أوروبا... بين «حاجتها للمهاجرين» و«شعبوية اليمين المتطرف»

البُعد السياسي لمُعضلة ديمغرافيتها

بحراً إلى أوروبا (أ ف ب)
بحراً إلى أوروبا (أ ف ب)
TT

أوروبا... بين «حاجتها للمهاجرين» و«شعبوية اليمين المتطرف»

بحراً إلى أوروبا (أ ف ب)
بحراً إلى أوروبا (أ ف ب)

تواجه أوروبا اليوم تحوّلاً ديمغرافياً جذرياً يهدد بإعادة تشكيل مستقبلها الاجتماعي والاقتصادي؛ ففي مطلع عام 2025 بلغ عدد سكان الاتحاد الأوروبي 450 مليون نسمة. وهذا رقم يخفي وراء ثباته الظاهري اتجاهات مُقلقة تُنذر بتحوّلات جيوسياسية عميقة. وتكمن خطورة الوضع في تآكل الوزن الديمغرافي الأوروبي على المستوى العالمي؛ إذ تقلّصت حصّة الاتحاد الأوروبي من سكان العالم بشكل مثير للقلق من 12.9 في المائة في عام 1950 إلى 5.7 في المائة فقط اليوم، ومن المتوقع أن تهبط إلى 3.7 في المائة بحلول 2070. وفي المقابل، تشهد القارة الأفريقية، خاصة منطقة الساحل، انفجاراً ديمغرافياً معاكساً؛ إذ ستقفز نسبتها من 14 في المائة إلى 27.4 في المائة خلال الفترة نفسها. الإحصاءات الأخيرة لمعهد «أوروستا للدراسات الأوروبية» تشير إلى «نمو متواضع» لا يعكس حيوية ديمغرافية حقيقية، بما أنه يعتمد كلياً على الهجرة؛ إذ تتجاوز الوفيات المواليد بانتظام منذ عام 2012.

الأزمة الديمغرافية ليست، حقاً، حكراً على أوروبا وحدها، بل تشمل معظم الدول المتقدمة مثل اليابان وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة، غير أن حدّتها في القارة الأوروبية تبدو أكثر وضوحاً بسبب التباين الجغرافي الحاد بين الدول؛ إذ تعاني بلدان أوروبا الشرقية والجنوبية من تراجع أكبر مقارنةً بدول الشمال والغرب، بجانب أن التفاوت في السياسات الوطنية وغياب استراتيجية أوروبية موحّدة يفاقمان من تعقيد التحدي.

ألمانيا والتحدي الديمغرافي

تمثّل ألمانيا، البالغ تعدادها السكاني 83.6 مليون نسمة، أكبر اقتصاد أوروبي، وتعكس خطورة الأزمة الديمغرافية بشكل بيّن حيث تسجل معدل نمو سلبي يصل إلى 0.56 في المائة سنوياً، وهي خسارة تقدّر بنحو 477 ألف نسمة سنوياً؛ إذ وصل معدل الخصوبة عام 2024 إلى 1.35 طفل لكل امرأة، وهو أدنى مستوى منذ 1994. وفي المقابل، تصل شيخوخة السكان الألمان إلى نسب حرجة؛ فنحو 24 في المائة منهم تجاوز سن الـ65، ويُتوقع تجاوز هذه النسبة إلى 30 في المائة بحلول عام 2050. وعليه، تسبّبت هذه الوضعية في نقص حاد في اليد العاملة؛ إذ وصلت الوظائف الشاغرة في قطاع التكنولوجيا وحده إلى 96 ألف وظيفة خلال عام 2024 وفق الإحصاءات التي نُشرت على موقع «أوروستا للدراسات الأوروبية»، ثم إنها أجبرت الحكومة الألمانية على اتخاذ حزمة من الإجراءات المتكاملة، أهمها: تغيير نظام التقاعد برفع سن التقاعد إلى 67 سنة بحلول 2031 للحفاظ على كبار السن كقوة عاملة لأطول فترة ممكنة، مع تحسين ظروف العمل والتكثيف من برامج التدريب المستمر. ويضاف إلى ذلك تطوير استراتيجيات متنوعة لضمان استقطاب 200 ألف مهاجر مؤهّل سنوياً، مع تسهيل قوانين الهجرة وتقليص مدة الحصول على الجنسية.

الحكومة الألمانية تنشط أيضاً في مجال الدعم الأُسَري عبر الاستثمار في خدمات رعاية الأطفال، وتشجيع العمل عن بُعد لتسهيل التوازن بين الحياة الأُسَرية والمهنية، إضافة إلى إصلاح النظام الاجتماعي وتقديم دعم أفضل للأسَر.

صحيفة «لوموند» الفرنسية كانت قد نقلت في موضوع بعنوان «ألمانيا تتحمّل دورها بالكامل كدولة مستقبلة للهجرة لمواجهة احتياجاتها من العمالة»، كلاماً للمستشار الألماني السابق أولاف شولتس دعا فيه صراحةً صنّاع القرار وأرباب العمل في «قمة دافوس» الأخيرة؛ إذ قال: «إلى كل من يريد التشمير عن ذراعه والعمل، مرحباً بكم في ألمانيا...».

فون دبر لاين (آ ف ب)

المشهد الإيطالي مثير للقلق

أما إيطاليا ذات الـ58.9 مليون نسمة عام 2025، فتقدم المشهد الديمغرافي الأكثر إثارة للقلق في أوروبا الغربية؛ إذ تجاوزت حدّة الأزمة أكثر التوقّعات تشاؤماً، وباتت تهدد أسس الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للبلاد.

هذا الحال ليس مجرد أرقام، بل هو واقع يومي يعيشه الملايين من الإيطاليين في قرى وضواحٍ تفرّغ من سكانها، ومدارس تغلق أبوابها، ومستشفيات تكافح لتوفير الرعاية لعددٍ متزايد من المسنين.

إيطاليا سجّلت أدنى معدل ولادات في القارة الأوروبية بـ6.5 ولادة فقط لكل ألف نسمة خلال عام 2024، وهو رقم يضعها في ذيل الترتيب العالمي لمعدلات الخصوبة التي لم تكن بهذا المستوى منذ القرن التاسع عشر؛ إذ بلغت الولادات نحو 370 ألفاً فقط في عام 2024، في حين كانت تسجل أكثر من مليون ولادة سنوياً خلال عقدَي الستينات والسبعينات. بيد أن الأمر الأكثر إثارة للقلق هو التسارع الحاد لنسب الشيخوخة؛ إذ تقدّم متوسط العمر بأربع سنوات كاملة خلال عقد واحد فقط؛ ما يشكل شاهداً على شيخوخة سريعة بشكل استثنائي.

من جهة ثانية، تتوقع الدراسات الديمغرافية كارثة حقيقية لإيطاليا على المدى الطويل؛ فقد تخسر البلاد 23.8 مليون نسمة بحلول عام 2100؛ ما يمثل أكبر التراجعات المتوقعة في أوروبا، وأحد أسوأ السيناريوهات الديمغرافية في العالم المتقدم؛ وذلك لأن هذا يعني أن عدد السكان قد ينخفض إلى أقل من 35 مليون نسمة بنهاية القرن؛ أي ربما يتراجع بأكثر من 40 في المائة من العدد الحالي، ثم إن هذا التراجع لن يكون موزّعاً بالتساوي على الأراضي الإيطالية؛ إذ بينما تواجه المناطق الريفية والجنوبية خطر «الانقراض» ديمغرافياً، يتوقع أن تحتفظ المدن الكبرى والمناطق الصناعية في الشمال بقدر أكبر من الاستقرار بفضل الهجرة الداخلية والخارجية.

للحدّ من هذه الأزمة اتخذت الحكومة الإيطالية بقيادة رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني سلسلة من الإجراءات لمواجهة الأزمة الديمغرافية، من أهمها: خفض ضريبة القيمة المضافة بنسبة النصف على الحفاضات وحليب الأطفال، في محاولة لتقليل العبء المالي المرتبط بتربية الأطفال. وأيضاً وضعت الحكومة برنامجاً شاملاً للتعويضات العائلية يتضمّن مساعدات مالية مباشرة للأسَر التي لديها أطفال، بالإضافة إلى تخفيضات ضريبية معتبرة للعائلات الكبيرة.

الهدف من هذه السياسات تخفيف الضغط الاقتصادي الذي يُعد أحد أبرز العوائق أمام الإنجاب في إيطاليا، ثم إن الحكومة تحضّر أيضاً لرفع سن التقاعد؛ لأن نفقات المعاشات تشكّل أكثر من 15 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، ومن المتوقع أن تصل إلى 17 في المائة بحلول عام 2042. واللافت أنه على الرغم من التوجه المحافظ اليميني للحكومة الحالية، فإنها تعترف بضرورة الهجرة كعامل تعديل - أو تعويض – ديمغرافي؛ فقد اقترحت الحكومة استفتاءً لتقليص مدة الإقامة المطلوبة للحصول على الجنسية من عشر إلى خمس سنوات، في محاولة منها لتسهيل اندماج المهاجرين الموجودين فعلاً في البلاد.

مفارقات إسبانيا...والحلول الابتكارية

أيضاً على شواطئ المتوسط، تعيش إسبانيا مفارقة ديمغرافية لافتة؛ فعلى الرغم من نمو سكاني ظاهري يقدّر بـ458.300 نسمة خلال 2025 (+0.94 في المائة)، ووصول تعداد السكان إلى 49 مليون نسمة، فإن إسبانيا ما زالت تواجه أزمة ولادات حقيقية؛ إذ انخفض العدد الإجمالي للمواليد بنسبة 25 في المائة بين 2014 و2024، بالغاً 156.202 مولود فقط في النصف الأول من 2024. الإحصاءات تفيد بأن هذا النموّ ينتج حصرياً من أجيال الهجرة، بالذات من دول أميركا اللاتينية وأفريقيا، مخفياً تراجعاً طبيعياً مقلقاً. وللتصدّي لهذه الأزمة، بدأت الحكومة الإسبانية خطّة أسمتها خطة «الخصوبة الطموحة»، وهي تتمثل في برنامج بقيمة 4.5 مليار يورو يمنح 500 يورو شهرياً للأمهات دون الـ30 سنة حتى بلوغ الطفل سن السنتين (للدخل الأقل من 30 ألف يورو سنوياً) مع تمديد إجازات الأمومة والأبوة من 16 إلى 19 أسبوعاً، وتقديم تعويضات بقيمة 100 يورو شهرياً للأمهات العاملات اللواتي لديهن أطفال دون ثلاث سنوات. وشرعت الحكومة أيضاً في تسهيل تسوية أوضاع مئات الآلاف من المهاجرين غير الشرعيين ابتداء من مايو (أيار) 2025.

كيكل (غيتي)

فرنسا: استراتيجية شاملة

أخيراً، يمكن القول إن فرنسا تحتفظ بأفضل وضع ديمغرافي مقارنةً مع «جاراتها» الأوروبيات؛ إذ يبلغ تعداد سكانها 68.6 مليون نسمة مع نمو إيجابي بـ168.600 نسمة عام 2025 (+0.25 في المائة). ولكن مع أن معدل الخصوبة الفرنسي يُعد من الأعلى في أوروبا (1.8 طفل لكل امرأة)، فإنه يظل دون عتبة التجديد الطبيعي للسكان المحددة بـ2.1 طفل.

هذا الانخفاض التدريجي، المصحوب بارتفاع متوسط العمر وتزايد نسبة كبار السن الذين يمثلون اليوم نحو 21 في المائة من السكان، يضع فرنسا أمام تحديات اقتصادية واجتماعية معقّدة. وتتجلى تداعيات هذه الأزمة في الضغوط المتزايدة على نظام التقاعد الفرنسي؛ إذ يتقلص عدد المساهمين النشطين مقابل ارتفاع عدد المتقاعدين. وأيضاً، تواجه أنظمة الصحة والرعاية الاجتماعية تحدِّيات مالية جسيمة لتلبية احتياجات شيخوخة المجتمع المتسارعة. ولذا، في مواجهة هذا الواقع، تبنّت الحكومة الفرنسية استراتيجية متعددة المحاور؛ فعلى صعيد السياسات الأسرية أطلقت فرنسا ما يسمى بـ«الخطة 2050» الديمغرافية التي تهدف إلى وقف تراجع الخصوبة وضمان تجديد الأجيال، بتعزيز نظام المساعدات العائلية، وتوسيع شبكة رياض الأطفال العامة، إضافة إلى تمديد إجازة الأبوة وتحسين التوازن بين الحياة المهنية والعائلية.

أما في مجال الهجرة، فقد اعتمدت فرنسا نهجاً انتقائياً يهدف إلى جذب المواهب والكفاءات المطلوبة. وتشمل هذه المبادرات تبسيط إجراءات الحصول على تأشيرات العمل للمهنيين المهرة، وإطلاق «جواز مرور الكفاءات» الذي يسهّل على الخرّيجين «الدوليين» والمستثمرين الاستقرار في فرنسا. وكذلك طوّرت برامج لجذب الباحثين والمُبتكِرين من خلال تأشيرات خاصة متعدّدة السنوات.

أيضاً، تركّز استراتيجية الإدماج الفرنسية راهناً على تعزيز تعلّم اللغة الفرنسية وتطوير آليات الاعتراف بالشهادات الأجنبية، مع التشديد على احترام القيَم الجمهورية. ولكن، رغم هذه الجهود، تواجه السياسات الحكومية تحدّيات الرأي العام المنقسم حول الهجرة والحاجة لموازنة الفوائد الاقتصادية مع التماسك الاجتماعي، في مجتمع يبحث عن هويّته وسط التحولات الديمغرافية السريعة.

واقع يومي يعيشه ملايين الإيطاليين في قرى وضواحٍ تفرّغ من سكانها

الهجرة كحل للأزمة الديموغرافية

يرى الخبير الديموغرافي الفرنسي البروفسور فرانسوا هيران أن «الهجرة المنظمة تمثل الحل الوحيد المتاح لمواجهة هذه الأزمة»، مؤكداً أن أوروبا تحتاج إلى استقبال مليوني مهاجر سنوياً للحفاظ على التوازن الديموغرافي. ويوضح أنه في ألمانيا وحدها، يتقاعد 400 ألف شخص سنوياً مقابل 300 ألف داخل جديد إلى سوق العمل، ولهذا السبب أطلقت «المفوضية الأوروبية» مبادرة «الميثاق الجديد للهجرة واللجوء» عام 2020، كما وضعت استراتيجية «المواهب والمهارات» لجذب العمالة الماهرة. وفي حين أشارت رئيسة «المفوضية» أورسولا فون دير لاين في خطاب عام 2023 إلى أن «أوروبا تحتاج للهجرة القانونية لسّد النقص في القوى العاملة»، قال المستشار الألماني السابق أولاف شولتس في سبتمبر (أيلول) 2024 في خطاب أمام البرلمان الألماني: «لا يمكن لأي دولة في العالم تملك قوة عاملة في تراجع أن تحقق نمواً اقتصادياً. وهذه هي الحقيقة التي نواجهها اليوم... الانفتاح على العالم ضروري إذن. لكن الانفتاح على العالم لا يعني أن أي شخص يريد المجيء يمكنه ذلك. يجب أن نكون قادرين على اختيار من يأتي إلى ألمانيا. وفي هذا السياق اتفقت دول المجموعة الأوروبية على تطوير خطة لاستقبال المهاجرين، تستهدف استقبال 1.2 مليون مهاجر سنوياً حتى 2030. وهذه الوضعية التي تفرض نفسها على القارة الأوروبية تخلق معادلة بالغة التعقيد، حيث تبدو الهجرة تارة حلاً منقذاً وتارة أخرى خطراً وجودياً حسب الانتماء السياسي والقناعات الآيديولوجية».

 

 

مواقف اليسار واليمين من الهجرة والتراجع الديموغرافي

بالنسبة لقوى اليسار الأوروبية، وريثة التقليد الإنساني، تبدو مسألة الهجرة استجابة طبيعية للتراجع الديموغرافي الذي يهدد التوازنات الاجتماعية للقارة. ووفق جماعات التقدميين منهم، تتجاوز المسألة الاعتبارات الديموغرافية المحضة، لأن الأمر يتعلق بالضرورات الاقتصادية، فشيخوخة سكان الاتحاد الأوروبي تؤدي إلى تراجع القوى العاملة وزيادة تكاليف المعاشات التقاعدية ورعاية المسنين والقيم الإنسانية التي تؤسس للهوية الأوروبية. في الطرف المواجه، من الطيف السياسي، تطوّر الأحزاب اليمينية الأوروبية خطاباً مقاوماً لما تعدّه «تهديداً حضارياً». وبينما يستثمر معظمها في الخوف من الآخر ويَعِدُ بحلول وهمية، يفرض الواقعان الاقتصادي والديموغرافي اعتماداً متزايداً على الهجرة بوصفها ضرورة وجودية لا مفرّ منها، وهو ما يجعل أوروبا في مفترق طرق، مُجبرة على ابتكار نموذج جديد يوفق بين الضرورات الديموغرافية والحفاظ على الهوية والقيم الإنسانية. وهنا، تجسّد إيطاليا بامتياز المفارقة الأوروبية الراهنة بين الخطاب السياسي المعادي للهجرة والحاجة الاقتصادية الملحة إليها. ففي إيطاليا، تقود جورجيا ميلوني - التي ينحدر حزبها «إخوان إيطاليا» اليميني من جذور فاشية - سياسة متناقضة جداً، إذ بينما أنفقت حكومتها 800 مليون يورو على إنشاء مراكز احتجاز في ألبانيا لمعالجة طلبات اللجوء خارج الأراضي الأوروبية - بتكلفة فلكية تصل إلى 72.461 يورو لكل سرير - تظل إيطاليا في أمسّ الحاجة إلى المهاجرين لسدّ النقص الحاد في قطاعات حيوية كالزراعة والبناء والرعاية الصحية. وهذا المشروع، الذي واجه فشلاً قانونياً متكرراً وأبقى المراكز شبه فارغة منذ افتتاحها في أكتوبر (تشرين الأول) 2024، حقق مع ذلك هدفاً سياسياً: تعزيز شعبية ميلوني محلياً وجعلها «نموذجاً» يُحتذى على المستوى الأوروبي، حتى إن المفوضية الأوروبية اقترحت في مارس (آذار) 2025 تعميم فكرة «مراكز الإعادة» خارج الاتحاد. من ناحية أخرى، في النمسا، مثلاً، يبدو التناقض أكثر حدّة، فحزب الحرية (FPÖ) اليميني المتطرف بقيادة هربرت كيكل، الذي فاز بنسبة 28.9 في المائة في انتخابات سبتمبر (أيلول) 2024 يعِدُ صراحةً بـ«إعادة هجرة الغرباء غير المدعوّين» وخفض طلبات اللجوء إلى الصفر، بل وترحيل مواطنين نمساويين من أصول مهاجرة «غير مندمجين». لكن النمسا، التي يبلغ متوسط عمر سكانها 44.7 سنة ومعدل خصوبتها أقل بكثير من مستوى الإحلال السكاني، تحتاج بشدة إلى تدفّقات هجرة منتظمة للحفاظ على نظامها الاقتصادي والاجتماعي. وحالياً، يروّج كيكل، الذي يصف نفسه بـ«مستشار الشعب» (مستخدماً مصطلحاً نازياً)، لمفهوم «قلعة النمسا» المنغلقة تماماً، متجاهلاً الواقع الديموغرافي القاسي الذي يهدّد مستقبل البلاد.


مقالات ذات صلة

الحرب حوّلت السودان إلى وطن على شاشة هاتف

حصاد الأسبوع من مشاهد الحرب السودانية (آ ف ب)

الحرب حوّلت السودان إلى وطن على شاشة هاتف

تبحث أسرة سودانية عن قريب اختفى منذ عدة أشهر عبر إحدى مجموعات تطبيق «واتساب». وفي مجموعة أخرى على التطبيق ذاته يجمع لاجئون سودانيون في أوغندا تكاليف دفن أحد

أحمد يونس (كمبالا (أوغندا))
حصاد الأسبوع إبان جلسة تثبيته في مجلس الشيوخ الأميركي رسم ملامح سياسته فوضع مجموعة من العناوين التي تحوّلت لاحقاً إلى ملامح أساسية في أدائه

ميشال عيسى... سفير أميركي بنكهة لبنانية وتوقعات كثيرة

لم يحتج السفير الأميركي الجديد لدى لبنان عندما حلَّ في بيروت إلى «فترة تعليمية»، ولا إلى دورات خاصة في وزارة الخارجية قبل وصوله إلى محطته الأولى في العمل

ثائر عباس ( بيروت)
حصاد الأسبوع ديفيد ساترفيلد (آ ب)

سفراء الولايات المتحدة لدى لبنان: دبلوماسيو المهمات الصعبة

راهنت الولايات المتحدة على لبنان نموذجاً ليبرالياً في ظل المد الشيوعي منذ الخمسينات. ولعب سفراؤها في بيروت أدواراً رئيسية في محطات بارزة من تاريخ لبنان الذي

«الشرق الأوسط» (بيروت)
حصاد الأسبوع إسبريلاً، مرشح اليمين المتطرف يخطب خلف زجاج واقٍ (آ ب)

كولومبيا: استقطاب رئاسي خطير بين اليسار واليمين

منذ عقود لم تسقط كولومبيا من مراكز الصدارة في قائمة البلدان الأكثر عنفاً في العالم: أولاً، بسبب الحركات الثورية المسلحة التي كانت تسيطر على مناطق شاسعة من

شوقي الريّس (مدريد)
حصاد الأسبوع السناتور الشاب الراحل ميغيل أوريبي طربيه (آ ف ب/غيتي)

الأصول العربية في السياسة الكولومبية

على غرار بقية البلدان الأميركية اللاتينية، لعب عدد كبير من الكولومبيين المتحدرين من أصول عربية -خصوصاً اللبنانية والسورية والفلسطينية- أدواراً بارزة في المشهد


الحرب حوّلت السودان إلى وطن على شاشة هاتف

من مشاهد الحرب السودانية (آ ف ب)
من مشاهد الحرب السودانية (آ ف ب)
TT

الحرب حوّلت السودان إلى وطن على شاشة هاتف

من مشاهد الحرب السودانية (آ ف ب)
من مشاهد الحرب السودانية (آ ف ب)

تبحث أسرة سودانية عن قريب اختفى منذ عدة أشهر عبر إحدى مجموعات تطبيق «واتساب». وفي مجموعة أخرى على التطبيق ذاته يجمع لاجئون سودانيون في أوغندا تكاليف دفن أحد أبناء الجالية الذين توفوا هناك. وعلى صفحة «فيسبوك» محلية تنشر صورة رجل مجهول الهوية، أملاً في أن يتعرّف عليه أحد. وفي مجموعة (غروب) للصحافيين، يتبادل الصحافيون والمراسلون أرقام المسؤولين والمصادر، ويتحقّقون من الأخبار المتداولة عن المعارك في مجموعات أخرى. قد تبدو هذه المشاهد متفرّقة، لكنها في الواقع أجزاء من قصة واحدة، بدأت منذ اندلاع الحرب في السودان يوم 15 أبريل (نيسان) 2023، وتحولت معها المنصات الرقمية من أدوات للتواصل الاجتماعي، إلى فضاء بديل تدار عبره تفاصيل الحياة اليومية.

أعادت الحرب المتطاولة التي دخلت عامها الرابع في السودان، تشكيل «الجغرافيا السودانية» على الأرض. ومثلها أعادت مجموعات على منصّات التواصل، كـ«واتساب» و«فيسبوك» و«تلغرام» وغيرها، تشكيل الطريقة التي يحصل بها الناس على المعلومات، وكيف يتواصلون مع أسرهم، أو يبحثون عن المساعدة، أو حين يتابعون الأخبار، ويواجهون آثار النزوح والغياب والخوف.

أبقت الأسر متصلة

لم تفرّق الحرب السودانيين بين المدن والولايات فحسب، بل وزّعتهم أيضاً على عشرات الدول، واضطرتهم للعيش في بيئات جديدة. وهكذا فقد كثيرون منهم القدرة على اللقاء المباشر، ومن ثمّ، أصبحت المنصات الرقمية الرابط اليومي الذي يحافظ على ما تبقى من الحياة الاجتماعية.

بالنسبة للعديد من الأسر، يبدأ اليوم وينتهي على شاشة الهاتف...

صباح أحمد، مثلاً، وهي نازحة من ولاية الجزيرة، تقول لـ«الشرق الأوسط» إن أول ما تفعله عند الاستيقاظ من النوم، هو تفقّد هاتفها للتأكد من عدم وجود مكالمات فائتة من أفراد أسرتها، لأن الحرب - كما تصفها - جعلت الناس يتوقعون الأخبار السيئة في كل لحظة، وأصبح الاطمئنان على الأقارب جزءاً من الروتين اليومي.

ولكن لا يقتصر هذا الاعتماد المتزايد على المنصات الرقمية على تبادل الأخبار العائلية. بل بالنسبة للاجئين السودانيين في الخارج، تحوّلت مجموعات الـ«واتساب» وصفحات الـ«فيسبوك» إلى نافذة يومية يطلون من خلالها على ما يجري داخل البلاد. وهنا يقول سيبويه يوسف، اللاجئ السوداني في أوغندا، إن هذه المجموعات أصبحت «الوسيلة الرئيسة لمعرفة أحوال الأهل والأصدقاء، وتحولت أيضاً إلى مساحة لتقديم الدعم للمحتاجين والمرضى والمشاركة في الأفراح والأتراح».

أما الدكتور عبد الناصر الفكي، أستاذ علم الاجتماع السياسي في الجامعات السودانية، فيرى في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن الحرب أفرزت ما يشبه «الأسرة الإلكترونية»، حيث «بات أفراد العائلة الممتدة يتواصلون باستمرار رغم تفرقهم بين السودان ودول اللجوء... هذه المنصات لم تعد وسيلة للتواصل فقط، بل أصبحت أيضاً، أداة للدعم النفسي وتبادل المعلومات الصحية والتعليمية، ومشاركة الخبرات المتعلقة بالحياة في ظروف الحرب والنزوح».

قرارات مصيرية عن بعد

أكثر من هذا، في ظروف الحرب لا تقتصر أهمية المعلومات على معرفة ما يجري، بل تمتد أحياناً إلى اتخاذ قرارات تتعلق بالحياة والموت، فعندما بدأت المخاوف تتزايد في ولاية الجزيرة، لم تعتمد بعض الأسر على البيانات الرسمية أو الأخبار العامة وحدها، بل لجأت إلى شبكاتها الاجتماعية للحصول على تقديرات مباشرة من الأصدقاء والمعارف الموجودين في مناطق مختلفة.

وبحسب صباح أحمد فإن أسرتها شعرت بخطر متزايد يهدد سلامتها في مدينة الحصاحيصا، بولاية الجزيرة، في أثناء سيطرة «قوات الدعم السريع» عليها. وبناء عليه بدأت التشاور مع أصدقاء وزملاء للحصول على صورة أوضح للأوضاع، مضيفة: «بعد سلسلة من الاتصالات والنقاشات، اتخذت الأسرة قرار المغادرة إلى القضارف ثم إلى ولاية نهر النيل»، وهو قرار تعدّه اليوم خطوة أسهمت في تجنيبها مخاطر كبيرة.

وتعكس هذه التجربة واقعاً أوسع، إذ تحولت المنصات الرقمية إلى شبكة إنذار غير رسمية يعتمد عليها كثرة من السودانيين في تقييم المخاطر واتخاذ قرارات النزوح أو البقاء أو التنقل بين المناطق.

شبكات استجابة وتكافل

في الواقع، لم تنتظر المجتمعات المحلية وصول المنظمات الدولية حتى تبدأ الاستجابة لآثار الحرب. ففي الأشهر الأولى، اعتمدت جهود المساعدة على شبكات اجتماعية قائمة أصلاً على روابط الأسرة والجيرة والانتماء المناطقي. وظهرت ما عرفت بـ«التكايا»، وهي مجموعات أهلية ميدانية تقدم للناس الطعام الجاهز والشراب وأحياناً الدواء، معتمدة على ما يتيسر تجميعه وإيصاله من أموال عبر هذه الوسائط.

ويرى مدني عباس، خبير العمل الإنساني ووزير التجارة السابق، أن «مجموعات الواتساب لعبت دور الحلقة التي ربطت بين المحتاجين والداعمين، وساعدت في تحديد الاحتياجات وتنسيق الاستجابة داخل المجتمعات المحلية. ومع مرور الوقت، أصبحت هذه المنصات أيضاً مساحة للتنسيق بين المجموعات القاعدية والمنظمات الوطنية العاملة في المجال الإنساني».

وأردف عباس لـ«الشرق الأوسط» شارحاً: «مثلما أسهمت صفحات فيسبوك ووسائل التواصل الأخرى في توثيق الأوضاع الإنسانية ونقل احتياجات المجتمعات المحلية، فإنها ساعدت في حشد الدعم لمشاريع مرتبطة بالأمن الغذائي والصحة والتعليم والطاقة الشمسية، بل وحتى في توفير التمويل لبعض أنشطة الاستجابة الإنسانية».

بل في المنافي والملاجئ أخذ هذا التكافل أشكالاً أكثر تنظيماً، ففي العاصمة الأوغندية كمبالا، مثلاً، توجد مجموعة «واتساب» أخذت اسم «وفيات كمبالا»، تضم أكثر من ألف لاجئ سوداني يتعاونون ويتشاركون الفقر في جمع المال لتغطية تكاليف دفن الموتى ومساندة أسرهم. إذ يجمع الأعضاء المساهمات المالية عبر المجموعة، ويتولى متطوّعون منهم متابعة ترتيبات التجهيز والدفن والتشييع، في نموذج يعكس كيف تحولت المنصات الرقمية إلى أداة لإدارة التضامن الاجتماعي في ظروف استثنائية.

سيدة سودانية تتلقى آخر الأخبار عبر وسائل التواصل (رويترز)

في أثر الغائبين

ولكن، لعل من أكثر الاستخدامات الإنسانية تأثيراً للمنصات الرقمية خلال الحرب، تحوّلها إلى وسيلة للبحث عن المفقودين والمختفين، ففي مجموعات الـ«واتساب» وصفحات الـ«فيسبوك»، تتكرّر يومياً منشورات تبدأ بكلمة «مفقود» وتنتهي بمناشدات لإعادة النشر على أوسع نطاق. وفي كثير من الأحيان تتضمّن هذه المنشورات صور الأشخاص المفقودين ومعلومات عن آخر مكان شوهدوا فيه، أملاً في أن تقودها المصادفة إلى شاهد أو معلومة أو خيط جديد.

هذه المناشدات ما عادت تقتصر على الأشخاص الذين تبحث عنهم أسرهم، بل امتدت أيضاً إلى مجهولي الهوية والأشخاص الذين يعثر عليهم في ظروف إنسانية صعبة. وفي إحدى الحالات المتداولة، نشر مواطنون صورة رجل عثر عليه في إحدى المدن السودانية وهو عاجز عن التعريف بنفسه، دعوا المتابعين والأعضاء إلى مشاركة المنشور حتى يتم التعرف عليه والوصول إلى أسرته.

وفي حالة أخرى، ساعد انتشار المناشدات عبر «واتساب» و«فيسبوك» في الوصول إلى معلومات عن رجل اختفى لأكثر من سنة بعد تعرضه للخطف. ويقول الرجل، الذي طلب إغفال اسمه خشية الانتقام والرمز إليه بـ«م. ن»، إن أسرته لجأت إلى نشر بياناته وصوره على نطاق واسع بعد فقدان الأمل في العثور عليه عبر الوسائل التقليدية، قبل أن تصل إليها معلومات ساعدت في معرفة مصيره.

وإلى جانب الأشخاص، ظهرت مجموعات وصفحات متخصّصة في تتبّع السيارات المفقودة أو المنهوبة، إذ ينشر أصحابها الصور وأرقام اللوحات ومعلومات الفقدان أملاً في العثور عليها عبر الشبكات الاجتماعية.

في ظروف الحرب لا تقتصر أهمية المعلومات

على معرفة ما يجري بل تمتد أحياناً إلى اتخاذ

قرارات تتعلق بالحياة والموت

إعلام موازٍ

من ناحية ثانية، في بلد تعطلت فيه مؤسسات إعلامية كثيرة، وجدت الأخبار طريقها إلى الجمهور عبر المجموعات (الغروبات) والصفحات والقنوات الرقمية، ويرى الصحافي والباحث في الإعلام الرقمي، محمد عبد العزيز، أن خروج معظم المؤسسات الإعلامية من الخدمة في الأيام الأولى للحرب خلق فراغاً معلوماتياً واسعاً، سرعان ما ملأته المنصات الرقمية، وعلى رأسها تطبيق «واتساب». وساعدت عدة عوامل في ذلك، من بينها قدرة التطبيق على العمل في بيئات الاتصالات الضعيفة، واعتماده على الرسائل الصوتية، وسهولة استخدامه، وانتشاره الواسع بين مختلف الفئات الاجتماعية.

وهنا يذكر الدكتور عصام عباس، خبير تقنية المعلومات، خلال حوار مع «الشرق الأوسط» أن «هذه الخصائص جعلت واتساب منصة مثالية للعمل في بيئة مضطربة مثل السودان». وبالفعل، تجلت أهمية التطبيق أكثر عندما توقفت خدمة المكالمات الصوتية عبر «واتساب» داخل السودان إبان الحرب. وبينما لم تقدم تفسيرات رسمية مفصلة للقرار، رجّح مراقبون ارتباطه باعتبارات أمنية واستخدام التطبيق في الاتصالات بين أطراف النزاع، ما أدى إلى انتقال أعداد كبيرة من المستخدمين إلى الرسائل الصوتية والمكتوبة، التي غدت وسيلة رئيسية للتواصل اليومي.

وفي الوقت نفسه، نشأت مجموعات مهنية متخصصة للصحافيين، أبرزها مجموعة «ممكن رقم»، الذي يستخدم للحصول على أرقام المسؤولين والخبراء والمصادر المختلفة. وظهرت مجموعات أخرى لتبادل الأخبار ومتابعة تطورات الحرب والتحقق من المعلومات المتداولة.

مع هذا، لا يتعامل الصحافيون المحترفون مع هذه المنصات بوصفها مصدراً نهائياً للمعلومات. وهذا ما يقوله عبد المنعم أبو إدريس، مراسل «وكالة الصحافة الفرنسية» (AFP) ونقيب الصحافيين السودانيين لـ«الشرق الأوسط» بأن ما يرد في المجموعات الرقمية «قد يشكل خيطاً أولياً أو يقود إلى مصدر محتمل، لكنه يحتاج دائماً إلى التحقق والتأكيد عبر مصادر مستقلة».

في مرمى الحرب

لكن البيئة الرقمية التي ساعدت الناس على التواصل والتنظيم وتبادل المعلومات، وفرت أيضاً مساحة واسعة للتضليل. فبجانب المجموعات الشعبية والمهنية، ظهرت إبان الحرب مجموعات وقنوات رسمية تنشر بيانات المؤسسات الحكومية والتغطيات الرئاسية، كما أنشأت أطراف الصراع قنواتها الخاصة لنشر رواياتها للأحداث، من بينها قنوات مرتبطة بـ«قوات الدعم السريع» على تطبيق «تلغرام».

وتعكس هذه المنصات في الغالب وجهة نظر الجهة التي تديرها، ما يجعلها جزءاً من معركة السرديات المصاحبة للحرب. ويرى محمد عبد العزيز أن «طبيعة الشبكات المغلقة وصعوبة معرفة المصدر الأول للمعلومة سهلتا انتشار الأخبار المفبركة والمقاطع المجتزأة والتسجيلات المضللة». بينما يشير الدكتور عصام عباس إلى أن «غياب آليات فعالة لضبط المحتوى داخل المجموعات المغلقة، وسهولة إعادة توجيه الرسائل والمقاطع الصوتية والصور، ساعدا في انتشار خطاب الكراهية والمحتوى التحريضي، وبذا تحوّلت المنصات إلى ساحة تتداخل فيها الأخبار الصحيحة مع الإشاعات، والمعلومات الموثقة مع الروايات الموجّهة».

خارج الصفوف والعيادات

من جهة ثانية، لم تتوقف آثار التحول الرقمي عند حدود الأخبار والتواصل والإغاثة، فمع تراجع الخدمات الصحية وصعوبة الوصول إلى الأطباء والمشافي في بعض المناطق، انتقلت استشارات طبية كثيرة إلى الفضاء الرقمي. وصار من المألوف أن يتلقى الأطباء صوراً للتحاليل أو الأعراض عبر الهاتف، ثم يرسلون الإرشادات العلاجية عن بعد.

وهنا يقول الدكتور بدر الدين أجبر، أستاذ كلية الطب بجامعة كردفان والمدير العام السابق لوزارة الصحة بالولاية، لـ«الشرق الأوسط» إن هذا النوع من المتابعة «لم يعد يقتصر على الحالات البسيطة، بل شمل مرضى الأمراض المزمنة أيضاً، في ظل الصعوبات التي تواجه الوصول إلى الخدمات الصحية في بعض المناطق».

وفي قطاع التعليم، لعبت المنصات الرقمية دوراً مماثلاً. فبعد توقف الدراسة الحضورية في كثير من الجامعات والمدارس، لجأت مؤسسات التعليم العام والعالي إلى تطبيقات مثل «تلغرام» لنشر المحاضرات والمواد التعليمية والتواصل مع الطلاب. وتقول جهاد عباس، الطالبة المتخرجة في «جامعة بحري» في أثناء الحرب، إن هذه التجربة مكنتها من استكمال دراستها الجامعية رغم ظروف الحرب، وإن المجموعات التي أنشأها الطلاب فيما بينهم لتبادل المعلومات والإجابة عن الاستفسارات الأكاديمية، عوّضت جزءاً من غياب الحياة الجامعية التقليدية.

مجتمع يعيد تنظيم نفسه

وهكذا، بعد أكثر من سنتين من الحرب، ما عادت المنصات الرقمية مجرد وسائل للتواصل، بل تحولت إلى مساحات للبحث عن المفقودين، ومنصات للإغاثة والعمل الإنساني، وشبكة للتكافل الاجتماعي، ووسيلة للتعليم والعلاج، ومصدر للأخبار، وساحة للصراع على الروايات.

ولم تكن هذه التحولات نتاج خطة مسبقة، بل استجابة طبيعية لواقع فرضته الحرب، نتجت إثر تعثر مؤسسات كثيرة، أو تراجع قدرتها على أداء أدوارها التقليدية، فاندفع السودانيون لإعادة تنظيم جوانب من حياتهم اليومية عبر الشبكات الرقمية، مستفيدين من قدرتها على تجاوز الحدود والمسافات والعوائق.

وطوال سنوات الحرب الأربع، لم تعد المنصات الرقمية مجرد وسائط لنقل الرسائل بين الناس، بل صارت جزءاً من البنية الاجتماعية التي يعتمد عليها السودانيون في التواصل والتعلم والعلاج وتنظيم المساعدات والبحث عن المفقودين ومتابعة الأخبار.

بل، ومع أن السودانيين قد يختلفون حول أثرها وما تتيحه من فرص أو ما تحمله من مخاطر، يبقى أمرٌ واحدٌ محل اتفاق هو «أن جانباً مهماً من الحياة السودانية انتقل خلال الحرب إلى الفضاء الرقمي، وأعاد الناس بناء شبكاتهم الاجتماعية والمهنية والإنسانية على الشاشات الصغيرة التي حملوها معهم في رحلة النزوح واللجوء والبقاء».


ميشال عيسى... سفير أميركي بنكهة لبنانية وتوقعات كثيرة

إبان جلسة تثبيته في مجلس الشيوخ الأميركي رسم ملامح سياسته فوضع مجموعة من العناوين التي تحوّلت لاحقاً إلى ملامح أساسية في أدائه
إبان جلسة تثبيته في مجلس الشيوخ الأميركي رسم ملامح سياسته فوضع مجموعة من العناوين التي تحوّلت لاحقاً إلى ملامح أساسية في أدائه
TT

ميشال عيسى... سفير أميركي بنكهة لبنانية وتوقعات كثيرة

إبان جلسة تثبيته في مجلس الشيوخ الأميركي رسم ملامح سياسته فوضع مجموعة من العناوين التي تحوّلت لاحقاً إلى ملامح أساسية في أدائه
إبان جلسة تثبيته في مجلس الشيوخ الأميركي رسم ملامح سياسته فوضع مجموعة من العناوين التي تحوّلت لاحقاً إلى ملامح أساسية في أدائه

لم يحتج السفير الأميركي الجديد لدى لبنان عندما حلَّ في بيروت إلى «فترة تعليمية»، ولا إلى دورات خاصة في وزارة الخارجية قبل وصوله إلى محطته الأولى في العمل الدبلوماسي الذي جاءه من تقاعد قصير من عالم الأعمال والسيارات. إذ إنَّ السفير ميشال عيسى يعرف بيروت، وبقية مناطق لبنان، أكثر مما يعرف أروقة وزارة الخارجية التي لم تكن له بها أي علاقة قبل تعيينه من قبل الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لقد كان عيسى يعود إلى المدينة التي وُلد فيها، وإلى بلد حمله معه في رحلة امتدت من لبنان إلى فرنسا، ثم الولايات المتحدة، قبل أن يعود إليه ممثِّلاً للدولة الأقوى في العالم خلال واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ العلاقات اللبنانية - الأميركية.

منذ اللحظة الأولى لتعيين ميشال عيسى سفيراً للولايات المتحدة لدى لبنان، بدا واضحاً أنَّ اختيار عيسى لم يكن قراراً روتينياً داخل الإدارة الأميركية. فواشنطن لم ترسل إلى بيروت دبلوماسياً مهنياً تقليدياً أو مسؤولاً أمنياً سابقاً، بل اختارت رجل أعمال ومصرفيّاً مخضرماً يحمل جذوراً لبنانية عميقة، ويتمتع في الوقت نفسه بعلاقة مباشرة بالرئيس الأميركي دونالد ترمب.

لكن الأهم، أن تعيين عيسى جاء إبّان مرور لبنان بمنعطف تاريخي. فالبلاد كانت تحاول الخروج من أسوأ أزمة اقتصادية ومالية في تاريخها الحديث، بينما كانت تداعيات الحرب على الجبهة الجنوبية، ومستقبل العلاقة بين الدولة اللبنانية و«حزب الله»، تتصدَّر أجندة النقاشات الدولية والإقليمية.

أكثر من رسالة

وحقاً، رأى كثيرون أن اختيار عيسى يحمل أكثر من رسالة. إذ يقول صديقه النائب اللبناني فؤاد مخزومي: «من جهة أرادت واشنطن إرسال شخصية تعرف لبنان من الداخل وتفهم تركيبته المعقّدة، ومن جهة أخرى أرادت الاعتماد على رجل يتمتّع بثقة الرئيس الأميركي شخصياً ويستطيع نقل توجّهات البيت الأبيض مباشرة إلى واحدة من أكثر الساحات تعقيداً في الشرق الأوسط».

ولقد كانت من بين الخطوات اللافتة التي رافقت انتقاله إلى العمل الدبلوماسي، تخلّيه عن الجنسية اللبنانية قبل تسلّمه مهامه سفيراً للولايات المتحدة، في خطوة هدفت إلى إزالة أي التباس قانوني أو سياسي محتمل يتعلّق بازدواجية الانتماء.

من بسوس إلى «وول ستريت»

وُلد ميشال عيسى عام 1955 في العاصمة اللبنانية، بيروت، إلا أنه يتحدّر من بلدة بسوس في قضاء عاليه بمحافظة جبل لبنان.

عيسى نشأ في لبنان خلال فترة كانت البلاد فيها لا تزال تعيش سنوات الاستقرار النسبي التي سبقت الحرب الأهلية، وتلقَّى تعليمه المدرسي في بيروت قبل أن تغادر عائلته لبنان في إطار موجة الهجرة اللبنانية التي شهدتها سبعينات القرن الماضي.

فرنسا كانت محطته الأولى. وهناك تابع دراسته في الاقتصاد والمالية، وبدأت تتشكَّل شخصيته المهنية. إذ حصل على شهادة دبلوم الدراسات الجامعية العامة (DEUG) في الاقتصاد من جامعة باريس العاشرة - نانتير. وكذلك درس في كلية الدراسات العليا للبنوك في باريس. وفي أواخر السبعينات انتقل إلى الولايات المتحدة، البلد الذي سيبني فيه مستقبله المهني ويحقق فيه نجاحاته الكبرى.

قطاعا المال والمصارف

على مدى عقود، عمل ميشال عيسى في القطاعين المالي والمصرفي، متنقلاً بين مؤسسات دولية بارزة. فشغل مناصب تنفيذية في مصارف وشركات استثمارية معروفة، واكتسب خبرةً واسعةً في إدارة الديون وإعادة هيكلة الشركات والاستثمارات والأسواق المالية.

وفي عالم المال الأميركي، بنى سمعته كرجل يتمتّع بقدرة على معالجة الملفات المعقّدة، وإدارة المخاطر، وإيجاد الحلول للأزمات المالية. ومع مرور السنوات أصبح اسمه معروفاً في الأوساط الاقتصادية والاستثمارية، خصوصاً في نيويورك، حيث استقرَّ وأسَّس شبكةً واسعةً من العلاقات المهنية.

دخول دائرة ترمب

من جهة ثانية، لعل الجانب الأكثر إثارة للاهتمام في سيرة ميشال عيسى هو علاقته بالرئيس الأميركي دونالد ترمب. فالرجل لم يكن مجرّد داعم سياسي للرئيس الأميركي، بل تصفه تقارير إعلامية أميركية بأنه من المقرّبين إليه، ومن شركائه في لعبة الغولف. وتعود العلاقة بينهما إلى سنوات سبقت دخولهما معاً دائرة العمل السياسي المباشر.

وعندما أعلن ترمب ترشيحه لمنصب سفير الولايات المتحدة لدى لبنان، اختار كلمات لافتة في وصفه، مشيداً بخبرته المالية الواسعة، ومسيرته في الأعمال والتجارة الدولية.

وفي بيروت، كما واشنطن، لا يُنظَر إلى هذه العلاقة على أنها تفصيل ثانوي. وهنا يقول مخزومي: «إن السفير الذي يتمتع بقناة مباشرة إلى البيت الأبيض يمتلك هامش حركة أوسع من ذلك الذي يتوافر عادة للدبلوماسيين التقليديين. ولهذا السبب اكتسب تعيين عيسى أهمية إضافية في بيروت»، معتبراً أن الرجل «لا يمثل الخارجية الأميركية فحسب، بل يحمل أيضاً ثقة الرئيس الأميركي نفسه».

وبالنسبة إلى لبنان، فإنَّ هذه العلاقة تمنح منصبه بُعداً مختلفاً. إذ إن كل رسالة ينقلها أو موقف يعلنه يُنظَر إليه بوصفه أقرب إلى «المزاج السياسي» للبيت الأبيض من كونه مجرّد رأي دبلوماسي تقليدي.

سفير تحت المجهر

منذ أسابيعه الأولى في لبنان، وجد عيسى نفسه منخرطاً في ملفات تتجاوز الدبلوماسية التقليدية. إذ شارك في لقاءات تناولت مستقبل الدعم الأميركي للجيش اللبناني، وملفات الإصلاح الاقتصادي، والجهود الدولية الرامية إلى تثبيت الاستقرار على الحدود الجنوبية.

وخلال جلسة تثبيته في مجلس الشيوخ الأميركي، رسم عيسى ملامح سياسته، فوضع مجموعة من العناوين التي تحوَّلت لاحقاً إلى ملامح أساسية في أدائه. فلقد تكلَّم عن أهمية دعم المؤسسات «الشرعية» اللبنانية، وتعزيز الإصلاحات الاقتصادية، و«تمكين الدولة من بسط سلطتها» على كامل أراضيها. وطبعاً، لاقت هذه المواقف ترحيباً لدى بعض القوى اللبنانية، في حين أثارت تحفّظات وانتقادات لدى أطراف أخرى رأت فيها امتداداً للمقاربة الأميركية التقليدية تجاه لبنان.

لكن ما جعلت حضوره مختلفاً عن كثير من أسلافه هي خلفيته اللبنانية.

فالرجل يتكلّم العربية بطلاقة، ويفهم تفاصيل الحياة السياسية اللبنانية، ويعرف الفوارق الدقيقة بين القوى والأحزاب والطوائف، وهذه عناصر تمنحه قدرة أكبر على فهم المشهد المحلي.

ولكن في المقابل، جعلته هذه الخلفية أيضاً عُرضةً لتدقيق أكبر. فكل تصريح يصدر عنه يُقرَأ أحياناً من زاويتين: زاوية السفير الأميركي، وزاوية اللبناني الذي يعرف تفاصيل البلد الذي يعمل فيه.

حياة خاصة... جداً

بعيداً عن السياسة والدبلوماسية، تبدو شخصية ميشال عيسى مختلفة عن الصورة النمطية لكثيرين من رجال المال. فالرياضة تُشكِّل جزءاً مهماً من سيرته الشخصية. وتشير المعلومات الرسمية إلى أنه كان منافساً دولياً في ألعاب القوى خلال شبابه، قبل أن يتحوَّل اهتمامه لاحقاً إلى رياضات أخرى أبرزها كرة المضرب والغولف.

أيضاً، تكشف هذه الخلفية الرياضية جانباً مهماً من شخصيته. فالانضباط والمنافسة والسعي إلى تحقيق النتائج هي صفات يربطها كثيرون بمسيرته المهنية الطويلة في القطاع المالي. ثم إن رياضة الغولف لعبت دوراً يتجاوز الهواية الشخصية، إذ تحوَّلت إلى أحد «الجسور» التي جمعته بالرئيس ترمب، المعروف بشغفه بهذه الرياضة.

أما عائلياً، فعلى عكس كثير من الشخصيات العامة، يحرص عيسى على إبقاء حياته العائلية بعيداً عن الأضواء. والمعلومات المتوافرة عن زوجته وولديه محدودة للغاية، الأمر الذي يعكس رغبةً واضحةً في الفصل بين حياته الخاصة وعمله العام.

بين الجذور اللبنانية والمصالح الأميركية

في الواقع، يقف ميشال عيسى عند تقاطع مسارين متوازيين. الأول شخصي بدأ في أحياء بيروت وبلدة بسوس قبل أكثر من نصف قرن، والثاني سياسي ومهني قاده إلى قلب الإدارة الأميركية. وربما تكمن فرادة تجربته في الجمع بين هذين المسارين. فهو يعرف لبنان بعيون ابن البلد، لكنه يتحرَّك فيه بصفته ممثلاً للمصالح الأميركية. يفهم تعقيدات النظام اللبناني، لكنه مُكلَّف بتنفيذ سياسات تحددها واشنطن، لا بيروت.

وهنا يقول فؤاد مخزومي إن الرجل «واضح وجريء وشفاف. هو يريد لبنان، ونحن نراهن على أصوله اللبنانية وعلى ما يحاول أن يقوم به لأنَّه يؤدي بنا إلى لبنان أفضل. هو يبني علاقات جيدة مع الجميع، وهذا هو السبب في قوة السفير».

ويضيف: «لبنان موجود في مناطق توجد فيها إسرائيل من جهة وسوريا من جهة أخرى، ولديه الملف الفلسطيني. وهنا الوجود المسيحي المميز في المنطقة. هذه كلها تُشكِّل حالةً فريدةً، لكن إذا لم يكن هناك شخص ينقل الصورة إلى البيت الأبيض كما هو السفير عيسى فلن يتحقَّق ذلك. السفير عيسى يستطيع أن يتحدث مباشرة مع مَن يتخذون القرار في الولايات المتحدة، وهذا يعطينا نقطة قوة. ونستطيع أن نبني عليه من أجل الحصول على فهم أفضل في الولايات المتحدة للموقف اللبناني».


سفراء الولايات المتحدة لدى لبنان: دبلوماسيو المهمات الصعبة

ديفيد ساترفيلد (آ ب)
ديفيد ساترفيلد (آ ب)
TT

سفراء الولايات المتحدة لدى لبنان: دبلوماسيو المهمات الصعبة

ديفيد ساترفيلد (آ ب)
ديفيد ساترفيلد (آ ب)

راهنت الولايات المتحدة على لبنان نموذجاً ليبرالياً في ظل المد الشيوعي منذ الخمسينات. ولعب سفراؤها في بيروت أدواراً رئيسية في محطات بارزة من تاريخ لبنان الذي عاش الاضطراب كما الرخاء والاستقرار، وعاش الصراعات الخارجية على أرضه، ما اضطر الولايات المتحدة لإعادة التوازن في الاصطفافات الإقليمية التي كانت تفرض إيقاعها على الداخل.

العديد من السفراء تركوا بصمة واضحة في لبنان، بدءاً من مرحلة بعد الاستقلال، إثر انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، وحتى اليوم. وهنا نستعرض بعض السفراء في مراحل حساسة:

1- جورج وادسوورث

يُعد من أوائل رؤساء البعثة الأميركية في لبنان إبّان مرحلة الاستقلال، وكان شاهداً على ولادة العلاقات الدبلوماسية بين واشنطن ولبنان المستقل.

2- روبرت ماكلينتوك

وصل إلى بيروت في أعقاب «أزمة 1958» وإنزال قوات «المارينز» الأميركية في لبنان لدعم عهد الرئيس كميل شمعون. وهو يُعتبر من أبرز السفراء خلال مرحلة الحرب الباردة.

3- آرمن ماير

كان من أكثر السفراء الأميركيين نفوذاً خلال الستينات، وارتبط اسمه بعلاقات وثيقة مع الرئيس فؤاد شهاب إبّان مرحلة بناء مؤسسات الدولة اللبنانية.

4- فرانسيس إدوارد ميلوي

عُيّن سفيراً للولايات المتحدة في لبنان في مايو (أيار) 1976، وأثناء توجهه في موكب غير محمي أمنياً لمقابلة الرئيس اللبناني المنتخب إلياس سركيس وتقديم أوراق الاعتماد له، تعرّض موكبه للاختطاف في منطقة «الخط الأخضر» في بيروت. وعُثر على جثته مقتولاً بالرصاص مع المستشار الاقتصادي في السفارة روبرت وورينغ وسائقهما اللبناني في منطقة الرملة البيضاء. واتهمت «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» بالضلوع في اغتيالهم.

5- جون غنتر دين

شغل موقعه في الفترة بين عامي «1978 - 1981» في أخطر المراحل من الحرب الأهلية. وفي أغسطس (آب) 1980 نجا السفير دين من محاولة اغتيال في الحازمية (إحدى ضواحي بيروت). وسعى لفتح قنوات اتصال مع «منظمة التحرير الفلسطينية»، تمهيداً لإنهاء أزمة لبنان قبل الغزو الإسرائيلي في عام 1982.

6- روبرت ديلون

تولّى منصب سفير الولايات المتحدة لدى لبنان في الفترة ما بين 1981 و1983، وذلك في حقبة «التغييرات»، إذ شهدت حقبته الغزو الإسرائيلي وصولاً إلى بيروت، وإبعاد «منظمة التحرير الفلسطينية» من لبنان إلى تونس، وانتخاب الرئيس بشير الجميل ثم اغتياله، وتوقيع «اتفاقية 17 أيار» بين لبنان وإسرائيل. في تلك الحقبة، لعبت واشنطن دور الوسيط لإخراج «منظمة التحرير»، وأرسلت قوات «المارينز» ضمن قوة متعددة الجنسيات. لكن عام 1983 كان مفصلياً، فيوم 18 أبريل (نيسان) فجّر انتحاري شاحنة مفخّخة في مقر السفارة الأميركية بحي عين المريسة في بيروت، فقتل 63 شخصاً بينهم 17 أميركياً. وبعدها في أكتوبر (تشرين الأول) قتل 241 جندياً أميركياً في تفجير ثكنة «المارينز» قرب مطار بيروت، واتهم «حزب الله» و«الحرس الثوري الإيراني» بالضلوع في التفجيرين.

7- جون توماس ماكارثي

تولّى مهامه في واحدة من أخطر مراحل الحرب الأهلية اللبنانية خلال الصراع بين حكومتي العماد ميشال عون العسكرية، ورئيس الحكومة في بيروت الغربية سليم الحص. وكان من أبرز الوجوه الأميركية في مرحلة «اتفاق الطائف».

في عهده، غادر وطاقمه بيروت، ولم يستأنف العمل إلا يوم 29 نوفمبر (تشرين الثاني) 1990، عندما قدّم السفير رايان كروكر أوراق اعتماده، إيذاناً بمرحلة إعادة بناء العلاقة بعد «اتفاق الطائف» الذي أوقف الحرب اللبنانية.

8- ديفيد ساترفيلد

لعب دوراً بارزاً في ملفات الجنوب اللبناني والعلاقة الأميركية - السورية في نهاية عهد الرئيس السوري حافظ الأسد، وفي عهده انسحب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000.

جيفري فيلتمان (آ ف ب)

9- جيفري فيلتمان

ربما يكون فيلتمان الأكثر شهرة في الذاكرة السياسية اللبنانية الحديثة. تولّى منصبه خلال اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري، واندلاع «انتفاضة 14 آذار»، وخروج الجيش السوري من لبنان، و«حرب يوليو (تموز)» 2006. كان لاعباً أساسياً في السياسة الأميركية تجاه لبنان، ثم أصبح مساعداً لوزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى.

10- ميشيل سيسون

تابعت مرحلة ما بعد «اتفاق الدوحة» وصعود الانقسام السياسي بين فريقي «8 و14 آذار»، وتميّزت بعلاقات واسعة مع مختلف القوى اللبنانية.

11- مورا كونيللي

وصلت مع اندلاع الحرب السورية وتزايد انعكاساتها على لبنان، وشهدت بدايات الانخراط الأميركي المكثّف في دعم الجيش اللبناني.

12- دوروثي شيا

أصبحت من أكثر السفراء الأميركيين حضوراً في الإعلام اللبناني خلال مرحلة الانهيار المالي وانفجار مرفأ بيروت والصراع السياسي الداخلي.

13- ليزا جونسون

أدارت مرحلة الحرب بين إسرائيل و«حزب الله» بعد أحداث 2023، وكانت من أبرز الوجوه الأميركية في جهود التهدئة والاتصالات السياسية والعسكرية.