حين دخل الذكاء الاصطناعي قاعات طب الأسنان البريطانية... تغيَّر المشهد بالكامل

«الشرق الأوسط» في حوار طبي مع قادة القطاع الطبي في «المؤتمر البريطاني لطب الأسنان ومعرض طب الأسنان 2026»

الذكاء الاصطناعي يهيمن على مؤتمر طب الأسنان البريطاني في برمنغهام
الذكاء الاصطناعي يهيمن على مؤتمر طب الأسنان البريطاني في برمنغهام
TT

حين دخل الذكاء الاصطناعي قاعات طب الأسنان البريطانية... تغيَّر المشهد بالكامل

الذكاء الاصطناعي يهيمن على مؤتمر طب الأسنان البريطاني في برمنغهام
الذكاء الاصطناعي يهيمن على مؤتمر طب الأسنان البريطاني في برمنغهام

داخل قاعات «المؤتمر البريطاني لطب الأسنان ومعرض طب الأسنان 2026» (British Dental Conference and Dentistry Show 2026) في مدينة برمنغهام البريطانية، بدا واضحاً هذا العام أن طب الأسنان العالمي لا يعيش مجرد تطور تقني عابر؛ بل يقف أمام لحظة تحوّل تاريخية قد تغيّر شكل المهنة لعقود قادمة.

من مؤتمر مهني إلى نافذة على مستقبل الطب

الذكاء الاصطناعي لم يعد عنواناً جانبياً في بعض المحاضرات التقنية، ولا فكرة مستقبلية تُناقَش بحذر داخل الجامعات ومراكز البحوث؛ بل أصبح الحضور الأكثر كثافة داخل المعرض والمؤتمر معاً، من منصات الشركات العالمية إلى القاعات العلمية، وصولاً إلى الأحاديث اليومية بين أطباء الأسنان أنفسهم.

وفي أروقة المؤتمر، كان المشهد يوحي بأن العيادة السِّنية تدخل تدريجياً عصراً مختلفاً، تتحول فيه من مساحة تعتمد بالكامل على الخبرة البشرية التقليدية، إلى بيئة رقمية هجينة تتشارك فيها الخوارزميات مع الطبيب في التحليل والتخطيط واتخاذ القرار السريري.

واستقطب المؤتمر الذي يُعد أكبر تجمع مهني لطب الأسنان في المملكة المتحدة، آلاف الأطباء والأكاديميين وخبراء التكنولوجيا الصحية، وسط حضور واسع لشركات عالمية متخصصة في الذكاء الاصطناعي الطبي والتصوير الرقمي والأنظمة السريرية الذكية.

لكن اللافت هذا العام لم يكن فقط حجم التقنية المعروضة؛ بل الشعور المتزايد بأن الذكاء الاصطناعي بدأ يغيّر تعريف الممارسة الطبية نفسها، وأن طبيب الأسنان القادم قد لا يُقاس فقط بمهارته اليدوية وخبرته السريرية؛ بل بقدرته أيضاً على فهم الأنظمة الذكية التي ستشاركه قراءة البيانات وصناعة القرار.

جلسات الذكاء الاصطناعي تستقطب اهتمام أطباء الأسنان في مؤتمر برمنغهام البريطاني

العيادة الذكية لم تعد خيالاً

في أروقة المعرض، ظهرت أنظمة قادرة على قراءة الأشعة السنية خلال ثوانٍ معدودة، وتحليل احتمالات التسوس وأمراض اللثة بدقة متزايدة، والمساعدة في تخطيط الزراعة والتقويم، إضافة إلى منصات ذكية توثق السجلات الطبية، وتكتب الملاحظات السريرية تلقائياً أثناء حديث الطبيب مع المريض.

وفي بعض الأجنحة، بدا المشهد أقرب إلى مختبرات المستقبل منه إلى عيادات الأسنان التقليدية: شاشات عملاقة تعرض تحليلات فورية مدعومة بالأنظمة الذكية، وأنظمة رقمية تتوقع المشكلات السنية قبل ظهورها سريرياً، وتقنيات قادرة على دمج الصور الشعاعية والفحوصات الرقمية والتاريخ المرضي للمريض، داخل نموذج تحليلي واحد يساعد الطبيب على اتخاذ القرار بسرعة ودقة أكبر.

كما خُصصت جلسات علمية كاملة لمناقشة دور الذكاء الاصطناعي في تقليل الأخطاء التشخيصية، وتحسين كفاءة العمل السريري، وتسريع تحليل البيانات الطبية، وإعادة تشكيل تجربة المريض داخل العيادة، بدءاً من لحظة التشخيص وحتى التخطيط العلاجي والمتابعة طويلة المدى.

تحول عميق في الممارسة الطبية

لكن اللافت أن القضية لم تعد مرتبطة فقط بسرعة التقنية أو دقتها؛ بل بطبيعة التحول العميق الذي بدأ يصيب مفهوم الممارسة الطبية نفسها.

فالذكاء الاصطناعي لا يغيّر الأدوات فقط؛ بل يغيّر طريقة وصول الطبيب إلى المعرفة واتخاذ القرار. ففي الماضي، كانت الخبرة السريرية تتراكم ببطء داخل عقل الطبيب، عبر سنوات طويلة من الممارسة والتجربة. أما اليوم، فقد أصبحت النماذج التحليلية قادرة على الوصول خلال ثوانٍ إلى أنماط وتحليلات تستند إلى ملايين الصور والبيانات الطبية المتراكمة حول العالم.

وهنا يبدأ السؤال الأكثر عمقاً داخل طب الأسنان الحديث: إذا أصبحت الآلة قادرة على المساعدة في التشخيص والتنبؤ والتحليل... فما الذي سيبقى جوهراً إنسانياً خالصاً في مهنة الطب؟

الدكتور إيدي كراوتش رئيس جمعية طب الأسنان البريطانية

حوار طبي

* رئيس جمعية طب الأسنان البريطانية: التحدي لم يعد تقنياً.

وفي حديث مع «الشرق الأوسط» على هامش المؤتمر، قال الدكتور إيدي كراوتش، رئيس المؤتمر ورئيس جمعية طب الأسنان البريطانية (British Dental Association)، إن الذكاء الاصطناعي «سيفرض تحولاً عميقاً على مستقبل طب الأسنان بوتيرة أسرع مما يتوقعها كثيرون»، مؤكداً أن السؤال لم يعد متعلقاً بوجود التقنية ولا غيابها؛ بل بمدى جاهزية المؤسسات الطبية والتعليمية للتعامل مع هذا التحول المتسارع بطريقة آمنة وأخلاقية.

وأوضح كراوتش أن الجامعات البريطانية بدأت بالفعل إعادة النظر في مناهج تعليم طب الأسنان؛ لأن «طبيب المستقبل لن يحتاج فقط إلى المهارة السريرية؛ بل إلى فهم عميق للأنظمة الذكية، وآليات اتخاذها للقرار، ونقاط ضعفها العلمية أيضاً».

استقلالية القرار السريري

وأضاف أن القضية لم تعد تقنية بحتة؛ بل أصبحت مرتبطة بطبيعة العلاقة الجديدة بين الطبيب والخوارزمية، وكيف يمكن الحفاظ على استقلالية القرار السريري في عصر تزداد فيه قدرة الأنظمة الذكية على التحليل والتوصية والتنبؤ.

وأكد وجود اهتمام متنامٍ بتطوير التعاون العلمي والأكاديمي بين المؤسسات البريطانية والجهات السعودية المماثلة، لا سيما في مجالات التعليم الطبي الرقمي، والذكاء الاصطناعي السريري، وحوكمة التقنيات الصحية الحديثة.

وفي كواليس المؤتمر، بدا واضحاً أن كثيراً من النقاشات العلمية لم تعد تركز فقط على ما تستطيع الأنظمة الذكية فعله؛ بل على نوع الطبيب الذي سيظهر في المرحلة القادمة. فالمهنة التي اعتمدت عقوداً طويلة على تراكم الخبرة البشرية التقليدية، بدأت اليوم تواجه واقعاً جديداً، يصبح فيه فهم الخوارزميات جزءاً من الثقافة الطبية الأساسية، تماماً كما كانت دراسة التشريح وعلم الأمراض جزءاً من تكوين الطبيب في الماضي.

الدكتور جيسون وونغ كبير أطباء الأسنان في الحكومة البريطانية

مركزية القرار البشري

* جيسون وونغ: القرار البشري يجب أن يبقى في المركز.

وفي حديث مع «الشرق الأوسط» على هامش المؤتمر، قال الدكتور جيسون وونغ (Jason Wong)، كبير أطباء الأسنان في الحكومة البريطانية (Chief Dental Officer for England)، إن الذكاء الاصطناعي «لن يلغي دور طبيب الأسنان، ولكنه سيعيد تعريف طبيعة الممارسة الطبية بالكامل خلال السنوات المقبلة».

وأوضح أن الأنظمة الذكية أصبحت قادرة على تقديم دعم تشخيصي مذهل، وتحليل كميات هائلة من البيانات الطبية بسرعة تفوق القدرات البشرية، ولكنها «لا تستطيع فهم الإنسان بكل تعقيداته النفسية والاجتماعية والإنسانية»، ولهذا يجب أن يبقى القرار البشري في قلب العملية الطبية مهما تطورت البرمجيات الطبية الحديثة.

وأضاف أن قيمة الطبيب لا تكمن في قراءة الأشعة أو تحليل النتائج فقط؛ بل في القدرة على فهم المريض كإنسان يعيش القلق والخوف والألم، وهي أمور لا تستطيع الأنظمة الذكية استيعابها بالطريقة التي يفهمها البشر.

تجارب السعودية

وأشار وونغ إلى أن التجارب السعودية الحديثة في تحديث القطاع الصحي واستخدام الأنظمة الذكية بدأت تلفت الانتباه داخل المؤسسات الصحية البريطانية؛ خصوصاً في مجالات تطوير البنية الصحية الإلكترونية، وربط البيانات الطبية، ودمج الأنظمة الذكية داخل الخدمات العلاجية.

كما شدد على أهمية بناء شراكات دولية في مجالات تدريب الكوادر الصحية ورفع مستوى «الوعي الخوارزمي الطبي»، بحيث لا يقتصر استخدام الذكاء الاصطناعي على الجانب التقني فقط؛ بل يمتد إلى الفهم الأخلاقي، والمسؤولية السريرية، ومعرفة الحدود التي يجب أن تتوقف عندها الآلة ويبقى القرار فيها للإنسان.

وفي ظل هذا التحول المتسارع، بدا واضحاً داخل المؤتمر أن مستقبل الطب لن يكون صراعاً بين الطبيب والآلة؛ بل ستكون بينهما علاقة أكثر تعقيداً، يصبح فيها الطبيب مطالباً بأن يفهم التكنولوجيا، من دون أن يفقد إنسانيته أمامها.

القلق الصامت داخل المهنة

لكن خلف هذا الحماس التقني الكبير، برز داخل المؤتمر نوع من القلق المهني الصامت، وكأن كثيراً من أطباء الأسنان يدركون أن المهنة تدخل مرحلة جديدة أسرع من قدرة المؤسسات التعليمية على مواكبتها.

فكلما ازدادت دقة الأنظمة الذكية، ارتفع احتمال أن يتحول الطبيب تدريجياً من صانع قرار سريري إلى مراقب يعتمد نفسياً على توصيات الخوارزمية؛ خصوصاً مع قدرة هذه الأنظمة على تحليل الصور والبيانات بسرعة ودقة مذهلتين.

ولهذا خُصصت جلسات علمية عدة لمناقشة ما بات يُعرف عالمياً باسم «الوعي الخوارزمي السريري»، أي قدرة الطبيب على فهم طريقة عمل الأنظمة الذكية، ومعرفة اللحظة التي يجب أن يثق فيها بالخوارزمية، واللحظة التي ينبغي أن يعترض فيها عليها.

وكانت إحدى القضايا اللافتة داخل النقاشات العلمية، أن أعداداً كبيرة من أطباء الأسنان الحاليين لم يتلقوا أصلاً أي تعليم منهجي حول الذكاء الاصطناعي خلال دراستهم الجامعية؛ لأن معظمهم تخرّج قبل دخول هذه التقنيات إلى الممارسة اليومية.

ولهذا بدأ يظهر قلق متزايد من اتساع الفجوة بين سرعة تطور الأنظمة الذكية، وبين مستوى فهم بعض الممارسين لطبيعة عملها وحدودها ومخاطرها المحتملة.

المشكلة لم تعد في استخدام الذكاء الاصطناعي فقط؛ بل في استخدامه من دون وعي كافٍ بطريقة تفكير النماذج التحليلية، أو فهم كيفية وصولها إلى التوصيات والنتائج التي تعرضها على الطبيب.

وهنا تكمن المفارقة الأعمق: فالخطر الحقيقي قد لا يكون في ذكاء الآلة؛ بل في الطاعة البشرية المفرطة لها.

إن الخوارزمية تستطيع تحليل ملايين الصور والبيانات بسرعة مذهلة، ولكنها لا تشعر بالخوف الذي يحمله المريض، ولا تفهم القلق الإنساني المختبئ خلف الصمت، ولا تدرك الظروف النفسية والاجتماعية التي قد تغيّر القرار الطبي بالكامل.

ولهذا بدا واضحاً داخل المؤتمر أن مستقبل طب الأسنان لن يعتمد فقط على تطوير أنظمة أكثر ذكاءً؛ بل على إعداد طبيب أكثر وعياً بحدود الذكاء الاصطناعي، وأكثر قدرة على الحفاظ على استقلالية الحكم السريري في عصر الخوارزميات.

بين عصرين مختلفين

ومن أكثر المشاهد رمزية داخل المعرض، ذلك التناقض الواضح بين الأدوات السنية التقليدية المعروضة في بعض الأجنحة، والشاشات العملاقة التي تعرض تحليلات فورية تعتمد على الذكاء الاصطناعي.

ففي الوقت الذي ما زالت فيه كثير من أدوات طب الأسنان التقليدية تمثل جوهر العمل السريري اليومي، كانت الأنظمة الذكية في الجهة المقابلة قادرة على قراءة الصور الشعاعية، وتحليل البيانات الطبية، واقتراح خطط علاجية خلال ثوانٍ معدودة. وكان واضحاً أن طب الأسنان لا يمر فقط بمرحلة تحديث تقني؛ بل بمرحلة تغيّرت فيها طريقة ممارسة المهنة نفسها.

وعلى مدى عقود طويلة، كانت الخبرة السريرية تُبنى تدريجياً داخل عقل الطبيب عبر الدراسة والممارسة والتجربة المباشرة مع المرضى. أما اليوم، فأصبحت الأنظمة الذكية قادرة على الوصول بسرعة هائلة إلى أنماط وتحليلات تستند إلى ملايين الصور والبيانات الطبية المتراكمة حول العالم.

لكن هذا التطور يطرح في المقابل أسئلة مهنية وأخلاقية متزايدة حول طبيعة دور الطبيب في المستقبل، وحدود الاعتماد على الأنظمة الذكية داخل العيادة.

ولهذا، لم يعد السؤال الحقيقي داخل مؤتمرات طب الأسنان العالمية، هو ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيدخل العيادة؛ لأن ذلك يحدث بالفعل بصورة متسارعة؛ بل كيف يمكن للطبيب أن يحافظ على استقلالية قراره السريري وإنسانيته المهنية، في عصر أصبحت فيه الخوارزميات جزءاً أساسياً من الممارسة الطبية اليومية.

وفي برمنغهام، بدا واضحاً أن معركة المستقبل لن تكون بين الطبيب والآلة؛ بل بين الطبيب الذي يفهم الخوارزمية، والطبيب الذي يطيعها دون وعي.


مقالات ذات صلة

ابتكره أب لمساعدة ابنته… تطبيق ذكاء اصطناعي يغيّر حياة مرضى حساسية الطعام

صحتك هدف التطبيق إلى مساعدة المستخدمين على كشف مسببات الحساسية في الأطباق والمنتجات الغذائية بدقة وسهولة (بكسلز)

ابتكره أب لمساعدة ابنته… تطبيق ذكاء اصطناعي يغيّر حياة مرضى حساسية الطعام

لم يعد التعامل مع حساسية الطعام مجرد مسألة حذر فردي، بل أصبح تحدياً يواجه ملايين الأشخاص حول العالم عند تناول الطعام خارج المنزل أو قراءة الملصقات الغذائية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
خاص امرأة تقف أمام شاشة معلومات في معرض «ليب» التقني بالسعودية (واس)

خاص السعودية تصنع نموذجها الخاص في السيادة الرقمية

في عالم تتداخل فيه الحدود الرقمية وتتصاعد فيه المنافسة بين الدول على امتلاك البيانات وتعزيز القدرات التقنية، اختارت السعودية أن ترسم مسارها الرقمي الخاص.

زينب علي (الرياض)
الاقتصاد متداول يعمل في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)

ثورة الذكاء الاصطناعي تضخ 39 مليار دولار في صناديق الأسهم العالمية خلال أسبوع

جذبت صناديق الأسهم العالمية تدفقات داخلية للأسبوع الثامن على التوالي، مع استمرار المستثمرين في ملاحقة موجة الصعود المدفوعة بالذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (لندن، نيويورك )
الاقتصاد متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

أسهم الذكاء الاصطناعي تقود تراجع «وول ستريت» من قممها القياسية

تراجعت سوق الأسهم الأميركية، يوم الجمعة، عن مستوياتها القياسية، لينضم إلى موجة هبوط عالمية، حيث تسببت أسعار النفط المرتفعة في اهتزاز سوق السندات.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
تكنولوجيا التجارة الرقمية في السعودية تنمو بسرعة مع تسوق نصف المستهلكين أسبوعياً وتوقع 67 % زيادة الشراء الإلكتروني (شاترستوك)

دراسة حديثة: وكلاء الذكاء الاصطناعي يدخلون تجربة التسوق في السعودية

تفيد دراسة باتجاه المدفوعات الرقمية في السعودية نحو تجارب أسرع وأكثر ذكاءً، لكن الثقة والأمان يظلان عاملَي الحسم.

نسيم رمضان (لندن)

حاملة الطائرات الفرنسية «شارل ديغول» في بحر العرب

حاملة الطائرات «شارل ديغول» (أ.ف.ب)
حاملة الطائرات «شارل ديغول» (أ.ف.ب)
TT

حاملة الطائرات الفرنسية «شارل ديغول» في بحر العرب

حاملة الطائرات «شارل ديغول» (أ.ف.ب)
حاملة الطائرات «شارل ديغول» (أ.ف.ب)

أعلنت وزيرة الجيوش الفرنسية أليس روفو وصول حاملة الطائرات «شارل ديغول» والسفن المواكبة لها إلى الموقع الذي ستتمركز فيه في بحر العرب، استعداداً لإمكانية إطلاق مهمة «محايدة» تهدف لإعادة حركة الملاحة في مضيق هرمز.

وقالت الوزيرة في مقابلة مع قناة «بي إف إم تي في»، الخميس، إن الحاملة «عبرت قناة السويس، وتقدمت نحو بحر العرب، وهي حالياً في موقعها، لكنها ليست في مضيق هرمز».

وأضافت: «منذ البداية، كان موقف فرنسا هو عرض إمكانية إعادة حرية الملاحة في المضيق، ولكن بطريقة غير هجومية، بل دفاعية بحتة، وتحترم القانون الدولي».

وكانت حاملة الطائرات قد عبرت قناة السويس في السادس من مايو (أيار) وتوقفت لعدة أيام في جيبوتي حيث تقيم فرنسا قاعدة بحرية.

وقالت الوزيرة إن وجود حاملة الطائرات الفرنسية في منطقة الخليج «يمنحنا إمكانية تقييم الوضع والتأثير في المعادلة الدبلوماسية الإقليمية والعالمية».

وأعلنت بريطانيا وفرنسا الشهر الماضي بلورة خطة عسكرية لتأمين مضيق هرمز، من شأنها أن تتيح استئناف حركة الملاحة التجارية فيه.

وأفادت تقارير بموافقة نحو 40 دولة على المشاركة في مهمة متعددة الجنسيات بقيادة الدولتين لحماية الملاحة في هذا الممر المائي الرئيسي، حالما توافق إيران والولايات المتحدة على رفع الحصار عنه، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويُعيق إغلاق المضيق الاستراتيجي تصدير المحروقات من الخليج، ويرفع أسعارها، ما يؤثر على الاقتصاد العالمي.


القضاء على البعوض يثير الجدل رغم تسببه بمقتل أعداد كبيرة من البشر

يتسبب البعوض بمقتل نحو 760 ألف إنسان سنوياً بحسب بيانات رسمية (أ.ف.ب)
يتسبب البعوض بمقتل نحو 760 ألف إنسان سنوياً بحسب بيانات رسمية (أ.ف.ب)
TT

القضاء على البعوض يثير الجدل رغم تسببه بمقتل أعداد كبيرة من البشر

يتسبب البعوض بمقتل نحو 760 ألف إنسان سنوياً بحسب بيانات رسمية (أ.ف.ب)
يتسبب البعوض بمقتل نحو 760 ألف إنسان سنوياً بحسب بيانات رسمية (أ.ف.ب)

ليست الأسود ولا العناكب ولا الحيتان الحيوانات الأكثر حصداً لأرواح البشر، بل البعوض الصغير الذي يلدغ ويسبب حكة وينقل الأمراض، إلى حدّ أن فكرة القضاء عليه تصبح في كثير من الأحيان موضع جدل.

يتسبب البعوض بمقتل نحو 760 ألف إنسان سنوياً، بحسب بيانات رسمية، إذ ينقل نحو 17 في المائة من الأمراض المعدية، مثل الملاريا وحمى الضنك والحمى الصفراء وشيكونغونيا وزيكا.

وبسبب التغير المناخي، تنتشر هذه الحشرات في مناطق جديدة من العالم خلال فصول الصيف التي باتت أطول، ما يُثير مخاوف من أزمات صحية مستقبلية.

ومن هذا المنطلق، ألا يمكن للبشر القضاء على البعوض القاتل؟ وإذا كان ذلك ممكناً، فما تأثيره على البيئة؟

تشير عالمة الأحياء هيلاري رانسون من كلية ليفربول للطب الاستوائي في حديث لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إلى عدم الحاجة للقضاء على مختلف أنواع البعوض، إذ من 3500 نوع معروفة تقريباً لا يلدغ البشر سوى نحو مائة، بينما تُعدّ 5 أنواع فقط مسؤولة عن نحو 95 في المائة من العدوى لدى البشر.

وتوضح أن الأنواع الخمسة الناقلة للأمراض «تطورت لتكون شديدة الارتباط بالبشر»، لا سيما من خلال التغذية والتكاثر على مقربة منهم.

وتؤكد أنّ القضاء عليها نهائياً، وهو أمر «مقبول» بالنظر إلى الضرر الذي تُسببه، لن يكون له تأثير كبير على النظام البيئي ككل، لافتة النظر إلى أنّ أنواعاً من البعوض متشابهة جينياً، لكنها أقل فتكاً «ستسدّ سريعاً هذه الفجوة البيئية».

جدل أخلاقي

من جهته، يعدّ عالم الحشرات دان بيتش من جامعة جورجيا في الولايات المتحدة أن هناك حاجة إلى مزيد من المعلومات لمقارنة القضاء النهائي على البعوض بخيارات أخرى، ويقول: «نحن لا نعرف ما يكفي عن بيئة معظم أنواع البعوض لاتخاذ قرار نهائي في أي من الاتجاهات».

ويضيف أن البعوض «ينقل عناصر غذائية من موائله المائية التي يفقس فيها» إلى مناطق أخرى، ويُعدّ غذاء لكائنات حية أخرى كأنواع من الحشرات والأسماك. كما أنه يُلقّح النباتات، مع العلم أنّ هذه الظاهرة «ليست مفهومة بشكل جيد، وقد تختلف بحسب الأنواع».

وترى رانسون أن الجدل الأخلاقي الدائر بشأن القضاء على كائنات حية مشروع، مشيرة أيضاً إلى أنّ البشر يُبيدون أصلاً أنواعاً كثيرة منها من دون قصد.

ومن بين التقنيات الحيوية الواعدة للقضاء على البعوض، تقنية «الدفع الجيني» التي تقوم على تعديل كروموسوم لنقل صفة معينة إلى كل نسله. وقد نجح علماء عدّلوا جينات إناث بعوض أنوفيلة غامبية الناقل لمرض الملاريا لجعلها عقيمة، في القضاء على مجموعة من هذه الحشرات خلال بضعة أجيال فقط داخل مختبرات.

وتعتزم مبادرة «تارغيت ملاريا» (استهداف الملاريا)، الممولة من مؤسسة غيتس الأميركية، إجراء تجارب في دولة متضررة من الملاريا بحلول عام 2030.

وقد واجهت المبادرة انتكاسة في بوركينا فاسو، حيث أوقف المجلس العسكري الحاكم خلال العام الفائت مشروعاً يتعلق بسلالات معدلة وراثياً من البعوض، ولكن من دون استخدام تقنية الإجبار الجيني (إجبار جين معين على الظهور على نحو تفضيلي في الأجيال الآتية)، وذلك عقب انتقادات من المجتمع المدني وحملات تضليل إعلامي.

وتتمثل استراتيجية واعدة أخرى بجعل بعوض الزاعجة المصرية مُصابة ببكتيريا ولباكيا (الولبخية) التي تمنع انتشار الفيروس. ومن شأن ذلك أن يقلل من أعدادها أو يحدّ من قدرتها على نقل حمى الضنك.

«لا حلّ سحرياً»

تثير هذه التقنيات تساؤلاً آخر بشأن الحاجة الفعلية للقضاء على هذه الحشرات.

أظهرت دراسة نُشرت عام 2025 أن إطلاق بعوض مُصاب ببكتيريا ولباكيا في مدينة نيتيروي البرازيلية خفّض حالات حمى الضنك بنسبة 89 في المائة. وحالياً، يتمتع أكثر من 16 مليون شخص في خمس عشرة دولة بالحماية بفضل هذه البعوضات «من دون مواجهتهم أي آثار سلبية»، على ما يقول مؤسس البرنامج العالمي لمكافحة البعوض سكوت أونيل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

في غضون ذلك، يسعى مشروع آخر يهدف إلى «منع انتقال العدوى بشكل تام» إلى استخدام تقنية تحوير الجينات لمنع إناث بعوضة الأنوفيلة الغامبية من نقل الملاريا. تشير أبحاث مخبرية نُشرت في مجلة «نيتشر» أواخر عام 2025 إلى أن العلماء يقتربون من تحقيق هذا الهدف، ومن المتوقع بدء تجربة ميدانية عام 2030.

مع ذلك، أظهرت النكسة في بوركينا فاسو أن هذه المشاريع تتطلب قدراً من «الدعم السياسي أو موافقة» الدول التي تُجرى فيها التجارب، بحسب ما يؤكد معدّ الدراسة ديكسون ويلسون لويتويرا لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وبدل التعويل فقط على «حلّ تكنولوجي سحري» والذي عادة ما تموّله مؤسسة «غيتس»، تدعو رانسون إلى «حلّ أكثر شمولاً» لمكافحة الأمراض الفيروسية المنقولة عبر الحشرات.

وتقول رانسون إن هذا الحل يتضمن تعزيز إتاحة التشخيص والعلاجات واللقاحات الأكثر فاعلية لسكان الدول المتضررة. لكن بحسب منظمات غير حكومية، يهدّد خفض المساعدات الدولية من الدول الغربية الذي بدأ عام 2025، التقدم المُحرز في مكافحة معظم الأمراض التي ينقلها البعوض.


القادة يثقون بأدوات الذكاء الاصطناعي أكثر من ثقتهم بالبشر

القادة يثقون بأدوات الذكاء الاصطناعي أكثر من ثقتهم بالبشر
TT

القادة يثقون بأدوات الذكاء الاصطناعي أكثر من ثقتهم بالبشر

القادة يثقون بأدوات الذكاء الاصطناعي أكثر من ثقتهم بالبشر

أصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً لا يتجزأ من العمليات الحديثة... من تطوير المنتجات إلى تخطيط القوى العاملة. إذ إن وعوده جذابة، فهو سيُؤتمت عمل المؤسسات ويُحسّنه على جميع المستويات لدفع عملية صنع القرار القائمة على البيانات، وزيادة الإنتاجية، وتحسين تجارب العملاء... ولكن ثمة مخاطر كامنة وراء هذه المكاسب، كما كتبت لويز ك. ألين(*).

اتخاذ القرار بالنيابة

إن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لاتخاذ قرارات أفضل- أمر، غير أن الاعتماد عليه لاتخاذ القرارات نيابةً عنك- أمر آخر.

وقد اتضح أن العديد من المديرين التنفيذيين يميلون إلى الخيار الثاني، حيث وجدت شركة SAP أن 74 في المائة من المديرين التنفيذيين الذين شملهم الاستطلاع قالوا إنهم يثقون في مخرجات الذكاء الاصطناعي أكثر من النصائح البشرية. بالإضافة إلى ذلك، فإن ما يقرب من نصفهم سيسمحون للذكاء الاصطناعي بتجاوز قرارهم الشخصي كانوا قد اتخذوه بالفعل.

وقد يُعرّض هذا التوجه نحو الثقة بالأدوات الذكية، القادة لمساءلة في المستقبل، ما يُقوّض مصداقيتهم ومهاراتهم في سعيهم لتحقيق الكفاءة.

تأثير الذكاء الاصطناعي على العقل

إن هذا النمط مألوف. إذ غالباً ما تندفع الشركات نحو أطر عمل وأدوات وعمليات جديدة، متوقعةً أن مجرد تبنيها كافٍ لتحقيق النتائج، دون مراعاة التداعيات الأوسع.

ولقد حدث هذا من قبل. ففي العديد من عمليات نقل البيانات إلى الحوسبة السحابية المبكرة، على سبيل المثال، تم تحديث الأنظمة، لكن العمليات ظلت على حالها.

ويسلك الذكاء الاصطناعي مساراً مشابهاً، سواء في الاستخدام الشخصي أو التجاري. إذ يُسوَّق له على أنه طريق مختصر لاتخاذ قرارات مثلى. وقد تقبّل الجمهور، بشكل عام، هذا الطرح دون تمحيص.

القرارات لا تُتخذ بمعزل عن السياق

تكمن المشكلة في أن القرارات لا تُتخذ بمعزل عن السياق. فهي تتطلب سياقاً وحكماً وتحليلاً. عندما يعتاد الناس على الاعتماد على مخرجات الذكاء الاصطناعي، تتضاءل مهارات الفهم والاستدلال مع ازدياد اعتمادهم على الأدوات في إنجاز العمل.

تشير الأبحاث بالفعل إلى مخاطر هذه الديناميكية. وقد أظهرت دراسة أجراها مختبر الإعلام في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا أن اعتماد الأفراد بشكل كبير على أدوات الذكاء الاصطناعي لإنجاز المهام التي تتطلب تفكيراً مكثفاً، أدى إلى انخفاض مستوى مشاركتهم الإدراكية. وكانت هذه الآثار بالغة الأهمية لدرجة أن المشاركين أظهروا ضعفاً في قدرتهم على تذكر محتوى أعمالهم.

السرعة أم الحكمة؟

والأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن هذه الآثار لم تختفِ عند إزالة الأدوات، بل استمرت. وهذا يشير إلى أن الإفراط في الاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي قد يؤثر على النتائج في لحظتها، ويُضعف المهارات المكتسبة بمرور الوقت.

في المناصب القيادية العليا، قد تكون تداعيات هذا التشويش المنهجي على سير العمل وخيمة. فمهمة القادة هي تحديد التوجه رغم الغموض، وتوحيد جهود الأفراد حول هذا الهدف المشترك.

باختصار، فإن القرارات التي يتخذها القائد يجب أن تكون أقل أهمية من جوانب التعاطف والسلطة والمصداقية التي تُبنى عليها هذه القرارات.

إن كل قرار يُعهد به إلى جهة خارجية يُعد فرصة ضائعة لصقل مهارات التفكير والتواصل.

* قيم المؤسسة وثقافتها وأهدافها طويلة الأجل هي وظائف بشرية في جوهرها*

إعادة صياغة دور الذكاء الاصطناعي

يُخاطر القادة الذين يُطلقون العنان لأدوات الذكاء الاصطناعي بشكل كامل بتقويض نجاحهم. تُتيح هذه الأدوات توسيع نطاق المدخلات التي يأخذها القادة في الاعتبار، وتحدي الافتراضات، وتسريع التحليل. مع ذلك، فإنَّ الموازنة بين الأولويات المتنافسة وإدارة التنفيذ بطرق تُجسّد قيم المؤسسة وثقافتها وأهدافها طويلة الأجل هي وظائف بشرية في جوهرها. وكلما زاد غموض هذا الخط الفاصل بين العمل والتنفيذ، زادت المخاطر التي تواجهها المؤسسات.

الانضباط عند اتخاذ القرار

ستكون المؤسسات الأكثر استفادة من الذكاء الاصطناعي هي تلك التي تتسم بالانضباط في اتخاذ قراراتها. وهذا يتطلب تركيزاً مُتجدداً على أساسيات القيادة: وضوح النية والقدرة على تطبيق الحكم السليم في المواقف التي تكون فيها البيانات غير مكتملة أو غامضة. قد يبدو هذا التمييز فلسفياً، ولكنه في الواقع عملي وواقعي.

الحفاظ على الطابع الإنساني للقرارات

إنّ أولئك الذين يُفكرون ملياً في كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي ومتى، وما يجب على القادة الاستمرار في تحمّل مسؤولياته، سيحققون نتائج أفضل من أولئك الذين يُركّزون كلياً على الكفاءة.

ذكاء «محايد ومتفاعل وخصم»

هذا يعني التخلي عن فكرة اعتبار الذكاء الاصطناعي صانع قرار أو مالك مشروع، والنظر إليه بدلاً من ذلك على النحو التالي:

1. طرف ثالث محايد: تستطيع أدوات الذكاء الاصطناعي معالجة البيانات وتلخيصها بسرعة، ما يساعد على إبراز الأنماط الموضوعية، ولكن على القادة تفسير الأرقام في ضوء تاريخ المؤسسة وثقافتها وخصوصياتها.

2. منصة تفاعلية لتبادل الآراء: استخدم الذكاء الاصطناعي لمناقشة الخيارات، وجمع المعلومات حول سيناريوهات مماثلة، وتطوير أساليب تفكير جديدة، مع الاحتفاظ بمسؤولية الحكم والتوجيه النهائي والتواصل.

3. خصمٌ شرس: دع الذكاء الاصطناعي يلعب دور المُعارض. اطلب منه أن يُشكك في أفكارك، وأن يختبر خططك بدقة، وأن يُحلل ثغرات تفكيرك من منظور مختلف أصحاب المصلحة، وذلك لفهم كيفية استقبال الآخرين لرؤيتك الاستراتيجية.

يُساعد هذا التغيير في التفكير على ترسيخ وتوضيح دور الذكاء الاصطناعي في سير العمل التنفيذي، وجعله عاملاً مُساعداً لا مُتحكماً في الخطوات اللاحقة. ففي نهاية المطاف، القيادة تعني تحمُّل مسؤولية التوجيه والأفراد والنتائج.

يُمكن للذكاء الاصطناعي دعم هذا العمل، لكنه لا يستطيع القيام به. سيجد المديرون التنفيذيون الذين يسمحون للذكاء الاصطناعي باتخاذ القرارات بدلاً من تقديم المعلومات، أنفسهم، حتماً تقريباً، يُعيدون صياغة رؤاهم وفقاً لصورة التكنولوجيا، مُتجاهلين حدودها. وهذا يُشكل خطراً، استراتيجياً وشخصياً.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».