فحص الجينوم يكشف عن مخاطر صحية خفية لدى 1 من كل 8 أشخاص

أبحاث تمهّد لعصر جديد من الطب الوقائي القائم على الجينات

فحص الجينوم يكشف عن مخاطر صحية خفية لدى 1 من كل 8 أشخاص
TT

فحص الجينوم يكشف عن مخاطر صحية خفية لدى 1 من كل 8 أشخاص

فحص الجينوم يكشف عن مخاطر صحية خفية لدى 1 من كل 8 أشخاص

ماذا لو أخبرك فحص بسيط أن لديك خطراً مرتفعاً للإصابة بسرطان أو مرض قلبي وراثي قبل سنوات من ظهور أي أعراض؟ هذا السيناريو الذي كان يبدو أقرب إلى الخيال العلمي أصبح اليوم أقرب إلى الواقع بفضل التقدم المتسارع في علم الجينوم والطب الدقيق.

خطر وراثي خفي من دون أعراض

كشفت دراسة حديثة أجرتها «مايو كلينك» في الولايات المتحدة عن أن نحو شخص واحد من كل ثمانية بالغين أصحاء يحمل خطراً وراثياً خفياً للإصابة بأمراض خطيرة، رغم أنه لا يعاني أي أعراض ولا يملك تاريخاً عائلياً واضحاً يدفع الأطباء إلى الاشتباه بوجود مشكلة صحية.

واعتمدت الدراسة التي نُشرت في دورية Genetics in Medicine في 14 مايو (أيار) 2026 على تحليل الجينوم الكامل لـ484 شخصاً بدوا في صحة جيدة. وكانت النتيجة مفاجئة؛ إذ تبين أن نحو 13 في المائة من المشاركين يحملون طفرات جينية مرتبطة بأمراض وراثية خطيرة يمكن التدخل للحد من آثارها إذا اكتُشفت مبكراً.

مخاطر لا تكشفها الفحوص التقليدية

وشملت الحالات المكتشفة استعداداً وراثياً للإصابة بسرطان الثدي والمبيض الوراثي ومتلازمة لينش Lynch syndrome (سرطان القولون والمستقيم الوراثي غير السلائلي (HNPCC) هو استعداد وراثي للإصابة بسرطان القولون). إضافة إلى بعض أمراض القلب الوراثية مثل اعتلال عضلة القلب ومتلازمة كيو تي الطويلة (LQTS)، وهي حالة قلبية نادرة، وعادةً ما تكون وراثية يمكن أن تسبب مشاكل خطيرة في نظم القلب. ولكن هناك إجراءات يمكنك اتخاذها لتقليل المخاطر التي قد تزيد خطر اضطرابات نظم القلب المفاجئة، فضلاً عن مرض الداء النشواني (Amyloidosis)، وهو مجموعة من الأمراض التي تتراكم فيها البروتينات غير الطبيعية والمعروفة باسم ألياف النشواني في الأنسجة.

ويقول الباحثون إن أمراض معظم هؤلاء الأشخاص لم تكن لتُكتشف عبر وسائل التشخيص التقليدية التي تعتمد غالباً على الأعراض أو التاريخ المرضي للعائلة.

وأوضح الدكتور كونستانتينوس لازاريديس، من مركز الطب الشخصي قسم أمراض الجهاز الهضمي والكبد كلية الطب «مايو كلينك» مينيسوتا الولايات المتحدة المشرف الرئيسي على الدراسة، أن النتائج تظهر قدرة الطب الجينومي على كشف مخاطر صحية كامنة قبل أن تتحول أمراضاً فعلية. مضيفاً أن الهدف لم يعد يقتصر على علاج المرض بعد ظهوره، بل على منع حدوثه من الأساس.

كل شخص تقريباً يحمل متغيرات جينية

ورغم أن نسبة الحالات ذات الخطورة العالية بلغت 13 في المائة، فإن الدراسة أظهرت أيضاً أن نحو 98.6 في المائة من المشاركين امتلكوا شكلاً من أشكال المتغيرات الجينية التي تستدعي المتابعة أو المراقبة الطبية بدرجات متفاوتة.

وهذا لا يعني بالضرورة أن جميع هؤلاء الأشخاص سيصابون بأمراض مستقبلاً، بل يشير إلى أن الجينوم البشري يحمل كماً هائلاً من المعلومات التي يمكن أن تساعد في فهم المخاطر الصحية المحتملة واتخاذ قرارات أكثر دقة بشأن الوقاية والمتابعة.

التحدي الحقيقي يبدأ بعد اكتشاف الطفرة

لكن الباحثين يشددون على أن العثور على الطفرة الجينية ليس سوى الخطوة الأولى. فالتحدي الأكبر يكمن في تحويل هذه المعلومات إجراءاتٍ طبيةٍ عملية يمكن أن تفيد المريض فعلياً.

وفي معظم الحالات احتاج الباحثون إلى تفسير النتائج بشكل متخصص ومراجعة دقيقة للتاريخ الصحي والعائلي لكل مشارك. كما لعب مستشارو الوراثة دوراً محورياً في شرح النتائج للمرضى ومساعدتهم على فهم ما تعنيه هذه المعلومات بالنسبة إلى صحتهم ومستقبلهم.

وتقول جيسا بيدويل، من مركز الطب الشخصي في «مايو كلينك» الباحثة الرئيسية المشاركة في الدراسة، إن ردود فعل المشاركين تراوحت بين الدهشة والقلق والخوف، وفي بعض الأحيان الشعور بالارتياح لمعرفة السبب المحتمل لمشكلات صحية عائلية غامضة.

ورغم أن معظم الأشخاص الذين اكتُشفت لديهم مخاطر وراثية التزموا بإجراءات المتابعة والإحالة إلى الأطباء المختصين، فإن أقل من نصفهم فقط أجروا مناقشة موثقة مع طبيب الرعاية الأولية بعد تلقي النتائج؛ ما يكشف عن تحديات كبيرة في دمج المعلومات الجينية ضمن الممارسة الطبية اليومية.

الطب التنبؤي... والوقاية

وتأتي هذه النتائج ضمن توجه عالمي متزايد نحو ما يعرف بالطب التنبؤي أو الطب الوقائي الدقيق، وهو نهج يسعى إلى اكتشاف المرض قبل ظهوره بسنوات من خلال تحليل الإشارات البيولوجية المبكرة.

وفي هذا السياق، أطلقت «مايو كلينك» مبادرة بحثية واسعة تحمل اسم «بريكور» Precure تهدف إلى رصد المؤشرات المبكرة للأمراض المزمنة من خلال دمج البيانات الجينية مع مؤشرات حيوية أخرى وتحليلها باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي والحوسبة المتقدمة.

ويركز المشروع حالياً على أمراض تصيب خمسة أجهزة رئيسية في الجسم، هي الدماغ، والقلب، والكبد، والكلى والرئتان، بما في ذلك مرض ألزهايمر، وقصور القلب وأمراض الكبد المزمنة.

ويستند هذا التوجه إلى فكرة بسيطة، لكنها ثورية هي أن معظم الأمراض لا تبدأ فجأة، بل تسبقها سنوات من التغيرات الجزيئية الصامتة التي يمكن رصدها إذا امتلك الأطباء الأدوات المناسبة.

مستقبل الرعاية الصحية

ويرى الخبراء أن الطب الجينومي قد يحدث تحولاً جذرياً في مفهوم الرعاية الصحية خلال العقود المقبلة. فبدلاً من انتظار ظهور المرض ثم علاجه قد يصبح بالإمكان تحديد الأشخاص الأكثر عرضة للخطر ووضع خطط وقائية خاصة بهم منذ وقت مبكر.

ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات عدّة تتعلق بالتكلفة، وخصوصية البيانات الجينية، وتدريب الكوادر الطبية وضمان وصول هذه التقنيات إلى مختلف فئات المجتمع بشكل عادل.

لكن الرسالة الأساسية التي تحملها الدراسة واضحة، وهي أن كثيراً من الأمراض تترك آثارها الأولى داخل الجينات قبل سنوات طويلة من ظهور أعراضها. وكلما تمكن الأطباء من قراءة هذه الإشارات مبكراً ازدادت فرص الوقاية والتدخل في الوقت المناسب.

وفي عالم يتجه بسرعة نحو الطب الشخصي، قد يصبح تحليل الجينوم في المستقبل جزءاً روتينياً من الفحوص الصحية تماماً كما نقيس ضغط الدم أو مستوى السكر اليوم، فاتحاً الباب أمام عصر جديد تُبنى فيه الرعاية الطبية على معرفة دقيقة وفردية بكل إنسان.


مقالات ذات صلة

كيف أثّر الاعتماد على البطاطس في جينات بعض البشر عبر الأجيال؟

يوميات الشرق امرأة تبيع البطاطس في سوق بمدينة ليما في بيرو (رويترز)

كيف أثّر الاعتماد على البطاطس في جينات بعض البشر عبر الأجيال؟

تكشف الأبحاث الحديثة أن الاعتماد الطويل على هذا الغذاء النشوي لم يترك أثراً ثقافياً فحسب، بل امتد ليُحدث تغييرات عميقة في التركيبة الجينية البشرية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك دراسة الخلايا الجذعية تتيح تعديلها جينياً للتخلص من الأمراض الوراثية

علاج جيني لتقوية الجهاز المناعي

تعديل الخلايا الجذعية للحصول على جين سليم

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)
رياضة عالمية رئيس الاتحاد الدولي لألعاب القوى البريطاني سيباستيان كو (رويترز)

كو يتعهد باستمرار تطبيق اختبارات «الجينات» في ألعاب القوى

قال رئيس الاتحاد الدولي لألعاب القوى البريطاني سيباستيان كو إن اختبارات الجينات للرياضيات كان «عملية ناجحة إلى حد كبير» في بطولة العالم في طوكيو.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
صحتك الاختبار قد يتنبأ بما إذا كان الطفل سيعاني السمنة في مرحلة البلوغ (رويترز)

اختبار جيني يكشف الأطفال الأكثر عرضة للسمنة في مرحلة البلوغ

طورت مجموعة من العلماء اختباراً جينياً قد يتنبأ بما إذا كان الطفل سيعاني السمنة في مرحلة البلوغ.

«الشرق الأوسط» (كوبنهاغن)
صحتك تحليل جيني للكشف المبكر عن السمنة في مرحلة الطفولة

تحليل جيني للكشف المبكر عن السمنة في مرحلة الطفولة

مقياس درجة الخطورة متعددة الجينات أفضل من أي اختبار آخر

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)

الذكاء الاصطناعي: حين تخبرك أظافرك بما تخفيه عظامك

حين تخبرك أظافرك بما تخفيه عظامك
حين تخبرك أظافرك بما تخفيه عظامك
TT

الذكاء الاصطناعي: حين تخبرك أظافرك بما تخفيه عظامك

حين تخبرك أظافرك بما تخفيه عظامك
حين تخبرك أظافرك بما تخفيه عظامك

ماذا لو استطاع الطبيب يوماً ما أن يقيّم صحة عظامك من خلال قصاصة صغيرة من ظفرك؟ قد يبدو السؤال أقرب إلى مشهد من روايات الخيال العلمي، لكن هذا بالضبط ما يعمل عليه عدد متزايد من العلماء والباحثين حول العالم. فبدلاً من انتظار ظهور الألم أو حدوث الكسر الأول، يسعى هؤلاء إلى اكتشاف إشارات مبكرة جداً قد تكشف عن هشاشة العظام قبل سنوات من ظهور أعراضها السريرية.

من قصاصة ظفر إلى خوارزمية ذكية

البحث عن دلائل مبكرة

وعلى مدى عقود طويلة، اعتمد الأطباء على صور الأشعة وقياسات كثافة العظام لتشخيص هذا المرض الصامت. غير أن المشكلة تكمن في أن كثيراً من المرضى لا يكتشفون إصابتهم إلا بعد وقوع أول كسر، عندما تكون العظام قد فقدت بالفعل جزءاً مهماً من قوتها ومتانتها. ولذلك؛ بدأ الباحثون رحلة بحث مختلفة: هل يمكن أن تحمل أجزاء أخرى من الجسم دلائل مبكرة على صحة العظام؟ وهل يمكن أن تختبئ هذه الدلائل في مكان غير متوقع مثل الأظافر؟

هذه الأسئلة قادت إلى ظهور جيل جديد من الأبحاث التي تحاول تحويل قصاصة ظفر بسيطة إلى نافذة تطل على صحة الهيكل العظمي بأكمله، في خطوة قد تمثل تحولاً مهماً في مستقبل الطب الوقائي والتشخيص المبكر.

العلاقة الخفية بين الظفر والعظم

للوهلة الأولى لا تبدو هناك أي علاقة بين ظفر الإصبع وعظام الهيكل العظمي. فالأول جزء صغير من الجلد ووظيفته حماية أطراف الأصابع، في حين تشكل العظام الإطار الذي يحمل الجسم بأكمله. لكن العلم كثيراً ما يكشف عن روابط غير متوقعة بين أعضاء تبدو متباعدة ظاهرياً.

ويشير الباحثون إلى أن الأظافر والعظام يتأثران بالكثير من العمليات البيولوجية نفسها المرتبطة بالتقدم في العمر والهرمونات والتغذية والتمثيل الحيوي للبروتينات. فمع مرور السنوات لا تتغير كثافة العظام وحدها، بل تحدث أيضاً تغيرات دقيقة في البنية الجزيئية لبعض البروتينات المنتشرة في أنسجة الجسم المختلفة.

تغيرات مجهرية في تركيب الكيراتين بالأظافر والشعر

ومن بين هذه البروتينات يبرز الكيراتين، وهو المادة البروتينية الطبيعية التي تُكوّن معظم الأظافر والشعر وتمنحهما صلابتهما المعروفة. ويعتقد العلماء أن التغيرات المجهرية التي تطرأ على تركيب الكيراتين قد تعكس بصورة غير مباشرة تغيرات مماثلة تحدث في جودة العظام وقوتها الميكانيكية. وبعبارة أخرى، قد تحمل الأظافر بصمات بيولوجية مبكرة لما يجري داخل الهيكل العظمي قبل سنوات من ظهور الهشاشة بشكل واضح في الفحوص التقليدية.

وقد دفعت هذه الملاحظة الباحثين إلى التساؤل: إذا كانت العظام تترك آثاراً جزيئية على الأظافر، فهل يمكن استخدام قصاصة صغيرة من الظفر للكشف عن الأشخاص الأكثر عرضة للكسور مستقبلاً؟ ومن هنا، ظهرت فكرة تحويل الأظافر من مجرد جزء تجميلي في الجسم إلى مؤشر حيوي جديد قد يساعد الأطباء في تقييم خطر هشاشة العظام والتدخل الوقائي قبل وقوع الكسر الأول.

فحص من المنزل قبل أن يحدث الكسر

فحص منزلي

من أبرز التطبيقات الحديثة التي تجسّد هذا التوجه تقنية بريطانية تُعرف باسم «أوسنتيا» (Osentia)، تقوم على فكرة بسيطة في ظاهرها، لكنها متقدمة علمياً في جوهرها: استخدام قصاصة صغيرة من الظفر للبحث عن مؤشرات قد ترتبط بصحة العظام.

ويعتمد الاختبار على تقنية ليزرية متطورة تُعرف باسم التحليل الطيفي رامان (Raman Spectroscopy)، وهي تقنية تسمح للعلماء بدراسة التركيب الجزيئي للمواد من خلال تحليل الطريقة التي يتفاعل بها الضوء مع البروتينات الموجودة فيها. ومن خلال هذه العملية يمكن الكشف عن تغيرات دقيقة في بنية الكيراتين، وهو البروتين الطبيعي الذي يمنح الأظافر صلابتها.

ويقوم الشخص بقص جزء صغير من ظفره وإرساله إلى المختبر، حيث تُحلل العينة وتُدمج نتائجها مع عوامل الخطر المعروفة، مثل العمر، والجنس، والتاريخ المرضي وبعض المؤشرات السريرية الأخرى. وبعد ذلك يُصدر النظام تقريراً يقدّر مستوى خطر الإصابة بالكسور المرتبطة بهشاشة العظام في المستقبل.

وما يثير اهتمام الباحثين أن بعض الدراسات أشارت إلى أن التغيرات الجزيئية المكتشفة في الأظافر قد ترتبط بقابلية العظام للكسر قبل سنوات من حدوث الكسر الأول فعلياً. وإذا أكدت الدراسات المستقبلية هذه النتائج على نطاق أوسع، فقد تصبح قصاصة الظفر أداة إضافية تساعد الأطباء على تحديد الأشخاص الأكثر عرضة للخطر مبكراً؛ ما يتيح فرصة للتدخل الوقائي قبل أن يتحول المرض الصامت مشكلةً سريرية حقيقية.

وربما تكمن أهمية هذه التقنيات في أنها تنقل فحص صحة العظام من غرفة الأشعة إلى المنزل، ومن مرحلة تشخيص المرض بعد حدوثه إلى مرحلة البحث عن إشاراته الأولى قبل ظهوره.

دراسة أميركية حديثة

ولعل ما يضفي مزيداً من الزخم على هذا المجال، أن الاهتمام العلمي لم يعد يقتصر على قصاصات الأظافر وحدها، بل امتد إلى تطوير جيل جديد من التقنيات غير الجراحية التي تسعى إلى قراءة الإشارات الكيميائية المرتبطة بصحة العظام دون الحاجة إلى الأشعة التقليدية.

وفي مارس (آذار) 2026، نشر الباحث محمد حسيني (Mohammad Hosseini) وزملاؤه بقيادة البروفسور أندرو بيرغر (Andrew J. Berger) من معهد البصريات (The Institute of Optics) وقسم الهندسة الطبية الحيوية في جامعة روتشستر (University of Rochester) الأميركية، دراسة استخدمت تقنية متقدمة من التحليل الطيفي رامان مدعومة بخوارزميات التعلم الآلي للكشف عن التغيرات الكيميائية المرتبطة بهشاشة العظام من خلال قياسات غير جراحية أُخذت من أصابع اليد.

وأظهرت النتائج قدرة النظام على التمييز بين العظام الطبيعية والعظام المصابة بالهشاشة، مع وجود ارتباط واضح بنتائج فحوص كثافة العظام التقليدية. ويرى الباحثون أن هذه المقاربة قد تمهد الطريق نحو اختبارات سريعة وآمنة يمكن استخدامها خارج غرف الأشعة وفي مراحل مبكرة من المرض.

وتكتسب هذه الدراسة أهمية خاصة؛ لأنها تعتمد على الفكرة العلمية نفسها التي تقوم عليها اختبارات الأظافر الحديثة: البحث عن بصمات جزيئية دقيقة تعكس حالة العظام من خلال أنسجة يسهل الوصول إليها. فبدلاً من انتظار ظهور التغيرات الكبيرة في الأشعة، يحاول العلماء التقاط الإشارات البيولوجية الأولى التي قد تسبق المرض بسنوات.

ويعتقد بعض الباحثين أن المستقبل قد يشهد دمج هذه التقنيات مع الذكاء الاصطناعي لإنشاء أنظمة قادرة على تقدير خطر هشاشة العظام والكسور بصورة شخصية لكل مريض، اعتماداً على مؤشرات حيوية بسيطة يمكن جمعها بسهولة من المنزل أو العيادة، وهو ما قد يغير الطريقة التي نتعامل بها مع هذا المرض الصامت خلال العقود المقبلة.

وباء صامت يهدّد العظام

وباء صامت

تكتسب هذه الأبحاث أهمية خاصة؛ لأن هشاشة العظام لا تُعدّ مجرد مشكلة مرتبطة بالتقدم في العمر، بل واحدة من أكثر الحالات المرضية المزمنة انتشاراً وتأثيراً في جودة الحياة لدى كبار السن. وغالباً ما يصفها الأطباء بأنها «المرض الصامت»؛ لأنها تتطور ببطء على مدى سنوات طويلة من دون أعراض واضحة أو إشارات تنذر بالخطر.

وفي كثير من الحالات لا يكتشف المريض إصابته إلا بعد حدوث أول كسر، والذي قد ينجم أحياناً عن سقوط بسيط أو حتى عن حركة يومية عادية. وعندها يصبح الكسر نفسه أول رسالة يبعثها المرض بعد سنوات من الصمت.

200 مليون شخص مصابون بهشاشة العظام عالمياً

وتشير تقديرات المؤسسة الدولية لهشاشة العظام إلى أن امرأة من كل اثنتين، ورجلاً من كل خمسة رجال فوق سن الخمسين معرضون للإصابة بكسور مرتبطة بهشاشة العظام خلال حياتهم. كما تُقدَّر أعداد المصابين بهشاشة العظام عالمياً بنحو 200 مليون شخص، مع حدوث كسر مرتبط بالمرض كل بضع ثوانٍ حول العالم.

رُبع النساء وخُمس الرجال في السعودية مصابون بها

أما في المملكة العربية السعودية، فتشير مراجعات علمية حديثة إلى أن هشاشة العظام تمثل تحدياً صحياً متنامياً؛ إذ تُقدَّر نسبة الإصابة بنحو 26 في المائة بين النساء السعوديات بعد سن اليأس، في حين تراوحت التقديرات بين 9 في المائة و21 في المائة بين الرجال السعوديين حسب الفئات العمرية والدراسات المختلفة. كما تشير تقارير أخرى إلى أن انتشار المرض بين السعوديين قد يصل إلى نحو ثُلث النساء وخُمس إلى ثُلث الرجال بعد سن الخمسين. ويكتسب هذا الموضوع أهمية خاصة في منطقة الخليج العربي مع الارتفاع المستمر في متوسط العمر المتوقع وتزايد أعداد السكان فوق سن الخمسين.

ولا تقتصر المشكلة على العظام وحدها؛ فكسور الورك والفقرات قد تؤدي إلى فقدان الاستقلالية وصعوبة الحركة وتراجع جودة الحياة، كما ترتبط بزيادة الحاجة إلى الرعاية طويلة الأمد والدخول المتكرر إلى المستشفيات. ومع الارتفاع المستمر في متوسط الأعمار في المملكة ودول الخليج، يتوقع الخبراء ازدياد العبء الصحي والاقتصادي المرتبط بالكسور الهشّة خلال العقود المقبلة.

ومن هنا، تنبع أهمية التقنيات الجديدة التي تحاول اكتشاف مؤشرات الخطر قبل وقوع الكسر الأول. فكلما تمكن الأطباء من التعرف إلى الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة في وقت مبكر، ازدادت فرص التدخل الوقائي والحفاظ على قوة العظام لسنوات أطول.

من علاج المرض إلى التنبؤ به

ما يميز هذه التقنيات ليس فقط اعتمادها على الأظافر أو الليزر أو الذكاء الاصطناعي، بل الفلسفة الطبية الجديدة التي تقف خلفها. فخلال معظم تاريخ الطب كان الأطباء ينتظرون ظهور الأعراض أولاً، ثم يبدأون رحلة التشخيص والعلاج. أما اليوم، فإن التوجه العالمي يسير نحو اكتشاف المرض قبل أن يشعر به المريض نفسه.

وفي حالة هشاشة العظام تحديداً، لا تكمن المشكلة في علاج الكسر فحسب، بل في منع حدوثه من الأساس. ولذلك؛ يسعى الباحثون إلى التعرف على الأشخاص الأكثر عرضة للخطر في وقت مبكر، عندما تكون التغييرات في نمط الحياة والتغذية والعلاج الوقائي أكثر فاعلية وأقل تكلفة وأكثر قدرة على حماية جودة الحياة في السنوات اللاحقة.

وتعكس تقنيات تحليل الأظافر نموذجاً أوسع لما يُعرف بالطب الاستباقي أو الطب التنبؤي، حيث لا يقتصر دور الطبيب على تشخيص المرض بعد ظهوره، بل يمتد إلى توقعه ومنع حدوثه قبل أن يتحول مشكلةً صحيةً حقيقية. وفي هذا النموذج الجديد تصبح البيانات والمؤشرات الحيوية والذكاء الاصطناعي أدوات تساعد على رسم خريطة للمخاطر الصحية المستقبلية لكل فرد بصورة أكثر دقة وشخصية.

وربما تحمل الأظافر رسالة أعمق من مجرد كونها جزءاً جمالياً من أجسامنا؛ فهي تذكّرنا بأن الجسم يتحدث إلينا باستمرار، لكننا لا نحسن دائماً الإصغاء إلى إشاراته المبكرة. وما نراه اليوم في مجال هشاشة العظام قد يكون مجرد بداية لعصر جديد يستطيع فيه الذكاء الاصطناعي قراءة تلك الإشارات الخفية قبل أن تتحول مرضاً أو إعاقة أو معاناة إنسانية.

وعندها قد يصبح السؤال الذي يطرحه الطبيب على مريضه مختلفاً تماماً. فبدلاً من أن يسأله: «أين تشعر بالألم؟»، قد يسأله أولاً: «هل أحضرت قصاصة من ظفرك؟».


حين يستقبلك «الهولوغرام»... قبل الطبيب

حين يستقبلك الهولوغرام قبل الطبيب
حين يستقبلك الهولوغرام قبل الطبيب
TT

حين يستقبلك «الهولوغرام»... قبل الطبيب

حين يستقبلك الهولوغرام قبل الطبيب
حين يستقبلك الهولوغرام قبل الطبيب

هل يأتي يوم يدخل فيه المريض إلى العيادة فيستقبله شخص يبدو بشرياً، يجيب عن أسئلته، ويساعده في حجز موعده، ويوجهه إلى الخدمة المناسبة، قبل أن يلتقي موظف الاستقبال أو الطبيب؟

الدكتور كيانور شاه مؤسس منصة «ون هولو»

«خيال علمي» في قاعة الانتظار

هذا السؤال لم يعد ينتمي إلى عالم الخيال العلمي بالكامل. ففي الأول من يونيو (حزيران) 2026، أُعلن في ولاية كاليفورنيا الأميركية عن الإطلاق التجريبي لمنصة «ون هولو» (OneHolo.ai)، وهي منصة جديدة تجمع بين الذكاء الاصطناعي وتقنيات «الهولوغرام» (الصور المجسمة ثلاثية الأبعاد) بهدف تطوير جيل جديد من الأنظمة الرقمية القادرة على التفاعل مع المرضى والزبائن وإدارة عدد من المهام التشغيلية داخل المؤسسات الصحية والخدمية.يأتي هذا الإطلاق ضمن مرحلة تجريبية تهدف إلى اختبار النماذج التشغيلية والسريرية للمنصة في بيئات رعاية صحية حقيقية، وقياس مؤشرات الأداء المتعلقة بسرعة الاستجابة وتحسين تجربة المرضى وتقليل العبء الإداري على الكوادر البشرية.

• ماذا تفعل منصة «ون هولو»؟ صُممت المنصة للعمل عبر قنوات متعددة تشمل الهاتف والرسائل النصية والمواقع الإلكترونية والشاشات التفاعلية والواجهات المجسمة ثلاثية الأبعاد. وتهدف إلى المساعدة في الإجابة عن الأسئلة الشائعة، وحجز المواعيد، وتقديم المعلومات المعتمدة، وتوجيه الحالات التي تحتاج إلى تدخل بشري إلى الموظفين المختصين.

وفي تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط»، قال الدكتور كيانور شاه Dr. Kianor Shah، مؤسس منصة «ون هولو»: «لا نطوّر مجرد موظف استقبال رقمي، بل نسعى إلى بناء فئة جديدة من الأنظمة الذكية التي تجمع بين الذكاء الاصطناعي والحضور البصري المجسم وإدارة سير العمل في منصة واحدة».اف: «نحن الآن في مرحلة الإطلاق التجريبي، حيث سنبدأ اختبار المنصة في بيئات تشغيل حقيقية داخل مؤسسات صحية مختارة. هدفنا ليس استبدال الإنسان، بل تمكينه من التركيز على المهام التي تتطلب الخبرة والحكم البشري». وأوضح أن المنصة تعتمد على دمج نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة مع تقنيات التعرف الصوتي ومعالجة اللغة الطبيعية، وربطها بأنظمة العمل المختلفة، مع المحافظة على متطلبات الخصوصية والأمان، وإمكانية إحالة الحالات الحساسة أو المعقدة إلى الموظفين المختصين.

عصر الوكلاء الأذكياء: الإنسان والآلة يعملان جنباً إلى جنب

السعودية أول محطة دولية

كشف الدكتور شاه لـ«الشرق الأوسط»، أن المملكة العربية السعودية ستكون أول دولة خارج الولايات المتحدة الأميركية يُخطط لتجربة المنصة فيها.

وقال: «ننظر إلى المملكة العربية السعودية بوصفها واحدة من أكثر الدول تقدماً في تبني الذكاء الاصطناعي في القطاع الصحي. كما أن رؤية السعودية 2030 خلقت بيئة استثنائية للابتكار والتحول الرقمي، ولذلك نرى أن السعودية تمثل الشريك المثالي للمرحلة الدولية الأولى من المشروع».

وأضاف أن المنصة صُممت لتكون قادرةً على التواصل بلغات متعددة، من بينها اللغة العربية، إلى جانب عدد كبير من اللغات العالمية الأخرى، بما يسمح بتكييفها مع الاحتياجات اللغوية والثقافية المختلفة للمؤسسات الصحية والخدمية حول العالم.

الهولوغرام الطبي: فصل جديد في تدريب الكوادر الصحية

«الهولوغرام» يدخل عالم الرعاية الصحية

يأتي إطلاق «ون هولو» في وقت بدأت فيه تقنيات «الهولوغرام» تجد طريقها إلى التطبيقات الصحية الفعلية. ففي دراسة نُشرت عام 2026 في مجلة «الرعاية الصحية» (Healthcare)، قادت الباحثة الدكتورة ماريا باجوا Maria Bajwa، وفريقها من كلية الطب بجامعة أديلايد (University of Adelaide) في أستراليا دراسة حول استخدام بيئات «الهولوغرام» التفاعلية في تدريب الفرق الصحية متعددة التخصصات.وأظهرت النتائج أن تقنيات «الهولوغرام» عزّزت من مستوى التفاعل والانغماس البصري. وخلص الباحثون إلى أن «الهولوغرام» قد يمثل أداة واعدة لتطوير التعليم الطبي والتواصل السريري خلال السنوات المقبلة.وأشار الباحثون إلى أن هذه التقنية قد تسهم مستقبلاً في تحسين التعليم الطبي والتواصل بين الفرق السريرية والمرضى.

خصوصاً مع تطور تقنيات الواقع الممتد والذكاء الاصطناعي.

هل يولد جيلٌ جديدٌ من القوى العاملة الرقمية؟ ورغم أن منصة «ون هولو» لا تقدم تشخيصاً طبياً، ولا تتخذ قرارات علاجية، فإنها تعكس اتجاهاً متنامياً نحو ما يُعرف بـ«الوكلاء الأذكياء» (AI Agents)، وهي أنظمة قادرة على تنفيذ مهام تشغيلية متقدمة بصورة مستقلة نسبياً مع بقاء الإنسان مسؤولاً عن القرارات النهائية.

ويرى شاه أن التحديات التي تواجه المؤسسات الصحية، اليوم، مثل نقص الكوادر وضياع الاتصالات وتفاوت جودة الخدمة، لا تختلف كثيراً عن التحديات التي تواجه قطاعات أخرى مثل الضيافة والتعليم والخدمات الحكومية. ولذلك يصف «ون هولو» بأنه خطوة نحو بناء قوة عمل رقمية قادرة على التفاعل مع المرضى والزبائن على مدار الساعة مع الحفاظ على الطابع الإنساني للتواصل.

بين دقة الخوارزمية ودفء الإنسان

لكن الأهمية الحقيقية لمشروعات مثل «ون هولو» قد لا تكمن في قدرتها على الإجابة عن الأسئلة، أو حجز المواعيد، بل في أنها تكشف عن التحول العميق الذي تشهده العلاقة بين الإنسان والآلة في قطاع الرعاية الصحية.

فخلال السنوات المقبلة قد لا يصبح الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تعمل خلف الكواليس، بل واجهة أولى يتفاعل معها المريض قبل أن يرى الطبيب أو موظف الاستقبال. وقد تتحول العيادات والمستشفيات تدريجياً إلى بيئات هجينة يعمل فيها البشر والوكلاء الأذكياء جنباً إلى جنب، يتقاسمون المهام والمسؤوليات وفق حدود مهنية وأخلاقية واضحة.

ويبقى السؤال الأهم: هل ستنجح هذه التقنيات في تقديم الكفاءة والسرعة التي تعد بها من دون أن تفقد الرعاية الصحية جوهرها الإنساني؟ فبينما تتطور الخوارزميات و«الهولوغرام» بوتيرة متسارعة، ستبقى قيمة الطب الحقيقية في قدرته على الجمع بين دقة التكنولوجيا... ودفء الإنسان.

ولعل اختيار السعودية لتكون أول محطة دولية للمشروع خارج الولايات المتحدة يعكس المكانة المتنامية التي أصبحت تحتلها المملكة في مشهد الذكاء الاصطناعي الطبي عالمياً، في ظل التحولات المتسارعة التي تقودها «رؤية 2030» نحو بناء منظومة صحية رقمية متقدمة.

تؤدي مهمات الحضور البصري المجسم وتنفيذ العمل... والسعودية أول وجهة دولية لها


الجينات ترصد رحلة الدماغ مع التقدم في العمر

الجينات ترصد رحلة الدماغ مع التقدم في العمر
TT

الجينات ترصد رحلة الدماغ مع التقدم في العمر

الجينات ترصد رحلة الدماغ مع التقدم في العمر

على مدى عقود ظل الدماغ المتقدم في العمر أشبه بقارة مجهولة بالنسبة للعلماء، فبينما تظهر آثار الشيخوخة بوضوح على الجسد بقيت التغيرات الدقيقة التي تحدث داخل مليارات الخلايا العصبية لغزاً يصعب تتبعه.

واليوم نجح باحثون في جامعة روكفلر الأميركية في الاقتراب أكثر من هذا العالم الخفي عبر تطوير تقنيات جينية متطورة تتيح مراقبة ملايين الخلايا الدماغية في وقت واحد، ورصد كيفية تواصلها، وتغير نشاطها مع مرور الزمن. ويأمل العلماء أن تقود هذه الاكتشافات إلى فهم أعمق للشيخوخة وأمراض التنكس العصبي، وربما تمهد الطريق مستقبلاً لاستراتيجيات جديدة تحافظ على صحة الدماغ وتؤخر تدهوره.

قراءة الدماغ بطريقة مختلفة

يقود هذه الأبحاث العالم جونيو كاو من مختبر علم جينوم الخلية المفردة وديناميات السكان جامعة روكفلر نيويورك المتخصص في تقنيات تحليل الخلايا المفردة. وقد طور فريقه أداتين جديدتين تحملان اسم «IRISeq» و«EnrichSci» صُممتا لدراسة الشيخوخة من زاويتين مختلفتين.

التقنية الأولى التي سميت «إعادة بناء الصور باستخدام التسلسل المفهرس» IRISeq Imaging Reconstruction using Indexed Sequencing نشرت في مجلة Nature Neuroscience في 12 مايو (أيار) 2026، تعتمد على فكرة مبتكرة هي استخدام الحمض النووي «دي إن إيه» نفسه كخريطة لتحديد مواقع الخلايا وعلاقاتها ببعضها داخل أنسجة الدماغ من دون الحاجة إلى المجاهر التقليدية.

وبدلاً من التقاط صور للخلايا تستخدم التقنية ملايين الجزيئات المشفرة وراثياً لجمع معلومات حول الخلايا المتجاورة وطريقة تفاعلها. ومن خلال هذه البيانات يستطيع الباحثون إعادة بناء خريطة دقيقة للنسيج الدماغي، وفهم كيفية تواصل الخلايا مع بعضها في أثناء الشيخوخة.

ويصف الباحثون هذه الطريقة بأنها أشبه بتحويل تقنيات التسلسل الجيني إلى وسيلة جديدة «لرؤية» الأنسجة البيولوجية، ولكن بتكلفة أقل وقدرة أكبر على دراسة عينات ضخمة.

وقد اكتشف العلماء أمراً لافتاً عند تطبيق التقنية الجديدة على أدمغة متقدمة في العمر وجود مناطق التهابية خفية داخل الدماغ؛ لأن بعض أنواع الخلايا المرتبطة بالالتهاب لا تنتشر بشكل عشوائي، بل تتجمع في «أحياء خلوية» محددة داخل المادة البيضاء للدماغ.

وشملت هذه التجمعات خلايا مناعية وخلايا داعمة للأعصاب تتفاعل مع بعضها بطريقة قد تعزز الالتهاب المزمن المرتبط بالتقدم في السن.

كما كشفت الدراسة أن بعض الخلايا المناعية المعروفة باسم الخلايا اللمفاوية تنشط بشكل مكثف في مناطق محددة قرب تجاويف الدماغ المملوءة بالسائل الدماغي. ويرى الباحثون أن هذا النشاط الموضعي ربما كان سيبقى غير مكتشف لولا القدرة الجديدة على رصد المواقع الدقيقة للخلايا داخل النسيج.

وتشير النتائج إلى أن هذه المناطق قد تكون من أكثر أجزاء الدماغ عرضة للتدهور المرتبط بالعمر؛ ما يجعلها أهدافاً محتملة للعلاجات المستقبلية.

تغيرات أعمق من الجينات نفسها

أما التقنية الثانية «إثراء الخلايا المستهدفة الموجهة بالنسخ لتسلسل الحمض النووي الريبي (آر إن إيه) RNA أحادي الخلية القابل للتطوير» EnrichSci Transcript-guided Targeted Cell Enrichment for Scalable Single-Cell RNA Sequencing فتركز على دراسة أنواع نادرة من الخلايا التي يعتقد أنها الأكثر تأثراً بالشيخوخة، وقد نُشرت في مجلة Cell Genomics في 11 مارس (آذار) 2026، وباستخدام هذه الأداة تمكن الباحثون من عزل مجموعات خلوية محددة داخل أدمغة الفئران المسنة، وتحليل نشاطها الجيني بدقة عالية.

وكانت المفاجأة أن بعض التغيرات المهمة لم تظهر في مستوى نشاط الجينات نفسها، بل في أجزاء أصغر تُعْرف باسم «الإكسونات» exons (الإكسونات هي أجزاء من الجينات التي تُكوّن نسخ الحمض النووي الريبي RNA الناضجة والتي تُترجم إما إلى بروتينات، أو تؤدي وظائف بيولوجية أخرى).

ووجد العلماء أن هذه التغيرات ترتبط بعملية تُعرف باسم «التضفير البديل» post-transcriptional regulation، وهي آلية تسمح للجين الواحد بإنتاج عدة أشكال مختلفة من البروتينات. وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة؛ لأن اضطرابات التضفير البديل ارتبطت سابقاً بأمراض عديدة من بينها أمراض التنكس العصبي وبعض أنواع السرطان.

ويعتقد الباحثون أن فهم هذه التغيرات قد يساعد في تطوير علاجات تستهدف المراحل المبكرة من التدهور العصبي المرتبط بالعمر.

نافذة جديدة لفهم الدماغ

ورغم أن التركيز الحالي ينصب على فهم الشيخوخة فإن تطبيقات هذه التقنيات قد تمتد إلى مجالات أوسع كثيراً؛ فالتقنية الأولى يمكن أن تساعد في دراسة كيفية تفاعل الخلايا المناعية مع الأورام السرطانية، بينما قد تسهم التقنية الثانية في كشف التغيرات الجينية الدقيقة التي ترافق تطور العديد من الأمراض المزمنة.

ويرى العلماء أن القيمة الحقيقية لهذه الأدوات تكمن في قدرتها على دراسة الخلايا ضمن بيئتها الطبيعية بدلاً من تحليلها بمعزل عن محيطها.

تكشف هذه الدراسات أن الشيخوخة ليست مجرد تراجع تدريجي في وظائف الجسم، بل عملية معقدة تشمل شبكة واسعة من التفاعلات بين الخلايا والتغيرات الجينية الدقيقة.

ومع تطور أدوات التحليل الجيني يقترب العلماء أكثر من فك شيفرة ما يحدث داخل الدماغ مع التقدم في العمر، وقد لا يساعد ذلك فقط في فهم الشيخوخة، بل أيضاً في تطوير علاجات جديدة تحافظ على صحة الدماغ، وتؤخر ظهور الأمراض العصبية التي تزداد انتشاراً مع ارتفاع متوسط العمر حول العالم.