الأرض «تضمد جروحها» بعد الزلازل القوية

يؤكد الباحثون أن الصدوع التي تقع على أعماق سحيقة في باطن الأرض يمكن أن تلتحم من جديد بعد انكسارها نتيجة الهزات الأرضية (بيكسباي)
يؤكد الباحثون أن الصدوع التي تقع على أعماق سحيقة في باطن الأرض يمكن أن تلتحم من جديد بعد انكسارها نتيجة الهزات الأرضية (بيكسباي)
TT

الأرض «تضمد جروحها» بعد الزلازل القوية

يؤكد الباحثون أن الصدوع التي تقع على أعماق سحيقة في باطن الأرض يمكن أن تلتحم من جديد بعد انكسارها نتيجة الهزات الأرضية (بيكسباي)
يؤكد الباحثون أن الصدوع التي تقع على أعماق سحيقة في باطن الأرض يمكن أن تلتحم من جديد بعد انكسارها نتيجة الهزات الأرضية (بيكسباي)

توصل فريق من علماء الجيولوجيا في الولايات المتحدة إلى أن الصدوع الزلزالية العميقة في باطن الأرض يمكن أن تلتئم في غضون ساعات بعد حدوث الهزات الأرضية القوية.

واستخلص الباحثون من جامعة كاليفورنيا ديفيز الأميركية هذه النظرية من خلال تجربة محاكاة على حبيبات وأجزاء مفتتة من أحجار الكوارتز، وهي تكوينات صخرية تتكون من ثاني أكسيد السليكون، وتعتبر من أكثر الصخور انتشاراً على وجه الأرض، حيث وجدوا أن تلك الأجزاء المفتتة يمكن أن تلتئم خلال التجارب بوتيرة أسرع مما كان يعتقد من قبل في حالة تعريضها لظروف ضغط وحرارة مرتفعة.

ويؤكد الباحثون، بحسب الدراسة التي نشرتها الدورية العلمية «ساينس أدفانسس» Science Advances، أن الصدوع التي تقع على أعماق سحيقة في باطن الأرض يمكن أن تلتحم من جديد بعد انكسارها نتيجة الهزات الأرضية، وهو ما يضيف عاملاً جديداً إلى النظريات التي يستند إليها العلماء في تفسير سلوكيات الصدوع الأرضية التي يمكن أن تفضي في نهاية المطاف إلى حدوث زلازل قوية، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وتقول الباحثة أماندا توماس أستاذة علوم الأرض والجيولوجيا في جامعة كاليفورنيا ديفيز وأحد المشاركين في الدراسة، في تصريحات للموقع الإلكتروني «ساتيك ديلي» المتخصص في الأبحاث العلمية: «اكتشفنا أن الصدوع العميقة تداوي نفسها بنفسها خلال ساعات، وهو ما دفعنا إلى إجراء مراجعة لسلوكيات الصدوع بشكل عام، والتحقق بشأن ما إذا كنا نهمل مسألة في غاية الأهمية».

عادة ما تحدث الزلازل التقليدية عندما تبدأ الضغوط التي تتكون على مدار مئات أو آلاف السنين بفعل احتكاكات الصفائح التكتونية (بيكسباي)

وعادة ما تحدث الزلازل التقليدية عندما تبدأ الضغوط التي تتكون على مدار مئات أو آلاف السنين بفعل احتكاكات الصفائح التكتونية، وهي ألواح صخرية صلبة في باطن الأرض، في التفريغ، مما يؤدي إلى حدوث اهتزازات قوية تستمر عدة ثوانٍ.

وفي إطار الدراسة، فحصت توماس وزميلها البروفسور جيمس واتكنز ظاهرة تعرف باسم الانزلاقات البطيئة، ويقصد بها تحركات زلزالية تدريجية تحدث في باطن الأرض بوتيرة أبطأ من الزلازل التقليدية. وتوضح توماس أنه في عام 2002، توصل العلماء إلى وجود نوع آخر من الأنشطة الزلزالية، فعندما تحدث الانزلاقات البطيئة، يتم تفريغ الضغوط على مدار شهور أو سنوات في صورة تحركات طفيفة في الصفائح الأرضية لمسافة عدة سنتيمترات.

وتشير توماس إلى أن قوى الجاذبية من الشمس والقمر على الأرض تؤثر على القشرة السطحية بنفس طريقة تأثيرها على أمواج المد والجزر في البحار والمحيطات، كما أن تأثير وزن مياه البحار يفرض ضغوطاً على طبقات الصخور في الأعماق.

ويتخصص الباحث جيمس واتكنز في مجال الكيمياء الجيولوجية التي تدرس تأثير الحرارة والضغط على المعادن، وهو يعمل في مختبر تم تجهيزه بحيث يمكنه محاكاة ظروف الضغوط التي تتعرض لها الصخور في باطن الأرض أو في حالة حدوث البراكين.

وفي إطار الدراسة الجديدة، قام الباحثان توماس وواتكنز بوضع مسحوق من صخور الكوارتز داخل أسطوانة مصنوعة من الفضة ثم تم تعريض المسحوق لضغط بقوة واحد غيغاباسكال، وهو ما يوازي 10 آلاف مرة حجم الضغط الجوي وتحت درجة حرارة تبلغ 500 درجة مئوية لمدة 24 ساعة. وفي بداية التجربة، كانت قطع وحبيبات الكوارتز المفتتة تتسم بزوايا حادة وتركيب صدفي الشكل، ولكن بعد ست ساعات بدأت تأخذ أشكالاً دائرية غير حادة وتتماسك، كما تكوّنت حبيبات صغيرة لم تكن موجودة في بداية التجربة. وفي بعض الحالات ظهرت تكوّنات سائلة بين أجزاء الصخور، في مؤشر على حدوث شكل من أشكال الترسّبات. ومع استمرار التجربة على مدار 24 ساعة، أصبحت الترسّبات الصخرية أكثر وضوحاً، وتكونت واجهات مكتملة للقطع الصخرية والتحمت كثير من العينات الصخرية مقارنة بوضعها في بداية التجربة.

ويشرح واتكنز هذه التجربة قائلاً: «قمنا بمحاكاة ما يحدث في حالة الانزلاقات البطيئة، حيث قمنا بطهو الصخور ثم استعرضنا النتيجة».

يمكن أن تفضي سلوكيات الصدوع الأرضية في نهاية المطاف إلى حدوث زلازل قوية (بيكسباي)

وعمد الباحثون إلى قياس مدى سرعة انتقال الموجات الصوتية داخل العينة بعد تعريضها «للطهي»، ثم أخرجوا المسحوق من الأسطوانة ووضعوه تحت المجهر الإلكتروني للتعرف على التغيرات التي طرأت على تركيبه. ووجدوا أن حبيبات الكوارتز التحمت مجدداً بعد تعريضها للضغط والحرارة.

وتقول توماس إن المسألة تبدو كما لو كان الصدع قد التأم بواسطة الصمغ، وأضافت: «حدث هذا الالتئام بشكل سريع، واستعادت الصخور صلابتها بشكل ملموس».

ويرى الباحثون أن هذا التماسك، ويقصد به قدرة الصدوع على التداوي من تلقاء نفسها، قد ينطوي على أهمية بالغة في حالات أخرى، مثل الصدوع التي تقع على مسافة قريبة من سطح الأرض وتتسبب في حدوث زلازل قوية.

وترى توماس أن «التماسك الصخري هو أحد العوامل التي يتم تجاهلها في معظم الفرضيات العلمية» علماً بأنه في ظروف معينة، قد يكون هذا التماسك أكثر أهمية مما كنا نعتقد في وقت سابق.

ويقول واتكنز إن تجربة المحاكاة هذه «تربط بين ما يحدث على مستوى قطع الصخور تحت المجهر وبين الزلازل القوية التي تحدث على امتداد مئات الكيلومترات».


مقالات ذات صلة

يوميات الشرق البعوض يتعلَّم كيف يهزم خوفه (شاترستوك)

البعوض يتعلَّم التكيُّف مع أشهر طارد للحشرات!

يرشُّ ملايين الأشخاص أجسادهم بطارد الحشرات لإبعاد البعوض، ولكن بحوثاً جديدة تشير إلى أنّ هذه الحشرات الماصَّة للدماء يمكن أن تتعلَّم ربط رائحة الطارد بالغذاء.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق ليست كلّ الملكات تولد ملكات... هكذا يقول النحل (أ.ف.ب)

«عامة النحل» تنتخب الملكات بطريقة «ديمقراطية»

رغم أنّ لكلّ خلية نحل ملكتها الخاصة، فإنّ آلية الوصول إلى العرش تبدو كأنها تعمل بشكل ديمقراطي، وليس وفق قواعد ملكية تقليدية...

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق لحظة على شاطئ هاواي أشعلت الغضب (شاترستوك)

رَشْق فقمة بحجر يجرّ سائحاً أميركياً إلى المحكمة

دافع محامٍ عن سائح من ولاية واشنطن، متّهم بإلقاء حجر بحجم ثمرة جوز الهند على فقمة هاواي الراهبة المهدَّدة بالانقراض، بالقول إنه كان يحاول حماية السلاحف البحرية.

«الشرق الأوسط» (هاواي)
صحتك التعرض لأشعة الشمس يسهم في تحسين الحالة المزاجية (بيكسلز)

العودة إلى الطبيعة... 6 فوائد صحية لا تتوقعها

في عالم يزداد اعتماداً على الشاشات والمساحات المغلقة، قد يبدو الخروج إلى الطبيعة خياراً ثانوياً أو ترفاً غير ضروري.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

هل تستمر «حلول الطبيعة» في تعزيز صمود المدن أمام تغير المناخ؟


الحلول القائمة على الطبيعة تقوم على توظيف الغابات والأراضي الرطبة والشعاب المرجانية لتعزيز صمود المدن أمام تغير المناخ (جامعة واشنطن)
الحلول القائمة على الطبيعة تقوم على توظيف الغابات والأراضي الرطبة والشعاب المرجانية لتعزيز صمود المدن أمام تغير المناخ (جامعة واشنطن)
TT

هل تستمر «حلول الطبيعة» في تعزيز صمود المدن أمام تغير المناخ؟


الحلول القائمة على الطبيعة تقوم على توظيف الغابات والأراضي الرطبة والشعاب المرجانية لتعزيز صمود المدن أمام تغير المناخ (جامعة واشنطن)
الحلول القائمة على الطبيعة تقوم على توظيف الغابات والأراضي الرطبة والشعاب المرجانية لتعزيز صمود المدن أمام تغير المناخ (جامعة واشنطن)

تعتمد المدن حول العالم بشكل متزايد على الطبيعة لمواجهة تداعيات التغير المناخي، من موجات الحر والفيضانات وارتفاع مستويات البحار. وقد برزت «الحلول القائمة على الطبيعة» كاتجاه رئيسي في التخطيط الحضري الحديث، يقوم على توظيف الغابات والأراضي الرطبة والشعاب المرجانية بوصفها بنية تحتية حيّة تعزز صمود المدن أمام الاضطرابات المناخية.

لكن دراسة دولية شارك فيها 24 باحثاً من جامعات في الولايات المتحدة وكندا وجنوب أفريقيا وهونغ كونغ تكشف فجوة علمية مهمة في تصميم هذه الحلول؛ إذ يفترض كثير من المخططين أن الطبيعة ثابتة، بينما الكائنات الحية التي تقوم عليها هذه الأنظمة تتطور باستمرار تحت ضغط البيئة الحضرية، ما قد يغيّر كفاءتها ووظائفها البيئية.

وتشير الدراسة إلى أن المشكلة لا تتعلق بسوء الإدارة فقط، بل بإغفال عامل بيولوجي أساسي هو التطور؛ فالكائنات التي تعتمد عليها المدن في التكيف مع تغير المناخ، من نباتات وكائنات مائية وميكروبات، ليست عناصر جامدة، بل تتغير وراثياً ووظيفياً استجابة للحرارة والتلوث وشح المياه والتحولات البيئية المتسارعة، وفق النتائج المنشورة بعدد 14 مايو (أيار) 2026 من مجلة «Science».

مشاريع تواجه الصعوبات

تتحول المدن الحديثة، وفق الدراسة، إلى ما يشبه «مختبرات للتطور السريع»، إذ تتعرض الكائنات لضغوط شديدة مثل التلوث والجزر الحرارية وتفتت الموائل وارتفاع الملوحة.

وهذا يدفعها لاكتساب صفات جديدة خلال أجيال قصيرة، إلاأهذا التطور قد يسير في اتجاهين متناقضين: فقد يعزز بقاء الأنواع، لكنه في الوقت نفسه قد يُضعف الوظيفة البيئية التي صُممت الحلول لتحقيقها.

وعلى الرغم من أن العالم أنفق نحو 200 مليار دولار على الحلول القائمة على الطبيعة في عام 2022، مثل الغابات الحضرية لتبريد المدن، والأراضي الرطبة لامتصاص الفيضانات، والشعاب المرجانية لحماية السواحل، فإن الدراسة تحذر من أن العديد من هذه المشاريع قد يواجه إخفاقاً على المدى البعيد بسبب افتراض ثبات الخصائص البيولوجية للكائنات، وهو ما لا تدعمه الحقائق العلمية.

وتقدم الدراسة أمثلة توضح هذا التعقيد؛ ففي البيئات الساحلية طورت نباتات المستنقعات كتلة جذرية أكبر ساهمت في تعزيز مقاومة ارتفاع مستوى البحر، بينما اتجهت نباتات أخرى إلى زيادة النمو فوق سطح الماء على حساب الجذور، ما أضعف قدرتها على تثبيت الشواطئ. وبالمثل، طورت قشريات «دافنيا» مقاومة أعلى للملوثات، لكنها فقدت جزءاً من قدرتها على ضبط نمو الطحالب، ما قد يؤدي إلى تدهور جودة المياه. أما الأشجار الحضرية في مدن مثل فينيكس ولوس أنجليس فأصبحت أكثر تحمّلاً للجفاف، لكنها أقل قدرة على تكوين مظلات كثيفة وامتصاص الكربون.

وعلى مستوى أكثر خطورة، قد تسهم بعض المجتمعات الميكروبية المستخدمة في معالجة مياه الصرف في انتشار مقاومة المضادات الحيوية عبر نقل الجينات، ما يحول بعض الأنظمة البيئية إلى مصادر محتملة لمخاطر صحية متصاعدة.

تغيّر خصائص الكائنات

توضح الدكتورة مارينا ألبرتي، أستاذة التخطيط الحضري والبيئي في جامعة واشنطن والباحثة الرئيسية، أن الحلول القائمة على الطبيعة تعتمد على كائنات حية تتغير خصائصها مع الزمن، وهو ما ينعكس مباشرة على كفاءتها البيئية. وأضافت لـ«الشرق الأوسط»، أن النباتات تساهم في تبريد المدن عبر الظل والنتح وامتصاص المياه وتخزين الكربون، بينما تبني الشعاب المرجانية والمحار هياكل تقلل من قوة الأمواج وتحمي السواحل، في حين تلعب الكائنات الدقيقة دوراً محورياً في تحليل الملوثات ودورة المغذيات.

لكن التحدي الأساسي، حسب ألبرتي، أن السمات التي تمكّن هذه الكائنات من أداء وظائفها ليست ثابتة، بل تتغير تحت ضغط الحرارة والجفاف والفيضانات والتلوث وتفتت الموائل والأمراض. وقد يؤدي ذلك إلى تغيّر في أداء الأنظمة البيئية نفسها، حتى لو استمرت الكائنات في البقاء.

فقد تتجه النباتات الحضرية مثلاً إلى بطء النمو وصِغر الأوراق وعمق الجذور وتغير توقيت الإزهار، ما يؤثر على قدرتها على التبريد وامتصاص المياه. وفي المقابل، قد تتغير معدلات نمو الشعاب المرجانية والمحار، بما يضعف دورها في حماية السواحل. كما أن تغير تركيب المجتمعات الميكروبية قد يؤثر على جودة المياه وكفاءة إزالة الملوثات.

وتدعو الدراسة إلى إعادة النظر في تصميم هذه الحلول عبر أربع فرضيات أساسية: عدم إمكانية نقل الحلول بيئياً بشكل مباشر بين المدن، أهمية التنوع الجيني لتعزيز القدرة على التكيف، إمكانية أن تمتلك الكائنات المتأقلمة حضرياً مزايا وقيوداً في آن واحد، وأخيراً ما يسمى «فخ الوظيفة»، حيث يضمن التطور بقاء الكائن لكنه قد يقلل من الوظيفة البيئية المطلوبة.

وفي رأي ألبرتي، فإن الحلول القائمة على الطبيعة ليست أنظمة ثابتة، بل بنى تحتية حيّة وديناميكية، وأن تعزيز فعاليتها لا يتحقق بمجرد إنشائها، بل بتصميمها بحيث تراعي التطور المستمر للكائنات وقدرتها على التكيف مع المستقبل.


توقيت الوجبات ونوع الدهون يعيدان رسم خريطة الجينات

توقيت الوجبات ونوع الدهون يعيدان رسم خريطة الجينات
TT

توقيت الوجبات ونوع الدهون يعيدان رسم خريطة الجينات

توقيت الوجبات ونوع الدهون يعيدان رسم خريطة الجينات

كشفت دراستان حديثتان أن الأنسجة الدهنية في الجسم ليست مجرد مخزن للطاقة بل عضو حيوي يتفاعل بدقة مع توقيت تناول الطعام ونوعه. وأن الاختلال في هذا التوازن قد يمهد الطريق لالتهابات مزمنة واضطرابات استقلابية مثل السمنة والسكري.

توقيت تناول الوجبات

الدراسة الأولى التي قادتها البروفسورة أولغا راميش من المعهد الألماني للتغذية البشرية «بوتسدام - ريبروك» (DIfE) بحثت في تأثير توقيت تناول الكربوهيدرات والدهون على نشاط الجينات في النسيج الدهني تحت الجلد لدى البشر ضمن إطار علم «التغذية الزمنية» (Chrononutrition) الذي يدرس العلاقة بين الإيقاع اليومي للجسم والتمثيل الغذائي.

هل يختلف تأثير الدهون صباحاً عنه مساء؟ شملت الدراسة 29 رجلاً يعانون من زيادة الوزن دون إصابتهم بالسكري. واتبع المشاركون نظامين غذائيين متساويين في السعرات الحرارية لمدة أربعة أسابيع لكل منهما. في النظام الأول تناولوا كربوهيدرات صباحاً ودهوناً مساءً بينما كان النظام الثاني عكس هذا الترتيب.

وخلال التجربة، التي نُشرت نتائجها في مجلة «Food Research International» في 26 فبراير (شباط) عام 2026، جمع الباحثون عينات من النسيج الدهني تحت الجلد في أوقات مختلفة من اليوم وحللوا «الترانسكريبتوم» (transcriptome)؛ أي صورة نشاط الجينات في لحظة معينة بالتعاون مع فريق من جامعة برلين للطب ومستشفى برلين ألمانيا. وأظهرت التحليلات أن 1386 جيناً في النسيج الدهني تخضع لإيقاع يومي يتكرر كل 24 ساعة؛ كثير منها مرتبط باستقلاب السكر والدهون أو بعمليات الالتهاب. والأهم أن توقيت تناول المغذيات أثّر في نحو ثلث هذه الجينات المتذبذبة، فبعضها تغير إيقاعه وبعضها فقد نمطه اليومي، بينما اكتسبت جينات أخرى إيقاعاً جديداً.من اللافت أن تناول وجبة غنية بالدهون صباحاً، والكربوهيدرات مساءً، حسّن مؤشرات حساسية الإنسولين في النسيج الدهني. أما نقل الدهون إلى المساء فزاد من نشاط جينات مرتبطة بالالتهاب ما قد يشير إلى بداية حالة التهابية مبكرة ترتبط بمخاطر السمنة والسكري من النوع الثانيوترى راميش أن النتائج تؤكد أن توقيت توزيع المغذيات خلال اليوم يؤثر بشكل ملموس في العمليات الجزيئية داخل الأنسجة الدهنية، مشيرة إلى أن الوجبات الغنية بالدهون في وقت متأخر قد تحفز مسارات غير مواتية على المدى الطويل.

الدهون ليست نوعاً واحداً

كانت دراسة سابقة كشفت أن نوع النسيج الدهني نفسه يلعب دوراً محورياً في تحديد المخاطر الصحية المرتبطة بالسمنة. ففي البحث الذي أجراه علماء من جامعة ديلاوير في نيوارك الولايات المتحدة الأميركية، ونُشر في مجلة «Physiological Genomics» في 25 نوفمبر(تشرين الثاني) 2024، قارن الباحثون بين نشاط الجينات في نوعين من الدهون لدى فئران نحيفة وأخرى بدينة بعد عام من اتباع أنظمة غذائية مختلفة.

ويُميّز العلماء بين نوعين رئيسيين من الدهون هما الدهون الحشوية (VAT) (Visceral adipose tissue) التي تحيط بالأعضاء في البطن وترتبط بالتهاب مزمن ومقاومة الإنسولين، والدهون تحت الجلد (SAT) (Subcutaneous adipose tissue) الموجودة أسفل الجلد التي تُعد أقل ارتباطاً بالالتهاب.

أظهرت النتائج وجود اختلافات واسعة في التعبير الجيني بين الفئران النحيفة والبدينة. فقد تم رصد 308 جينات مختلفة النشاط في الدهون تحت الجلد وأكثر من 600 جين في الدهون الحشوية. وغالبية الجينات التي ارتفع نشاطها في الدهون تحت الجلد كانت تدعم عمليات استقلاب الدهون ما قد يساعد في الحفاظ على وظيفتها.

في المقابل ارتبطت الجينات النشطة في الدهون الحشوية لدى الفئران البدينة بمسارات التهابية ما يعزز الفكرة القائلة إن هذا النوع من الدهون هو الأكثر خطورة على صحة القلب والتمثيل الغذائي.كما لاحظ الباحثون أن بعض الجينات التي ارتفع نشاطها في الدهون تحت الجلد وانخفض في الدهون الحشوية ترتبط بالحماية من أمراض القلب وبعض أنواع السرطان ما يبرز اختلافاً وظيفياً جوهرياً بين النوعين.

توصيات غذائية أكثر دقة

تجمع الدراستان على أن الأنسجة الدهنية كيان ديناميكي يتأثر بتوقيت الوجبات ونوعها، وكذلك بموقعها في الجسم. وتفتح هذه النتائج الباب أمام مقاربات أكثر دقة في الوقاية من السمنة والسكري لا تقتصر على عدد السعرات الحرارية فحسب، بل تمتد إلى توقيت تناولها ونوع الدهون المستهلكة.ويرى الباحثون أن الخطوة المقبلة تتمثل في إجراء دراسات طويلة الأمد وعلى فئات أوسع، بما في ذلك النساء ومرضى السكري لفهم التأثيرات الصحية الفعلية. كما أن الدراسات الخلوية والحيوانية قد تسهم في توضيح الآليات الدقيقة التي تربط بين الإيقاع البيولوجي وتوزيع الدهون وخطر الأمراض المزمنة.وفي ضوء هذه المعطيات يبدو أن السؤال لم يعد «كم نأكل؟» فقط، بل أيضاً «متى نأكل؟»، وأين تتراكم الدهون في أجسامنا، وهي أسئلة قد تعيد صياغة استراتيجيات الوقاية والعلاج في عصر الطب الشخصي


غواصات صغيرة جديدة لاستكشاف أعماق المحيطات

غواصات صغيرة جديدة لاستكشاف أعماق المحيطات
TT

غواصات صغيرة جديدة لاستكشاف أعماق المحيطات

غواصات صغيرة جديدة لاستكشاف أعماق المحيطات

تشارك سفينة «رينيير» البحثية، التابعة للإدارة الوطنية الأميركية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA) في الوقت الراهن، في بعثة طموحة لرسم خرائط لأكثر من 8000 ميل بحري مربع، من قاع المحيط الهادي بين أستراليا وأميركا الجنوبية، بحثاً عن رواسب معدنية حيوية. ويتمثل عنصر محوري في المهمة في غواصتين صغيرتين زاهيتي اللون من إنتاج «أورفيوس أوشن»، شركة ناشئة انبثقت عن «معهد وودز هول لعلوم المحيطات»، عام 2024.

مركبات الأعماق البحرية

جرى تصميم هذه المركبات للعمل في أعماق بعيدة للغاية وبكفاءة عالية؛ إذ يمكنها الغوص إلى عمق يقارب 6000 متر، و«التنقل قفزاً» على طول قاع البحر، مع جمع عينات من الرواسب والكائنات الحية، بما في ذلك الميكروبات والديدان والقواقع والعُقيدات المعدنية بحجم البيض، التي تحتوي على معادن، مثل النحاس والكوبالت والنيكل والمنغنيز، العناصر الضرورية للتكنولوجيا الحديثة.

وتهدف شركة «أورفيوس أوشن» إلى جعل استكشاف أعماق البحار أقل تكلفة؛ فعلى عكس الغواصات التقليدية، التي تتراوح تكلفتها بين خمسة وعشرة ملايين دولار، يجري تصنيع غواصات الشركة مقابل بضع مئات الآلاف من الدولارات فقط لكل واحدة.

في هذا الصدد، أوجز الرئيس التنفيذي للشركة، جيك راسل، في حديث نشرته مجلة «تكنولوجي ريفيو» فلسفة الشركة في عبارة: «أعماق كبيرة بتكلفة زهيدة». وقد يساهم هذا النهج، إلى جانب قدرة الغواصات على جمع عينات الرواسب والكائنات الحية معاً، في إتاحة أبحاث أعماق المحيطات لشريحة أوسع من الباحثين، من خلال تقليل الاعتماد على الأساطيل المحدودة والمكلفة، التابعة للحكومات والمؤسسات العلمية.

ويعكس تصميم غواصات «أورفيوس أوشن» سنوات من التجارب المكثفة، داخل مؤسسة «معهد وودز هول لعلوم المحيطات»، بالتعاون مع الإدارة الوطنية الأميركية للمحيطات والغلاف الجوي، ووكالة «ناسا». وكان باستطاعة النماذج الأولية المبكرة، نظرياً، الوصول إلى العمق الكامل لـ«خندق ماريانا» Mariana Trench (أعمق نقطة على سطح الأرض)، البالغ نحو أحد عشر ألف متر.

ورغم مشاركة الغواصات في عمليتي تشغيل تجاريتين من قبل، تشكل الرحلة الحالية الاختبار الأصعب لها حتى الآن؛ إذ تعمل عبر مسافات واسعة، ولمدة أسابيع متعددة، باستخدام عدة أدوات علمية في الوقت ذاته.

ومن على سطح السفينة الحاملة لها، تستطيع كل غواصة التحرك لمسافة تقارب 10 كيلومترات في كل مهمة، مع التقاط صور عالية الدقة كل ثانية، وجمع ما يصل إلى 8 عينات مادية في كل غوصة. وإذا نجحت المهمة، فسيجري اعتماد هذه الغواصات باعتبارها أدوات عملية للعلماء والوكالات الحكومية والشركات، التي تستكشف أعماق المحيطات، والتي لا يزال الجزء الأكبر منها مجهولاً حتى اليوم.

وفي الوقت الراهن، تعتمد أبحاث أعماق البحار بشكل كبير على عدد محدود من الغواصات باهظة الثمن تملكها الحكومات. ويحد هذا الوضع من الدراسات، لتصبح مجرد «لقطات سريعة» لقاع المحيط، بدلاً من إجراء دراسات طويلة الأمد للأنظمة البيئية والكيميائية الحيوية هناك.

من جهته، أكد جيك راسل أن جزءاً كبيراً من المنطقة، التي تستكشفها سفينة «رينيير (Rainier)» لا يزال مجهولاً بالكامل تقريباً، وأن أي شيء يجري اكتشافه هناك سيكون على الأرجح جديداً على «الإدارة الوطنية الأميركية للمحيطات والغلاف الجوي»، وعلى المجتمع العلمي بأسره.

عمل ذاتي وبرامج متكيّفة

تُصنَّف مركبات «أورفيوس أوشن» ضمن فئة المركبات ذاتية العمل تحت الماء، ولديها القدرة على الحركة وفق برامج مسبقة أو بصورة تكيفية، من دون الحاجة إلى كابل يربطها بالسفينة. وعلى عكس المركبات التقليدية المصممة للانزلاق لمسافات طويلة، تتميز هذه الغواصات بصغر حجمها وبنيتها المتينة وامتلاكها أرجلاً صغيرة؛ ما يسمح لها بالهبوط بسلاسة على قاع البحر، واستخراج عينات من الرواسب. كما تتيح لها حركة «القفز» الارتفاع لفترات قصيرة عن القاع قبل الهبوط مجدداً، ما يحسن قدرتها على التنقل فوق التضاريس الرخوة أو غير المستوية.

ويجري تصنيع الغواصات بشكل أساسي من مادة رغوية صناعية تحتوي على كرات زجاجية مجوفة دقيقة تساعدها على تحمل الضغوط الهائلة في الأعماق السحيقة، بينما تُحمى أجهزتها الإلكترونية داخل كرات زجاجية سميكة.

وقد استخدمت هذه المادة الرغوية في بعثات شهيرة لاستكشاف أعماق البحار، من بينها رحلة المخرج جيمس كاميرون إلى خندق ماريانا عام 2012؛ حيث جرى التبرع ببقايا من تلك المادة لاستخدامها في النماذج الأولية المبكرة لغواصات «أورفيوس».

ويبلغ طول هذه الغواصات أقل من مترين، ويقل وزنها عن مئتين وسبعين كيلوغراماً؛ ما يجعلها أصغر مركبات غوص عميق قادرة على الوصول إلى عمق 6000 متر، كما يجعلها منخفضة التكلفة ومن السهل زيادة حجمها من أجل استخدامها ضمن أساطيل.

في هذا الصدد، أوضحت فيكتوريا أورفان، عالمة مختصة بعلمي الأحياء والجيولوجيا، من معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا (كالتيك)، أن أحد أكبر التحديات في استكشاف أعماق البحار، يكمن في خطر فقدان المركبات. وتجعل الغواصات الكبيرة باهظة الثمن، التي تديرها الهيئات الحكومية والمؤسسات العلمية خسارة أي معدات أمراً بالغ الخطورة، خاصة مع محدودية عدد هذه المركبات.

وقد اختبرت أورفان إحدى غواصات «أورفيوس» في ربيع 2024. قرب جزر ألوشيان التابعة لألاسكا، بهدف رسم خرائط لتسربات غاز الميثان، قبل إرسال غواصة مأهولة لإجراء دراسة تفصيلية.

ومع أن التجربة الأولى جابهت صعوبات ناجمة عن البرودة الشديدة وطبيعة التضاريس الوعرة، نجحت الغواصة خلال ثلاثة أسابيع في التقاط صور عالية الدقة؛ ما عزز الثقة بإمكاناتها العلمية.

من جهته، يتطلع جيك راسل إلى تزويد غواصات «أورفيوس» بحمولات متخصصة قادرة على اكتشاف التسربات الكيميائية، وسحب الرواسب، وآثار الحمض النووي للكائنات البحرية، أو الإشارات المغناطيسية للكابلات المدفونة تحت قاع البحر.

أما أندرو سويتمان، عالم مختص بالبيئة البحرية في اسكوتلندا، فأكد أن هذه المركبات تجمع بين قدرة المركبات الذاتية على الاستكشاف لمسافات طويلة، ودقة المركبات الموجهة عن بُعد في جمع العينات، ما يجعلها مناسبة للمسوحات الواسعة والدراسات التفصيلية في الوقت نفسه. أضف إلى ذلك أن صغر حجمها يقلل الحاجة إلى سفن أبحاث ضخمة؛ ما قد يتيح للدول الصغيرة فرصة المشاركة في أبحاث أعماق البحار.

الاستخراج البحري

في الوقت الذي يشعر فيه العلماء بالحماس تجاه الإمكانات البحثية لهذه التكنولوجيا، جذبت تقنيات «أورفيوس» اهتماماً واسعاً من القطاع الصناعي؛ إذ تبدي شركات تعمل في مجالات التعدين والدفاع وطاقة الرياح البحرية والاتصالات والنفط والغاز، اهتماماً متكرراً بهذه الغواصات.

وأفادت شركة «أورفيوس» بأنها تعمل بمثابة مزود لخدمات جمع البيانات، وليس باعتبارها جهة تتخذ قرارات تتعلق باستخراج الموارد، مشيرة إلى أن توفير بيانات أدق، يساعد الحكومات على وضع لوائح تنظيمية ومعايير تشغيل أعلى كفاءة.

ومع ذلك، يثير التوسع في التعدين بأعماق البحار، في الوقت نفسه، مخاوف بيئية متزايدة. جدير بالذكر أن إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب، أقرت حديثاً تسريع وتيرة عمليات استكشاف المعادن ومعالجتها داخل الولايات المتحدة، مع إنشاء هيئة خاصة لإدارة المعادن البحرية، للإشراف على هذه الأنشطة.

وحذر أندرو سويتمان من أن التعدين في أعماق البحار قد يتقدم بسرعة تفوق مستوى المعرفة العلمية الحالية، بينما تشير فيكتوريا أورفان إلى أن الأنظمة البيئية في قاع البحر تُعد من أكثر البيئات استقراراً على كوكب الأرض، وأن الكائنات التي تعيش فيها ضعيفة التكيف مع الاضطرابات، وبطيئة في التعافي.

وتعتمد بعض أساليب التعدين المقترحة على آلات ضخمة تشبه الجرافات تقوم بكشط الرواسب من قاع البحر، ما يترك آثاراً طويلة الأمد وسحباً من الرواسب المنتشرة في المياه، ما يثير القلق بشأن التأثيرات البيئية المحتملة.

ويرى بعض الخبراء، مثل بريت هوبسون، من «معهد أبحاث خليج مونتيري للأحياء البحرية»، أن التقنيات المشابهة لغواصات «أورفيوس» قد تتيح جمع عينات أكثر دقة، مقارنة بعمليات التعدين الواسعة والمدمرة. وفي الوقت نفسه، تتواصل جهود تطوير غواصات مشابهة في دول عديدة، من بينها النرويج وفرنسا واليابان والصين والمملكة المتحدة.

ويرى هوبسون أن توسيع نطاق توفر هذه الأنظمة، سيكون مفيداً لكل من الأبحاث العلمية والقطاع الصناعي.

وستحدد نتائج أداء غواصات «أورفيوس» في العمل داخل المحيط الهادي، مدى جاهزيتها لإجراء مسوحات علمية وأخرى للموارد واسعة النطاق، خاصة أن كل عملية غوص تضيف بيانات جديدة بصورة تدريجية، مقدمة لمحات صغيرة، لكن مهمة، عن جزء لا يزال مجهولاً إلى حد كبير من كوكب الأرض.

ويمنح الجمع بين انخفاض التكلفة وصغر الحجم وتعدد القدرات التشغيلية، شركة «أورفيوس أوشن» فرصة للمساهمة في جعل علوم أعماق البحار متاحة لشريحة أوسع من الباحثين والدول.

وفي المقابل، يسلط ذلك الضوء على التوتر القائم بين الاستكشاف العلمي والمصالح التجارية وجهود الحفاظ على البيئة، موضحاً الطبيعة المزدوجة لهذه التقنيات، التي يمكن أن تسهم إما في كشف أسرار بعض أكثر النظم البيئية استقراراً وغموضاً على الأرض، أو في تعريضها للاضطراب والتدمير.