اكتشاف أضخم ثقب أسود على الإطلاق

رسم تخطيطي يوضح عدسة الجاذبية للثقب المكتشف (ناسا- وكالة الفضاء الأوروبية)
رسم تخطيطي يوضح عدسة الجاذبية للثقب المكتشف (ناسا- وكالة الفضاء الأوروبية)
TT

اكتشاف أضخم ثقب أسود على الإطلاق

رسم تخطيطي يوضح عدسة الجاذبية للثقب المكتشف (ناسا- وكالة الفضاء الأوروبية)
رسم تخطيطي يوضح عدسة الجاذبية للثقب المكتشف (ناسا- وكالة الفضاء الأوروبية)

ذكر تقرير صحافي أن ثقباً أسود عميقاً في الكون، يبعد نحو 5 مليارات سنة ضوئية، قد يكون أضخم ثقب أسود اكتُشف على الإطلاق.

وتحتوي مجرة أطلق عليها اسم «SDSS J1148+1930» على عملاق هائل، تبلغ كتلته نحو 36.3 مليار ضعف كتلة شمسنا، وفقاً لقياسات جديدة. وهذا يجعل كتلة الثقب الأسود قريبة جداً من الحد الأقصى العملي. وللتوضيح، تبلغ كتلة الثقب الأسود المركزي في مجرة درب التبانة 4.3 مليون كتلة شمسية.

ويعد هذا الثقب الأسود المكتشف حديثًا ينتمي إلى فئة الأشياء فائقة الكتلة.

ويقول عالم الفيزياء الفلكية توماس كوليت، من جامعة بورتسموث بالمملكة المتحدة: «يُعتبر هذا الثقب من بين أضخم عشرة ثقوب سوداء اكتُشفت على الإطلاق، وربما يكون أضخمها على الإطلاق».

ويضيف، وفق ما أفاد موقع «ساينس آلرت»: «معظم قياسات كتلة الثقوب السوداء الأخرى غير مباشرة وتنطوي على شكوك كبيرة، لذلك لا نعرف على وجه اليقين أيّها الأكبر. ومع ذلك، أصبح لدينا يقين أكبر بكثير بشأن كتلة هذا الثقب الأسود بفضل طريقتنا الجديدة».

يُعتقد أن الثقوب السوداء فائقة الكتلة التي تزيد كتلتها على مليون كتلة شمسية تقريباً، تكمن في قلب كل مجرة كاملة الحجم، وهي مركز الجاذبية الذي يدور حوله كل شيء آخر في المجرة.

نظرياً، لا يوجد حد لحجم الثقب الأسود الذي يمكن أن ينمو. أما عملياً، فتشير قيود أخرى -مثل معدل النمو- إلى أن أقصى كتلة يمكن أن يصل إليها الثقب الأسود خلال عمر الكون الحالي البالغ 13.8 مليار سنة، تبلغ نحو 50 مليار كتلة شمسية.

والطريقة الوحيدة لاختبار هذه الحدود العليا هي اكتشاف الثقوب السوداء المعنية. وهذا يقود إلى سمة آسرة في سماء الأرض تُعرف باسم «حدوة الحصان الكونية». وهي عبارة عن مسحة ضوئية على شكل حدوة حصان تدور حول بقعة متوهجة مركزية، نتيجة محاذاة كونية نادرة تُسمى عدسة الجاذبية.

ويفيد الموقع بأننا نتعلم كثيراً عن النجوم والمجرات البعيدة المكبرة بهذه الطريقة، ولكن في هذه الحالة، هي البقعة الأمامية التي اكتشف فيها فريق من علماء الفلك بقيادة كارلوس ميلو-كارنيرو من الجامعة الفيدرالية في ريو غراندي دو سول في البرازيل ثقبهم الأسود المذهل. ويقول ميلو-كارنيرو: «جاء هذا الاكتشاف لثقب أسود خامد؛ ثقب لا تتراكم فيه المادة بنشاط وقت الرصد... واعتمد اكتشافه بشكل كامل على جاذبيته الهائلة وتأثيرها على محيطه».

في النظام العدسي، يكشف مدى تأثير العدسة عن قوة مجال الجاذبية المرتبطة بكتلة الجسم الأمامي. وبما أن كتل الثقوب السوداء الهائلة تتناسب طردياً مع كتل مجراتها، فهذه إحدى طرق حساب كتلة ثقب أسود في مركز مجرة.

من الأدوات الأخرى لتحديد كتلة الثقوب السوداء الساكنة، علم الحركة النجمية؛ وهو علم حركة النجوم والمواد الأخرى. على سبيل المثال: أكدت عمليات الرصد طويلة المدى للمدارات حول مركز مجرة درب التبانة وجود الثقب الأسود فيها، ووفرت قياساً لكتلته.

اكتُشفت حدوة الحصان الكونية عام 2007. وقد أتاحت الملاحظات التي أُجريت على فترات متقطعة منذ ذلك الحين للباحثين تحديد الحركات المؤثرة في مركز المجرة. وبدمجها مع تحليل القوس الشعاعي للمجرة الأبعد، قدمت النتائج ما وصفه الباحثون بأنه قياس دقيق للغاية.

رُصدت ثقوب سوداء أثقل، ولكن القياسات ربما تكون أقل دقة. يُعدّ ثقب أسود باسم «TON-618» مثالاً شهيراً. كان يُعتقد في البداية أن كتلته تبلغ نحو 66 مليار كتلة شمسية؛ ومع ذلك، خُفِّض هذا الرقم في عام 2019 إلى نحو 40 مليار كتلة شمسية، بناءً على حركية المجرات.


مقالات ذات صلة

علماء يكتشفون نجوماً تبتلع كواكب شبيهة بالأرض

يوميات الشرق آثار «افتراس كوني» لكواكب صخرية (وكالة الفضاء الأوروبية)

علماء يكتشفون نجوماً تبتلع كواكب شبيهة بالأرض

بعض النجوم القزمة الحمراء قد ابتلعت كواكب صخرية شبيهة بالأرض خلال المراحل المُبكرة من تكوُّن الأنظمة الكوكبية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
علوم الصين: أبحاث جريئة حول إنجاب الأطفال في الفضاء

الصين: أبحاث جريئة حول إنجاب الأطفال في الفضاء

إرسال عينّات لأجنّة لدراسة تأثير انعدام الجاذبية على تطورها

كريس موريس (واشنطن)
آسيا صاروخ «لونغ مارش-2 إف» الذي يحمل المركبة الفضائية «شنتشو 23» ينطلق من مركز جيوتشيوان في صحراء غوبي شمال غرب الصين اليوم الأحد (أ.ف.ب)

الصين تُرسل رائد فضاء ليبقى سنة كاملة في مدار الأرض

أطلقت الصين، اليوم (الأحد)، المركبة الفضائية «شنتشو 23» وعلى متنها ثلاثة رواد فضاء، سيقضي أحدهم عاماً كاملاً في مدار الأرض لأول مرة.

«الشرق الأوسط» (بكين)
يوميات الشرق الملياردير الأميركي إيلون ماسك (أ.ف.ب) p-circle

ماسك: «سبيس إكس» تسعى لإنقاذ البشرية من الانقراض

تطرح شركة «سبيس إكس»، المملوكة لرجل الأعمال إيلون ماسك، تصوراً طموحاً يقوم على ضمان بقاء البشرية عبر التوسع إلى كواكب أخرى.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ مقر شركة «سبايس إكس» في كاليفورنيا (ا.ف.ب)

«سبايس إكس» ترجئ إطلاق أحدث نسخة من صاروخها «ستارشيب»

 أرجأت «سبايس إكس»، الخميس، أحدث نسخة من صاروخها العملاق «ستارشيب» في رحلة تجريبية كان يفترض أن تسبق إدراج شركة الطيران والنقل الفضائي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

خريطة الهند الجينية تكشف عن ملايين الطفرات المفقودة

خريطة الهند الجينية تكشف عن ملايين الطفرات المفقودة
TT

خريطة الهند الجينية تكشف عن ملايين الطفرات المفقودة

خريطة الهند الجينية تكشف عن ملايين الطفرات المفقودة

في إنجاز علمي ضخم قد يغيّر مستقبل الطب الوراثي في آسيا والعالم، كشفت أكبر دراسة جينية في تاريخ الهند عن ملايين المتغيرات الوراثية التي لم تكن معروفة سابقاً؛ ما يسلط الضوء على التنوع الجيني الهائل في البلاد ويكشف عن حدود النماذج الطبية المعتمدة بشكل أساسي على البيانات الأوروبية.

مشروع «جينوم الهند»

الدراسة التي جاءت ضمن مشروع «جينوم إنديا» GenomeIndia ونُشرت على موقع MedRxiV في نسخة أولية ولم تخضع لمراجعة الأقران في 24 مارس (آذار) 2026 بقيادة أنالابها باسو من المعهد الوطني لعلم الجينوم الطبي الحيوي (BRIC-NIBMG) والمركز الإقليمي للتكنولوجيا الحيوية (RCB) في الهند، اعتمدت على تحليل الجينوم الكامل لـ9768 شخصاً أصحاء ينتمون إلى 83 مجموعة سكانية مختلفة في الهند.

* 4 ملايين متغير لم تُسجل من قبل في قواعد البيانات العالمية الشهيرة *

وأسفرت النتائج عن اكتشاف ما يقارب 130 مليون متغير جيني، بينها 44 مليون متغير لم تُسجل من قبل في قواعد البيانات العالمية الشهيرة مثل «1000 Genomes» و«gnomAD».

ويقول الباحثون إن النتائج كانت مفاجئة حتى بالنسبة لهم. فقد أوضحت عالمة الأحياء الحاسوبية براتاتي كاهالي من مركز أبحاث الدماغ (CBR) بنغالورو الهند المشاركة بالدراسة، أن الفريق كان يتوقع العثور على طفرات جديدة «لكن حجم الاكتشافات غير المسبوق كان صادماً»، مشيرة إلى أن نسبة كبيرة من المتغيرات المكتشفة لم تكن معروفة للعلم من قبل.

لماذا تُعد هذه الدراسة مهمة؟

لطالما اعتمد الطب الجيني الحديث على قواعد بيانات جُمعت أساساً من أشخاص ذوي أصول أوروبية؛ ما جعل كثيراً من التوقعات الطبية والفحوص الجينية أقل دقة بالنسبة للشعوب الأخرى، خصوصاً في جنوب آسيا وأفريقيا.

وتحاول الهند الآن سد هذه الفجوة من خلال بناء واحدة من أكبر الخرائط الوراثية في العالم مع خطط مستقبلية لتوسيع المشروع ليشمل مليون جينوم بشري، ودراسات خاصة بالأمراض المزمنة والنادرة.

ويرى العلماء أن هذه البيانات قد تفتح الباب أمام تطوير علاجات أكثر دقة وتحسين فهم الأمراض الوراثية وحتى تصميم أدوية تتناسب مع الخصائص الجينية للسكان المحليين.

«التجانس الجيني» نتاج العزلة الوراثية

وكان أحد أكثر الجوانب إثارة في الدراسة هو اكتشاف مستويات مرتفعة من «التجانس الجيني» لدى بعض القبائل الهندية؛ نتيجة قرون من الزواج داخل المجموعة نفسها والعزلة الجغرافية.

هذا النمط يزيد احتمالية انتقال الأمراض الوراثية المتنحية، وهي أمراض تظهر عندما يرث الشخص نسختين معطوبتين من الجين نفسه.

طفرات لأمراض وراثية في المجموعات القبلية

وأظهرت النتائج أن 27 من أصل 29 مجموعة قبلية حملت طفرات مسببة للأمراض بمعدلات ذات أهمية سريرية. ففي إحدى القبائل بجنوب الهند وُجدت طفرة مرتبطة بمرض نادر يُعرف بداء الألكابتونوريا alkaptonuria (مرض وراثي نادر ينتج من طفرة في جين HGD يمكن أن يسبب أضراراً جسيمة للمفاصل والأعضاء) لدى 12.5 في المائة من السكان، رغم أنها غير موجودة تقريباً في قواعد البيانات العالمية المستخدمة حالياً.

ويحذّر الباحثون من أن الفحوص الجينية التقليدية قد تفشل في اكتشاف مثل هذه الطفرات؛ لأنها ببساطة لم تكن معروفة من قبل.

اختلافات جينية في الاستجابة للأدوية

ولم تتوقف الدراسة عند الأمراض الوراثية فقط، بل كشفت أيضاً عن اختلافات جينية تؤثر على استجابة الجسم للأدوية. فعلى سبيل المثال، اكتشف الباحثون انتشار طفرة مرتبطة بمضاعفات التخدير لدى 29 مجموعة سكانية هندية؛ وهو ما قد يدفع الأطباء مستقبلاً إلى تعديل جرعات التخدير وفق الخلفية الجينية للمريض.

كما رصدت الدراسة متغيرات تؤثر على طريقة استقلاب بعض الأدوية النفسية ومسكنات الألم وأدوية السرطان؛ ما يعزز التوجه نحو «الطب الدقيق»، حيث تُصمم العلاجات حسب التركيبة الجينية لكل فرد.

لكن الخبراء يدعون إلى الحذر؛ إذ تؤكد ميرا بوروشوتام، الباحثة في المعهد الوطني للصحة العقلية وعلوم الأعصاب في الهند والتي لم تشارك في الدراسة، أن هذه النتائج واعدة، لكنها لا تزال في حاجة إلى المزيد من الدراسات السريرية قبل اعتمادها بشكل واسع في الممارسة الطبية اليومية.

ما لا نعرفه بعد

ورغم ضخامة المشروع، يشير بعض العلماء إلى أن ما تم تحليله لا يمثل سوى جزء صغير من الصورة الكاملة. فمعظم الأبحاث الحالية تركز على الجينات المسؤولة عن إنتاج البروتينات والتي تشكل نحو 2 في المائة فقط من الجينوم البشري.

أما الـ98 في المائة المتبقية التي كانت تُعدّ سابقاً «حمضاً نووياً غير مهم»، فتضم مناطق تنظيمية معقدة قد تكون مسؤولة عن جزء كبير من الأمراض البشرية.

ويقول الباحثون إن المستقبل الحقيقي لعلم الجينات لن يقتصر على قراءة الجينات نفسها، بل على فهم الطريقة التي تتفاعل بها مع البيئة والغذاء ونمط الحياة وحتى الضغوط النفسية.

ما الذي يعنيه هذا للعالم؟

لا تقتصر أهمية هذه الدراسة على الهند وحدها. فهي تمثل رسالة واضحة إلى المجتمع العلمي العالمي بأن الاعتماد على نموذج جيني أوروبي لفهم صحة البشر لم يعد كافياً. فكل مجتمع يحمل تاريخه الوراثي الخاص ومعه مخاطر صحية واستجابات دوائية مختلفة. ومن دون تمثيل أوسع للشعوب في قواعد البيانات الجينية قد يبقى ملايين الأشخاص خارج دائرة الطب الدقيق الحديث.

ومع استمرار التقدم في تقنيات تحليل الجينوم يبدو أن العالم يتجه نحو عصر تصبح فيه الخريطة الوراثية جزءاً أساسياً من الرعاية الصحية لا لتشخيص الأمراض فقط، بل للتنبؤ بها ومنعها قبل ظهورها.


هل تستمر «حلول الطبيعة» في تعزيز صمود المدن أمام تغير المناخ؟


الحلول القائمة على الطبيعة تقوم على توظيف الغابات والأراضي الرطبة والشعاب المرجانية لتعزيز صمود المدن أمام تغير المناخ (جامعة واشنطن)
الحلول القائمة على الطبيعة تقوم على توظيف الغابات والأراضي الرطبة والشعاب المرجانية لتعزيز صمود المدن أمام تغير المناخ (جامعة واشنطن)
TT

هل تستمر «حلول الطبيعة» في تعزيز صمود المدن أمام تغير المناخ؟


الحلول القائمة على الطبيعة تقوم على توظيف الغابات والأراضي الرطبة والشعاب المرجانية لتعزيز صمود المدن أمام تغير المناخ (جامعة واشنطن)
الحلول القائمة على الطبيعة تقوم على توظيف الغابات والأراضي الرطبة والشعاب المرجانية لتعزيز صمود المدن أمام تغير المناخ (جامعة واشنطن)

تعتمد المدن حول العالم بشكل متزايد على الطبيعة لمواجهة تداعيات التغير المناخي، من موجات الحر والفيضانات وارتفاع مستويات البحار. وقد برزت «الحلول القائمة على الطبيعة» كاتجاه رئيسي في التخطيط الحضري الحديث، يقوم على توظيف الغابات والأراضي الرطبة والشعاب المرجانية بوصفها بنية تحتية حيّة تعزز صمود المدن أمام الاضطرابات المناخية.

لكن دراسة دولية شارك فيها 24 باحثاً من جامعات في الولايات المتحدة وكندا وجنوب أفريقيا وهونغ كونغ تكشف فجوة علمية مهمة في تصميم هذه الحلول؛ إذ يفترض كثير من المخططين أن الطبيعة ثابتة، بينما الكائنات الحية التي تقوم عليها هذه الأنظمة تتطور باستمرار تحت ضغط البيئة الحضرية، ما قد يغيّر كفاءتها ووظائفها البيئية.

وتشير الدراسة إلى أن المشكلة لا تتعلق بسوء الإدارة فقط، بل بإغفال عامل بيولوجي أساسي هو التطور؛ فالكائنات التي تعتمد عليها المدن في التكيف مع تغير المناخ، من نباتات وكائنات مائية وميكروبات، ليست عناصر جامدة، بل تتغير وراثياً ووظيفياً استجابة للحرارة والتلوث وشح المياه والتحولات البيئية المتسارعة، وفق النتائج المنشورة بعدد 14 مايو (أيار) 2026 من مجلة «Science».

مشاريع تواجه الصعوبات

تتحول المدن الحديثة، وفق الدراسة، إلى ما يشبه «مختبرات للتطور السريع»، إذ تتعرض الكائنات لضغوط شديدة مثل التلوث والجزر الحرارية وتفتت الموائل وارتفاع الملوحة.

وهذا يدفعها لاكتساب صفات جديدة خلال أجيال قصيرة، إلاأهذا التطور قد يسير في اتجاهين متناقضين: فقد يعزز بقاء الأنواع، لكنه في الوقت نفسه قد يُضعف الوظيفة البيئية التي صُممت الحلول لتحقيقها.

وعلى الرغم من أن العالم أنفق نحو 200 مليار دولار على الحلول القائمة على الطبيعة في عام 2022، مثل الغابات الحضرية لتبريد المدن، والأراضي الرطبة لامتصاص الفيضانات، والشعاب المرجانية لحماية السواحل، فإن الدراسة تحذر من أن العديد من هذه المشاريع قد يواجه إخفاقاً على المدى البعيد بسبب افتراض ثبات الخصائص البيولوجية للكائنات، وهو ما لا تدعمه الحقائق العلمية.

وتقدم الدراسة أمثلة توضح هذا التعقيد؛ ففي البيئات الساحلية طورت نباتات المستنقعات كتلة جذرية أكبر ساهمت في تعزيز مقاومة ارتفاع مستوى البحر، بينما اتجهت نباتات أخرى إلى زيادة النمو فوق سطح الماء على حساب الجذور، ما أضعف قدرتها على تثبيت الشواطئ. وبالمثل، طورت قشريات «دافنيا» مقاومة أعلى للملوثات، لكنها فقدت جزءاً من قدرتها على ضبط نمو الطحالب، ما قد يؤدي إلى تدهور جودة المياه. أما الأشجار الحضرية في مدن مثل فينيكس ولوس أنجليس فأصبحت أكثر تحمّلاً للجفاف، لكنها أقل قدرة على تكوين مظلات كثيفة وامتصاص الكربون.

وعلى مستوى أكثر خطورة، قد تسهم بعض المجتمعات الميكروبية المستخدمة في معالجة مياه الصرف في انتشار مقاومة المضادات الحيوية عبر نقل الجينات، ما يحول بعض الأنظمة البيئية إلى مصادر محتملة لمخاطر صحية متصاعدة.

تغيّر خصائص الكائنات

توضح الدكتورة مارينا ألبرتي، أستاذة التخطيط الحضري والبيئي في جامعة واشنطن والباحثة الرئيسية، أن الحلول القائمة على الطبيعة تعتمد على كائنات حية تتغير خصائصها مع الزمن، وهو ما ينعكس مباشرة على كفاءتها البيئية. وأضافت لـ«الشرق الأوسط»، أن النباتات تساهم في تبريد المدن عبر الظل والنتح وامتصاص المياه وتخزين الكربون، بينما تبني الشعاب المرجانية والمحار هياكل تقلل من قوة الأمواج وتحمي السواحل، في حين تلعب الكائنات الدقيقة دوراً محورياً في تحليل الملوثات ودورة المغذيات.

لكن التحدي الأساسي، حسب ألبرتي، أن السمات التي تمكّن هذه الكائنات من أداء وظائفها ليست ثابتة، بل تتغير تحت ضغط الحرارة والجفاف والفيضانات والتلوث وتفتت الموائل والأمراض. وقد يؤدي ذلك إلى تغيّر في أداء الأنظمة البيئية نفسها، حتى لو استمرت الكائنات في البقاء.

فقد تتجه النباتات الحضرية مثلاً إلى بطء النمو وصِغر الأوراق وعمق الجذور وتغير توقيت الإزهار، ما يؤثر على قدرتها على التبريد وامتصاص المياه. وفي المقابل، قد تتغير معدلات نمو الشعاب المرجانية والمحار، بما يضعف دورها في حماية السواحل. كما أن تغير تركيب المجتمعات الميكروبية قد يؤثر على جودة المياه وكفاءة إزالة الملوثات.

وتدعو الدراسة إلى إعادة النظر في تصميم هذه الحلول عبر أربع فرضيات أساسية: عدم إمكانية نقل الحلول بيئياً بشكل مباشر بين المدن، أهمية التنوع الجيني لتعزيز القدرة على التكيف، إمكانية أن تمتلك الكائنات المتأقلمة حضرياً مزايا وقيوداً في آن واحد، وأخيراً ما يسمى «فخ الوظيفة»، حيث يضمن التطور بقاء الكائن لكنه قد يقلل من الوظيفة البيئية المطلوبة.

وفي رأي ألبرتي، فإن الحلول القائمة على الطبيعة ليست أنظمة ثابتة، بل بنى تحتية حيّة وديناميكية، وأن تعزيز فعاليتها لا يتحقق بمجرد إنشائها، بل بتصميمها بحيث تراعي التطور المستمر للكائنات وقدرتها على التكيف مع المستقبل.


توقيت الوجبات ونوع الدهون يعيدان رسم خريطة الجينات

توقيت الوجبات ونوع الدهون يعيدان رسم خريطة الجينات
TT

توقيت الوجبات ونوع الدهون يعيدان رسم خريطة الجينات

توقيت الوجبات ونوع الدهون يعيدان رسم خريطة الجينات

كشفت دراستان حديثتان أن الأنسجة الدهنية في الجسم ليست مجرد مخزن للطاقة بل عضو حيوي يتفاعل بدقة مع توقيت تناول الطعام ونوعه. وأن الاختلال في هذا التوازن قد يمهد الطريق لالتهابات مزمنة واضطرابات استقلابية مثل السمنة والسكري.

توقيت تناول الوجبات

الدراسة الأولى التي قادتها البروفسورة أولغا راميش من المعهد الألماني للتغذية البشرية «بوتسدام - ريبروك» (DIfE) بحثت في تأثير توقيت تناول الكربوهيدرات والدهون على نشاط الجينات في النسيج الدهني تحت الجلد لدى البشر ضمن إطار علم «التغذية الزمنية» (Chrononutrition) الذي يدرس العلاقة بين الإيقاع اليومي للجسم والتمثيل الغذائي.

هل يختلف تأثير الدهون صباحاً عنه مساء؟ شملت الدراسة 29 رجلاً يعانون من زيادة الوزن دون إصابتهم بالسكري. واتبع المشاركون نظامين غذائيين متساويين في السعرات الحرارية لمدة أربعة أسابيع لكل منهما. في النظام الأول تناولوا كربوهيدرات صباحاً ودهوناً مساءً بينما كان النظام الثاني عكس هذا الترتيب.

وخلال التجربة، التي نُشرت نتائجها في مجلة «Food Research International» في 26 فبراير (شباط) عام 2026، جمع الباحثون عينات من النسيج الدهني تحت الجلد في أوقات مختلفة من اليوم وحللوا «الترانسكريبتوم» (transcriptome)؛ أي صورة نشاط الجينات في لحظة معينة بالتعاون مع فريق من جامعة برلين للطب ومستشفى برلين ألمانيا. وأظهرت التحليلات أن 1386 جيناً في النسيج الدهني تخضع لإيقاع يومي يتكرر كل 24 ساعة؛ كثير منها مرتبط باستقلاب السكر والدهون أو بعمليات الالتهاب. والأهم أن توقيت تناول المغذيات أثّر في نحو ثلث هذه الجينات المتذبذبة، فبعضها تغير إيقاعه وبعضها فقد نمطه اليومي، بينما اكتسبت جينات أخرى إيقاعاً جديداً.من اللافت أن تناول وجبة غنية بالدهون صباحاً، والكربوهيدرات مساءً، حسّن مؤشرات حساسية الإنسولين في النسيج الدهني. أما نقل الدهون إلى المساء فزاد من نشاط جينات مرتبطة بالالتهاب ما قد يشير إلى بداية حالة التهابية مبكرة ترتبط بمخاطر السمنة والسكري من النوع الثانيوترى راميش أن النتائج تؤكد أن توقيت توزيع المغذيات خلال اليوم يؤثر بشكل ملموس في العمليات الجزيئية داخل الأنسجة الدهنية، مشيرة إلى أن الوجبات الغنية بالدهون في وقت متأخر قد تحفز مسارات غير مواتية على المدى الطويل.

الدهون ليست نوعاً واحداً

كانت دراسة سابقة كشفت أن نوع النسيج الدهني نفسه يلعب دوراً محورياً في تحديد المخاطر الصحية المرتبطة بالسمنة. ففي البحث الذي أجراه علماء من جامعة ديلاوير في نيوارك الولايات المتحدة الأميركية، ونُشر في مجلة «Physiological Genomics» في 25 نوفمبر(تشرين الثاني) 2024، قارن الباحثون بين نشاط الجينات في نوعين من الدهون لدى فئران نحيفة وأخرى بدينة بعد عام من اتباع أنظمة غذائية مختلفة.

ويُميّز العلماء بين نوعين رئيسيين من الدهون هما الدهون الحشوية (VAT) (Visceral adipose tissue) التي تحيط بالأعضاء في البطن وترتبط بالتهاب مزمن ومقاومة الإنسولين، والدهون تحت الجلد (SAT) (Subcutaneous adipose tissue) الموجودة أسفل الجلد التي تُعد أقل ارتباطاً بالالتهاب.

أظهرت النتائج وجود اختلافات واسعة في التعبير الجيني بين الفئران النحيفة والبدينة. فقد تم رصد 308 جينات مختلفة النشاط في الدهون تحت الجلد وأكثر من 600 جين في الدهون الحشوية. وغالبية الجينات التي ارتفع نشاطها في الدهون تحت الجلد كانت تدعم عمليات استقلاب الدهون ما قد يساعد في الحفاظ على وظيفتها.

في المقابل ارتبطت الجينات النشطة في الدهون الحشوية لدى الفئران البدينة بمسارات التهابية ما يعزز الفكرة القائلة إن هذا النوع من الدهون هو الأكثر خطورة على صحة القلب والتمثيل الغذائي.كما لاحظ الباحثون أن بعض الجينات التي ارتفع نشاطها في الدهون تحت الجلد وانخفض في الدهون الحشوية ترتبط بالحماية من أمراض القلب وبعض أنواع السرطان ما يبرز اختلافاً وظيفياً جوهرياً بين النوعين.

توصيات غذائية أكثر دقة

تجمع الدراستان على أن الأنسجة الدهنية كيان ديناميكي يتأثر بتوقيت الوجبات ونوعها، وكذلك بموقعها في الجسم. وتفتح هذه النتائج الباب أمام مقاربات أكثر دقة في الوقاية من السمنة والسكري لا تقتصر على عدد السعرات الحرارية فحسب، بل تمتد إلى توقيت تناولها ونوع الدهون المستهلكة.ويرى الباحثون أن الخطوة المقبلة تتمثل في إجراء دراسات طويلة الأمد وعلى فئات أوسع، بما في ذلك النساء ومرضى السكري لفهم التأثيرات الصحية الفعلية. كما أن الدراسات الخلوية والحيوانية قد تسهم في توضيح الآليات الدقيقة التي تربط بين الإيقاع البيولوجي وتوزيع الدهون وخطر الأمراض المزمنة.وفي ضوء هذه المعطيات يبدو أن السؤال لم يعد «كم نأكل؟» فقط، بل أيضاً «متى نأكل؟»، وأين تتراكم الدهون في أجسامنا، وهي أسئلة قد تعيد صياغة استراتيجيات الوقاية والعلاج في عصر الطب الشخصي