أصداء آسيوية متفاوتة لعملية فنزويلا الأميركية

بين «واقعية» بكين و«خطابيات» بيونغ يانغ

صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

أصداء آسيوية متفاوتة لعملية فنزويلا الأميركية

صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)

تعد العملية الدراماتيكية التي نفّذتها الولايات المتحدة لاعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وزوجته سيليا فلوريس، وإزاحتهما من السلطة على يد قوات عسكرية أميركية خاصة، واحدة من أهم الأحداث الجيوسياسية في حقبة ما بعد «الحرب الباردة». ومع أن «مسرح» العملية كان في أميركا اللاتينية، فإن تداعياتها تمتد إلى ما هو أبعد من المنطقة. أيضاً يشير الواقع إلى أن الهدف من العملية لم يكن مجرد إسقاط نظام مادورو، بل أيضاً العرض المتعمد للقوة الأميركية، من أجل تعطيل الشبكات الاستراتيجية لأبرز منافسي واشنطن على الساحة العالمية.

يرى مراقبون استراتيجيون أن الولايات المتحدة، عبر عملية اختطاف نيكولاس مادورو واعتقاله، لم تكتفِ بتحييد نظام معادٍ، بل أظهرت كذلك قدرتها على اختراق قيادة حاكمة، وإسقاطها من السلطة، داخل دولة لطالما حظيت بحماية دبلوماسية واقتصادية وعسكرية من منافسي واشنطن الكبار. وبذا، لم تتحدَّ واشنطن حكومة مادورو فحسب، بل تحدّت أيضاً الفرضيات التي يقوم عليها التخطيط الاستراتيجي الصيني والروسي والكوري الشمالي.

في هذا السياق، يعرب المحلل الجيوسياسي الهندي مانيش تشيبر عن اعتقاده بأن العملية الأميركية «ما كانت تهدف إلى تغيير النظام في كاراكاس، بقدر ما كانت تهدف إلى إعادة تأكيد الهيمنة الأميركية... وعموماً سعت العملية إلى تعطيل قدرة الدول المنافسة على بسط نفوذها وتعزيز التسلسل الهرمي في النظام الدولي. وجاءت الرسالة واضحة لا لبس فيها: التحالف مع خصوم الولايات المتحدة لا يضمن الحماية». ويضيف تشيبر: «من وجهة نظر واشنطن، مثّلت فنزويلا نقطة ضغط مثالية؛ إذ كانت متجذّرة بعمق في البنية الاستراتيجية لكل من الصين وروسيا، وتعتمد بشدة على دعمهما الاقتصادي والعسكري، ناهيك من أنها تقع جغرافياً في منطقة تُعتبر تاريخياً حيوية للأمن الوطني الأميركي. وبالتالي، فالضربة في فنزويلا مكّنت واشنطن في آن معاً من تعطيل شبكات منافسة متعددة». وحقاً، كان كل من الصين وروسيا قد استثمرتا بكثافة في فنزويلا ضمن مساعيهما لتحدي النفوذ الأميركي في ما تعتبره واشنطن منذ فترة طويلة «فناءها الخلفي» الاستراتيجي.

انتكاسة استراتيجية لبكين

بالنسبة للصين، يأتي إسقاط مادورو بمثابة ضربة قاسية. إذ إن فنزويلا لم تكُن مجرد شريك آخر في جهود بكين المتنامية للانخراط داخل دول «الجنوب»، بل كانت محوراً استراتيجياً لها في أميركا اللاتينية، واختباراً حاسماً لقدرتها على حماية مصالحها وتحدّي هيمنة واشنطن خارج شرق آسيا.

وحقاً، طيلة عقدين، رسّخت بكين مكانتها كشريك لا غنى عنه لفنزويلا - بلداً وسلطةً - بفضل القروض المدعومة بالنفط، والتعاون في مجال الطاقة، وتمويل البنية التحتية، والدعم الدبلوماسي. وكثيراً ما وصف المحلّلون الصينيون هذه الشراكة بأنها تقوم على «المنفعة المتبادلة»، إذ تلقت كاراكاس دعماً مالياً ودعماً سياسياً. وفي المقابل، أمّنت بكين إمدادات الطاقة ونفوذاً إقليمياً.

أيضاً، برزت الصين كأكبر مستورد للنفط الخام الفنزويلي، وتكشف الأرقام أنها استوردت ما يقارب 400 ألف برميل يومياً عام 2025، أي أكثر من نصف إجمالي صادرات فنزويلا. وكانت هذه التدفّقات النفطية «شريان حياة» لحكومة مادورو، إذ حافظت على إيرادات الدولة تحت وطأة عقوبات وانهيار اقتصادي واضطرابات داخلية مستمرة.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن فنزويلا تهدّدت بأزمات مالية هائلة. ومنذ مطلع العقد الأول من الألفية الثانية، قدّمت لها بكين قروضاً تجاوزت قيمتها 100 مليار دولار، أي ما يقارب 39 في المائة من إجمالي القروض الصينية المقدمة لمجمل دول أميركا اللاتينية. ومع أنها سددت جزءاً من هذه الديون، لا تزال فنزويلا مدينة للصين بما يُقدّر بما بين 10 و12 مليار دولار، معظمها مُرتبط بترتيبات تتعلق بالسلع الأساسية. وبجانب النفط، استثمرت الشركات الصينية بكثافة في التعدين، (بالذات) الذهب والاتصالات والبنية التحتية.

نقاط الضعف الصينية

بالتوازي، وبينما ركّزت التحركات الأميركية الأخيرة في فنزويلا علناً على النفط والنفوذ السياسي، يرى محللون أن «تقييد» المصالح الصينية شكّل هدفاً رئيسياً. إذ لطالما كانت الصين مشترياً أساسياً للنفط الخام الفنزويلي، واستثمرت بكثافة عبر صفقات «قروض مقابل النفط»، التي ربطت التمويل بضمانات إمدادات النفط. ويُبرز تعطيل هذا الترتيب هشاشة أصول الطاقة الصينية في الخارج، ولا سيما المناطق الهشّة سياسياً، وتلك التي تقع خارج نطاق سيطرتها العسكرية. وربما يدفع هذا الانكشاف بكين إلى إعادة تقييم استثماراتها في أميركا اللاتينية وأفريقيا وآسيا الوسطى.

الواقع أن فنزويلا تمثّل معضلة في الاستراتيجية الصينية تجاه الموارد الخارجية. فغالباً ما يؤدي تأمين أصول الطاقة والمعادن البعيدة من دون التزامات أمنية مقابلة إلى انكشافها، بدلاً من تعزيز قدرتها على الصمود. وقد تتحوّل الأصول التي كانت تُعدّ في السابق حواجز استراتيجية إلى أعباء في المناطق المتنازع عليها، خاصةً في ظل اشتداد المنافسة الجيوسياسية وقدرة الخصوم على إعادة رسم النتائج بالقوة أو الدبلوماسية.

الثروات الأرضية النادرة

وهنا يتناقض ضعف الصين بشكل حادّ مع موقعها في مجال الثروات الأرضية النادرة والمعادن الحيوية. ولقد وصف مسؤولون ومحللون أميركيون المتطلبات الصينية المتعلقة بتراخيص التصدير التي أقرّت أواخر عام 2025 بأنها محاولات «لاستغلال» قدرتها التصنيعية شبه المهيمنة، خاصة في مجال المعادن النادرة المتوسطة والثقيلة التي تتسم بأهمية بالغة لأنظمة الدفاع والإلكترونيات المتقدمة والمركبات الكهربائية وتقنيات الطاقة المتجددة. وجاءت هذه الإجراءات عقب فرض واشنطن قيوداً على أشباه الموصلات وغيرها من التقنيات ذات الاستخدام المزدوج للشركات الصينية. ومع أن بكين حافظت لاحقاً على الصادرات بموجب ترتيبات محدودة ومؤقتة، عزّزت هذه العملية المخاوف من جاهزيتها لتحويل هيمنتها التصنيعية إلى نفوذ جيوسياسي.

في هذا الإطار، يرى المحلل الهندي راجا موهان أن الضغط الأميركي على فنزويلا «قد يُستخدم كورقة ضغط مضادة غير مباشرة في مواجهة السيطرة الصينية على المعادن النادرة وغيرها من المواد الاستراتيجية». وعبر تهديد مصدر طاقة رئيس واحتياطيات معدنية محتملة، «تضغط واشنطن على بكين في مجالات استراتيجية متعدّدة»... وبالتالي، يمكن اعتبار تشديد بكين اللاحق على «ضوابط» تصدير المعادن النادرة خطوة دفاعية أو انتقامية في خضم صراع جيوسياسي متصاعد، لا مجرّد إجراء اقتصادي معزول.

من جهة ثانية، لا تقتصر الأهمية الاستراتيجية لفنزويلا على النفط وحده، إذ تختزن أرضها أيضاً احتياطيات غير مستغلة من المعادن النادرة البالغة الأهمية للتخطيط الصناعي والتكنولوجي والدفاعي الطويل الأجل. وفي هذا الإطار، رأى المحلل الهندي سوشانت سارين أن قضية المعادن النادرة «تُسلط الضوء على حدود جهود الإكراه الاقتصادي من دون وجود نفوذ أمني مُكمّل. فالهيمنة على سلاسل التوريد قد تُوفر قوة تفاوضية قصيرة الأجل، لكنها لا تستطيع منع الخصوم من إعادة تشكيل المشهد الاستراتيجي بالوسائل السياسية أو العسكرية». وهكذا، تحمل فنزويلا درساً مهماً لبكين: فالسيطرة على نقاط الاختناق في عمليات المعالجة لا تعني بالضرورة السيطرة على نتائجها داخل المساحات الجيوسياسية، التي تحركها الأزمات.

انكشاف فجوة الصدقية

وللعلم، في أعقاب العملية مباشرة، أصدرت بكين إدانة دبلوماسية شديدة اللهجة، متهمة واشنطن بانتهاك القانون الدولي وتهديد الاستقرار الإقليمي. واستنكر المسؤولون الصينيون ما وصفوه بـ«السلوك الساعي لفرض الهيمنة»، وحذّروا من الإجراءات أحادية الجانب. لكن، بخلاف الخطابات والتصريحات، لم تُقدّم القيادة الصينية أي ردّ ملموس. إذ لم تكن هناك أي إشارة عسكرية، ولا أي نشر وقائي، ولا أي إجراء مضاد لحماية مصالحها أو أفرادها على الأرض. وأكثر من هذا، تشير تقارير إلى أن الاستخبارات الصينية بوغتت بالعملية الأميركية، في حين أثبتت أنظمة الدفاع الجوي الصينية في فنزويلا انعدام فاعليتها خلال العملية.

بخلاف التداعيات الدبلوماسية المباشرة، قد تجبر الأزمة الفنزويلية بكين على مواجهة تناقضات هيكلية أعمق في استراتيجيتها العالمية؛ فقد بنت الصين نفوذها الخارجي أصلاً على المهارة الاقتصادية للدولة كالقروض، والبنية التحتية، وشراكات الطاقة، والإحجام عن فرض شروط سياسية. لكن أزمة فنزويلا الأخيرة كشفت أن العمق الاقتصادي لا يُترجم تلقائياً إلى قدرة على الصمود في وجه الأزمات. وهنا يحلّل راجا موهان المسألة على النحو الآتي: «تكشف هذه الحادثة عن فجوة في مصداقية الاستراتيجية الصينية العالمية. إذ بمقدور بكين تقديم الاستثمار والتجارة والدعم السياسي، لكنها عاجزة حتى الآن عن تقديم ضمانات أمنية قاطعة بمواجهة قوة أحادية حاسمة».

ويتابع المحلل الهندي: «بما يخص حكومات أميركا اللاتينية، تثير التداعيات القلق، فالتقارب مع الصين يُحقق فوائد اقتصادية، لكنه لا يُترجم بالضرورة إلى حماية عند مواجهة ضغوط واشنطن. بل قد يتبع ذلك إعادة تقييم هادئة للتوجّه نحو واشنطن للحصول على ضمانات أمنية... ما يُبطئ وتيرة التوسع الصيني إقليمياً».

أما المحلل الاستراتيجي الهندي أماليندو ميسرا، فيوضح: «إن أمام صانعي السياسة الصينيين الآن مراجعة صعبة. فحماية الاستثمارات الخارجية بالوسائل العسكرية تتطلب تمركزاً متقدماً، واختراقاً استخباراتياً، وتأهباً للتصعيد... وهذه خطوات تتناقض في مجملها مع تركيز بكين المُستمر على تجنّب التدخل. ومع ذلك، فإن استمرار ضبط النفس يُهدد بمزيد من تآكل المصداقية بين الدول الشريكة».

هذه الفجوة في الصدقية لا تنطبق على فنزويلا وحدها، بل يتردد صداها في جميع أنحاء منطقة «مبادرة الحزام والطريق» الصينية الأوسع، حيث يجري عدد من الدول المستفيدة من «المبادرة» تقييماً هادئاً لمدى ضمان الشراكات الاقتصادية مع الصين، أي حماية أمنية فعّالة خلال فترات الأزمات الحادة. وعليه، فمثال انعدام الحماية الصينية في فنزويلا قد يؤثر على المفاوضات المستقبلية، وتقييمات المخاطر، والتوقعات السياسية في مناطق بعيدة عن أميركا اللاتينية.

هل تُشكّل فنزويلا نموذجاً لتايوان؟

على صعيد آخر، بين القراءات الأكثر جدية لعواقب العملية الأميركية القراءة الخاصة بمصير تايوان. فهل تعتبر بكين العملية نموذجاً لمعاملة تايوان؟

ظاهرياً، استغلّ المسؤولون الصينيون العملية للتشكيك في صدقية الولايات المتحدة حيال الالتزام بمبادئ السيادة والقانون الدولي. لكن ثمة محللين عقدوا مقارنات مباشرة بين فنزويلا وتايوان. وكمثال، وصف ستيف تسانغ، مدير معهد الدراسات الصينية في مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية (سواس) بجامعة لندن، هذا بأنه «فخّ نفاق» يسمح لبكين بالزعم أن المعايير الدولية تُطبّق بشكل انتقائي، وبالتالي فهي قابلة للتفاوض.

وفي المقابل، يرفض آخرون فكرة أن فنزويلا تُقدّم نموذجاً تكتيكياً لتايوان. ووفق واي كيه سينها، السفير الهندي السابق لدى فنزويلا: «ثمة فوارق واضحة... فنزويلا تفتقر إلى حلفاء موثوقين مستعدين للقتال، ولم تكن لديها ضمانات أمنية مُلزمة، كما كانت قدراتها الردعية ضئيلة. أما تايوان فتشكل النقيض تماماً، إذ تتميّز بدعم أميركي عميق، وتكامل عسكري كثيف، ومخاطر تصعيد عالية للغاية، الأمر الذي تدركه بكين بوضوح».

ولكن رغم استبعاد أن تُشكّل فنزويلا نموذجاً عسكرياً لتايوان، فإنها تُزوّد بكين بذخيرة خطابية في بحر الصين الجنوبي. وعبر تسليط الضوء على الأحادية الأميركية، تستطيع بكين أن تُجادل بأن الأعراف السائدة تتبع القوة، بدلاً من أن تُقيّدها. ويدعم هذا التأطير ادعاء بكين القديم بأن أفعالها في المياه المتنازع عليها لا تختلف عن التدخلات الأميركية في أماكن أخرى.

كوريا الشمالية...وتعزيز خطاب الردع

في اتجاه آخر، إلى جانب الصين، وجّهت عملية فنزويلا رسالة ردع إلى كوريا الشمالية. وجاء ردّ فعل قيادتها أقوى وأكثر حدة من كثير من الردود الدولية الأخرى. وبعكس بعض حلفاء واشنطن، الذين أعربوا عن قلقهم، لكنهم لم يصلوا إلى حد الإدانة الصريحة، كان ردّ بيونغ يانغ قاسياً وذا طابع آيديولوجي، متسقاً مع معارضتها التاريخية للعمليات العسكرية الأميركية.

إذ أدانت وزارة خارجية بيونغ يانغ، عبر وكالة الأنباء المركزية الكورية الرسمية، العملية، ووصفتها بأنها «أخطر شكل من أشكال التعدي على السيادة»، واصفةً الولايات المتحدة بأنها «مارقة ووحشية». وأعقب هذه الإدانة إطلاق صواريخ باليستية - الأولى منذ عدة أسابيع – ما فُسِّر على نطاق واسع بأنه إشارة متعمدة.

ومن ثم، يرى محللون أن العملية الفنزويلية تعزز الاعتقاد الاستراتيجي الأساسي لدى كوريا الشمالية بأن الأسلحة النووية لا تزال الضمانة النهائية لبقاء النظام. ووفق المحلل الهندي سوشانت سارين: «فيما يخص يونغ يانغ، تُعزز فنزويلا قناعة راسخة مفادها أن الأنظمة التي تفتقر إلى رادع موثوق، تظل عرضة للخطر بغضّ النظر عن التحالفات الدبلوماسية. وتُعزز هذه الحادثة مبررات كوريا الشمالية للاحتفاظ بترسانتها النووية وتوسيعها، وتُصعّد مقاومتها لنزع السلاح النووي، وتُرسّخ فكرة أن القوة العسكرية الضمانة الوحيدة ضد التدخل الخارجي».

نمط استراتيجي أوسع

في نهاية المطاف، تُبرز عملية فنزويلا سمة أساسية للجغرافيا السياسية المعاصرة: أن القوة تُمارس بشكل متزايد من خلال السرعة والدقة والتأثير النفسي، بدلاً من المواجهة المطولة. وفي ما يخص الصين وكوريا الشمالية، بل روسيا أيضاً، تُذكّر هذه الحادثة بأن النفوذ دون حماية قابلة للتنفيذ يبقى مشروطاً. وفي نظام تكون فيه مصداقية الردع أهم من التحالفات القائمة على التصريحات والبيانات، من المرجح أن يشكل التوازن بين النطاق الاقتصادي والقدرة الأمنية النتائج الاستراتيجية في السنوات المقبلة.


مقالات ذات صلة

هل يريد نتنياهو فعلاً وقف المساعدات الأميركية؟

حصاد الأسبوع خطط مستقبلية للتعاون العسكري الأميركي - الإسرائيلي (رويترز)

هل يريد نتنياهو فعلاً وقف المساعدات الأميركية؟

المسؤول الإسرائيلي الذي يزور الولايات المتحدة هذه الأيام، يتعب. الأسئلة التي تُطرح عليه صعبة، بعضها لم يُطرح على الإسرائيليين حتى في دول معادية.

نظير مجلي (تل أبيب)
حصاد الأسبوع برز منير قائداً يمزج بين التشدّد الأمني والخطاب المؤسساتي مع تركيز واضح على مكافحة الإرهاب وضبط الحدود

عاصم منير... رئيس أركان الجيش الباكستاني و«وجه» دبلوماسية إسلام آباد مع واشنطن

في أواخر مارس (آذار) الماضي، بدأت باكستان تموضع نفسها وسيطاً غير اعتيادي بين الولايات المتحدة وإيران لإنهاء الحرب بين الطرفين، وراحت تنقل رسائل لوقف النار،

راغدة بهنام (يرلين)
حصاد الأسبوع قاليباف (آ ف ب)

دور منير المؤثر في عملية الوساطة مع طهران

يرى المراقبون، بكثير من الثقة، أن اللقاءات والعلاقة المتجددة لواشنطن مع باكستان، وبفضل رئيس أركان جيشها عاصم منير، عامل أساسي مهَّد الطريق أمام الوساطة التي

«الشرق الأوسط» ( برلين)
حصاد الأسبوع اجتماعات ومشاورات بلا ثمار حتى الآن (البعثة الأممية لليبيا)

ليبيا بين «تصلّب الساسة» و«خريطة أممية» لم تُثمر بعد

تبدو الأزمة الليبية وكأنها تدور منذ سنوات داخل حلقة مفرغة؛ انسداد سياسي يتجدد مع كل مبادرة، وتسويات مؤقتة لا تلبث أن تعيد إنتاج الانقسام نفسه، في وقت تبدو فيه

علاء حموده (القاهرة)
حصاد الأسبوع لقطة من إنتخابات 2014  (أ.ف.ب)

قوانين الانتخابات «عقدة مستعصية» أطالت المرحلة الانتقالية في ليبيا

ظلت الانتخابات التشريعية والرئاسية تُطرح في ليبيا بوصفها المخرج الأهم لإنهاء الانقسام السياسي في ليبيا، غير أن القوانين المنظّمة لها تحوّلت مع مرور الوقت إلى

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

هل يريد نتنياهو فعلاً وقف المساعدات الأميركية؟

خطط مستقبلية للتعاون العسكري الأميركي - الإسرائيلي (رويترز)
خطط مستقبلية للتعاون العسكري الأميركي - الإسرائيلي (رويترز)
TT

هل يريد نتنياهو فعلاً وقف المساعدات الأميركية؟

خطط مستقبلية للتعاون العسكري الأميركي - الإسرائيلي (رويترز)
خطط مستقبلية للتعاون العسكري الأميركي - الإسرائيلي (رويترز)

المسؤول الإسرائيلي الذي يزور الولايات المتحدة هذه الأيام، يتعب. الأسئلة التي تُطرح عليه صعبة، بعضها لم يُطرح على الإسرائيليين حتى في دول معادية. على سبيل المثال: «إذا شئتم أن تعيشوا كل حياتكم على الحراب فهذا شأنكم، ولكن لماذا تريدون للولايات أيضاً أن تعيش مثلكم؟ تريدون منا مساعدات، مفهوم. لكن لماذا تريدون أن ندير نحن حروبكم، التي لا تنتهي؟ هل أنتم تريدون حقاً وقف المساعدات الأميركية، أم أن هذه مجرد تصريحات تضليلية يطرحها رئيس حكومتكم ويخدعنا بها؟ أنتم قوة إقليمية عظمى في الشرق الأوسط، ولكن كيف ومتى سترون أن هناك قوى عظمى أخرى في هذه المنطقة، لا تقل عنكم أهمية، بل في قضايا عديدة هي أهم منكم؟ لدينا قائمة طويلة بمطالبكم منا ومن حلفائنا ومن المؤسسات والأطر التي يوجد لنا تأثير فيها. فماذا تعطون بالمقابل؟ إلى متى تريدوننا أن نقف معكم في مواجهة العالم؟ متى سنرى مبادرات إسرائيلية للسلام، تمكننا من الاستمرار في الدفاع عنكم أيضاً في المستقبل؟».

الأسئلة أعلاء مأخوذة عن شهادات إسرائيلية منشورة، تثير قلق كثيرين، خصوصاً وأنها صادرة عن «حلفاء إسرائيل المقربين»، كما يقول الجنرال في الاحتياط عاموس يدلين، الذي عاد أخيراً من زيارة طويلة من الولايات المتحدة. ومما قاله: «ثمة أزمة متفاقمة في الموقف الشعبي الأميركي تجاه إسرائيل. إنك تلمس فوراً أن هناك جبهة معادية لإسرائيل تجمع بين اليسار التقدمي في الحزب الديمقراطي والمعسكر الانعزالي في الحزب الجمهوري. وكلّما اتجهنا نحو الفئات العمرية الأصغر، اتسع نطاق هذه الظاهرة لتشمل بعض المعتدلين في الحزبين. وتزداد هذه الظاهرة حدةً في ضوء التعاون الأمني غير المسبوق بين البلدين في الحرب ضد إيران، والمساهمة الإسرائيلية الكبيرة والمؤثرة في العمليات القتالية المشتركة».

يدلين يُعدّ من كبار المهتمين بالشؤون الاستراتيجية لإسرائيل. إذ شغل لسنين طويلة منصب رئيس «معهد أبحاث الأمن القومي»، بعد خدمة طويلة في الجيش طالت لأكثر من 30 سنة، وتولى آخر منصب فيها رئيساً لشعبة الاستخبارات العسكرية (أمان). والزيارة الأميركية المذكورة لم تكن زيارة عابرة، بل جاءت في إطار دراسة للعلاقات الأميركية - الإسرائيلية تعدّها منظمة «مايند يسرائيل»، التي يقودها، وكان معه مؤسس «المنظمة» الدكتور أفنر غولوب.

الرجلان يريان، كما ورد في مقال نُشر في موقع معهد الأبحاث المذكور، أنه «مقابل التقدير البالغ للجيش الإسرائيلي على شراكته الحرب مع الجيش الأميركي ضد إيران، وخارج المؤسسة الأمنية وحاشية الرئيس دونالد ترمب، تتشكّل جبهة معادية لإسرائيل من الحزبين الأميركيين، تُصوّر إسرائيل على أنها (جرّت الرئيس الأميركي إلى صراع إقليمي لتحقيق طموحاتها بالقوة العسكرية)». بل حتى الذين يصفون هذا الادعاء بأنه لا أساس له من الصحة، يُقرّون بأن هذه حملة فعّالة للغاية، خاصة بين الشباب من كلا الحزبين. ولهذا السبب تحديداً؛ يجب على إسرائيل أن تُقدّم للولايات المتحدة رواية جديدة. ولا ينبغي أن تكون هذه مجرد علاقة أخرى قائمة أساساً على المصالح الأمنية أو الالتزامات التاريخية، بل شراكة تُحقق قيمة استراتيجية مباشرة للمصالح المشتركة للبلدين.

أيضاً، وفق المقال، «تحتاج تل أبيب إلى تعزيز نموذج جديد للعلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة لا يقتصر على تلقّي المساعدات، بل يشمل الشراكة؛ ولا يقتصر على الأمن فحسب، بل يشمل التكنولوجيا أيضاً؛ ولا يقتصر على الدبّابات والطائرات، بل يشمل أيضاً الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمومية، والرقائق الإلكترونية، والطاقة، والمواد الحيوية، والتقارب الحيوي (مزيج من الهندسة والبرمجيات والذكاء الاصطناعي مع علم الأحياء)».

العلاقات الثنائية اليوم

معروف أن الدعم الأميركي لإسرائيل حالة نادرة في العلاقات الدولية. ففي المجال العسكري قدّمت واشنطن لإسرائيل غالبية الأسلحة التي تستخدمها في الحروب. وقد بلغ 69 في المائة حتى سنة 2023 وارتفع إلى 78 في المائة خلال الحرب على غزة ولبنان وإيران. وتمّول واشنطن هذا الدعم بمساعدات مالية، بلغ مجموعها 220 مليار دولار منذ عام 1948. وكذلك تجاوزت المساعدات الأميركية لإسرائيل 21.7 مليار دولار منذ بدء الحرب في غزة، لتضاف إلى المساعدات السنوية الاعتيادية البالغة 3.8 مليار دولار. بيد أن الأهم من الحسابات المالية في هذا الدعم هو «المبدأ» الذي تسير عليه، وهو «ضمان تفوق الجيش الإسرائيلي على جميع الجيوش العربية والجيوش المعادية في الشرق الأوسط».

في الولايات المتحدة يعتبر هذا دعماً للدفاع عن إسرائيل في مواجهة أعدائها. ولكن الحقيقة أن ثمة سبباً آخر، لا يقل أهمية، ألا وهو خدمة مصالح واشنطن في المنطقة. بالمناسبة، إسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم، التي لا تعارض خوض حرب يُقتل فيها أبناؤها، لخدمة دولة أخرى. ولقد سبق أن فعلتها عام 1956 عندما شاركت في «العدوان الثلاثي» على مصر لخدمة مصالح فرنسا وبريطانيا، الغاضبتين من تأميم قناة السويس. وفعلتها بعشرات العمليات المغامرة، وراء الحدود، بواسطة عملاء «الموساد». ولقد عبّر المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، عن ذلك في يونيو (حزيران) 2025، خلال تصريح على هامش مشاركته بقمة «مجموعة السبع» في كندا، عندما أشاد بالضربات الواسعة التي تشنها إسرائيل على إيران وقال: «هذه مهمة قذرة تؤديها إسرائيل نيابةً عنّا جميعاً».

لكن المسؤولين الإسرائيليين لا يجرؤون على الاعتراف الصريح بذلك، مع أنهم يزعمون أن «إسرائيل تحارب الإرهاب الإيراني لمصلحة الغرب كله». ويفضلون وصف الدعم الأميركي لإسرائيل بأنه «استثمار مُجدٍ».

دبلوماسي إسرائيلي سابق أفاد بأن «كل دولار تصرفه الولايات المتحدة على إسرائيل تسترده بخمسة اضعاف على الأقل». وعدَّد فوائد إسرائيل للولايات المتحدة، من خلال دراسة أعدها ونشرها على موقع الجمعية في يناير (كانون الثاني) الماضي، قائلاً: «إسرائيل تجرّب عشرات أنواع الأسلحة الأميركية في الحروب والعمليات العسكرية. ومنذ عام 1967، وهي تعمل كقاعدة عسكرية تعمل في خدمة العَلم الأميركي كأفضل قاعدة وأطول ذراع في الشرق الأوسط لخدمة مصالحها في وجه الأعداء والإرهاب وحتى لردع الصين وروسيا في المنطقة. ويكفي أن نعرف أن هناك اليوم 128 قاعدة أميركية في 51 دولة في العالم تكلفها مبلغ 70 - 80 مليار دولار في السنة، لكن لا توجد قاعدة كهذه في إسرائيل. لأنها كلها تعتبر قاعدة أميركية. وهي لا تكلف الجيش الأميركي سنتاً واحداً ولا يعمل فيها أي جندي أميركي». من هنا، فإن الدعم الأميركي بقيمة 3.8 مليار دولار «مبلغ متواضع جداً أمام الفوائد التي تجنيها من إسرائيل».


أُطلِقت أخيراً مبادرة تُوازن بين مكانة إسرائيل كما تعرّفها السلطات الأميركية وبين ما لا يعرفه الجمهور الأميركي المنتقد لإسرائيل حالياً

المبادرة الجديدة

اعتماداً على هذا المنطق، يدرس الإسرائيليون مبادرة أُطلقت تُوازن بين مكانة إسرائيل، كما يعرّفها قادة البيت الأبيض والبنتاغون، وبين ما لا يعرفه الجمهور الأميركي الذي يعادي إسرائيل اليوم.

المبادرة أُطلقت في الأسبوع الماضي بالتعاون بين «معهد أبحاث الأمن القومي» في تل ابيب (INSS) ومعهد «مايند يسرائيل» وبين معهد أبحاث SCSP، الذي أسسه هنري كيسنجر والرئيس التنفيذي السابق لشركة «غوغل» إريك شميدت، ويشارك فيها نحو 50 شخصية أميركية وإسرائيلية من السياسيين والعسكريين والباحثين والخبراء، الذين يدعون إلى بناء عملية ذات شقين: خفض تدريجي للمساعدات المباشرة لإسرائيل، بالتزامن مع بناء شراكة تكنولوجية واسعة النطاق.

يدلين وغولوب يشرحان هذه المبادرة، موضحين: «على الصعيد الأمني، يعني ذلك استثماراً مشتركاً في تقنيات الدفاع المستقبلية، ودمج إسرائيل في برنامج (القبة الذهبية) الدفاعي الأميركي. ويمثل هذا تحوّلاً من نموذج الرعاية - دولة راعية للأمن تتلقى مساعدات - إلى نموذج شراكة تكنولوجية عميقة من شأنها تعزيز وتعميق وتحصين العلاقة من خلال المساهمات الإسرائيلية للولايات المتحدة في صراعها ضد الصين».

ويصف الرجلان الرؤية الإسرائيلية للفكرة قائلَين: «أظهرت الحرب ضد إيران بوضوح أهمية إسرائيل كحليف أمني لواشنطن: إذ قدّمت إسرائيل قدرات استخباراتية وعملياتية وتكنولوجية جعلتها شريكاً استراتيجياً يقاتل، مُظهراً أداءً مذهلاً، إلى جانب أقوى قوة في العالم لتحقيق أهداف الحرب. وتساوت مشاركة القوات الإسرائيلية والأميركية في الهجوم والدفاع، وكانت مساهمة إسرائيل في إنقاذ الجنود الأميركيين مساوية لمساهمة الولايات المتحدة في حماية سكان إسرائيل. لم نلتقِ بمسؤول واحد إلا وأبدى تقديره للمساهمة الإسرائيلية في الحرب، وردّد تعريف البنتاغون لإسرائيل (حليف يُحتذى به). لكن، وبما أنه خارج المؤسسة الأمنية وحاشية الرئيس ترمب، تتشكّل راهناً جبهة معادية لإسرائيل من الحزبين الأميركيين الكبيرين، تُصوّر إسرائيل على أنها جرّت الرئيس الأميركي إلى صراع إقليمي لتحقيق طموحاتها بالقوة العسكرية، علينا ان نحدث شيئاً يغيّر الصورة. على إسرائيل أن تُقدّم لواشنطن رواية جديدة. لا ينبغي أن تكون هذه مجرد علاقة أخرى قائمة أساساً على المصالح الأمنية أو الالتزامات التاريخية، بل شراكة تُحقق قيمة استراتيجية مباشرة للمصالح المشتركة للبلدين».

المعروف أن مفعول مذكرة التفاهم الحالية بشأن المساعدات الأميركية لإسرائيل ينتهي عام 2028. ولقد أعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو سابقاً - وكرّر ذلك هذا الأسبوع - أن على إسرائيل أن تُقلل اعتمادها على المساعدات الأمنية، وقد يكون هذا هو الهدف الصحيح على المدى البعيد.

لكن قلائل جداً في إسرائيل يصدّقون فعلاً بأنه جاد في التخلي عنها، وبخاصة الآن، في خضم أو حتى بعد الحرب ضد إيران. وحسب يدلين: «بالتأكيد إذا اختارت الولايات المتحدة في المستقبل تقليص وجودها في الشرق الأوسط أو التوصل إلى اتفاق جديد مع طهران، فمن المنطقي الإبقاء على المساعدات العسكرية لعقد آخر، ليس فقط لمساهمتها في ميزانية الجيش الإسرائيلي، بل لأنها أصبحت رمزاً لالتزام أميركا بأمننا. ويمكن تفسير أي توقف مفاجئ لها في المنطقة على أنه تقويض لهذا الالتزام».

ويضيف يدلين وغولوب: «لقد رأت المؤسسة الأمنية الأميركية وإدارة ترمب مساهمة مباشرة في المصلحة الأمنية العليا لواشنطن عندما خاضت طائرات (إف -35) و(إف -15)، التي اشتريت بأموال المساعدات، معارك جوية مثيرة للإعجاب، ينفذها الطيارون الإسرائيليون جنباً إلى جنب مع القوات الجوية والبحرية ومشاة البحرية الأميركية. ولكن بعيداً عن الاستراتيجية الأمنية، ووفقاً لتقديراتنا في (مايند إسرائيل)، فإن المساهمة المباشرة للمساعدات الأمنية في الاقتصاد الأميركي تفوق قيمة المساعدات نفسها بأربعة أضعاف على الأقل. بل في النموذج الحالي، لا يتعلق الأمر كثيراً بـ(«مساعدة إسرائيل) بقدر ما يتعلق بالاستثمار الأميركي في منظومة أمنية تكنولوجية مشتركة؛ ولهذا السبب أطلقنا في واشنطن هذه المبادرة».

للعلم، كان معهد الأبحاث الإسرائيلي قد خصّص فصلاً من المبادرة للعمل على الصعيد المدني، لا العسكري فحسب. ويتضمّن الفصل تخصيص موارد متساوية لصندوق مشترك، بقيمة مليار دولار سنوياً لمدة عشر سنوات، يركز على تطوير أهم التقنيات الاستراتيجية للمستقبل.

وتشمل المشاريع الرئيسة التي برزت خلال المناقشات بين الفريقين الإسرائيلي والأميركي: إنشاء مصنع للرقائق الإلكترونية المتقدمة، الموجود حالياً في تايوان فقط؛ وتطوير قدرات البلدين في مجال الأمن السيبراني عبر الذكاء الاصطناعي، وجهود مشتركة لإنتاج ومعالجة المواد الحيوية التي يستخدمها قطاع التكنولوجيا وتسيطر عليها الصين بشكل رئيس، وتطوير الريادة في الحوسبة الكمومية وتطوير تقنيات الاندماج النووي لإنتاج الطاقة... وهي قدرات تضمن الاستقلال الاستراتيجي للبلدين ونفوذاً كبيراً على الساحة العالمية.

يهود أميركا يتغيّرون

على صعيد آخر، في إسرائيل قلق شديد من مكانتها عند يهود الولايات المتحدة، الذين يضاهي عددهم عدد اليهود في إسرائيل.

الباحثان الإسرائيليان تيد ساسون وإلزا زيلبرمان، ذكرا في دراسة جديدة لـ«معهد الأمن القومي» في تل أبيب أن «المجتمع اليهودي الأميركي يسهم إسهاماً كبيراً في الأمن القومي الإسرائيلي وتعزيز صمود المجتمع. فهو يدير شبكة قوية من المنظمات التي تُساعد في حشد الدعم لإسرائيل في المجالين الدبلوماسي والأمني. ويتبرع بمبالغ طائلة للنهوض بالفنون والعلوم والطب والتعليم والرعاية الاجتماعية في إسرائيل، ويُعدّ جزءاً لا يتجزأ من النسيج الثقافي الذي يُشكّل المجتمع الإسرائيلي. لهذه الأسباب وغيرها؛ يُشكّل وجود مجتمع يهودي أميركي قوي ومؤيد لإسرائيل رصيداً استراتيجياً حيوياً لدولة إسرائيل.

مع ذلك، تُشير مؤشرات عدة إلى ضعف هذا المجتمع وتراجع دعمه لإسرائيل»، مع: تزايد التباعد عن المجتمع اليهودي المنظم، وانخفاض عدد الأعضاء في المعابد اليهودية، وتراجع الإقبال على برامج التعليم اليهودي المكملة، وتناقص عدد المتبرعين لحملات الاتحادات اليهودية.

الباحثان رصدا انخفاضاً في عدد الشباب اليهود من الشتات الذين زاروا إسرائيل في السنوات الخمس الماضية بعشرات الآلاف مقارنة بالتوقعات. ويتزايد الجدل حول إسرائيل على خلفية الانتقادات الواسعة لإدارة الحرب في غزة، ولا سيما ارتفاع عدد الضحايا المدنيين، ونقص المساعدات الإنسانية، والسياسة الإسرائيلية في الضفة الغربية. وبشكل عام، وصل التعاطف مع إسرائيل إلى أدنى مستوياته منذ عقود، وخاصة بين جيل الشباب. وان الاستقطاب تتسع بين الفصائل اليمينية والليبرالية في مجال المناصرة والضغط المؤيد لإسرائيل، مع تصاعد التطرف لدى كلا الجانبين.


عاصم منير... رئيس أركان الجيش الباكستاني و«وجه» دبلوماسية إسلام آباد مع واشنطن

برز منير قائداً يمزج بين التشدّد الأمني والخطاب المؤسساتي مع تركيز واضح على مكافحة الإرهاب وضبط الحدود
برز منير قائداً يمزج بين التشدّد الأمني والخطاب المؤسساتي مع تركيز واضح على مكافحة الإرهاب وضبط الحدود
TT

عاصم منير... رئيس أركان الجيش الباكستاني و«وجه» دبلوماسية إسلام آباد مع واشنطن

برز منير قائداً يمزج بين التشدّد الأمني والخطاب المؤسساتي مع تركيز واضح على مكافحة الإرهاب وضبط الحدود
برز منير قائداً يمزج بين التشدّد الأمني والخطاب المؤسساتي مع تركيز واضح على مكافحة الإرهاب وضبط الحدود

في أواخر مارس (آذار) الماضي، بدأت باكستان تموضع نفسها وسيطاً غير اعتيادي بين الولايات المتحدة وإيران لإنهاء الحرب بين الطرفين، وراحت تنقل رسائل لوقف النار، انتهت بإعلان هدنة في 8 أبريل (نيسان)، وذلك بعد قرابة 5 أسابيع من القتال، ما زالت مستمرة حتى اليوم. وهي الآن تكمل لعب دور الوسيط الرئيس بين واشنطن وطهران بهدف التوصُّل إلى اتفاق نهائي يثبِّت الهدنة، ويهدف إلى تحقيق اتفاق حول برنامج إيران النووي. لقد فاجأت الوساطة الباكستانية هذه كثرة من المراقبين، لا سيما أن العلاقة بين إسلام آباد وواشنطن لم تكن يوماً علاقة ثقة كاملة بين حليفين يتشكِّك كلاهما من الآخر. وفي الماضي القريب، حتى انطلاق الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، وبدء إيران باستهداف دول الخليج رداً على العملية التي أطلقتها واشنطن وتل أبيب ضدها، كانت دول في المنطقة مثل قطر وتركيا ومصر، تلعب دور الوسيط مع إيران. أيضاً، كان الاتحاد الأوروبي وسيطاً لسنوات بين واشنطن وطهران، وقاد المفاوضات التي تُوجِّت باتفاق نووي عام 2015 انسحب منه الرئيس الأميركي دونالد ترمب في فترته الرئاسية الأولى عام 2018، ثم عاد الرئيس السابق جو بايدن ليطلق مفاوضات جديدة فاشلة، بوساطة بروكسل، لإعادة إحيائه. ولكن مع تحوُّل دول المنطقة إلى أهداف لإيران خلال الأشهر الماضية، ووصول حدة التوترات بين واشنطن والدول الأوروبية إلى مستويات غير مسبوقة، برزت إسلام آباد وسيطاً مقبولاً لدى طرفي النزاع. في قلب هذا التحوُّل، كان هناك رجل عزا إليه كثيرون تغيير الموقف الأميركي: المشير عاصم منير، رئيس أركان الجيش الباكستاني. وبمجهود شخصي، نجح منير في كسب ودِّ الرئيس الأميركي الذي يعوّل في كثير من الأحيان في علاقاته مع الدول، على بناء روابط شخصية مع قادتها، وفي حالة باكستان - التي لطالما لعب الجيش فيها دوراً محورياً في السلطة - مع مشيرها.

يطلق الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، على عاصم منير لقب «مشيري المُفضَّل». وخلال الأشهر الأخيرة الماضية، امتدحه أكثر من مرة بعبارات تراوحت بين «جنرال رائع وقوي»، و«رجل استثنائي»، و«مقاتل رائع». ولا يمر ذكر باكستان أو رئيس وزرائها على لسان الرئيس الأميركي من دون ذكر عاصم منير.

هذا الإعجاب الذي أبداه ترمب مراراً بالجنرال الباكستاني بدأ قبل سنة تقريباً عند اندلاع «حرب الأيام الأربعة» بين «الجارتين» اللدودتين النوويتين، باكستان والهند، على خلفية تفجير في كشمير الهندية.

يومذاك، أنحت نيودلهي باللائمة في التفجير على إسلام آباد، وردَّت بقصف مواقع عديدة لجيشها، ليبدأ تصعيد خطير بين الطرفين، انتهى سريعاً بجهود دبلوماسية أميركية. ومع أن نيودلهي رفضت الإقرار بـ«فضل» ترمب في إنهاء التوتر مع باكستان، وإعلانها أنَّ القتال إنما توقَّف بعد «حوار ثنائي»، فإنَّ إسلام أباد لم تترد بامتداح الرئيس الأميركي علناً، بل وترشيحه أيضاً لـ«جائزة نوبل للسلام».

وهنا يقول محللون إن باكستان استغلت فتور الرد الهندي على الوساطة الأميركية كي تتموضع في مكان أقرب لقلب ترمب ومزاجه. ولكن من هو عاصم منير؟

البداية والنشأة

وُلد عاصم منير في راولبندي عام 1968 لعائلة محافظة ذات جذور في جالاندهار، بشرق إقليم البنجاب، كانت قد هاجرت إلى باكستان بعد الانفصال عن الهند عام 1947.

ونشأ في بيئة دينية انعكست لاحقاً على شخصيته العامة وخطابه السياسي. فهو لا يتحدر من عائلة عسكرية، إذ كان أبوه معلماً في إحدى مدارس مدينة راولبندي وإماماً لمسجد. وخلال نشأته في راولبندي، العاصمة السابقة لباكستان، زاول منير رياضة الكريكت، وحظي بدراسة دينية مبكّرة في مدرسة إسلامية تقليدية. وبعدها، تحوَّل إلى منشد ديني، ويُقال إنه حفظ القرآن بشكل كامل إبان تدريبه العسكري.

وبالفعل، تلقَّى منير تعليمه العسكري في مانغلا، وتخرّج بتفوق، وهو ما وضعه مبكراً ضمن الضباط الذين يُنظر إليهم باعتبارهم «مشاريع قادة» داخل المؤسسة العسكرية.

ثم إنَّه تخرَّج في «مدرسة تدريب الضباط»، ومن ثم التحق بالجيش الباكستاني بعد تخرجه عام 1986، وبدأ الخدمة في وحدات ميدانية، ثم انتقل تدريجياً إلى مواقع أكثر حساسية، خصوصاً في مجالات الاستخبارات والأمن. ومن ثم، ترقّى بسرعة ليصبح مديراً للاستخبارات العسكرية عام 2016، ثم أصبح المدير العام للاستخبارات الباكستانية عام 2018. وخلال هذه الفترة دخل في صراع مع رئيس الوزراء (آنذاك) عمران خان الذي أقاله من منصبه عام 2019... مُطلقاً صراعاً مفتوحاً بين الطرفين.

انضباط ميداني... وبروز في مجال الاستخبارات

هذا المسار المُبكِّر مهَّد لصورته كضابط يجمع بين الانضباط الميداني والخبرة الاستخباراتية. وكما سبقت الإشارة، منذ عام 2016 تولّى منير مناصب بارزة في الاستخبارات، وصولاً إلى قمة الهرم، وهو ما منحه وزناً سياسياً كبيراً داخل الدولة الباكستانية.

هذه المرحلة كانت مفصلية، لأنها صنعت له شبكة علاقات داخلية وخارجية، وعرّفته على ملفات أفغانستان والهند والإرهاب والتوازنات الإقليمية. إلا أن عمران خان أقاله عام 2019 من المنصب من دون إعلان الأسباب.

توليه قيادة الجيش

يوم 29 نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 أصبح عاصم منير رئيس الأركان الـ11 للجيش الباكستاني، وهو المنصب العسكري الأقوى في البلاد. ومنذ تلك اللحظة بدأ حضوره يتجاوز الإطار العسكري البحت، ليصبح لاعباً محورياً في السياستين الداخلية والخارجية لباكستان.

وبين عاميَ 2023 و2024، برز منير قائداً يمزج بين التشدّد الأمني والخطاب المؤسساتي، مع تركيز واضح على مكافحة الإرهاب وضبط الحدود. وعمل على توسيع قنوات باكستان مع الخليج والصين وتركيا، وإبقاء التواصل مع واشنطن مفتوحاً في إطار «تنويع التحالفات» بدل الارتهان الكامل لأي طرف.

أيضاً، منذ عام 2024 ارتبط اسم عاصم منير بمحاولات تهدئة الاقتصاد الباكستاني عبر دعم آليات لجذب الاستثمار ومكافحة المضاربة في سوق الصرف، بالتوازي مع اتساع دور الجيش في إدارة ملفات الدولة. وفي الداخل، أثار ذلك جدلاً بين مَن يرى فيه رجل دولة قوياً، ومَن يعدّه متوسعاً في مساحة التأثير السياسي.

بعدها، في مايو (أيار) 2025 رُقّي منير إلى رتبة مشير (فيلد مارشال)، وهي أعلى رتبة عسكرية في باكستان، في خطوة أكّدت حجم حضوره بعد اشتباكات باكستان والهند وتعاظم مكانته داخل النظام. وجعلت هذه الترقية من منير واحداً من أكثر القادة نفوذاً في تاريخ الجيش الباكستاني الحديث.

أكثر من هذا، في نوفمبر 2025 وافق البرلمان الباكستاني على تعديل دستوري يوسِّع دور رئيس أركان الجيش، ويضع القوات البحرية والجوية تحت سلطته، ووافق أيضاً على منح مَن يرقّون إلى رتبة 5 نجوم (فريق) حصانة قانونية مدى الحياة. وهكذا بات المشير يتمتع بحصانة تحميه من الملاحقات القانونية حتى بعد مغادرة منصبه.

العلاقة مع واشنطن

منذ عام 2025 تحوَّلت علاقة عاصم منير بواشنطن إلى عنصر سياسي مهم، مع تقارير عن لقاءات ومشاورات عزَّزت قنوات التواصل مع إدارة ترمب. وفي الوقت نفسه، برز اسمه في ملفات الوساطة الأميركية - الإيرانية، حيث نُظر إليه كقناة غير تقليدية قادرة على تخفيف التوتر الإقليمي عبر موقع باكستان إزاء الطرفين.

والواقع أنَّ العلاقة بين واشنطن وإسلام آباد كانت قد بدأت تترمّم قبل أشهر، عندما سلّمت السلطات الباكستانية مطلوباً أفغانياً لواشنطن متهماً بالمسؤولية عن تفجير مطار كابل الدولي في عام 2021 في أثناء الانسحاب الأميركي ما أدى إلى مقتل 13 عسكرياً أميركيا آنذاك. وكان الفضل في تسليم المتهم وغيره من المطلوبين لدى الولايات المتحدة، يعود بشكل أساسي إلى منير نفسه. وبالفعل، حرص الرئيس ترمب على تقديم الشكر إلى باكستان، إبان الإعلان عن اعتقال المتهم، في خطوة كانت لافتة، خصوصاً بعدما وجَّه الرئيس الأميركي انتقادات لاذعة لها في ولايته الأولى، متهماً إياها بـ«الكذب والخداع» في التعاون بمسائل تتعلق بمكافحة الإرهاب.

زيارة البيت الأبيض

بالنتيجة، هذا الإعجاب المُتجدِّد من طرف الرئيس الأميركي، تُوِّج في يونيو (حزيران) العام الماضي باستضافة ترمب لرئيس الأركان الباكستاني في البيت الأبيض، للجنرال الذي كان قد رقّي بعد «حرب الأيام الأربعة» مع الهند، إلى رتبة مشير، في زيارة غير مسبوقة. إذ ليس من المعتاد أن يستقبل البيت الأبيض قائداً عسكرياً من دون القيادة المدنية، ولكن هذا الحدث كان مؤشراً إلى أنَّ منير كان المُحرِّك الأساسي خلف إعادة إطلاق العلاقات الثنائية. ومع أنَّ الرجل شخصية عسكرية بشكل أساسي، فإنَّه لعب دور الدبلوماسي خلف الأبواب، معتمداً على التكتم، والعمل ما وراء الكواليس.

دور حساس وحيوي

بل لقد كان واضحاً، بعد لقائه ترمب، أنه نقطة التواصل الرئيسة لواشنطن مع إسلام آباد في مواضيع تتجاوز الترتيبات العسكرية والاستخباراتية. فبعد لقاء الرجلين في البيت الأبيض، أصدر الجيش الباكستاني بياناً كشف فيه عن أنَّ اللقاء استمرَّ ساعتين، وناقش مسائل تتعلق بالتجارة والعلاقات الاقتصادية والعملات المشفّرة، إضافة إلى التوترات بين إسرائيل وإيران. ولم تكن، حينذاك، قد اندلعت الحرب بين الطرفين، لكن ترمب أراد - كما يقول البعض - ربما الاستفادة من العلاقة المقربة للمشير بـ«الحرس الثوري الإيراني». وهو قال حقاً بعد لقائه به في البيت الأبيض: «الباكستانيون يفهمون إيران جيداً، بشكل أفضل منا، وهم لاعبون أساسيون في السلام بالمنطقة».

وبحسب ترمب أيضاً، فإنَّ السبب الرئيس لدعوة منير إلى البيت الأبيض كان لشكره على تخفيف التصعيد مع الهند. وكان لافتاً أن زيارة رئيس الأركان الباكستاني جاءت بعد أيام على زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، وهو ما أشار إليه ترمب، مضيفاً: «نحن نعمل على اتفاقية تبادل تجاري مع الهند وباكستان». وما كان لافتاً في هذا الإطار أن ترمب اختار دعوة منير، وليس رئيس الحكومة الباكستاني، إلى واشنطن بعد رئيس الحكومة الهندي، والتشاور معه في أمور تتجاوز المسائل العسكرية.

وللعلم، عاد منير إلى البيت الأبيض بعد 3 أشهر، ولكن هذه المرة مع رئيس الوزراء الباكستاني نواز شريف ليلتقيا معاً الرئيس الأميركي. وبدا واضحاً أن ترمب بات يرى في باكستان شريكاً موثوقاً، وليس ناقص الأهلية، كما كانت الحال في عهده الأول.


دور منير المؤثر في عملية الوساطة مع طهران

قاليباف (آ ف ب)
قاليباف (آ ف ب)
TT

دور منير المؤثر في عملية الوساطة مع طهران

قاليباف (آ ف ب)
قاليباف (آ ف ب)

يرى المراقبون، بكثير من الثقة، أن اللقاءات والعلاقة المتجددة لواشنطن مع باكستان، وبفضل رئيس أركان جيشها عاصم منير، عامل أساسي مهَّد الطريق أمام الوساطة التي لعبتها إسلام آباد عندما بدأت الحرب مع إيران. فهنا أيضاً قاد الوساطة المشير منير، الذي نجح في جمع الطرفين على طاولة المفاوضات يومي 11 و12 أبريل (نيسان) في إسلام آباد.

ولقد تحوّل اللقاء الذي شارك فيه نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس رئيساً للوفد الأميركي، ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباق رئيساً لوفد بلاده، إلى لقاء تاريخي مع أنه لم يتيسر تحقيق أي خرق أو اتفاق فيه؛ إذ كان المرة الأولى التي يلتقي فيها مسؤولون أميركيون وإيرانيون رفيعون بهذا المستوى منذ الثورة الإيرانية.

هنا كان المشير الباكستاني «نقطة الوصل» الرئيسة بين الطرفين والحاضر الثالث على طاولة المفاوضات. وهكذا حلّت إسلام آباد محل كل من فيينا وجنيف اللتين استضافتا جولات كثيرة بين المفاوضات النووية بين الولايات المتحدة وإيران. واستعيض عن الوسيط الأوروبي الذي كان الشريك الأقرب للأميركيين، بوسيط باكستاني.

أيضاً، على الرغم من تعذّر التوصل إلى اتفاق آنذاك، ظل منير متأهباً ويواصل اتصالات لا تتوقف وزيارات مكّوكية لإقناع الطرفين بتوقيع اتفاق. وكان آخرها زيارته إلى طهران الأسبوع الماضي حين التقى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي للتفاوض على النقاط الأخيرة في الاتفاق. ومع أن الزيارة الأخيرة لم تثمر اتفاقاً... فإن جهود المشير الباكستاني مستمرة بلا توقف.

والحقيقة، أن الجهود الدبلوماسية التي قادها منير أوسع من مجرّد إعادة «ترميم» العلاقات مع واشنطن. فهو كان محرّك «اتفاقية الدفاع المشترك» مع المملكة العربية السعودية من الجانب الباكستاني، وهي وصفت بأنها اتفاقية تاريخية تنص على أن أي اعتداء على أحد الطرفين يشكّل اعتداءً على الآخر.

هذه النجاحات الدبلوماسية نادراً ما يحققها قائد عسكري. وهنا يذكر محللون بأن منير كان سبب ملاحقة خان واعتقاله عام 2024 بتهم فساد. وعاد رئيس الحكومة شهباز شريف ليعيّن منير رئيساً لأركان الجيش الباكستاني، ثم تصدر ترقيته العام الماضي إلى رتبة مشير بعد «حرب الأيام الأربعة» مع الهند. إذ سُجّل له الفضل بالوقوف في وجه نيودلهي وإلحاق إضرار كبيرة بجيشها خلال المواجهة الوجيزة.

تلك الحرب، فتحت في الواقع الباب أمام عاصم منير لتصحيح العلاقات مع واشنطن وحوّلته «نقطة تواصل» موثوق بها ووسيطاً دبلوماسياً رئيساً مع إيران. وفعلاً، أنهى منير بجهود متراكمة، سنوات من تشكيك الإدارات الأميركية المتعاقبة بشراكة باكستان. وللعلم، ما زال في الأذهان قرار إدارة الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، تنفيذ عملية اغتيال أسامة بن لادن على الأراضي الباكستانية من دون التنسيق معها. وظل التشكيك بإسلام آباد والتساؤل حول ما إذا كانت فعلاً تجهل وجوده على أراضيها، يلاحقها حتى اليوم.

أخيراً، ما إذا كان سينجح المشير الباكستاني في دوره الجديد ويتوّج جهوده الدبلوماسية باتفاق نهائي بين الولايات المتحدة وإيران، تساؤل غير واضح الإجابة بعد. ولكنه من دون شك، نجح في تغيير صورة باكستان لدى الإدارة الأميركية، وتحويلها من شريك ناقص مشكوك فيه، إلى شريك كامل محل ثقة، حتى في أكثر الملفات تعقيداً.