على الرغم من الأجواء الدرامية التي صاحبت قرار رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، حل الكنيست (البرلمان) والتوجه نحو انتخابات مبكرة، والتركيز على أن هذه الخطوة جاءت للتعبير عن أزمة شديدة في الائتلاف، فإن قراءة أكثر عمقاً، تظهر أنها خطوة محسوبة منه لتخفيض حجم الخسائر التي لحقت به من جراء تأييده سن قانون يعفي الشباب المتدين (الحريديم) وتحقيق مكاسب انتخابية. فهذا القرار يخدم نتنياهو في معركته ويخدم حلفاءه «الغاضبين» من الأحزاب الدينية. وهناك من يرى أن العملية جزء من خطة محكمة نسج خيوطها نتنياهو مع قائد حزب «شاس» الحريدي، أريه درعي.
وكان رؤساء أحزاب الائتلاف الحاكم بقيادة «الليكود» قد قدموا بشكل رسمي، مساء الأربعاء، مشروع قانون لحل الكنيست الـ25 والتوجه إلى انتخابات مبكرة، لم يحددوا موعدها، تاركين ذلك للمفاوضات بين الأحزاب. والتقديرات تشير إلى إجراؤها في أول أو منتصف سبتمبر (أيلول) المقبل بدلاً من 27 أكتوبر (تشرين الأول).
وجاء في مذكرة قدّمها رئيس الائتلاف، أوفير كاتس (الليكود)، إلى رئيس الكنيست، أمير أوحانا، أن مشروع القانون يُطرح «بالتنسيق مع جميع رؤساء كتل الائتلاف»، وأشار إلى أن موعد الانتخابات سيُحدد خلال مداولات لجنة الكنيست.

ومن المقرر أن يُطرح مشروع القانون للتصويت يوم الأربعاء المقبل، علماً أن القانون الإسرائيلي ينص على إجراء الانتخابات خلال 90 يوماً من حل الكنيست، فيما تواصل الحكومة عملها بصفة حكومة انتقالية حتى تشكيل حكومة جديدة.
ومشروع القانون المقدم لحل الكنيست هو مشروع قانون خاص (ليس حكومياً)، يتوجب أن يمر بعدة مراحل تشريعية تشمل: القراءة التمهيدية، ثم القراءة الأولى، تليها القراءتان الثانية والثالثة، ما يعني أن المصادقة عليه قد تستغرق أسابيع إذا قرر الائتلاف الدفع بهذا الاتجاه. وحسب مشروع القانون، من المفترض أن تُجرى الانتخابات بعد مرور 90 يوماً على الأقل من المصادقة النهائية على حل الكنيست.
ورجّح مراقبون أن أزمة قانون التجنيد ليست السبب الوحيد وراء التوجه إلى حل الكنيست، بل إن الخطوة تعكس أيضاً سعي نتنياهو إلى التحكم الكامل بمسار العملية السياسية وتوقيت الانتخابات المقبلة. ولكن ليس هذا فقط. فهناك أسباب أخرى دفعت نتنياهو إلى هذه الخطوة. أهمها أنه لا يريد إجراء الانتخابات في شهر أكتوبر لأن 7 أكتوبر تحول إلى لعنة للحكومة. ففي 7 أكتوبر، تحل الذكرى السنوية الثالثة لهجوم «حماس» الذي يعتبر كارثة قومية وغالبية الجمهور تحمل نتنياهو المسؤولية عنها. وذكرت هيئة البث العام الإسرائيلية (كان 11) أن مقربين من نتنياهو قالوا لها إن «أكثر ما يخشاه نتنياهو هو انتخابات في أكتوبر بسبب المجزرة».

وهناك سبب آخر لا يقل أهمية. فنتنياهو بدهائه السياسي تعمد الدخول إلى هذه الأزمة، مع الأحزاب الحريدية، وامتنع عن تمرير قانون الإعفاء من الخدمة حتى يتسبب في تفجير الائتلاف. فهو أولاً يبكر موعد الانتخابات فقط بضعة أسابيع، من 27 أكتوبر إلى أوائل سبتمبر. وهذه ليست مدة ذات مغزى. وهذه في الواقع ليست أزمة خطيرة تهدد بفض التحالف التاريخي الذي أقامه مع «الحريديم»، منذ أن تركوا التحالف مع حزب العمل في أواسط التسعينات من القرن الماضي. وقد أعلن قادة اثنين من الأحزاب الدينية الثلاثة عزمهم البقاء في تحالف مع «الليكود» عموماً ومع نتنياهو بشكل خاص أيضاً بعد الانتخابات.
كما أن نتنياهو يريد دخول الانتخابات من دون أن يكون هناك قانون إعفاء الشباب المتدين من الخدمة العسكرية. فهذا القانون يفقده شرائح كبيرة من جمهور اليمين، الذي يخدم في الجيش ويعارض منح الشباب الحريدي إعفاء جارفاً. وأيضاً يصب تفجير الائتلاف اليوم في صالح حلفائه «الحريديم» أمام جمهورهم. فهم يظهرون الآن كمن رضخ لنتنياهو ومصالحه وسكت عن إجهاض القانون. فعندما ينسحبون من الائتلاف الآن ويدفعون نحو الانتخابات يكونون قد دافعوا عن التوراة.
وكانت أوساط حريدية قد شددت على أن قرار الذهاب إلى انتخابات بات نهائياً، إذ قال الحاخام يسرائيل كرافيتس، المقرب من الزعيم الروحي لحزب «ديغل هتوراه»، دوف لاندو، إن موقف الأخير «حاسم ونهائي» بشأن حل الكنيست والتوجه إلى انتخابات مبكرة. وأضاف كرافيتس أن لاندو «منح مهلاً إضافية كثيرة في السابق»، لكن «لم تعد هناك أعذار»، مضيفاً أن المطلوب الآن هو «الخروج من الحكومة والعمل على تبكير الانتخابات»، على حد تعبيره.

هذه اللهجة، تظهر النواب الحريديم وقيادتهم السياسية والروحانية، مثل من ناضلوا ضد الخدمة العسكرية وحافظوا على شبابهم الذي يختار خدمة الدولة من خلال تعميق انتمائها اليهودي.
لذلك، يقال إن نتنياهو وحليفه وصديقه الحريدي، أريه درعي، وضعا معاً هذه الخطة. نتنياهو يكسب أصوات «اليمين» الذي يتمسك بالخدمة، و«الحريديم» يكسبون أصوات المتدينين الذين يطالبون بالإعفاء.
ومع ذلك، فإن التوجه نحو الانتخابات ما زال يعتبر مغامرة بالنسبة لأحزاب الائتلاف، لأن كل الاستطلاعات تشير إلى خسارة خُمس وربما ربع قوة الائتلاف (لو جرت الانتخابات اليوم). ولذلك، فهناك من لا يستبعد خطر أن يقرر نتنياهو، في حال استمرار مؤشرات الاستطلاعات السلبية، تأجيل الانتخابات بحجة التدهور الأمني.


