ماذا ينتظر مجموعة «البريكس» في حقبة دونالد ترمب؟

مع تفاوت الأولويات... ورواسب النزاعات المزمنة

صورة جامعة للقادة المشاركين في قمة "البريكس" الأخيرة بالبرازيل (بريكس برازيل)
صورة جامعة للقادة المشاركين في قمة "البريكس" الأخيرة بالبرازيل (بريكس برازيل)
TT

ماذا ينتظر مجموعة «البريكس» في حقبة دونالد ترمب؟

صورة جامعة للقادة المشاركين في قمة "البريكس" الأخيرة بالبرازيل (بريكس برازيل)
صورة جامعة للقادة المشاركين في قمة "البريكس" الأخيرة بالبرازيل (بريكس برازيل)

بينما تطرح علامات على مستقبل التجاذبات داخل مجموعة «البريكس»، ينشط رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي على صعيد العلاقات الخارجية، فخلال أقل من شهر، زار أكثر من ثماني دول مهمة، وحضر قمتين عالميتين بارزتين، هما قمة «مجموعة السبع»، وقمة «البريكس» التي تضم كلاً من الصين، والهند، وروسيا، والبرازيل وجنوب أفريقيا. ومن جهة ثانية، دار لغط كبير حول تغيب كل من الرئيسين الصيني شي جينبينغ والروسي فلاديمير بوتين عن قمة «البريكس»، التي استضافتها البرازيل.

فلاديمير بوتين (رويترز)

اختتم رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي حديثاً أطول جولة خارجية له على الإطلاق، شملت خمس دول في غضون ثمانية أيام، في نطاق فتح آفاق جديدة، وإنعاش شراكات قديمة، وتشكيل تحالفات قوية. إذ إنه في وقت سابق من يونيو (حزيران)، وفي طريقه لحضور قمة «مجموعة السبع» في كندا، زار قبرص ثم كرواتيا. وأخيراً، زار كلاً من غانا، وترينيداد وتوباغو، والأرجنتين، والبرازيل وناميبيا.

تعزيز دور الهند

يرى محللون هنود أن زيارات مودي «صُممت» بشكل استراتيجي، ليس فقط لتعزيز العلاقات الثنائية، بل وكذلك لتعزيز دور نيودلهي على صعيد الحوكمة العالمية، لا سيما في ظل توتر علاقات الهند مع الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين إثر «عملية سِندور» (التصعيد العسكري مع باكستان المجاورة في مايو/أيار).

إذ قال المحلل السياسي سانجاي ديكسيت: «الهند شعرت بالعزلة بعد الصفعة الخلفية التي تلقتها من واشنطن وحلفاء مجموعة (الكواد)، أو ما يعرف باسم (الحوار الأمني الرباعي) والدول الغربية الأخرى، وذلك عقب مقتل 26 سائحاً هندياً بدوافع دينية في منطقة باهالغام بكشمير الهندية، والرد الهندي الذي استهدف معسكرات إرهابية عبر الحدود في باكستان؛ ما أدى إلى تصعيد عسكري بين البلدين».

وعلى صعيد متصل، لاحظ متابعون أن رئيس الوزراء الهندي أحدث «هزة جيوسياسية كبيرة» عندما «تجرّأ» على رفض دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترمب - عبر حوار هاتفي - لعقد لقاء ثنائي توقفه في طريق عودته من قمة «مجموعة السبع» في كندا. وبدلاً من الاجتماع بترمب، توجّه مودي إلى كرواتيا. وبالمناسبة، كانت تلك المرة الأولى التي يتكلم فيها مودي وترمب بعد أربعة أيام من «عملية سندور».

أيضاً، كان من المقرّر أن يلتقي الزعيمان على هامش قمة «مجموعة السبع»، لكن اللقاء لم يعقد بعدما قرّر ترمب اختصار زيارته، بسبب تصاعد التوتر بين إسرائيل وإيران.

ملامح مرحلة صعبة؟

في الواقع، بدأت ملامح تصدّع في العلاقات الهندية - الأميركية تظهر، إثر تصريح لترمب ادعى فيه لنفسه الفضل في وقف إطلاق النار بين الهند وباكستان، إبان التصعيد العسكري الأخير. إذ قال إنه استخدم «التجارة» للوصول إلى تفاهم بين الطرفين، وأثار هذا الكلام قلقاً بالغاً داخل دوائر نيودلهي، حول وضع العلاقات الثنائية.

وأيضاً، تعرّضت نيودلهي لخيبة أمل ثقيلة، عندما استضاف ترمب الجنرال عاصم منير، رئيس أركان الجيش الباكستاني، على غداء في البيت الأبيض. ومع أن اللقاء لم يُسفر عن نتائج جوهرية، فإنه في ظاهره أثار استياءً هندياً كبيراً. ودفع عدداً من المحللين والمعلقين السياسيين الهنود إلى القول إن تصريحات ترمب وأفعاله تُؤشر إلى «العودة إلى سياسة الربط الأميركية المقيتة». والقصد هنا ربط الهند وباكستان في تعاملاتها مع «الجارتين» المتناحرتين. وحقاً كانت هذه السياسة قد هيمنت على توجهات واشنطن إزاء شبه القارة الهندية خلال معظم فترة «الحرب الباردة».

في هذا السياق، أوضح المفكر والكاتب الصحافي الهندي كامليش سينغ، أنه «لطالما جرى تسويق العلاقات الهندية ـ الأميركية داخل الهند باعتبارها صداقة جيوسياسية، وتحالفاً عظيماً بين نظامين ديمقراطيين، وحصناً منيعاً بمواجهة الصين الاستبدادية، وتحالفاً تجارياً محتملاً. بعد ذلك، جاء دونالد ترمب، الذي يتّسم بتقلباته الشديدة. والآن، جاء الدور على الهند».

سينغ قال إن تصريحات ترمب «غير المدروسة» أزعجت نيودلهي، وأثارت حفيظة دبلوماسييها، بجانب أنها أعاقت جهود إبرام اتفاقية التجارة الهندية - الأميركية المأمولة. وشرح الكاتب الهندي أن ترمب «استغل التجارة وسيلةَ ضغط، فصوّر الهند على أنها خصم ضعيف؛ ما قوض صورة مودي كمفاوض صلب. واليوم، يخشى المسؤولون الهنود المتخوّفون من سياسات ترمب الحمائية، أن يطلب تنازلات من نيودلهي كي يتفاخر ببراعته في إبرام الصفقات».

واستطرد: «واضح أن ترمب أضفى عنصراً من انعدام الثقة على الشراكة الهندية - الأميركية، في حين أنه إذا أرادت واشنطن أن تكون الهند قوةً موازنةً موثوقةً للصين، كان عليها التخلي عن التمثيل، وإظهار الاحترام لحليفتها الهند. وجنباً إلى جنب، على نيودلهي تأكيد استقلاليتها، مع الضغط على واشنطن».

مكالمة الـ35 دقيقة

عودةً إلى مكالمة ترمب - مودي الهاتفية، فإنها استغرقت نحو 35 دقيقة. وفيها أبلغ مودي ترمب أن الهند وباكستان أوقفتا عملياتهما العسكرية (الشهر الماضي) عقب مباحثات مباشرة بين جيشيهما من دون أي وساطة من الولايات المتحدة، منتقداً رواية الرئيس الأميركي بأنه توسط في وقف إطلاق النار.

وأكد مودي، من ثم، بحزم أن الهند لا تقبل ولن تقبل أبداً الوساطة، وأن المناقشات بين الجيشين الهندي والباكستاني بشأن وقف العمليات العسكرية، بدأت بناءً على طلب إسلام آباد، في خطوة دبلوماسية كبيرة، تولى أمين الخارجية الهندي، فيكرام ميسري، إطلاع وسائل الإعلام عليها من كندا عندما تلقى مودي المكالمة في أثناء حضوره اجتماع «مجموعة السبع».

... ورفض عرض ترمب

أما عن رفض الزعيم الهندي دعوة الرئيس الأميركي، فقال المحلل الهندي سوشانت سارين، إنه «لو قبل مودي عرض ترمب، لكان الجدول الزمني قد دفعه إلى الوجود في واشنطن؛ ما جعل تناول الإفطار أو الاجتماع المبكر مع ترمب سيناريو محتملاً... ليتبعه بعد ساعات قليلة غداء قائد الجيش الباكستاني في البيت الأبيض». وأردف سارين: «مثل هذه الصورة (مع لقاء ترمب بكل من رئيس الوزراء الهندي وقائد الجيش الباكستاني في اليوم ذاته) كانت ستكون غير مستساغة دبلوماسياً لدى نيودلهي». ومعروف أنه لطالما سعت الهند إلى فصل نفسها عن باكستان على صعيد الدبلوماسية الدولية.

علاوة على ذلك، لدى نيودلهي «أسباب استراتيجية» تدعوها إلى تأجيل أي تواصل جديد مع الرئيس الأميركي راهناً. إذ سبق لمودي أن زار واشنطن في وقت سابق من هذا العام؛ لتهنئة ترمب على عودته إلى سدة الرئاسة. ومع قرب انعقاد القمة المقبلة لتحالف «الكواد» - والتي قد تكون على الأراضي الهندية - تفضل نيودلهي أن يُعقد اللقاء المقبل الرفيع المستوى بين الزعيمين على أرضها؛ تأكيداً على مكانتها كشريك محوري في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

من جهتها، قرّرت واشنطن تمديد تعليق رسومها الجمركية المتبادلة مع الهند حتى مطلع أغسطس (آب)، في خطوة فسّرها المراقبون بأنها إشارة على جهوزية واشنطن للحوار. وما يلفت أن الهند لم تُدرج ضمن قائمة الدول التي تلقت إشعارات رسمية بفرض رسوم جمركية جديدة عليها من إدارة ترمب، هذا الأسبوع.

في أي حال، تسعى الهند والولايات المتحدة للوصول إلى اتفاق تجاري ثنائي شامل، على أن يجري إنجاز المرحلة الأولى منه بحلول الخريف (سبتمبر/أيلول - أكتوبر/تشرين الأول). وقبيل ذلك، يعمل الطرفان على إبرام اتفاق مرحلي مؤقت لتسوية بعض النقاط العالقة. وقال مصدر ضمن فريق التفاوض: «الهند أقرَّت خطوطها الحمراء... والكرة الآن في ملعب الولايات المتحدة». في حين شدد بيوش غويال، وزير التجارة والصناعة الهندي، على أن «الهند متمسكة بموقفها تجاه الإعفاءات الجمركية للمنتجات الزراعية ومنتجات الألبان الأميركية، بالنظر إلى حساسيتها داخل السوق الهندية».

وهنا تجدر الإشارة إلى أن واشنطن تُعدّ أكبر شريك تجاري للهند منذ عام 2021 - 2022، وبلغ حجم التجارة في السلع بين البلدين عام 2024 - 2025 نحو 131.84 مليار دولار.

لدى الهند «أسباب استراتيجية» تدعوها لتأجيل تواصلها مع ترمب

تغيّب شي وبوتين

على صعيد آخر، كما هو معروف، عُقدت أخيراً قمة «البريكس» السابعة عشرة، في مدينة ريو دي جانيرو البرازيلية، بمشاركة قادة الدول الناشئة الكبرى، لكن بغياب زعيمين قويين فيها، هما الرئيس الصيني شي جينبينغ والرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

سبب تغيب الرئيس الروسي بوتين الذي اكتفى بالانضمام عبر رابط فيديو، معروف. فهو يواجه مذكرة توقيف صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية، والبرازيل دولة موقّعة على النظام الأساسي للمحكمة.

شي جينبينغ (آ ف ب/غيتي)

أما بما يخصّ شي (72 سنة)، الذي استخدم «البريكس» لإعادة تشكيل توازن القوى دولياً، فتعدّ هذه المرة الأولى التي يغيب فيها عن قمة للمجموعة منذ توليه السلطة عام 2012. ولقد تمثلت بكين برئيس الوزراء لي تشيانغ، من دون تقديم أي تبرير رسمي سوى «تعارض المواعيد».

غياب شي جاء في وقت حرج، مع مناقشة «البريكس» (التي يختصر اسمها الحروف الأولى من أسماء الأعضاء الأوائل: البرازيل، وروسيا، والهند، والصين وجنوب إفريقيا)، سبل تعزيز التعاون في خضم ما تصفه الدول الأعضاء بمخاوف جدية بشأن الهيمنة الغربية. والجدير بالذكر، أن الصين، تعتبر الركيزة الاقتصادية للمجموعة؛ إذ وتُمثل نحو 60 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي الاسمي لدولها، كما تُعدّ أكبر شريك تجاري لمعظم الدول الأعضاء.

الصين لم تُوضح علناً سبب غياب رئيسها عن قمة «البريكس». لكن تقريراً نشرته صحيفة «ساوث تشاينا مورنينغ بوست»، نقلاً عن مصادر دبلوماسية، تكلم عن «تضارب في المواعيد»، إضافة إلى حقيقة أن شي والرئيس البرازيلي لويس إيناسيو «لولا» دا سيلفا كانا قد التقيا مرتين خلال العام الماضي. إذ أجرى الزعيمان مباحثات في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 خلال قمة «مجموعة العشرين» في البرازيل، ومرة أخرى في مايو (أيار) من هذا العام، إبان زيارة «لولا» الرسمية لبكين.

 

تحديات وخلافات مصلحية وفكرية داخل «البريكس»

ذكرت بعض التقارير الإعلامية البرازيلية أن الدعوة الخاصة الموجهة لرئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، ربما تكون قد دفعت الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى التغيب عن حضور القمة. ولقد لاحظ مراقبون أن لـ«ديناميكية» مودي – «لولا» دوراً حاسماً في قمة «البريكس»، ناهيك من تكريم البرازيل مودي بأعلى وسام في البلاد، وأعرب «لولا» عن تضامنه مع الهند بشأن مخاوف الأمن الوطني. وبالفعل، يرى مراقبون أن العلاقات الدفاعية الثنائية تبدو واعدة، وستكون محوراً رئيساً للمناقشات بين الزعيمين. ولقد أبدت البرازيل اهتماماً بالغاً بمنصات الدفاع الهندية الصنع، مثل نظام «أكاش» للدفاع الجوي، الذي نال تقديراً كبيراً بعد نشره خلال «عملية سيندور»، عندما صدت الهند هجوماً منسقاً بطائرات مسيَّرة وصواريخ من باكستان. من جهته، صرّح تشونغ جا إيان، الأستاذ المشارك في جامعة سنغافورة الوطنية، لشبكة «سي إن إن» بأنه «نظراً إلى أهمية الصين لمجموعة (البريكس)، فإن قرار شي بالتغيب يضر بالقمة... لا شك في ذلك». وأردف أن المجموعة قد لا تكون الآن «الأولوية الكبرى» للرئيس الصيني؛ إذ يركز جلّ اهتمامه على توجيه الاقتصاد المحلي للصين. وتابع أن بكين قد لا تتوقع أي تقدم يُذكر في قمة هذا العام. من جهة ثانية، توقف محللون أمام تهدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بفرض رسوم جمركية إضافية على أي دولة تدعم السياسات «المعادية لأميركا» في مجموعة «البريكس». ويذكر أن ترمب عبر موقع «تروث سوشيال» كتب: «أي دولة تؤيد سياسات (البريكس) المعادية لأميركا، ستُفرض عليها رسوم جمركية إضافية بنسبة 10 في المائة، ولن تكون هناك استثناءات لهذه السياسة». وعلى هذا الكلام «التهديدي» الصريح، علق الرئيس البرازيلي «لولا» في ختام قمة «البريكس»، قائلاً: «لقد تغيّر العالم. نحن لا نريد إمبراطوراً. هذه (مجموعة البريكس) عبارة عن مجموعة من الدول التي تسعى لإيجاد طريقة أخرى لتنظيم العالم من منظور اقتصادي. أعتقد أن هذا سبب انزعاج الناس من (البريكس)». ولكن، بينما دفع بعض الخبراء بأن مكانة واشنطن، باعتبارها قوة عظمى بارزة، قد انتهت، وأن التحوّل إلى عالم متعدد الأقطاب قد بدأ بالفعل، أثار بعض المحللين السياسيين شكوكاً حول فقدان «البريكس» قيمها الآيديولوجية بسبب توسعها السريع. إذ في خضم هذه العملية، أضعفت المجموعة تماسكها ككيان يقدم بديلاً آيديولوجياً للرأسمالية الغربية. الصين، الآن تقف بحزم إلى جانب روسيا في طرح بدائل للدولار والمؤسسات التي يقودها الغرب. بينما خفف الحذر من جانب أعضاء رئيسين آخرين في «البريكس»، مثل الهند والبرازيل، من التقدم مع إبداء تحفظات بشأن الجوانب العملية والآثار الجيوسياسية. إضافة إلى ذلك، أن البرازيل شددت على ضرورة «تجنب استعداء الشركاء الغربيين». في الوقت عينه، تواصل الهند اتباع نهج استراتيجي حذر، وتتعاون مع «البريكس» بالتوازي مع عملها على تعميق علاقاتها مع الولايات المتحدة و«مجموعة الدول السبع المتقدمة». وأخيراً، ينبّه عدد من المحللين من أن الخلاف داخل «البريكس» قد يزداد عمقاً مع نمو الكتلة، وتنوعها قد يبطئ التوافق ويزيد جهود التقدم تعقيداً.


مقالات ذات صلة

مصر تُروج لفرصها الاستثمارية والاستفادة من التوسع الهندي نحو أفريقيا

شمال افريقيا وزير الخارجية المصري يلتقي وزير التجارة والصناعة الهندي على هامش اجتماع وزراء خارجية بريكس (الخارجية المصرية)

مصر تُروج لفرصها الاستثمارية والاستفادة من التوسع الهندي نحو أفريقيا

روجت مصر لفرصها الاستثمارية خلال لقاءات عقدها وزير الخارجية بدر العاطي، مع وزير التجارة والصناعة الهندي وعدد من الشركات.

محمد محمود (القاهرة)
آسيا صورة جماعية خلال اجتماع وزراء خارجية دول البريكس في بهارات ماندابام في نيودلهي (رويترز)

انتهاء محادثات مجموعة «بريكس» دون إصدار بيان مشترك

لم ينجح وزراء خارجية من دول مجموعة «بريكس» في إصدار بيان مشترك اليوم الجمعة عقب اجتماع استمر يومين في نيودلهي.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
الخليج المهندس وليد الخريجي متحدثاً خلال اجتماع وزراء خارجية دول «بريكس» في نيودلهي (الخارجية السعودية)

تأكيد سعودي على أهمية الحوار لدعم جهود تعزيز الاستقرار الإقليمي

جدَّدت السعودية تأكيدها على أهمية استمرار الحوار بين جميع الأطراف المعنية، بما في ذلك دول «بريكس»؛ دعماً للجهود الرامية إلى تعزيز الاستقرار والأمن الإقليميين.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
شؤون إقليمية وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يحضر اجتماع وزراء خارجية دول مجموعة «بريكس» في قاعة «بهارات ماندابام» في نيودلهي الخميس (رويترز)

إيران تحث دول «بريكس» على التنديد بالحرب

دعا وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الخميس، الدول الأعضاء في مجموعة «بريكس» إلى التنديد بما وصفه بانتهاكات الولايات المتحدة وإسرائيل للقانون الدولي.

«الشرق الأوسط» (لندن - نيودلهي)
أميركا اللاتينية الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا (يمين) والرئيس الفنزويلي المخلوع نيكولاس مادورو خلال لقاء في عام 2023 (رويترز) p-circle

لولا: تتعين محاكمة مادورو في فنزويلا وليس خارجها

قال الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، الجمعة، إن الرئيس الفنزويلي المخلوع نيكولاس مادورو يجب أن يُحاكم في بلده، وليس خارجها.

«الشرق الأوسط» (برازيليا)

واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
TT

واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)

لم تعد المواجهة الأميركية - الإيرانية تدور عند هامش الهدنة، أو في منطقة الالتباس بين الحرب والتفاوض؛ فمع الضربات الجوية الأميركية، دخلت الأزمة طور «التفاوض تحت النار»؛ إذ نفّذ الرئيس الأميركي دونالد ترمب تهديداته بعدما اتهم طهران بالمماطلة و«اللعب على الوقت»، وأمر بموجة ضربات على أهداف في جنوب إيران، شملت، بحسب مسؤولين أميركيين، منظومات دفاع جوي ورادارات ووحدات قيادة وسيطرة للطائرات المسيّرة. كذلك، لم تعد واشنطن تعرض القوة باعتبارها رداً محدوداً على إسقاط مروحية «أباتشي» أميركية قرب مضيق هرمز فحسب، بل كأداة ضغط لإجبار إيران على القبول باتفاق بشروط أميركية. وبهذا المعنى، انتقلت إدارة ترمب من الردع الدفاعي إلى «الدبلوماسية القسرية» المكشوفة. وتصريحات وزير الدفاع بيت هيغسيث، بأن واشنطن «ستفاوض بالقنابل إذا لزم الأمر»، أوضحت الهدف السياسي من الضربات. لكن المفارقة الخطرة أن استخدام القوة لتقصير طريق الاتفاق قد يدفع طهران إلى رد يوسّع الاشتباك، ويفتح الباب أمام حرب تقول واشنطن إنها لا تريدها.

بدأ التصعيد الأخير في «الحرب الإيرانية - الأميركية - الإسرائيلية» بردّ أميركي على إسقاط مروحية من نوع «أباتشي» في منطقة مضيق هرمز. وفي حينه بدت الضربات الأولى محسوبة: استهداف رادارات ومنظومات دفاعية ومواقع تحكّم، مع الحرص على تجنب سقوط قتلى إيرانيين يفرضون على طهران ردّاً أكبر. إلا أن موجة الأربعاء غيّرت المعنى السياسي والعسكري للعملية. ذلك أن الضربة الثانية لم تُقدَّم فقط بوصفها انتقاماً من حادث بعينه، بل كجزء من قرار أميركي بزيادة الكلفة على إيران كلما تأخرت في توقيع اتفاق.

أكبر من رسالة وأقل من حرب

هذا التدرّج يشرح حسابات ترمب، أي: ضربات كبيرة بما يكفي لإيصال رسالة، ومحدودة بما يكفي لتجنب حرب شاملة.

إنه يريد إثبات أن تهديداته ليست كلاماً انتخابياً، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام صفقة. غير أن المعادلة باتت أكثر هشاشة، بعدما تحوّلت التهديدات إلى ضربات مباشرة داخل أراضٍ إيرانية حساسة بجنوب البلاد وقرب مضيق هرمز.

فرزين نديمي، الباحث المتخصص في شؤون الأمن والدفاع في إيران ومنطقة الخليج في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى»، رأى في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن الطرفين يحاولان في هذه المرحلة «فرض إرادتيهما ووضع القواعد». وهنا لا يستبعد نديمي كلياً أن يكون اصطدام المسيّرة الإيرانية بالمروحية الأميركية حادثاً غير مقصود، لكنه يقرأ السلوك الإيراني في سياقه الأوسع، أي أنه محاولة لإظهار مَن يملك اليد العليا في المضيق، والتدخل في العمليات الأميركية، واختبار حدود الردع الأميركي. ولذا، في رأيه، جاء رد ترمب السريع على أهداف عسكرية داخل إيران لإفهام طهران أن العبث بحرية الحركة الأميركية في الخليج لن يبقى بلا ثمن.

في المقابل، تدرك واشنطن أن مقتل جنود أميركيين أو إصابة منشآت خليجية كبرى قد يخرج الأزمة من دائرة «الضغط من أجل الاتفاق» إلى دائرة الحرب. ولهذا فإن عبارة «الضرب من أجل التفاوض» لا تلغي خطر الانزلاق، بل تكشف عنه. فالقوة هنا محاولة لإعادة ترتيب الطاولة قبل الجلوس إليها، لكن الطرف الآخر قد يردّ على الطاولة نفسها بالقوة أيضاً.

ربط الساحات

في خلفية التصعيد، تواصل إيران العمل بمنطق «ربط الساحات». وهي اليوم لا تتعامل مع مضيق هرمز، والملف النووي، ولبنان، وإسرائيل، والقواعد الأميركية كملفات منفصلة، بل تحاول تحويلها إلى أوراق داخل مساومة واحدة مع واشنطن: فإذا ضُغط عليها نووياً، لوّحت بالملاحة؛ وإذا استُنزف «حزب الله» في لبنان، أمكنها التصعيد ضد إسرائيل أو في الخليج؛ وإذا طُلبت منها تنازلات قاسية، حضرت ورقة القواعد الأميركية والسفن ومنشآت النفط.

نديمي، بالتالي، يضع المسألة في إطارها السياسي الأوضح. فهو يقول إن النظام الإيراني يريد إدخال لبنان، أو على الأقل بيروت وضواحيها، في أي «صفقة» مع الولايات المتحدة، لكنه يستبعد قبول إسرائيل بذلك. وبحسب هذه القراءة، لا يقتصر «ربط الساحات» على تحريك حلفاء أو إطلاق صواريخ، بل يشمل أيضاً استخدام خطر اشتعال الجبهة الإيرانية - الإسرائيلية، وتهديد المضيق والقواعد الأميركية، من أجل منع إسرائيل من استكمال تقويض «حزب الله» في لبنان، ومنع الدولة اللبنانية من احتكار القرارين الأمني والعسكري.

لكن هذه الاستراتيجية تعكس القدرة على التعطيل أكثر مما تعكس قدرة على فرض تسوية مستقرة؛ فإيران تستطيع إرباك الملاحة، لكنها لا تتحمل إغلاقاً طويلاً للمضيق من دون رد عسكري واقتصادي واسع. وهي تستطيع أيضاً استخدام «حزب الله» كورقة ردع، لكنها لا تستطيع بسهولة إعادة بناء موقعه السابق بعد الحرب والضربات الإسرائيلية والضغط الأميركي. ثم إن تفوّق الولايات المتحدة وإسرائيل الجوي والاستخباراتي يجعل كلفة المواجهة المفتوحة باهظة.

لا تتعامل واشنطن مع هرمز والنووي ولبنان وإسرائيل والقواعد الأميركية كملفات منفصلة

مضيق هرمز: ورقة الضغط الأخطر

يبقى مضيق هرمز قلب الأزمة. فإسقاط المروحية الأميركية، والحديث عن مضايقة السفن، والضربات على الرادارات والدفاعات الجوية في الجنوب الإيراني، عناصر تؤكد أن الصراع على المضيق صار أحد مفاتيح التفاوض.

واشنطن تريد تثبيت أن المرور في هذا الشريان العالمي لن يخضع لإذن إيراني، وأن أي محاولة لفرض «رسوم سياسية» أو أمنية على الملاحة ستواجه بالقوة. أما إيران فتريد إثبات أن أي اتفاق يتجاهل قدرتها على التأثير في المضيق سيكون اتفاقاً ناقصاً.

وتنسجم هذه القراءة مع ما يقوله نديمي عن أن طهران لا تختبر فقط قدرة واشنطن على الرد، بل تختبر أيضاً مدى استعدادها لفرض قواعد اشتباك جديدة في الممر البحري الأكثر حساسية في العالم. وهي مع محاولة إظهار اليد العليا في المضيق لا تهدف فقط إلى إحراج الجيش الأميركي، بل إلى تثبيت فكرة أن أي تفاهم حول النووي أو العقوبات أو خفض التصعيد لا يمكن أن يتجاهل موقع إيران الجغرافي وقدرتها على تهديد خطوط الطاقة.

هذه النقطة تكتسب أهمية أكبر بعد كشف ترمب عن عمليات أميركية لمرافقة سفن تجارية عبر المضيق، وكلامه عن استمرار تدفق كميات كبيرة من النفط على الرغم من التهديدات الإيرانية. وحتى لو بالغ في تصوير العملية باعتبارها «سرية»، تظل الرسالة السياسية واضحة وهي واشنطن تريد كسر الانطباع بأن إيران تستطيع خنق السوق النفطية العالمية متى شاءت. فاضطراب التأمين والشحن يمنح طهران ورقة ضغط، بينما نجاح واشنطن في تأمين المرور يضعفها.

... لبنان داخل «الصفقة الكبرى»

وسط هذه المواجهة، لا يغيب لبنان عن الحسابات الإيرانية والأميركية والإسرائيلية. فإيران تنظر إلى «حزب الله» باعتباره آخر أوراق نفوذها الكبرى في المشرق، وأي تسوية لا تحمي موقعه أو تمنع استكمال إضعافه ستُقرأ في طهران كهزيمة استراتيجية. لذا تحاول إيران، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إدخال لبنان في أي تفاهم مع واشنطن، أو على الأقل منع إسرائيل من استثمار اللحظة لإعادة رسم ميزان القوى جنوب لبنان.

في المقابل، لا تريد واشنطن أن تتحوّل المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية إلى رهينة إيرانية. ويشرح ديفيد شينكر، نائب وزير الخارجية الأميركي الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، أن إدارة ترمب تدرك مخاوف الحكومة اللبنانية من مواجهة مباشرة مع «حزب الله»، لذلك تدفع بخطة تقلل احتمالات الصدام تتضمن نشر وحدات الجيش اللبناني في مناطق تكون إسرائيل قد أخلتها من عناصر الحزب ومخازنه، ثم تتولى منع عودة المقاتلين والسلاح إليها. ويضيف شينكر أن عودة السكان، وبالذات الشيعة، قد تمنح الحكومة رصيداً إذا نجحت في تأمين المناطق. لكنه يحذّر من أن «حزب الله» سيختبر الجيش ويحاول إعادة بناء حضوره، وأن الخطة ستفشل ما لم يتخذ الجيش خطوات فعلية لمنع ذلك.

هنا تدخل العقوبات الأميركية كأداة ضغط موازية للضغط العسكري في الخليج. وبحسب شينكر، فإن صدور عقوبات جديدة مسألة «شبه مضمونة»، وأن استهداف معاوني رئيس مجلس النواب نبيه برّي الأمنيين «كان رسالة بأنه نفسه سيحاسَب إذا عرقل المسارين السياسي والعسكري بين لبنان وإسرائيل». أما العقوبات على ضباط في الأمن العام واستخبارات الجيش، فهي في رأيه أهم؛ لأنها تستهدف نمطاً قديماً من التنسيق والتسريب والتعايش بين مؤسسات أمنية لبنانية و«حزب الله». وبالتالي، فالرسالة الأميركية ليست موجهة إلى الحزب وحده، بل أيضاً إلى بنية الدولة التي سمحت له بالبقاء داخل القرار الأمني.

عقدة «النووي» والصفقة الناقصة

في سياق متصل، في قلب التصعيد كله، تبقى المفاوضات النووية. فواشنطن لا تريد تهدئة عسكرية فقط، بل «اتفاقاً ذا معنى»، كما قال ترمب، يقيّد البرنامج النووي الإيراني لسنوات.

الملفات المطروحة معقدة: تعليق التخصيب، التعامل مع مخزون اليورانيوم المخصب، تعطيل أو تفكيك منشآت رئيسية، وقبول تفتيش مفاجئ. وهذه ليست تنازلات تقنية بسيطة، بل تمسّ ما تعدّه إيران سيادة وطنية ورمزاً لقدرتها على تحدي الضغوط الغربية.

لذلك، تبدو طهران مترددة. فهي تريد تخفيف العقوبات والإفراج عن الأموال المجمّدة والاعتراف بدورها الإقليمي، لكنها لا تريد الظهور كأنها وقّعت تحت القصف.

ثم إنها تخشى من أن يؤدي اتفاق نووي صارم إلى تقليص أوراق قوتها من دون ضمانات لبقاء نفوذها الإقليمي. لكن مغادرة الوفد القطري المفاوض للعاصمة طهران، مساء الأربعاء، من دون تحقيق أي خرق دبلوماسي، أكدت أن الفجوة لا تزال عميقة. وفي المقابل، يعتقد ترمب أن الوقت الذي منحته واشنطن لإيران استُهلك بلا نتيجة، وأن الضربات قد تكسر المراوحة وتدفع طهران إلى قرار سريع.

الدبلوماسي الأميركي المخضرم دينيس روس رأى في مقالة رأي أن لجوء ترمب لسياسات الضغط القصوى دفع القادة الإيرانيين إلى الشعور بأنه ليس لديهم ما يخسرونه، فاستخدموا أوراقاً قصوى كتعطيل الملاحة. لكن روس يشدد على أن الاقتصاد الإيراني بات على حافة الانهيار، وأن تدمير الرادارات والدفاعات الجوية وشبكات المياه - كما حدث في مقاطعة سيريك الإيرانية - يعمّق أزمات النظام الداخلية.

ويضيف روس أن «الخطر الأكبر ليس في انهيار المفاوضات فقط، بل في التوصل إلى صفقة ناقصة». فقد ينجح الطرفان في وقف الضربات وفتح المضيق وتجميد بعض عناصر البرنامج النووي، لكن من دون معالجة آليات التصعيد الأخرى، مثل: المضايقات البحرية، ونشاط «حزب الله» في لبنان، وحرية إسرائيل في تنفيذ ضربات ضد أهداف إيرانية أو حليفة لإيران. عندها لن تنتهي الحرب، بل سيعاد تنظيمها في اشتباكات محسوبة قابلة للانفجار في أي لحظة.

أيضاً فإن تخفيفاً اقتصادياً واسعاً وغير مشروط للعقوبات قد يمنح النظام الإيراني فرصة لإعادة ترميم قدراته وشبكاته الإقليمية، بينما قد يدفعه الضغط بلا أفق سياسي إلى تصعيد أوسع. لذلك تبدو واشنطن أمام توازن بالغ الدقة: أن تقدم لإيران مخرجاً لا يبدو إنقاذاً مجانياً، وأن تفرض قيوداً لا تجعل التوقيع مستحيلاً، وأن تردع من دون أن تنزلق إلى حرب لا تريدها.


أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)

على الرغم من حدة الاشتباكات الميدانية، فقد كشفت التقارير الدبلوماسية عن أن خلف الكواليس تستمر مفاوضات صاغ فيها مساعدو الرئيس ترمب مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الخطوط العريضة لاتفاق نووي محتمل مدته 15 سنة، يتجاوز مجرد تأمين حرية الملاحة في مضيق هرمز المغلق منذ ما يزيد على 100 يوم. وبحسب صحيفة الـ«نيويورك تايمز»، الخلاصات الأساسية لهذه المفاوضات المعقدة، تتمحور حول أربعة ملفات شائكة:

- مدة تعليق التخصيب: تطالب واشنطن بوقف كامل لتخصيب اليورانيوم لمدة لا تقل عن 20 عاماً، في حين تصر طهران على 10 سنوات، مع وجود مؤشرات على إمكانية التسوية عند 15 عاماً.

- مصير المخزون المخصب: تسعى الولايات المتحدة بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية لـ«تخفيف» كامل المخزون الإيراني البالغ 11 طناً (بما في ذلك الوقود القريب من درجة إنتاج الأسلحة)، وسط خلاف حول ما إذا كان التدمير سيجري محلياً أم بنقله خارج البلاد.

- تفكيك المنشآت الحصينة: تصرّ واشنطن على التفكيك التام لمواقع نطنز وفوردو وأصفهان، التي تضررت سابقاً في ضربات «مطرقة منتصف الليل»، بينما ترفض إيران التخلي عما تسميه «حق التخصيب» وتطالب بالإبقاء على منشأة واحدة مفتوحة.

- التفتيش الفجائي والصارم: يطالب الجانب الأميركي بمنح المفتشين الدوليين صلاحية الدخول «في أي وقت وإلى أي مكان»، وهو ما يواجه ممانعة إيرانية شديدة؛ نظراً لوجود العديد من المواقع المشتبه بها داخل القواعد العسكرية المغلقة التابعة لـ«الحرس الثوري».

وتُظهر الخلاصات أن أي اتفاق نووي مستقبلي - رغم أفضليته الفنية مقارنة باتفاق عام 2015 - سيبقى رهينة لمدى التزام النظام الإيراني على أرض الواقع، وقدرته على كبح جماح التيار المتشدد داخل «الحرس الثوري»، الذي يرى في هذه الشروط استسلاماً كاملاً. وهو ما يفسر لجوء طهران لرفع وتيرة التصعيد العسكري كأداة لتحسين شروط التفاوض هرباً من تقديم تنازلات استراتيجية تمس جوهر بقاء النظام ونفوذه الإقليمي.


عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
TT

عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم

في أحد أحياء العاصمة الصومالية مقديشو ووسط أجواء حرب أهلية، أبصر عمر أرتان النور يوم يونيو (حزيران) 1992، ليشق طريقه وسط ظروف قاسية نحو عالم كرة القدم. لم يكن نجماً يطارد الأهداف؛ بل كان حكماً حمل الصافرة ليصبح وجهاً صومالياً بارزاً في الملاعب الأفريقية. وبعد 34 سنة وبالشهر ذاته، يونيو 2026، كاد أرتان يولد من جديد ويدخل منصة الكبار عبر حلم «المونديال» بالمشاركة في نهائيات كأس العالم التي انطلقت الخميس، لولا «كارت أحمر» أصدرته واشنطن ضده في مطار ميامي الأميركي، بزعم «تطبيق قانون يمنع دخول جنسيات من بينها الصومال». وهكذا تحوّل عمر إلى «أيقونة عالمية»، وتصدّر اسمه النشرات الإخبارية وسط مواقف دعم من مختلف البلدان، واستقبلته بلاده استقبال الملوك في احتفال غير مسبوق، وتقدّم المستقبلين الرئيس حسن شيخ محمود.

في مسيرة الـ34 سنة، نجاحات عديدة خطّها عمر عبد القادر أرتان، الحاصل على بكالوريوس في التنمية. وفي دولة أنهكتها الحرب الأهلية، يواجه كثيرون تحدّيات جمة في رسم مستقبل ناجح، ولكن كان لأرتان رأي آخر تكشفه الأرقام؛ إذ سرعان ما حصل على الشارة الدولية في عام 2018، وأدرج رسمياً في قائمة حكام «الفيفا» (الاتحاد الدولي لكرة القدم) الدوليين بعد سنتين فقط من حصوله على فرصة التحكيم في دوري الدرجة الأولى الصومالي عام 2016، و4 سنوات من ولوجه تدريبات التحكيم الرياضي عام 2014، وبدء إدارة الدرجة الثالثة بالدوري الصومالي.

اعتماده حكماً دولياً

كانت أول مباراة تولّى أرتان تحكيمها خارج النطاق المحلي، بعد اعتماده حكماً دولياً، مباراة أجريت في كينيا بين فريقي ناديين من كينيا ومدغشقر. وبعدها شارك أرتان حكماً في دورة اتحاد شمال أفريقيا تحت 20 سنة في عام 2022، وفي كأس الأمم الأفريقية تحت 23 سنة في عام 2023.

ثم، في يناير (كانون الثاني) 2024، أصبح أول صومالي يدير مباراة في كأس الأمم الأفريقية بكوت ديفوار، لدى إشرافه على لقاء تونس وناميبيا ضمن دور المجموعات، وقد وصفت وكالة الأنباء الصومالية (صونا) تلك المباراة يومذاك، بـ«المباراة الصعبة».

هذا السجل المشرّف لم يتوقف؛ إذ صار أرتان أول صومالي يحكم مباراة نهائي أفريقيا، حين أدار مباراة الإياب بين بيراميدز المصري وماميلودي صنداونز الجنوب أفريقي في القاهرة، وكانت تلك الخطوة المتفردة في شهر يونيو (حزيران) في عام 2025.

وفي يوليو (تموز) 2025، اختير الحكم الصومالي الموهوب ضمن قائمة «الفيفا» التي يدير حكامها مباريات كأس العالم للشباب تحت 20 سنة، التي نظمت في تشيلي. وبعدها، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، عرف أرتان نجاحاً جديداً وكبيراً عندما توّج بجائزة «أفضل حكم في أفريقيا» لعام 2025، خلال حفل جوائز الاتحاد الأفريقي لكرة القدم (الكاف) الذي استضافته العاصمة المغربية الرباط، وكان هذا الإنجاز وفق وكالة الأنباء الصومالية «الأكبر في تاريخ التحكيم الصومالي».

حكم أفريقيا البارز

جاء اختيار أرتان، في حينه، بعد منافسة قوية مع حكمين من جنوب أفريقيا وموريشيوس. وأعلنت لجنة الجوائز في «الكاف» فوزه تقديراً لأدائه الاستثنائي خلال العام الحالي، وإدارته عدداً من أهم المباريات القارية والدولية، وعلى رأسها نهائي دوري أبطال أفريقيا، ومباريات كأس العالم تحت 20 سنة التي تُوِّج بها المنتخب المغربي.

وحقاً، يُعدّ هذا التتويج محطة بارزة في مسيرة أرتان، الذي لمع اسمه خلال السنوات الأخيرة بفضل انضباطه، وحرفيته، وقراراته الدقيقة داخل الملعب، ما جعله - بحسب وكالة الأنباء الصومالية - واحداً من أبرز حكام القارة.

ومن ثم، دفع هذا التتويج رئيس الصومال، حسن شيخ محمود، للقاء أرتان والإشادة به، واعتبار نجاحه «إنجازاً تاريخياً يعكس صورة مشرقة للشباب الصومالي وقدرته على التنافس في الميادين الدولية». وأردف أنه «يمثل نموذجاً للإصرار والتميز... وفوزه يشرف الصومال وشعبها».

في مصاف «الكبار»... وصدمة مؤلمة

في أبريل (نيسان) 2026، دخل عمر أرتان مكانة الكبار في كرة القدم باختياره للمشاركة في نهائيات كأس العالم لكرة القدم، ليصبح بذلك أول حكم صومالي يبلغ هذا الإنجاز التاريخي في مسيرة الرياضة الوطنية. وهذه المحطة دفعت رئيس البلاد لتهنئته للمرة الثانية، واعتباره «نموذجاً مُلهماً ومصدر فخر للأجيال الصاعدة من الشباب الطامح إلى التميز».

غير أن فرحة مقديشو وعمر أرتان لم تدُم سوى شهرين؛ إذ صدمه قرار رسمي أميركي من واشنطن منعه في يونيو الحالي من دخول البلاد.

فلقد أوقف أرتان في مطار ميامي ومنع من دخول الولايات المتحدة، ونقلت وكالة «رويترز» الأربعاء، عن إدارة الجمارك وحماية الحدود الأميركية في بيان، أن مواطناً صومالياً، دون ذكر اسمه، وصل إلى مطار ميامي الدولي آتياً من إسطنبول يوم السبت الماضي، واعتُبر غير مسموح له بالدخول بسبب مخاوف تتعلق بالتحريات الأمنية. وجاء القرار بعد أشهر من فرض واشنطن حظراً شاملاً على سفر مواطني 12 دولة منها الصومال في عام 2025.

الاتحاد الدولي (الفيفا) أكد الاثنين الماضي، أن أرتان لن يتمكن من التدريب والتحكيم في نهائيات كأس العالم، التي انطلقت الخميس في كل من الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. ولم يجد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، تبريراً في مواجهة انتقاد رياضي بدأ يتزايد إلى أن يخرج الأربعاء، مدّعياً أن الولايات المتحدة منعت دخول الحكم الصومالي بسبب صلته بأفراد «يشتبه في انتمائهم إلى منظمات إرهابية»، من دون أن يقدم دليلاً على ذلك.

غير أن اتهام ترمب كان بلا صدى؛ إذ كان ضجيج الاحتفالات والتضامن مع الحكم الصومالي الأعلى أصداءً. وأفادت وكالة الأنباء الصومالية الأربعاء، بأن «أرتان وصل إلى العاصمة مقديشو وسط استقبال حافل في مطار آدم عبد الله الدولي، تقدمه وزراء ونواب في البرلمان الفيدرالي، وممثلون عن الاتحاد الوطني لكرة القدم، بالإضافة إلى مسؤولين آخرين وشرائح المجتمع المدني المختلفة، بخلاف دعم دولي».

وبحسب الصورة التي نشرتها الوكالة، كانت ملامح وجه أرتان تشع بالفرحة وسط زحام كبير، عزّزته لغة صمود بدت في تصريحاته، وقال أثناء تلويح مئات الجماهير بعلم الصومال: «أعدكم، بمشيئة الله، أنني سأحضر البطولة التالية. أريد أن يطمئنّ الشعب الصومالي إلى هذا، وأن يظل واثقاً».

أما «وكالة الصحافة الفرنسية» (أ.ف.ب) فنقلت عن أرتان قوله: «على الرغم من الظروف التي أمرّ بها، فإنني في مزاج إيجابي وأركّز على التحدّيات المقبلة في مسيرتي التحكيمية». وتابع: «أود أن أشكر عائلة كرة القدم على رسائلها، وأتمنى لزملائي كل التوفيق والنجاح خلال كأس العالم، وأتطلع إلى الانضمام إليهم مجدّداً في مسابقات مستقبلية».

تعليقات صومالية

سعاد جالو، الرئيسة بالإنابة للجنة الأولمبية الوطنية الصومالية، قالت لـ«الشرق الأوسط» معلّقة، إنها «حزينة لما يحدث... وإذا كانت هناك اعتبارات أمنية، فلماذا مُنحت له التأشيرة أصلاً؟»، قبل أن تجيب: «عندما تغيب الشفافية عن الإجراءات، تتراجع الثقة في النظام بأكمله وتمسّ مصداقية (الفيفا)، وتتناقض مع الإرث الطويل من الانفتاح والاستضافة للولايات المتحدة».

أما المحلل السياسي الصومالي حسن نور، فقد اعتبر أن «الصومال ربح أكثر من مرة من هذا الحكم الصومالي المتميز»، وأضاف لـ«الشرق الأوسط»، أن أرتان «رمز رياضي كبير استطاع أن يجمع الشعب الصومالي حكومة ومعارضة عليه، رغم خلافاتهما التي تجاوزت أكثر من سنة، والجميع توحّد خلف دعمه، في موقف غير مسبوق».

من جهة أخرى، رأى نور أن كأس العالم خسرت حكماً متميزاً، «وعرف العالم أن الصومال يضم نجوماً كباراً، فضلاً عن الاحتفاء الواسع والتضامن الكبير الذي لاقاه أرتان عقب عودته إلى بلاده، بخلاف دعم غير منقطع النظير من السلطات الحكومية».

بدوره، أعرب الاتحاد الصومالي لكرة القدم في بيان، عن «حزنه إزاء ما حدث»، واصفاً تعيين أرتان لإدارة مباريات كأس العالم بأنه إنجاز تاريخي للبلاد نتج عن سنوات من التفاني والمهنية والنزاهة. وتابع أنه «رغم أن نهائيات كأس العالم انطلقت الخميس بمشاركة 48 منتخباً، بحثاً عن تتويج وفوز عالمي يوم الختام 19 يوليو، فإن الحكم الصومالي المبعد عمر أرتان كان أول الفائزين باحتفاء عالمي غير مسبوق، كان ربما لا يصل إليه حال استمر بالبطولة، وكأنه ينطبق عليه عبارة (من رحم المعاناة يولد الأمل)».

على الصعيد الرسمي

أما على الصعيد الرسمي، فقد أعربت وزارة الخارجية الصومالية في بيان الأربعاء، عن أسفها الشديد إزاء قرار السلطات الأميركية منع دخول الحكم الدولي الصومالي، مشددة على أن أرتان «أحد أبرز الرموز الرياضية في الصومال، ومصدر فخر واعتزاز وطني لإسهاماته الكبيرة وإنجازاته التي ألهمت الشباب الصومالي».وقالت الوزارة إن الحكومة الفيدرالية بذلت جهوداً دبلوماسية مكثفة مع الجهات المعنية لتسهيل سفر أرتان، إلا أن تلك المساعي لم تفضِ إلى النتيجة المرجوة. وبالتالي، عاد الحكم إلى مقديشو وسيواصل أداء مهامه ومسؤولياته الوطنية والقارية بالمستوى نفسه من التفاني والمهنية العالية التي عُرف بها طوال مسيرته الرياضية. ووجّهت «الخارجية» الصومالية خالص شكرها وتقديرها لجميع الدول الشقيقة، والأفراد، والهيئات والمؤسسات الرياضية التي عبّرت عن تضامنها ودعمها خلال هذه الفترة. وشدد البيان على أن «الخارجية» ستواصل اتصالاتها مع الشركاء المعنيين للحصول على إيضاحات إضافية بشأن هذه المسألة، مؤكدةً التزامها الثابت بصون كرامة مواطنيها وحماية حقوقهم في الخارج.