إيران تربط التعاون النووي بإدانة قصف منشآتها

عرض أميركي لطهران: تفاوض مباشر مقابل «صفر تخصيب»

إيرانيون يمرون بجانب لوحة دعائية مناهِضة لإسرائيل تحمل عبارة: «نحن مستعدون. هل أنتم مستعدون؟» معلقة في ساحة فلسطين وسط طهران (إ.ب.أ)
إيرانيون يمرون بجانب لوحة دعائية مناهِضة لإسرائيل تحمل عبارة: «نحن مستعدون. هل أنتم مستعدون؟» معلقة في ساحة فلسطين وسط طهران (إ.ب.أ)
TT

إيران تربط التعاون النووي بإدانة قصف منشآتها

إيرانيون يمرون بجانب لوحة دعائية مناهِضة لإسرائيل تحمل عبارة: «نحن مستعدون. هل أنتم مستعدون؟» معلقة في ساحة فلسطين وسط طهران (إ.ب.أ)
إيرانيون يمرون بجانب لوحة دعائية مناهِضة لإسرائيل تحمل عبارة: «نحن مستعدون. هل أنتم مستعدون؟» معلقة في ساحة فلسطين وسط طهران (إ.ب.أ)

رهنت طهران أي تعاون جديد مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ولا سيما ما يتعلق بإعادة تفتيش المنشآت النووية التي تعرضت للقصف، بإدانة واضحة وصريحة من الوكالة للهجوم العسكري الذي طال منشآتها في يونيو (حزيران).

قال رئيس المنظمة الإيرانية للطاقة الذرية، محمد إسلامي، إن طهران لن تستجيب «للضغوط السياسية والنفسية» أو «المتابعات غير ذات الصلة» الرامية إلى إعادة تفتيش منشآت نووية تعرّضت للقصف، ما لم تحسم «الوكالة الذرية» مسألة إدانة الهجوم العسكري على صناعة نووية خاضعة لإشرافها.

وشنّت إسرائيل في 13 يونيو هجوماً واسعاً على منشآت استراتيجية داخل إيران، أسفر عن مقتل عشرات من قادة «الحرس الثوري» ومسؤولين وعلماء مرتبطين بالبرنامج النووي؛ ما أشعل حرباً استمرت 12 يوماً بين الجانبين. وانضمت الولايات المتحدة إلى الحرب عبر توجيه ضربات إلى مواقع نووية إيرانية.

«غروسي في مخطط العدو»

وصرح إسلامي، في تصريحات للصحافيين على هامش اجتماع الحكومة، رداً على التصريحات الأخيرة لمدير «الوكالة الذرية» رافائيل غروسي، بأن هذه التصريحات «تظهر أن غروسي يؤدي دوراً في مخطط العدو»، وفق ما نقلته وكالة «إيسنا» الحكومية.

وأضاف: «لا توجد دولة في التاريخ تعاونت مع الوكالة الدولية بقدر ما تعاونت إيران»، لافتاً إلى أن «أكبر وأثقل عمليات التفتيش في التاريخ فُرضت على الصناعة النووية الإيرانية»، مضيفاً أنه «لا يوجد حتى الآن تقرير واحد لمفتشي الوكالة يشير إلى عدم امتثال أو انحراف عن معايير الضمانات».

رئيس المنظمة الإيرانية للطاقة الذرية محمد إسلامي يتحدث للصحافيين على هامش اجتماع الحكومة في طهران الأربعاء (الرئاسة الإيرانية)

وأوضح إسلامي أن الأنشطة النووية الإيرانية «سلمية بالكامل» وتأتي «في مسار تقدم البلاد»، مضيفاً أنه فيما يتعلق بالعلاقة والتعاون مع الوكالة، فإن المواقع التي تعرّضت للقصف تخضع للمادة 68 من اتفاق الضمانات، التي تتناول فقط الأضرار والحوادث الطبيعية، «ولا تتضمن حالات الهجوم العسكري أو القصف».

وتابع: «إذا كانت الوكالة توافق على الحرب والهجوم العسكري، فعليها أن تصوّت على ذلك وتعلن بوضوح أن الهجوم على منشآت نووية خاضعة للضمانات مسموح به. أما إذا لم يكن مسموحاً، فعليها إدانته، وعند الإدانة يجب الإعلان عن ماهية الأوضاع التي تسري بعد الحرب».

وأضاف: «إذا كانت هناك ترتيبات مدوّنة لما بعد الحرب، فعلى الوكالة إعلانها لكي نتصرف على أساسها. أما إذا لم تكن موجودة، فقد كان مطلبنا، وقد كتبنا بذلك إلى الوكالة، ضرورة تعريف وتدوين وتحديد ما يجب القيام به إذا تعرضت صناعة نووية مسجّلة وخاضعة لإشراف الوكالة لهجوم عسكري».

وشدد إسلامي على أنه «إلى أن تُحسم هذه المسألة، فإن الضغوط السياسية والنفسية والمتابعات غير المبررة لإعادة تفتيش المنشآت التي تعرضت للقصف، واستكمال ما يريده العدو، أمر غير مقبول ولن يستجاب له».

وعقب الهجمات، علقت إيران بعض أوجه التعاون مع «الوكالة الدولية»، ومنعت وصول مفتشيها إلى المواقع المتضررة، وربط قانون أقره البرلمان الإيراني في يوليو (تموز) الماضي دخول المفتشين بالحصول على موافقات من مجلس الأمن القومي، بما يتطلب مصادقة المرشد علي خامنئي، صاحب كلمة الفصل في شؤون البلاد.

وكانت إيران قد توصلت في سبتمبر (أيلول) الماضي إلى إطار تعاون جديد مع الوكالة بوساطة مصرية، غير أن طهران أعلنت لاحقاً عدّه ملغياً بعد تحرك أوروبي لإعادة تفعيل مسار فرض عقوبات الأمم المتحدة.

وتصاعدت الضغوط الغربية والتحذيرات الإسرائيلية بشأن مساعي طهران لإعادة بناء قدراتها في البرنامج النووي، وكذلك الصواريخ الباليستية.

وقال وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، في مقابلة نُشرت الأحد الماضي، إن طهران «لا تستبعد» احتمال تعرضها لهجوم جديد، لكنها «مستعدة بالكامل، وأكثر من السابق»، مشدداً على أن الجاهزية تهدف إلى منع الحرب لا الترحيب بها، وأن إيران أعادت بناء ما تضرر خلال هجمات يونيو الماضي.

وعقدت واشنطن وطهران خمس جولات من المحادثات النووية قبل الحرب التي استمرت 12 يوماً بين إيران وإسرائيل في يونيو الماضي. وواجهت هذه المحادثات عقبات كبيرة، لا سيما فيما يتعلق بتخصيب اليورانيوم داخل إيران، وهي ممارسة تسعى القوى الغربية إلى إنهائها لتقليل مخاطر الانتشار النووي، بينما ترفض طهران ذلك بشدة وتعدّه حقاً سيادياً.

وأشار عراقجي إلى قطع اتصالات مع المبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف بشأن الملف النووي منذ أشهر، لافتاً إلى إصرار أميركي على استئناف المفاوضات بعد الهجمات، لكنه قال إنها جاءت «بنهج خاطئ»، مؤكداً أن طهران «مستعدة لاتفاق عادل ومتوازن عبر التفاوض»، لكنها «غير مستعدة لقبول الإملاء».

تفتيش محدود

وقال غروسي، الأسبوع الماضي، إن الوكالة تمكنت من استئناف بعض أنشطة التفتيش في إيران، لكنها لا تزال «محدودة للغاية»، دون الوصول إلى المواقع الرئيسية في نطنز وأصفهان وفوردو، التي وصفها بأنها «الأكثر أهمية».

وأضاف غروسي أن مسألة استعادة الوصول الكامل إلى هذه المواقع «تشكل التحدي الأكبر حالياً»، مؤكداً أن التواصل مع إيران «لا يزال قائماً»، رغم عدم عودة التعاون إلى مستواه السابق.

وقبل الهجمات، كانت إيران تخصب اليورانيوم بنسبة 60 في المائة، القريبة من مستوى الاستخدام العسكري، وقالت الوكالة الدولية للطاقة الذرية إن طهران كانت تمتلك نحو 441 كيلوغراماً من هذه المادة عند اندلاع الحرب، قبل أن يتعذر عليها التحقق من المخزون منذ 13 يونيو.

سجال دبلوماسي

انتقد إسلامي طرح تقرير غروسي الأخيرة للنقاش في جلسة مجلس الأمن، الثلاثاء، قائلاً إن التقرير والبيان والاستناد القانوني الذي قُدم في الاجتماع الأخير «كان غير مهني وغير قانوني بالكامل»، موضحاً أن مدة القرار 2231 انتهت، وحتى لو كان هناك توجه للاستناد إليه «كان ينبغي الالتزام بترتيباته، وهو ما لم يحدث».

وتبادلت الولايات المتحدة وإيران الانتقادات اللاذعة في مجلس الأمن بشأن شروط إحياء المحادثات النووية؛ إذ قالت واشنطن إنها لا تزال مستعدة لإجراء مفاوضات مباشرة إذا وافقت إيران على مبدأ «صفر تخصيب»، بينما رفضت طهران الشروط الأميركية وعدَّتها «إملاءات» تتعارض مع حقوقها السيادية.

وقالت مورغان أورتاغوس، نائبة مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترمب الخاص إلى الشرق الأوسط، أمام مجلس الأمن، إن «الولايات المتحدة لا تزال مستعدة لإجراء محادثات رسمية مع إيران، ولكن فقط إذا كانت طهران مستعدة لحوار مباشر وهادف»، مضيفة: «قبل أي شيء، لا يمكن أن يكون هناك تخصيب لليورانيوم داخل إيران».

في المقابل، قال سفير إيران لدى الأمم المتحدة، أمير سعيد إيرواني، إن الولايات المتحدة «لا تسعى إلى مفاوضات عادلة» بإصرارها على سياسة عدم التخصيب، مؤكداً أن إيران «لن ترضخ لأي ضغط أو ترهيب».

إيرواني يتحدث خلال جلسة مجلس الأمن حول الملف النووي الإيراني (تلفزيون الأمم المتحدة)

وقال إيرواني إن «إيران لا تزال ملتزمة بالكامل بالدبلوماسية القائمة على المبادئ وبمفاوضات حقيقية»، مضيفاً أن الأمر بات الآن بيد فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة «لتغيير المسار واتخاذ خطوات ملموسة وموثوقة لإعادة بناء الثقة».

«الترويكا» الأوروبية

وقال نائب الممثل الدائم للمملكة المتحدة لدى الأمم المتحدة، السفير آرتشي يونغ، إن إيران قيدت وصول «الوكالة الذرية» لأكثر من ستة أشهر، بما في ذلك إلى مواقع تثير مخاوف كبيرة تتعلق بالانتشار النووي.

وأشار إلى أن هذه القيود حالت دون تمكن الوكالة من التحقق من موقع مخزون إيران من اليورانيوم المخصب، بما يشمل أكثر من 400 كيلوغرام من اليورانيوم عالي التخصيب «الذي لا يوجد له أي مبرر مدني موثوق».

وأكد يونغ التزام بلاده، إلى جانب فرنسا وألمانيا، بالمسار الدبلوماسي، مشيراً إلى أن رفع العقوبات يبقى ممكناً إذا اتخذت طهران خطوات «ملموسة وقابلة للتحقق ومستدامة».

وأضاف أن لندن وباريس وبرلين فعَلت آلية «العودة التلقائية للعقوبات»؛ بسبب ما وصفه بـ«عدم وفاء إيران بشكل كبير» بالتزاماتها بموجب اتفاق 2015، داعياً جميع الدول الأعضاء إلى الالتزام بقرارات مجلس الأمن ذات الصلة.

وكانت الأمم المتحدة قد أعادت في أواخر سبتمبر فرض حظر السلاح وعقوبات أخرى على إيران، عقب خطوة قادتها القوى الأوروبية، في حين اعترضت روسيا والصين، اللتان تقولان إن جميع بنود القرار 2231 انتهت صلاحيتها، إلا أن الاجتماع عُقد كما كان مقرراً.


مقالات ذات صلة

قاليباف يربط استمرار التفاوض بالتزامات واشنطن بعد غارات بيروت

شؤون إقليمية رئيس البرلمان الإيراني محمد قاليباف مصافحاً قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في طهران 23 مايو (رويترز)

قاليباف يربط استمرار التفاوض بالتزامات واشنطن بعد غارات بيروت

اتهم رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين مع الولايات المتحدة محمد باقر قاليباف الأحد، واشنطن بعدم الوفاء بالتزاماتها بعد الغارات الإسرائيلية على ضاحية بيروت.

«الشرق الأوسط» (لندن)
رياضة عالمية رئيس الاتحاد الإيراني لكرة القدم مهدي تاج (أ.ف.ب)

الاتحاد الإيراني يضغط على «فيفا» لحظر أعلام المعارضة في المدرجات

ذكَّر رئيس الاتحاد الإيراني لكرة القدم مهدي تاج، السبت، بأنَّ على الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) أن يضمن عدم ظهور سوى العلم الإيراني في ملاعب كأس العالم.

«الشرق الأوسط» (تيخوانا (المكسيك))
المشرق العربي أعضاء «سرايا السلام» يهتفون خلال مراسم إيذاناً ببدء اندماجهم بالدولة العراقية في سامراء شمال بغداد يوم 4 يونيو 2026 (أ.ب)

العراق يبحث عن هامش حركة بعد «اتفاق إيران»

قد يفتح التفاهم الذي أعلنت باكستان التوصل إليه بين الولايات المتحدة وإيران نافذة جديدة أمام العراق لإعادة ترتيب أولوياته الداخلية والخارجية.

حمزة مصطفى (بغداد)
شؤون إقليمية طائرة «إف-16» تابعة للقوات الجوية الأميركية تحلّق فوق الشرق الأوسط في إطار الحفاظ على الوجود العسكري والجاهزية الإقليمية (سنتكوم)

ماذا نعرف عن مذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية؟

أعلنت الولايات المتحدة وإيران أنهما على وشك التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب التي قلبت أوضاع الشرق الأوسط رأساً على عقب وأثرت سلباً على الاقتصاد العالمي.

نيويورك تايمز (واشنطن)
العالم  رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف (رويترز) p-circle

رئيس وزراء باكستان يتوقع إتمام الاتفاق بين إيران وأميركا خلال 24 ساعة

توقع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف الذي توسطت حكومته بين إيران والولايات المتحدة لإنهاء الحرب بينهما، إتمام التفاهم بين الجانبين خلال 24 ساعة.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)

رئيس «أرض الصومال» في زيارة «تاريخية» لإسرائيل

TT

رئيس «أرض الصومال» في زيارة «تاريخية» لإسرائيل

عبد الرحمن محمد عبد الله - يسار - يصافح إسحق هرتسوغ (أ.ب)
عبد الرحمن محمد عبد الله - يسار - يصافح إسحق هرتسوغ (أ.ب)

التقى رئيس إقليم «أرض الصومال»، عبد الرحمن محمد عبد الله، بنظيره الإسرائيلي إسحق هرتسوغ، الأحد، في القدس، في أول زيارة رسمية وبعد أشهر من اعتراف الدولة العبرية رسمياً بالإقليم الانفصالي.

وفي أواخر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أصبحت إسرائيل أول دولة تعترف بـ«أرض الصومال» منذ أعلنت استقلالها من طرف واحد عن الصومال في العام 1991 في أعقاب الحرب الأهلية.

وقال عبد الله، وفق بيان صادر عن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو: «تحمل هذه الزيارة أهمية خاصة، إنها أول زيارة دولة يقوم بها رئيس أرض الصومال إلى دولة أخرى».

وأضاف: «نحن ممتنون للغاية لأن دولة إسرائيل اختارت استقبالنا بهذه الحفاوة في هذه المناسبة التاريخية».

وبحسب عبد الله، فإن الإقليم «على مدى السنوات الـ35 الماضية، كان يتواصل مع قادة العالم، وكان لديه مطلب واحد فقط: أن يرونا. دولة واحدة فقط رغبت في رؤيتنا والاعتراف بأرض الصومال، وهي حكومة إسرائيل وشعبها».

وتحظى «أرض الصومال» بموقع استراتيجي على خليج عدن ولديها عملتها وجواز سفرها وجيشها الخاص، لكنها تواجه صعوبة في الحصول على اعتراف دولي، وسط مخاوف من استفزاز الصومال وتشجيع الحركات الانفصالية الأخرى في أفريقيا.

من جانبه، قال هرتسوغ إن زيارة عبد الله «ترمز إلى الفرص الكبيرة لهذه الشراكة الجديدة الرائعة». وأضاف أنه يتطلع إلى تعزيز «التعاون المباشر بين الشعبين في مجموعة واسعة من المجالات».

ورأى هرتسوغ أن «إسرائيل وأرض الصومال تواجهان معاً تهديد التطرف المتشدد. ونسعى معاً إلى الأمن والاستقرار في المنطقة وفي القرن الأفريقي. وندرك معاً أهمية حماية حرية الملاحة البحرية».

وعيّنت إسرائيل في أبريل (نيسان) الماضي مايكل لوتم كأول سفير لها في «أرض الصومال». وفي فبراير (شباط) الماضي، أعلنت «أرض الصومال» تعيين محمد حاجي سفيراً لها لدى إسرائيل.

وكان وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر زار «أرض الصومال» في يناير (كانون الثاني) الماضي، مما أثار إدانة من الصومال التي وصفتها بأنها «توغل غير مصرح به».


قاليباف يربط استمرار التفاوض بالتزامات واشنطن بعد غارات بيروت

رئيس البرلمان الإيراني محمد قاليباف مصافحاً قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في طهران 23 مايو (رويترز)
رئيس البرلمان الإيراني محمد قاليباف مصافحاً قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في طهران 23 مايو (رويترز)
TT

قاليباف يربط استمرار التفاوض بالتزامات واشنطن بعد غارات بيروت

رئيس البرلمان الإيراني محمد قاليباف مصافحاً قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في طهران 23 مايو (رويترز)
رئيس البرلمان الإيراني محمد قاليباف مصافحاً قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في طهران 23 مايو (رويترز)

اتهم رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين مع الولايات المتحدة محمد باقر قاليباف، الأحد، واشنطن بعدم الوفاء بالتزاماتها بعد الغارات الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت، محذراً من أن استمرار مسار التفاوض سيكون «مستحيلاً» إذا لم تُنفذ التعهدات.

وقال قاليباف، في منشور على منصة «إكس»، إن «العدوان الصهيوني على الضاحية أظهر مجدداً أن الولايات المتحدة إما تفتقر إلى الإرادة للوفاء بالتزاماتها، أو إلى القدرة على ذلك».

وأضاف: «إذا لم تكن لديكم الإرادة أو القدرة على الوفاء بالتزاماتكم، فلا جدوى من الحديث عن مواصلة هذا المسار»، في إشارة إلى المحادثات الجارية بين طهران وواشنطن حول مذكرة تفاهم أولية لإنهاء الحرب.

وتشترط إيران أن يشمل أي تفاهم مع الولايات المتحدة وقف القتال في لبنان، حيث تواصل إسرائيل عملياتها ضد «حزب الله»، حليف طهران.

وفي السياق نفسه، نقلت وسائل إعلام رسمية إيرانية عن محمد جعفر أسدي، نائب قائد «عمليات هيئة الأركان المشتركة»، قوله إن «جرائم» إسرائيل في الضاحية الجنوبية لبيروت «لن تمر من دون رد».

وجاءت التصريحات الإيرانية بعد غارات إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت، قالت إسرائيل إنها استهدفت مواقع لـ«حزب الله».


أميركا وإيران تقتربان من اتفاق وسط غموض التوقيت

مروحية من طراز «إم إتش-60 سي هوك» تقلع من سطح المدمرة الأميركية «يو إس إس ديلبرت دي بلاك» خلال عبور السفينة بحر العرب (سنتكوم)
مروحية من طراز «إم إتش-60 سي هوك» تقلع من سطح المدمرة الأميركية «يو إس إس ديلبرت دي بلاك» خلال عبور السفينة بحر العرب (سنتكوم)
TT

أميركا وإيران تقتربان من اتفاق وسط غموض التوقيت

مروحية من طراز «إم إتش-60 سي هوك» تقلع من سطح المدمرة الأميركية «يو إس إس ديلبرت دي بلاك» خلال عبور السفينة بحر العرب (سنتكوم)
مروحية من طراز «إم إتش-60 سي هوك» تقلع من سطح المدمرة الأميركية «يو إس إس ديلبرت دي بلاك» خلال عبور السفينة بحر العرب (سنتكوم)

اقتربت الولايات المتحدة وإيران، الأحد، من توقيع اتفاق إطاري لإنهاء الحرب التي دخلت شهرها الرابع، لكن الغموض بقي مسيطراً على توقيت التوقيع وشروطه النهائية، بعدما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف توقعهما إنجاز الاتفاق اليوم، بينما شددت طهران على أن النص لم يحسم بعد، وأن التوقيع قد يحدث خلال الأيام المقبلة لا خلال ساعات.

وقال شريف السبت إن باكستان، التي تقود وساطة استمرت شهوراً بين واشنطن وطهران، تستعد لتوقيع إلكتروني فوري، تعقبه محادثات فنية في الأيام المقبلة. ونشر ترمب على منصاته رسالة تؤكد أن الاتفاق سيوقع الأحد، مضيفاً أن مضيق هرمز سيفتح فوراً أمام الملاحة.

لكن المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي قال إن التوقيع «لن يكون غداً»، وإن الموعد الدقيق يتطلب الانتظار، رغم عدم استبعاد حصوله قريباً.

وتزامن ذلك مع توجه مفاوضين قطريين إلى طهران لوضع اللمسات الأخيرة على الاتفاق، وفق مسؤولين إقليميين تحدثا إلى «أسوشيتد برس».

وأبدى المسؤولان تفاؤلاً حذراً بأن الاتفاق قد يوقف الأعمال القتالية التي أودت بآلاف الأشخاص، ويعيد فتح مضيق هرمز الذي أدى إغلاقه إلى اضطراب الأسواق العالمية، لكنهما أكدا أن الصيغة لا تزال تحتاج إلى حسم سياسي وفني.

وتقول مصادر باكستانية وإقليمية إن الوساطة احتاجت، خلال الأشهر الماضية، إلى تدخلات متكررة لمنع انهيار المسار، بعدما كان كل طرف يقترب من مغادرة الطاولة عند نقاط الخلاف الأساسية. وبحسب هذه المصادر، فإن الصيغة الحالية لا تنهي الخلافات، لكنها تمنح الجانبين إطاراً يتيح وقف القتال أولاً، ثم نقل القضايا الأصعب إلى مفاوضات لاحقة تحت ضغط زمني واضح.

تفاهم مؤجل

وقالت وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» إن طهران لم تتخذ قراراً نهائياً بشأن الاتفاق الإطاري، وإن مراجعته لا تزال جارية من النواحي السياسية والقانونية والفنية على مستوى الخبراء وصناع القرار.

وأشارت الوكالة إلى أن تزامن الأحد مع عيد ميلاد ترمب قد يكون أحد أسباب عدم توقيع المذكرة في هذا اليوم، معتبرة أن مسؤولين إيرانيين لن يسمحوا بتحويل التوقيع إلى مناسبة رمزية أو دعائية للرئيس الأميركي.

أشخاص يسيرون قرب جدارية تُظهر المرشد المؤسس (الخميني) والمرشد السابق علي خامنئي، في أحد شوارع طهران(رويترز)

وبحسب مصادر إيرانية تحدثت إلى «رويترز»، تنص مسودة مذكرة التفاهم على أن طهران توافق على عدم إنتاج أو امتلاك أسلحة نووية، وعلى الحفاظ على الوضع النووي القائم إلى حين التوصل إلى اتفاق نهائي، بما يشمل عدم تخصيب اليورانيوم أو توسيع المنشآت النووية. وفي المقابل، توافق واشنطن على عدم فرض عقوبات جديدة على إيران قبل الاتفاق النهائي.

وقال مسؤول إيراني كبير إن الولايات المتحدة وافقت، بموجب المسودة، على أن تخفف إيران مخزون اليورانيوم عالي التخصيب داخل البلاد، على أن تبحث آلية ذلك خلال ستين يوماً. وتمثل هذه الصيغة نقطة تقاطع محدودة بين طرح ترمب، الذي تحدث عن «تخفيف وتدمير» اليورانيوم داخل إيران أو في الولايات المتحدة «عندما يهدأ الوضع»، وموقف وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الذي قال إن التخفيف داخل إيران هو الخيار المقبول الوحيد.

وتملك إيران، وفق الوكالة الدولية للطاقة الذرية، 440.9 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة تصل إلى 60 في المائة، وهي نسبة تفصلها خطوة تقنية قصيرة عن مستوى 90 في المائة اللازم لصنع سلاح نووي.

وتؤكد طهران أن برنامجها سلمي، ولم تعلن استعدادها للتخلي عن المخزون الذي يعتقد أنه مدفون تحت ثلاثة مواقع نووية تضررت بشدة من الضربات الأميركية العام الماضي.

ومن المرجح، وفق مسؤولين مطلعين على مسار المحادثات، أن يتركز توقيع المذكرة على المبادئ العامة، لا على تفاصيل التنفيذ.

ويشمل ذلك وقف التصعيد، إعادة فتح المضيق، رفع الحصار، وقف فرض عقوبات جديدة، وبدء محادثات فنية بشأن النووي والأموال المجمدة. أما آليات التحقق، وجدول التنفيذ، وضمانات عدم الانسحاب، فستبقى على الأرجح جزءاً من المرحلة التالية.

الحصار البحري والأموال المجمدة

تركز المسودة الحالية، وفق مصادر من أطراف المحادثات، على إعادة فتح مضيق هرمز فوراً أمام جميع السفن التجارية، مقابل رفع الولايات المتحدة الحصار البحري المفروض على إيران. وقال ترمب إن المضيق، الذي كان يمر عبره نحو خمس شحنات النفط العالمية قبل الحرب، سيفتح «للجميع» فور توقيع الاتفاق.

وأكد مسؤول أميركي أن فتح المضيق شرط أساسي لرفع الحصار، مضيفاً أن الخطوة التالية ستكون إزالة الألغام من الممر المائي، مع احتمال مشاركة دول من مجموعة السبع في العملية. وواصلت القيادة المركزية الأميركية إعلانها أن الملاحة في هرمز مستمرة، وأن قواتها أسقطت في وقت مبكر السبت عدة مسيرات إيرانية هجومية كانت متجهة نحو المضيق، بينما قالت واشنطن إنها تواصل تنفيذ الحصار إلى حين اكتمال الاتفاق.

وفي المقابل، نقلت «فارس» عن بقائي أن الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة جزء لا يتجزأ من الاتفاق، وأن طهران ستضطر إلى فرض رسوم على الخدمات المقدمة في مضيق هرمز.

سفن حربية وأصول جوية تابعة للبحرية الأميركية تواصل دورياتها في المياه الإقليمية لفرض الحصار على إيران (سنتكوم)

كما قال إن وجود القواعد الأجنبية والوجود العسكري في المنطقة يجب أن ينتهي. وتقول مصادر إيرانية إن المسودة تنص على الإفراج عن 25 مليار دولار من الأصول المجمدة، عبر تحويلات نقدية مباشرة وتعاون بين دول المنطقة وخطوط ائتمان مالية، إضافة إلى رفع عقوبات النفط الإيراني لفترة محددة تسمح لطهران ببيع النفط وتلقي عائداته.

لكن واشنطن قدمت رواية أكثر تحفظاً بشأن الأموال. فقد أكد مسؤولون أميركيون أن الإفراج عن الأصول لن يتم بمجرد التوقيع أو حضور اجتماع، وأن أي خطوات مالية ستبقى مرتبطة بالتزام إيران شروط الاتفاق. ويعكس هذا التباين اتساع الفجوة بين رواية أميركية تقدم التفاهم بوصفه نتيجة ضغط عسكري، ورواية إيرانية تسعى إلى تصويره اعترافاً بفشل الحصار والضربات.

وقالت مصادر أميركية إن الاتفاق لا يمنح إيران تفويضاً مفتوحاً لإدارة هرمز أو فرض رسوم عبور، بل يربط أي ترتيبات مستقبلية بحرية الملاحة والقانون الدولي. في المقابل، تصر طهران على أن إدارة المضيق بعد الحرب لن تعود إلى ما كانت عليه، وأن الخدمات الأمنية والملاحية والإنقاذية التي تقدمها إيران وعمان يجب أن تكون جزءاً من التفاهم الجديد.

ويأتي ذلك فيما يستعد ترمب لطرح ملف إزالة الألغام من مضيق هرمز خلال قمة مجموعة السبع التي تبدأ الاثنين، في محاولة لإشراك حلفاء واشنطن في ترتيبات ما بعد فتح الممر البحري. ويعد المضيق محورياً لشحنات النفط والغاز والأسمدة، وأدى تعطله الفعلي إلى ارتفاع أسعار الطاقة وزيادة الضغوط على الأسواق العالمية.

وقالت القيادة المركزية الأميركية إنه حتى 13 يونيو، أعادت قواتها توجيه 141 سفينة تجارية وعطلت 9 سفن أخرى لضمان الامتثال.

انقسام داخلي

لا يحل الاتفاق، بصيغته الحالية، القضايا الأكثر تعقيداً بين واشنطن وطهران، بما في ذلك البرنامج النووي، والأصول المجمدة، ودور إيران الإقليمي. لكنه يضع إطاراً زمنياً مدته 60 يوماً لإجراء مفاوضات فنية، في محاولة لمنع انهيار وقف إطلاق النار الهش القائم منذ 7 أبريل، بعد أسبوع شهد تبادلاً جديداً للنيران بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل.

وتصر طهران على إدراج لبنان في أي تفاهم لإنهاء الحرب، بينما تريد واشنطن وإسرائيل التعامل مع هذا الملف بصورة منفصلة. وقالت مصادر مطلعة إن إسرائيل، التي واصلت عملياتها ضد «حزب الله» في لبنان، تعد الاتفاق بصيغته الراهنة خيبة أمل كبيرة، لأنها همشت في مسار تفاوض قادته باكستان وشاركت فيه أطراف إقليمية أخرى.

وأثار الاتفاق المحتمل انقساماً داخل إيران. فقد خرجت مسيرات مؤيدة للحكومة مساء السبت، وعبّر معارضون متشددون عن رفضهم للتفاهم، وردد بعض المحتجين في مشهد هتافات ضد من يقدمون «تنازلات»، في إشارة واضحة إلى عراقجي.

وهاجم نواب محافظون الغموض المحيط بالنص، بينما رأت وكالة «فارس» أن توقيع الاتفاق في عيد ميلاد ترمب سيمنحه مكسباً دعائياً لا ينبغي لطهران السماح به.

ويبدو أن السلطة الإيرانية تسعى إلى تسويق التفاهم بوصفه تثبيتاً لما تصفه بـ«الانتصارات الميدانية»، لا تراجعاً تحت الضغط.

وقال عراقجي إن بلاده خرجت من الصراع أقوى، وإن أي اتفاق يجب أن يثبت نتائج الميدان. غير أن استمرار الاشتباكات في هرمز ولبنان، وتضارب الروايات حول الأموال واليورانيوم، يجعلان الاتفاق المرتقب أقرب إلى هدنة سياسية وعسكرية مؤقتة منه إلى تسوية نهائية شاملة.