كنزات دُمج فيها الحرير بالقطن. غني عن القول إن الألوان جاءت بدرجات ترابية تنبض بصمت. حتى درجات البرتقالي والمشمشي والأزرق الملكي والمرجاني اكتسبت هدوءاً مهيباً، في حضرة الأبيض والدرجات الحيادية الأخرى.

من تصاميم «هوكرتي»..يختار الرجل كل التفاصيل بنفسه من ألوان القماش إلى نوعية الأزرار وشكل الجيوب والياقات (هوكرتي)

لم تخرج علامة «هوكرتي» عن السرب، واعتمدت بدورها على الألوان الهادئة، مؤكدة أن ألوان الطبيعة لا تتعارض مع حياة الرجل في المدن الصاخبة. في مجموعتها الأخيرة، اختارت لها «إيرث أند باستيل» أي الأرض والباستيل، عنواناً، للدلالة على تلك العلاقة الحميمة بين الرجل عموماً والأرض.

ما تجدر الإشارة إليه أن «هوكرتي» ليست كباقي بيوت الأزياء التي تقترح في كل موسم ملابس جاهزة؛ فهي أقرب إلى خياطي «سافيل رو» اللندني، لكن بروح وأدوات عصرية وأسعار مقدور عليها؛ فكل قطعة تقترحها يمكن تفصيلها على المقاس، ولا يحتاج صاحبها سوى إلى إدخال معلومات بسيطة على موقعها الإلكتروني، واتباع تعليمات سهلة وبسيطة، تبدأ باختيار القماش ونوعية الأزرار وألوان الخيوط وعدد الجيوب وشكل الياقة وما شابه من تفاصيل، قبل إدخال مقاساته. وهكذا يتحكم صاحبها في كل غرزة وتفصيلة من دون أن يخرج من بيته. بعد أسبوعين أو ثلاثة، تصل إليه القطعة وقد فُصِّلت خصيصاً له على يد خياط بمهارة خياط من خياطي شارع النخبة، «سافيل رو».


سوق الجمال في الشرق الأوسط... تبتسم في وجه التحديات الاقتصادية والسياسية

لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)
لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)
TT

سوق الجمال في الشرق الأوسط... تبتسم في وجه التحديات الاقتصادية والسياسية

لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)
لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)

اختُتمت فعاليات معرض كوزموبروف وورلدوايد بولونيا 2026، مؤكدة أن صناعة الجمال ستظل صامدة ومُشرقة حتى في أكلح أيام الركود. فالحاجة إلى طمأنة النفس والرفع من معنوياتها، تُصبح أكثر إلحاحاً في أوقات الانكماش الاقتصادي وعدم اليقين السياسي، بحيث قد لا تحتاج سوى لأحمر شفاه أو قصة شعر مختلفة. المصمم الراحل إيف سان لوران كان له أيضاً رأي في هذا الصدد حين قال: «أجمل ماكياج للمرأة هو الحب، لكن الحصول على مستحضرات تجميل أسهل بكثير».

حضور مكثف هذا العام في المعرض (كوزموبروف)

نسخة هذا العام من المعرض اجتهدت في ترسيخ هذا الأمر بوصفه حقيقة، بالأرقام والدلائل، التي أثبتت أن قطاع الجمال والتجميل، واحد من أكثر القطاعات ديناميكية في صناعة الترف. كل التوقعات تشير إلى أنه يشهد نمواً يُثلج الصدر على المستوى العالمي، من 635.2 مليار دولار في 2025 إلى 678.3 مليار دولار في 2026، على أن يصل إلى 826.1 مليار دولار بحلول 2029.

دور الشرق الأوسط

قطاع الجمال والتجميل أثبت صموده في وجه الأزمات (أستيري)

ولم تنس الفعالية أن تُبرز مكانة الشرق الأوسط باعتباره قوة دخلت هذه الصناعة بكل قوتها، وكيف أنه تجاوز دوره كونه سوقاً استهلاكية إلى منتج فعال. فهو يبرز حالياً بوصفه مركزاً يسهم في توجيه استراتيجيات التوزيع وتطوير المنتجات وصياغة توجهات المستهلكين على المستوى العالمي. هذا عدا عن ظهور علامات ناجحة لمؤسسات سعوديات مثل سارة الراشد، مؤسسة علامة «أستيري» ويارا النملة مؤسسة علامة «مون غلايز»، إضافة إلى مبدعات وسيدات أعمال أخريات مثل هدى قطان وشقيقتها منى قطان وغيرها من العلامات التي تخطت الحدود العربية للعالمية.

علامات سعودية مثل «أستيري» لمؤسستها سارة الراشد تُطوِر نفسها ومنتجاتها دون توقف (أستيري)

من هذا المنظور، ليس غريباً أن يُسجل المعرض هذا العام ارتفاعاً بنسبة 23 في المائة في مستويات الاهتمام من المنطقة، تجسّدت في مشاركة 33 جناحاً وطنياً، من بينها مشاركات جديدة تقودها المملكة العربية السعودية، في مؤشر يعكس مكانتها المتصاعدة ضمن مشهد الجمال العالمي.

هذا التنامي، جعل النقاشات في هذه الدورة، تُخصص حيِزاً كبيراً للأسواق الإقليمية عموماً، والشرق الأوسط خصوصاً، لتسليط الضوء على دورها في التأثير، وكيف ساهمت في تطوير علامات تجارية وتموضعها وتوسعها عالمياً.

هناك تزايد وإقبال كبير على مستحضرات العناية بالبشرة (أستيري)

منتجات العناية بالبشرة تتصدر المشهد العالمي باعتبارها أكبر فئة، مع توقعات بتجاوز 198 مليار دولار بحلول 2028، فيما تُعد العطور من أسرع الفئات نمواً بنسبة 9.2 في المائة بين 2025 و2026، تليها مستحضرات الماكياج بنسبة 6.8 في المائة، ومنتجات الوقاية من الشمس بنسبة 7.8 في المائة. كذلك يتوقع أن تتجاوز سوق العناية بالشعر 116 مليار دولار بحلول 2028 بمعدل نمو 6.6 في المائة، فيما ينمو قطاع العناية الرجالية بنسبة 7.1 في المائة.