هوس التجميل... بين أخلاقيات المهنة وإغراءات المظهر

المسؤولية مشتركة بين الطبيب والمريض

هوس التجميل... بين أخلاقيات المهنة وإغراءات المظهر
TT

هوس التجميل... بين أخلاقيات المهنة وإغراءات المظهر

هوس التجميل... بين أخلاقيات المهنة وإغراءات المظهر

شهد العالم خلال العقود الأخيرة ازدهاراً هائلاً في مجال الطب التجميلي، مدفوعاً بتطور التقنيات الطبية، وهيمنة وسائل التواصل الاجتماعي، وتغيّر معايير الجمال. وهذا الازدهار لم يَعُد مجرّد استجابة لحاجة إصلاحية، أو علاجية، بل تحوّل تدريجياً إلى ما يمكن وصفه بـ«هوس الجمال»؛ هوس يتجاوز الرغبة المشروعة في الظهور بمظهر حسن، ليأخذ طابعاً قهرياً تغذّيه ضغوط اجتماعية وإعلامية ونفسية متراكمة.

هذا الهوس لم يَعُد حكراً على النساء، بل امتد ليشمل الرجال والفتيان والفتيات، متأثرين بثقافة الصورة المثالية التي تروّجها منصات التواصل والمشاهير، حيث أصبح «الشكل المفلتر» أكثر حضوراً من الصورة الواقعية، وأصبح «التحسين التجميلي» وسيلة لحصد القبول الاجتماعي.

في خضم هذا التوجه، يقف الطب التجميلي في منطقة حرجة بين طرفين: أطباء مخلصون يلتزمون بالضوابط المهنية والإنسانية، ويعملون على تحقيق توازن بين الفائدة الطبية وسلامة المريض النفسية؛ وآخرون انجرفوا خلف الجشع التجاري، مستغلين حاجة الناس، أو ضعفهم النفسي، مقدمين وعوداً زائفة، أو إجراءات مفرطة، وغير ضرورية، وأحياناً دون مؤهلات كافية، ما أدى إلى مضاعفات صحية ونفسية جسيمة في حالات كثيرة.

اضطراب تشوه صورة الجسد

يُعرّف اضطراب تشوه صورة الجسد (Body Dysmorphic Disorder - BDD) بأنه اضطراب نفسي يتمثل في انشغال مفرط بعيب جسدي -يكون غالباً طفيفاً أو غير مرئي للآخرين-، ما ينعكس سلباً على الأداء الاجتماعي والوظيفي للمصاب.

ولا يقتصر تأثير هذا الاضطراب على الانزعاج النفسي فحسب، بل قد يقود إلى سلوكيات قهرية متكررة، كالفحص بالمرآة باستمرار، أو تجنّب التفاعل الاجتماعي، أو السعي المتكرر إلى الإجراءات التجميلية.

وقد وجدت دراسة منشورة في مجلة جراحة التجميل (Aesthetic Surgery Journal) إلى أن ما بين 13 في المائة إلى 15 في المائة من مراجعي عيادات التجميل يعانون من أعراض اضطراب تشوه صورة الجسد، مقابل نسب لا تتجاوز 2 في المائة فقط بين عامة السكان.

ويشير هذا الفرق اللافت إلى أن نسبة معتبرة من المتقدمين لعمليات التجميل تعاني من دافع نفسي مرضي خفي، وليس مجرد رغبة واعية في التحسين.

الأخطر من ذلك أن المرضى المصابين بـBDD غالباً ما يكونون غير راضين عن نتائج العمليات التي خضعوا لها سابقاً، ما يدفعهم لطلب تدخلات متكررة، دون تحسّن فعلي في تقديرهم لذاتهم، أو تقبُّلهم لصورهم. وتُظهر الأبحاث أن هؤلاء المرضى عرضة أكبر للإصابة بالاكتئاب، والعزلة الاجتماعية، وحتى الأفكار الانتحارية، في حال لم يتم التعامل مع حالتهم من منطلق نفسي، وليس من منظور جراحي فقط.

لهذا السبب، توصي الجمعية الأميركية لجراحي التجميل -إلى جانب العديد من المراجع الأخلاقية الدولية- بضرورة إجراء تقييم نفسي مبدئي لجميع المرضى، خاصة أولئك الذين يظهرون قلقاً مفرطاً بشأن تفاصيل دقيقة في ملامحهم، أو لديهم تاريخ من العمليات المتكررة دون رضى.

ويُعد رفض الطبيب للتدخل الجراحي، حين يشتبه بوجود BDD غير معالج، تصرّفاً طبياً مسؤولاً وأخلاقياً، وليس تقصيراً في الخدمة، بل حماية للمريض من إجراءات قد تزيد حالته النفسية سوءاً.

جراحات تجميل غير مبررة طبياً

رغم أن الطب التجميلي يمكن أن يلعب دوراً إيجابياً في تحسين جودة حياة بعض المرضى، فإن بعض الإجراءات الجراحية أصبحت تُطلب بشكل متكرر من دون وجود حاجة طبية فعلية، بل بدافع تقليد معايير جمالية شائعة، أو تحت تأثير وسائل التواصل الاجتماعي.

تشير بيانات الجمعية الأميركية لجراحي التجميل (ASPS, 2022) إلى أن شفط الدهون وتجميل الأنف وتجميل الجفون تظل في مقدمة العمليات التجميلية عالمياً، لكن لوحظ تزايد ملحوظ في بعض الإجراءات مثل:

• استئصال دهون الخد (Buccal Fat Removal)، والتي ارتفعت شعبيتها رغم غياب أي فائدة وظيفية مثبتة لها، وهو ما دفع الأكاديمية الأميركية لجراحي التجميل إلى التحذير من الإجراء عند صغار السن، نظراً لاحتمال ترهل الوجه مبكراً.

• تصغير الشفرين (Labiaplasty)، وهي عملية زادت بنسبة 36 في المائة خلال عام واحد (ASPS, 2022)، رغم أن معظم الحالات لا تُعاني من أعراض جسدية، وإنما من عدم رضا شكلي مدفوع بالصور النموذجية.

وأوضحت دراسة نوعية نُشرت في مجلة (Aesthetic Surgery Journal) أن نحو 30 في المائة من النساء اللواتي خضعن لتدخلات تجميلية اعترفن بأن الدافع الأساسي لم يكن جسدياً، وإنما كان نفسياً أو اجتماعياً، بما في ذلك الرغبة في التشابه مع مؤثرات على «إنستغرام»، أو شعور بعدم الكفاية الذاتية (Veale et al., 2016).

وتُشير دراسات أخرى إلى ظاهرة ما يُعرف بـ«تعب الفيلر» (Filler Fatigue)، حيث يُطلب من الأطباء إزالة مواد تعبئة الوجه بعد الشعور بالندم، وهو ما تزايد بنسبة 57 في المائة خلال عامي 2020–2021 وفق مراجعة علمية نشرت في مجلة (J Cosmet Dermatol).

هذا كله يعكس أن جزءاً كبيراً من التدخلات التجميلية يتم بدوافع غير سريرية، ما يُحتم على الأطباء اتخاذ موقف نقدي، والامتناع عن الإجراء حين يغيب المؤشر الطبي.

جراحات إنقاص الوزن

تقليدياً، يُوصى بجراحات السمنة (مثل تكميم المعدة وتحويل المسار) للمرضى الذين لديهم مؤشر كتلة جسم (BMI ≥ 40)، أو (BMI ≥ 35) مع أمراض مزمنة مصاحبة، مثل السُكري أو توقف التنفس أثناء النوم. لكن في السنوات الأخيرة، بدأ التوسع في هذه الجراحات ليشمل المرضى الذين لديهمBMI أقل من 35.

حديثاً، أقرت الجمعية الأميركية لجراحة السمنة والتمثيل الغذائي (ASMBS) أن مؤشر كتلة الجسم لم يعد المعيار الوحيد، بل يجب النظر في حدة الأمراض المصاحبة، وفشل الوسائل المحافظة قبل اتخاذ القرار.

ومع ذلك، فإن معظم الأدلة تُشير إلى أن الاستفادة تصبح محدودة كلما اقترب BMI من 30، ما لم يكن المريض يعاني من أمراض استقلابية غير مسيطر عليها.

وبالتالي، فإن جراحات التخسيس في الفئات منخفضة الوزن تتطلب حسماً سريرياً دقيقاً، وتوازناً بين الفائدة المتوقعة والمخاطر المحتملة، ويجب ألا تُستخدم على أنها وسيلة تجميلية، أو بديل سريع للحمية.

استئصال دهون الخد من العمليات الجديدة غير المبررة طبياً والتي ازدادت شعبيتها حديثاً

مضاعفات ودوافع وأخلاقيات

• مضاعفات صحية. أشار عدد من الدراسات إلى أن معدل المضاعفات الناتجة عن الإجراءات التجميلية غير المنضبطة قد زاد بنسبة 30 في المائة خلال السنوات الخمس الماضية. وتشمل هذه المضاعفات التهابات، وتشوهات دائمة، وندبات غير قابلة للإصلاح، وصدمة نفسية بعد النتيجة غير المُرضية، ومضاعفات صحية خطيرة في حال استخدام مواد غير آمنة، أو بيئة غير معقمة.

• دور وسائل التواصل والفلتر النفسي المشوّه. في العصر الرقمي، أصبحت التطبيقات -مثل «إنستغرام» و«سناب شات»- منصات لترويج معايير جمالية غير واقعية. وأظهرت دراسة منشورة في مجلة الجمعية الطبية الأميركية لجراحة تجميل الوجه (JAMA Facial Plastic Surgery ) أن الاستخدام المتكرر للفلاتر ارتبط مباشرة بزيادة عدم الرضا عن المظهر الحقيقي، وارتفاع معدلات التوجه للتجميل، خاصة بين الشباب من عمر 18 إلى 30 عاماً.

وليس ذلك فحسب، بل أظهرت الدراسة نفسها أن مقارنة النفس بصور معدّلة رقمياً تُعد عامل خطر للإصابة بالاكتئاب، واضطرابات القلق المرتبطة بالمظهر.

• الطبيب بين الأمانة المهنية والإغراء التجاري. ليس الطبيب التجميلي مجرّد منفّذٍ لرغبات المريض، بل هو أمينٌ على مصلحة المريض الجسدية والنفسية، ومكلّف بتقديم النصح المستند إلى تقييم سريري وأخلاقي دقيق، لا إلى الطلب وحده.

ورغم أن الطب التجميلي قد يُحقق فوائد نفسية ملموسة في حالات محددة -مثل تصحيح التشوّهات الخلقية أو معالجة عيوب واضحة تُسبب اضطراباً في صورة الذات- فإن الاستجابة العشوائية أو غير المنضبطة لطلبات التجميل دون مسوّغ طبي تُحوّل الطبيب من صاحب رسالة إنسانية إلى مزوّد خدمة استهلاكية، وهو انحراف جوهري عن أخلاقيات المهنة، ورسالتها الأصلية.

وتنص وثيقة أخلاقيات المهنة الصادرة عن الجمعية الأميركية لجراحي التجميل (ASPS) على أن:

«رفض إجراء العملية في حال غياب المبرر السريري أو وجود مؤشرات على اضطراب نفسي هو واجب مهني وليس خياراً».

لكن في الواقع العملي، تشير دراسة منشورة في «BMJ Open» إلى أن العروض الترويجية والإعلانات التجارية التي تُقدّم الطب التجميلي بأسلوب استهلاكي تُساهم في تساهل بعض الأطباء بقبول حالات غير مناسبة سريرياً، خصوصاً حين تكون الحوافز المالية حاضرة، مما يُعرّض المرضى لمضاعفات نفسية وجسدية كان يمكن تجنبها.

• توصيات منظمة الصحة العالمية. توصي منظمة الصحة العالمية بأن تُربط أي ممارسات تجميلية بمبادئ الحوكمة السريرية، على أن تشمل كل حالة:

-تقييم الفائدة الصحية أو النفسية المحتملة.

-استبعاد أي اضطرابات نفسية نشطة.

-شرح المخاطر والبدائل بشكل واضح.

-التأكد من أن القرار نابع من قناعة حرة، وليس ضغطاً اجتماعياً، أو إعلامياً.

نسبة معتبرة من المتقدمين لعمليات التجميل تعاني من دافع نفسي مرضي خفي

وأخيراً، فإن المسؤولية مشتركة بين الطبيب والمريض، فالطبيب الذي يُجري عملية تجميل لمجرد تلبية رغبة عابرة دون تقييم تبعاتها النفسية والجسدية يُقصّر في أمانته المهنية. وفي المقابل، فإن المريض الذي يسعى إلى التغيير الجراحي دون وعي حقيقي بمصدر دوافعه يُعرّض نفسه لمخاطر قد تتجاوز ما يراه في المرآة، وتطال صحته النفسية، وهويته الذاتية.

ويُجسّد هذه الفلسفة ما قاله جرّاح التجميل الفرنسي المعروف بأخلاقياته د. جاك غالو (Jacques Gallet): «الجرّاح التجميلي الجيّد هو من يعرف كيف يقول: لا». وهي عبارة تختصر الدور الأخلاقي للطبيب الذي لا ينساق خلف الرغبات غير المبررة، بل يُمارس سلطته المهنية بحكمة، ومسؤولية.

وعلى الجانب النفسي، لخّص عالم النفس التحليلي كارل يونغ (Carl Jung) جوهر الجمال الداخلي بقوله: «أكثر الأمور رعباً هو ألا يقبل الإنسان نفسه كما هو بالكامل». في إشارة إلى أن الجمال الحقيقي لا يبدأ من نحت الجسد، بل من المصالحة مع الذات، وإزالة الحواجز الداخلية التي تشوّه نظرتنا لأنفسنا.

إذن، فإن الجمال الحقيقي لا يُحقن بالإبرة، ولا يُنحت بالليزر، بل يُولد من توازن داخلي بين الرضا والصحة النفسية، والإدراك الواقعي للذات. لستَ بحاجة لأن تشبه أحداً لتكون جميلاً، فقط كن سليم النفس، مُتصالحاً مع ذاتك، وعندها ستصبح صورتك أكثر صفاءً من أي مرآة.

*استشاري طب المجتمع


مقالات ذات صلة

باحثون: فيروس «إيبولا» يظل على قيد الحياة في الدماغ لعدة أشهر

صحتك 
أنبوبة لاختبار فيروس «إيبولا«

باحثون: فيروس «إيبولا» يظل على قيد الحياة في الدماغ لعدة أشهر

جرى رصد فيروس إيبولا المعدي في السائل المنوي لعدة أشهر أو حتى عام بعد الإصابة، كما يمكنه البقاء في الجهاز العصبي المركزي لا سيما الدماغ، حسبما أوضح باحثون.

«الشرق الأوسط» (ميونيخ)
شمال افريقيا أطباء داخل مستشفى القصر العيني بالقاهرة (مستشفى القصر العيني)

«أزمة الشاطبي» تشعل الجدل حول «تجاوزات» المستشفيات العامة في مصر

يتصاعد الجدل في مصر حول «التجاوزات الأخلاقية» التي تتعرض لها النساء من بعض أفراد الطواقم الطبية خلال خضوعهن لعمليات الولادة.

رحاب عليوة (القاهرة)
صحتك قياس العمر البيولوجي قد يُنبئ باحتمالات الإصابة بالخَرَف

قياس العمر البيولوجي قد يُنبئ باحتمالات الإصابة بالخَرَف

سلطت دراسة إكلينيكية جديدة الضوء على أن الأشخاص الذين يزيد عمرهم البيولوجي عن عمرهم الزمني يكونون أكثر عرضة للإصابة بالخرف، وقد تظهر عليهم أعراض ذلك في سن مبكرة

د. حسن محمد صندقجي (الرياض)
صحتك حمية البحر المتوسط تخفف أعراض القلق لدى المراهقين

حمية البحر المتوسط تخفف أعراض القلق لدى المراهقين

كشفت دراسة حديثة لباحثين من جامعة أرسطو بتسالونيكي، عن احتمالية أن يؤدي اتباع حمية البحر المتوسط الغذائية إلى تخفيف حدة أعراض القلق لدى المراهقين.

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)
صحتك وسائل متكاملة لتحسين جودة الرعاية القلبية

وسائل متكاملة لتحسين جودة الرعاية القلبية

في وقت تتزايد فيه أعباء أمراض القلب، والأوعية الدموية، بل وتتصدر أسباب الوفاة عالمياً، يواصل العلم البحث عن وسائل أكثر كفاءة وإنسانية للوقاية، والعلاج.

د. عبد الحفيظ يحيى خوجة (جدة)

باحثون: فيروس «إيبولا» يظل على قيد الحياة في الدماغ لعدة أشهر


أنبوبة لاختبار فيروس «إيبولا«
أنبوبة لاختبار فيروس «إيبولا«
TT

باحثون: فيروس «إيبولا» يظل على قيد الحياة في الدماغ لعدة أشهر


أنبوبة لاختبار فيروس «إيبولا«
أنبوبة لاختبار فيروس «إيبولا«

سلطت تجارب معملية ‌جديدة الضوء على كيفية بقاء فيروس إيبولا في الجسم دون أن يلاحَظ لعدة أشهر أو حتى سنوات بعد الإصابة الأولية، وهو ​أمر ينطوي على احتمال حدوث انتكاسة.

وجرى رصد فيروس إيبولا المعدي في السائل المنوي لعدة أشهر أو حتى عام بعد الإصابة، كما يمكنه البقاء في الجهاز العصبي المركزي لا سيما الدماغ، حسبما أوضح الباحثون في مناقشتهم لدراستهم المنشورة في مجلة «نيتشر ميكروبيولوجي».

ويرجع هذا إلى أن الخصيتين، مصدر السائل المنوي، والجهاز العصبي المركزي يعتبران «منطقة ‌ذات امتياز ‌مناعي»، مما يعني أن الجهاز المناعي ​يتفاعل ‌بطريقة ⁠ضعيفة ​في هذه ⁠المناطق من أجل حماية الأنسجة الحساسة. ونتيجة لذلك، لا يمكنه دائما القضاء على الفيروس تماما.

ولمعرفة المزيد، قام الباحثون ببرمجة خلايا جذعية بشرية لتنمو إلى ما يسمى الأورغانويدات الدماغية، وهي هياكل كروية تشبه الدماغ وتتكون من خلايا الجهاز العصبي المركزي.

وخلص الباحثون إلى أن فيروس إيبولا ⁠أصاب أنواعا متعددة من الخلايا في الأورغانويدات ‌الدماغية واستطاع التكاثر لمدة ‌تصل إلى 120 يوما.

وكان الفيروس قادرا على ​الانتشار في الأورغانويدات الدماغية بطريقتين: ‌مباشرة من خلية مصابة إلى خلية مجاورة، ‌وعن طريق التبرعم من الخلية المضيفة وهي الطريقة الكلاسيكية لانتشار الفيروس.

وقالت لينا فيدرشبيك رئيسة فريق الدراسة في معهد علم الأحياء الدقيقة التابع للجيش الألماني في ميونيخ في بيان «تتيح لنا ‌هذه الأورغانويدات الدماغية دراسة الآليات التي يستخدمها فيروس إيبولا والفيروسات الفيلوية الأخرى للبقاء في الجهاز ⁠العصبي ⁠المركزي البشري بالتفصيل».

وأضافت «من خلال التجارب التي تجرى على هذا النموذج، يمكننا الحصول على رؤى تساعدنا على تحسين فهمنا للآثار طويلة المدى، مثل الالتهاب الحاد والمميت أحيانا الذي يلاحَظ لدى الناجين من مرض فيروس إيبولا المصابين بالتهاب السحايا والدماغ».

وعند دراسة الأورغانويدات المصابة، اكتشف الباحثون طفرات جينية ربما تساعد الفيروس على البقاء كامنا دون أن يتم اكتشافه، بما في ذلك بعض الطفرات التي لم يسبق تناولها لدى الناجين من فيروس إيبولا.

ودعا الباحثون ​إلى إجراء مزيد ​من الدراسات، خاصة حول السلالات الأقل فهما مثل فيروس بونديبوجيو الذي يتسبب في التفشي الحالي للمرض في أفريقيا.


قياس العمر البيولوجي قد يُنبئ باحتمالات الإصابة بالخَرَف

قياس العمر البيولوجي قد يُنبئ باحتمالات الإصابة بالخَرَف
TT

قياس العمر البيولوجي قد يُنبئ باحتمالات الإصابة بالخَرَف

قياس العمر البيولوجي قد يُنبئ باحتمالات الإصابة بالخَرَف

سلطت دراسة إكلينيكية جديدة الضوء على أن الأشخاص الذين يزيد عمرهم البيولوجي عن عمرهم الزمني يكونون أكثر عرضة للإصابة بالخرف، وقد تظهر عليهم أعراض ذلك في سن مبكرة.

واستخدمت الدراسة «ساعة الشيخوخة الأيضية»، القائمة على تحليل الدم، في تحديد الأشخاص المعرضين للخطر قبل ظهور الأعراض. وهو بالتالي يُعطي أهمية لدعم استراتيجيات الوقاية المبكرة.

الشيخوخة البيولوجية والأخطار الوراثية

وأشارت النتائج إلى أن الأفراد الذين يعانون من تسارع الشيخوخة البيولوجية وعوامل الخطر الوراثية، قد يكونون أكثر عرضة للإصابة بالخرف بـ10 أضعاف. كما أشارت النتائج إلى أن الأشخاص الذين تجاوز عمرهم البيولوجي Biological Age (Physiological Age)، عمرهم الزمني Chronological Age (Calendar Age)، كانوا أكثر عرضة للإصابة بالخرف، وخصوصاً الخرف الوعائي Vascular Dementia (الناجم عن آفات الأوعية الدموية الدماغية)، وكانوا يميلون إلى الإصابة بهذه الحالة في سن أصغر.

وكانت البحوث السابقة قد أشارت بشكل متزايد إلى أن ارتفاع العمر البيولوجي، المعروف بتسارع العمر البيولوجي، قد يكون مؤشراً موثوقاً لبداية مرض الخرف لدى الشخص.

والآن، تشير الدراسة الجديدة لباحثين من جامعة «كينغز كوليدج لندن» في المملكة المتحدة، إلى أن قياس العمر البيولوجي، عن طريق تحليل الدم، قد يساعد في تحديد الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة بالخرف قبل ظهور الأعراض الإكلينيكية عليهم.

ونُشرت هذه الدراسة الممولة من مركز «مودسلي» للبحوث الطبية الحيوية التابع للمعهد الوطني للبحوث الصحية، في عدد مايو (أيار) الماضي من «مجلة ألزهايمر والخرف» (Alzheimer’s & Dementia) لسان حال جمعية ألزهايمر الأميركية. وكانت بعنوان «الشيخوخة الأيضية في منتصف العمر تتنبأ بحدوث الخرف الوعائي، والخرف غير المحدد، والخرف بجميع أسبابه».

وبالعموم، تصف ساعات الشيخوخة البيولوجية أدواتٍ تُحلل البيانات الجزيئية (Molecular Data) لتقدير العمر البيولوجي للشخص. وفي هذه الدراسة، استخدم الباحثون «ساعة شيخوخة أيضية» لتحليل المستقلبات (Metabolites) أو الجزيئات الصغيرة التي تُنتَج خلال عملية أيض التمثيل الغذائي للتفاعلات الكيميائية الحيوية، التي يُمكن الكشف عنها في بلازما الدم. وقد رُبطت التغيرات في هذه المستقلبات سابقاً بالأمراض المرتبطة بالتقدم في السن والوفاة المبكرة.

وقال الباحثون: «ولتقييم ساعة الشيخوخة الأيضية (MileAge) تم قياس المؤشرات الحيوية الأيضية باستخدام الرنين المغناطيسي النووي (NMR) في عينات بلازما الدم دون صوم. وقامت منصة (نايتنغيل هيلث) Nightingale Health، بقياس 168 مستقلباً بوحدات تركيز مطلقة باستخدام بروتوكول موحد. وقمنا بتطوير ساعة أيضية مدربة على العمر الزمني، وتم تجميع تنبؤات العمر على مستوى الأفراد. وتم تعريف دلتا العمر الأيضي (MileAge) على أنه الفرق بين العمر المتوقع بناءً على المستقلبات والعمر الزمني؛ حيث تشير القيم الموجبة إلى نمط شيخوخة بيولوجية أكبر».

وباستخدام عينات دم من أكثر من 220 ألف مشارك في قاعدة بيانات البنك الحيوي البريطاني، قام فريق البحث بحساب العمر البيولوجي لكل فرد ومقارنته بعمره الزمني.

وأشار الفرق الناتج الذي يُسمى «فرق العمر الزمني» (MileAge Delta) إلى ما إذا كان الشخص يشيخ بشكل أسرع أو أبطأ من المتوقع.

الخرف الوعائي

وخلال فترة الدراسة، أصيب نحو 4 آلاف مشارك بالخرف. وأشارت التحليلات إلى أن الأشخاص الذين تجاوز عمرهم البيولوجي عمرهم الزمني بأكثر من انحراف معياري واحد، والذين شكَّلوا حوالي 16 في المائة من المشاركين، كانوا أكثر عرضة بنسبة 20 في المائة للإصابة بالخرف مع مرور الوقت، مقارنة بالأشخاص الأصغر سناً بيولوجياً. وكان هذا الخطر أكثر وضوحاً في حالة الخرف الوعائي؛ حيث ارتبط تسارع الشيخوخة البيولوجية بزيادة احتمالية الإصابة بالمرض بنسبة 60 في المائة.

وأفاد الباحث الرئيس للدراسة، الدكتور جوليان موتز الباحث في الجامعة، قائلاً: «لم أتفاجأ بالارتباط الوثيق بالخرف الوعائي. ويعكس هذا جزئياً نوع البيانات المستخدمة لتطوير ساعة (MileAge) الأيضية. فالمستقلبات التي تقيسها منصة (نايتنغيل هيلث) الأيضية هي في الغالب دهون وبروتينات دهنية (Lipoproteins)، وهي جزيئات ترتبط ارتباطاً وثيقاً بصحة القلب والأوعية الدموية والتمثيل الغذائي. لذلك، ليس من المستغرب أن تكون الساعة حساسة بشكل خاص لمخاطر الأوعية الدموية، وبالتالي للخرف الوعائي».

وصحيح أن الشيخوخة بالعموم هي أقوى عامل خطر معروف للإصابة بالخرف، إلا أن بعض المتغيرات الجينية قد تزيد من هذا الخطر. وتشير البحوث إلى أن الأفراد الذين يحملون نسختين من متغير «APOE4» هم الأكثر عرضة للإصابة بالخرف. وقد اكتشف الباحثون أن دمج بيانات الشيخوخة البيولوجية مع عوامل الخطر الجينية يُحسِّن بشكل كبير من دقة التنبؤات بمخاطر الإصابة بالخرف. وعلى وجه التحديد، كان الأفراد الذين يعانون من شيخوخة بيولوجية متقدمة، والذين يحملون أيضاً نسختين من جين «APOE4» أكثر عرضة للإصابة بالخرف بما يصل إلى 10 أضعاف مقارنة بالمشارك العادي في الدراسة.

وعلَّق الدكتور موتز قائلاً: «إن الرقم 10 أضعاف مذهل، ولكن من المهم فهم أسبابه؛ إذ يزيد (APOE4) بشكل كبير من خطر الإصابة بالخرف، وهو بالفعل أقوى عامل خطر جيني. وما تضيفه ساعتنا الأيضية هو عامل خطر إضافي غير جيني. ومع أن الزيادة بمقدار 10 أضعاف تُعدُّ كبيرة جداً، فإنها تعكس اجتماع عامل خطر وراثي قوي مع مؤشر للشيخوخة البيولوجية. والأهم من ذلك أن هذين المصدرين للخطر يُكمِّل أحدهما الآخر. وعلى عكس الخطر الوراثي، فإن الشيخوخة الأيضية قابلة للتعديل من خلال تغيير نمط الحياة أو التدخلات الطبية».

ولكن رغم كل ما تقدَّم، قد لا يكون خطر الإصابة بالخرف حتمياً. ومع أن التقدم في السن والتغيرات الجينية من عوامل الخطر المعروفة للخرف، أكَّد الباحثون أنه ليس مرضاً لا مفر منه.

ووفق نتائج كثير من الدراسات الإكلينيكية، أشارت التقديرات السابقة إلى إمكانية تأخير أو درء حوالي 45 في المائة من حالات الخرف عالمياً، وذلك من خلال معالجة عوامل الخطر القابلة للتعديل، مثل صحة القلب والأوعية الدموية، والتدخين، والنظام الغذائي، وممارسة الرياضة، والعزلة الاجتماعية.

وكانت لجنة «لانسيت» المعنية بالخرف قد حددت 14 عامل خطر قابلاً للتعديل، تُشكل مجتمعة ما يقرب من 45 في المائة من حالات الخرف في جميع أنحاء العالم. ومن العوامل ذات الصلة بالدراسة الحديثة، العمل على خفض مستوى الكوليسترول الضار (LDL)، نظراً لتأثير نواتج الأيض على الساعة البيولوجية. وإضافة إلى ذلك، تدعم الأدلة جدوى زيادة النشاط البدني، والإقلاع عن التدخين، والحفاظ على علاقات اجتماعية إيجابية، واستخدام سماعات الأذن الطبية لمن لديهم ضعف السمع.

ولذا قال الدكتور جوليان موتز: «الرسالة الأساسية هي أن خطر الإصابة بالخرف لا يتحدد بالعوامل الوراثية وحدها. فجزء كبير من هذا الخطر غير وراثي، وبالتالي يُمكن تعديله. وهذا يعني أن هناك أموراً يُمكن للأفراد القيام بها (مثل إدارة التعامل الصحي مع عوامل خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، والحفاظ على النشاط البدني، والاهتمام بالصحة النفسية) والتي قد تُبطئ الشيخوخة البيولوجية، وتُقلل من خطر إصابتهم بالخرف وغيره من الأمراض المرتبطة بالتقدم في السن».

تسارع الشيخوخة البيولوجية وعوامل الخطر الوراثية تعرِّض لخطر الإصابة بالخرف بـ10 أضعاف

بين العمر الزمني والعمر البيولوجي 

 العمر الزمني هو ببساطة عدد السنوات التي عاشها الشخص بالضبط وفقًا للتقويم (العدد الدقيق للسنوات والأشهر والأيام التي انقضت منذ تاريخ ميلادك). ومعدل التقدم في العمر الزمني ثابت وغير قابل للتغيير. فهو يتقدم بنفس المعدل تمامًا للجميع. 

وفي المقابل يشير العمر البيولوجي إلى مدى كفاءة وظائف جسمك وشيخوخته على مستوى خلايا الجسم، وهو ما قد يختلف تمامًا عن مقدار العمر وفق أرقام التقويم. ومعدل التقدم في العمر البيولوجي شيء متغير، إذْ قد يتسارع أو يتباطأ بناءً على جيناتك، ونمط حياتك، وبيئتك. ولذا يُستخدم في علم وطب للتنبؤ بمخاطر الأمراض، وقياس تلف الخلايا، وتوجيه استراتيجيات الصحة الوقائية. 

وللتوضيح، فان العمر البيولوجي هو مقياس لمدى سرعة شيخوخة خلايا الشخص، بغض النظر عن عمره الفعلي أو عمره الزمني. وهو  يُقدّر عمر الشخص من خلال قياس المؤشرات الحيوية، ويمكن أن يُمثل الحالة الصحية العامة للفرد. ولذا فإن العمر البيولوجي هو مقياس لمدى سرعة شيخوخة خلايا الشخص، بغض النظر عن عمره الزمني. وفي حين يتقدم العمر الزمني لنا جميعاً باستمرار، إلاّ أننا نختلف في مقدار العمر البيولوجي، حيث قد يكون بعضنا أصغر أو أكبر من العمر الزمني، وذلك تبعًا لعوامل مستوى الصحة لدى كل شخص ومدى تبني ممارسة سلوكيات نمط الحياة الصحية. 

ويُفسّر التباين بين الزمن الزمني والشيخوخة البيولوجية سبب اختلاف شيخوخة بعض الأشخاص عن غيرهم. 

ولمزيد من التوضيح، تخيل العمر الزمني كتاريخ صنع السيارة، والعمر البيولوجي كحالة محركها الحالية. وكثيراً ما نرى سيارتين صُنعتا في نفس العام قبل 10 سنوات مثلاً، وحالة إحداهما "كأنها جديدة" والأخرى بالكاد قادرة على تلبية الاحتياجات البسيطة في التنقل داخل المدينة.  

ولذا، في حين لا يمكننا تغيير تاريخ ميلادنا، إلاّ أنه يمكننا في كثير من الأحيان إبطاء العمر البيولوجي أو عكسه جزئيًا من خلال عوامل يمكننا التحكم بها، مثل: 

 -النظام الغذائي ومكونات التغذية. 

 -ممارسة الرياضة بانتظام. 

-إدارة التوتر.  

-جودة النوم. 

 


حمية البحر المتوسط تخفف أعراض القلق لدى المراهقين

حمية البحر المتوسط تخفف أعراض القلق لدى المراهقين
TT

حمية البحر المتوسط تخفف أعراض القلق لدى المراهقين

حمية البحر المتوسط تخفف أعراض القلق لدى المراهقين

كشفت دراسة حديثة لباحثين من جامعة أرسطو بتسالونيكي (Aristotle University Thessaloniki) في اليونان، نُشرت في نهاية شهر مايو (أيار) من العام الحالي في مجلة التغذية (Nutrients)، عن احتمالية أن يؤدي اتباع حمية البحر المتوسط الغذائية إلى تخفيف حدة أعراض القلق لدى المراهقين.

من المعروف أن حمية البحر المتوسط هي نظام غذائي يعتمد على المطبخ التقليدي للدول المطلة على البحر الأبيض المتوسط. وعلى الرغم من عدم وجود تعريف موحد لهذه الحمية، فإنها تتميز بالغذاء الصحي، الذي يحتوي بشكل أساسي على الخضراوات والفاكهة والحبوب الكاملة والمكسرات والبقوليات وزيت الزيتون والأسماك.

أوضح الباحثون أن اتباع الحمية خلال فترة المراهقة ارتبط بشكل واضح بانخفاض القلق المتعلق بالرهاب الاجتماعي وقلق الخوف من الانفصال، كما أن الأمهات اللواتي اتبعن نفس النظام الغذائي خلال فترة الحمل أنجبن أيضاً أطفالاً أقل احتمالية للإصابة بالقلق بشكل عام حينما أصبحوا مراهقين.

ضغوط المراهقة النفسية

من المعروف أن فترة المراهقة تُعد من أهم الفترات في حياة الإنسان، التي تحدث فيها مجموعة من التغيرات البيولوجية والنفسية والاجتماعية، في الأغلب تسبب ضغوطاً نفسية كبيرة على المراهقين، وبشكل خاص اضطراب القلق، ويمكن أن تستمر هذه الضغوط النفسية لفترات طويلة، مسببة مشكلات طويلة الأمد، تؤثر بالسلب على الإنسان طوال حياته إذا لم يتم علاجها.

وأثبتت الدراسات النفسية السابقة أن تغيير العديد من عوامل الحياة القابلة للتعديل، بما في ذلك اتباع نظام غذائي صحي، يمكن أن يؤثر بشكل كبير على الصحة النفسية للمراهقين. ويرتبط الالتزام بحمية البحر الأبيض المتوسط باستمرار، بانخفاض خطر الإصابة بالاكتئاب وتحسين الصحة النفسية.

هدف الباحثون في الدراسة الحالية إلى فهم تأثير اتباع الحمية على مجموعة من أعراض القلق، والصعوبات السلوكية، والحالة المزاجية لدى المراهقين، كما استكشفت الدراسة العلاقة بين التزام الأمهات بالحمية خلال فترة الحمل وبين الصحة النفسية للمراهقين، لأن التغذية قبل الولادة تؤثر على برمجة النمو العصبي للجنين. وتُعد هذه الدراسة جزءاً من دراسة كلوثو (KLOTHO)، وهي دراسة رصدية مستقبلية للأطفال، تهتم بدراسة الحالة الصحية طويلة الأمد، بداية من المراحل المبكرة جداً من حياة الأطفال، حتى وصولهم إلى عمر البلوغ، لمعرفة المشاكل الصحية الأساسية، التي يمكن تلافيها في المستقبل، سواء على المستوى العضوي أو المستوى النفسي.

قام الباحثون بإجراء الدراسة على 86 مراهقاً، وبلغ متوسط العمر 12 عاماً تقريباً، وتم تقييم نظامهم الغذائي باستخدام مؤشر معتمد، حيث تشير الدرجات العليا إلى التزام أكبر بحمية البحر المتوسط، وتشير الدرجات الأقل إلى اتباع نظم غذائية غير صحية تعتمد على الطعام الغني بالدهون والسكريات.

كما تم أيضاً تقييم النظام الغذائي للأمهات، خلال فترة الحمل باستخدام استبيان كمي لتكرار تناول الطعام، وتم تقييم الصحة النفسية للمراهقين، من خلال استبيانات شملت مشاعرهم المختلفة، ومدى رضاهم عن النواحي المختلفة من حياتهم، سواء في الدراسة أو المنزل أو علاقتهم مع الأصدقاء، وهل تعرض أحدهم لمرض نفسي من قبل.

وقام العلماء بتثبيت جميع العوامل، التي يمكن أن تؤثر في النتيجة، مثل الجنس، والعمر، ومؤشر كتلة الجسم، ومدة النوم، والنشاط البدني، والتاريخ المرضي العضوي والنفسي، والحالة الاقتصادية والاجتماعية للأسرة.

تحسّن الصحة

أظهرت النتائج أن الالتزام الغذائي بنظام البحر المتوسط ارتبط بشكل واضح بوجود مستويات منخفضة إلى متوسطة من الصعوبات السلوكية، وأيضاً وجود انخفاض في أعراض القلق والاكتئاب، والرهاب الاجتماعي، وذلك على الرغم من أن تحليل الالتزام الغذائي لدى كل من المراهقين والأمهات أظهر التزاماً متوسطاً من الحمية، ما يعني أن الالتزام بجدية أكبر بهذه الحمية يمكن أن ينعكس بالإيجاب على الصحة النفسية.

أوضح الباحثون أن التزام الأمهات خلال فترة الحمل بالنظام الغذائي نفسه انعكس بالإيجاب على أطفالهن أيضاً أثناء فترة المراهقة، ما يعكس التأثير المحتمل للنظام الغذائي قبل الولادة على النتائج المتعلقة بالقلق لاحقاً عند وصول الأطفال إلى مرحلة المراهقة.

كشفت النتائج أن الالتزام بنظام البحر المتوسط الغذائي، خلال فترة المراهقة، يرتبط بشكل مستقل بانخفاض أعراض قلق محددة، أكثر من غيرها من المشاكل النفسية، حيث كان التأثير الأكبر بالإيجاب على انخفاض مستويات الرهاب الاجتماعي، وقلق الانفصال. وظل التزام الأم بالنظام أثناء الحمل مرتبطاً بشكل مستقل بانخفاض مستويات القلق والاكتئاب بشكل عام لدى الأبناء.

أكد الباحثون أن السبب في ارتباط حمية البحر المتوسط بالحالة النفسية الجيدة راجع بشكل أساسي إلى غناه بالعناصر الغذائية، التي تقلل من التهاب المخ، لأن هذا النظام الغذائي الغني بالأحماض الدهنية المفيدة (الموجودة في الأسماك والمكسرات وزيت الزيتون)، ومضادات الأكسدة يحافظ على سلامة الخلايا العصبية، وبالتالي يُحسن الحالة النفسية. يدعم نظام البحر المتوسط ما يسمى بمحور الأمعاء والمخ (gut-brain axis) حيث يوضح محور الأمعاء والمخ الرابط بين نوعية الغذاء والحالة المزاجية، فضلاً عن أن الدهون المفيدة تساهم بشكل أساسي في تكوين النواقل العصبية المختلفة التي ترفع من المزاج، مثل السيروتونين، ما يخفف من أعراض القلق.

في النهاية، نصحت الدراسة بضرورة اتباع أنظمة غذائية صحية، ليس للحفاظ على الصحة البدنية فقط، ولكن لأهميتها الكبيرة في الحفاظ على الصحة النفسية للمراهقين، كما نصحت الدراسة الأمهات أيضاً بمحاولة اتباع حمية غذائية صحية أثناء الحمل، لأن الآثار الصحية المترتبة على فترة الحمل تمتد إلى فترات طويلة جداً.

* استشاري طب الأطفال