اليوم الأول للهدنة في إسرائيل: نتنياهو يحتفي... ومناوئون يدعون لاستكمال الحرب

عودة 95 ألف إسرائيلي من الخارج... ومغادرة 45 ألفاً

إسرائيلي مسلح يدفع عربة أطفال يوم الثلاثاء في تل أبيب (أ.ف.ب)
إسرائيلي مسلح يدفع عربة أطفال يوم الثلاثاء في تل أبيب (أ.ف.ب)
TT

اليوم الأول للهدنة في إسرائيل: نتنياهو يحتفي... ومناوئون يدعون لاستكمال الحرب

إسرائيلي مسلح يدفع عربة أطفال يوم الثلاثاء في تل أبيب (أ.ف.ب)
إسرائيلي مسلح يدفع عربة أطفال يوم الثلاثاء في تل أبيب (أ.ف.ب)

مر بصعوبة الجزء الأكبر من أول أيام اتفاق وقف النار بين إيران وإسرائيل، بعدما كاد أن ينهار في ساعاته الأولى، ما دفع الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإجراء تدخلات عاجلة لكبح انهياره، وأفاد بأنه أوقف هجوماً جوياً إسرائيلياً على طهران.

وفي إسرائيل، بدأت الحياة تعود إلى طبيعتها، في وقت أفادت فيه حكومة رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، بموافقتها على الاتفاق الذي أعلنه ترمب، لتهدئة الحرب التي اشتعلت طوال 12 يوماً.

وأجرى ترمب مكالمة مع نتنياهو، بعد أن أعلن انتقاده بشدة لإسرائيل بسبب ردها العسكري عقب وقف إطلاق النار مع إيران، واتهم الجانبين بخرق الاتفاق بعد أن أعلنه بساعات فقط.

وقال ترمب للصحافيين الثلاثاء: «لم يرُق لي قيام إسرائيل بالقصف فور إبرام الاتفاق. لم يكونوا مضطرين للقيام بذلك، ولم يعجبني أن الرد كان قوياً جداً». وأكدت إسرائيل موافقتها على وقف إطلاق النار، مكتفية بمهاجمة رادار إيراني فقط، متراجعة عن هجوم كبير، وقالت إنها وافقت على مقترح ترمب لوقف النار «في ضوء تحقيق أهداف العملية»؛ بل «وأكثر من ذلك بكثير».

وجاء في بيان رسمي أصدرته الحكومة الإسرائيلية: «لقد أزالت إسرائيل تهديداً وجودياً مباشراً مزدوجاً عن نفسها؛ سواء في المجال النووي أو في مجال الصواريخ الباليستية».

وشكرت إسرائيل الرئيس ترمب والولايات المتحدة على «دعمهما الدفاعي ومشاركتهما في القضاء على التهديد النووي الإيراني».

لا تلقوا القنابل

وطالب ترمب -بينما كانت الطائرات الإسرائيلية في طريقها لضرب أهداف واسعة في إيران- إسرائيل بعدم إلقاء مزيد من القنابل على إيران، محذراً من أن ذلك سيمثل انتهاكاً لوقف إطلاق النار الذي يسعى للتوصل إليه بين البلدين.

وكتب ترمب في منشور عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بعد وقت قصير من مغادرته البيت الأبيض لحضور قمة حلف شمال الأطلسي في لاهاي: «إسرائيل، لا تلقوا هذه القنابل. إن فعلتم ذلك فسيكون انتهاكاً جسيماً. أعيدوا طياريكم إلى أماكنهم فوراً!».

وقال الرئيس الأميركي إن على إسرائيل أن تهدأ: «خرجت إسرائيل وألقت حزمة من القنابل لم أرَ مثلها من قبل، وهي أكبر حزمة رأيناها».

إيرانيان يمران أمام صور في نصب تذكاري لأولئك الذين قُتلوا على يد إسرائيل في طهران (أ.ف.ب)

وقالت صحيفة «يديعوت أحرونوت» إن إسرائيل صُدمت تماماً من كلام ترمب.

وأضافت: «بعدما تم الزعم في إسرائيل أنه يوجد تنسيق لهجوم على إيران بعد وقف النار، للرد على الانتهاكات، يبدو أن ترمب لم يكن على علم بذلك، ما أثار غضبه».

وحسب مصادر إسرائيلية، فإن موقف ترمب الغاضب جعل إسرائيل تهاجم هدفاً واحداً رمزياً، وليس مجموعة أهداف كما كان مخططاً.

وكان ترمب قد تحدث إلى نتنياهو بعد تصريحاته، وطلب منه وقف الهجمات، وأخبره نتنياهو أن إسرائيل يجب أن ترد، واتفقا على ضربة رمزية لا تخلِّف أضراراً ولا قتلى.

وقالت «يديعوت أحرونوت» إنه بعد حادثة ترمب ونتنياهو، قررت إسرائيل التراجع، وتمت مهاجمة هدف واحد بدلاً من هجوم واسع.

استئناف الأنشطة

ومع انتهاء الحرب على إيران، بدأت الحياةُ العودةَ إلى طبيعتها في إسرائيل، ولكن مع تباين في وجهات النظر السياسية حول نتائج الحرب، ومخاوف من جولة جديدة بعد سنوات.

وكتب إيتمار آيشنر في يديعوت «لن نتمكن من دراسة الإنجازات المهمة فوراً؛ بل على مدى فترة زمنية. سيستغرق الأمر شهوراً، وربما سنوات، لفهم ما إذا كانت العملية قد حققت أهدافها الأساسية: إلحاق ضرر كبير بالبرنامج النووي، وتوفير ردع وحرية عمل للجيش الإسرائيلي في أجواء إيران».

 

وأضاف: «12 يوماً لتغيير خريطة التهديدات لدولة إسرائيل جذرياً. ولكن هل ستستمر هذه الإنجازات مع مرور الوقت، أم إنها بداية صراع مستمر مع طهران؟ لن نعرف الإجابات إلا في المستقبل، ولكن الأمر واضح بالفعل: لقد نفَّذت إسرائيل خطوة غير مسبوقة في نطاقها وكثافتها وتعاونها مع الولايات المتحدة؛ خطوة تتجلى فيها بوضوح قدرتها على تغيير ميزان القوى في الشرق الأوسط».

وتحدث الكاتب عن «إنجازات عملية تجلَّت في ضربة قاصمة ومهمة للمشروع النووي الإيراني، والقضاء على كبار قادة (الحرس الثوري) وعلماء نوويين بارزين، وحرية غير مسبوقة لسلاح الجو الإسرائيلي في الأجواء الإيرانية، وتجنب اندلاع حرب إقليمية شاملة»، مؤكداً أن «النجاح لم يكن بلا مقابل».

وعدَّ آيشنر أن «التحدي الحقيقي لإسرائيل هو عدم وجود اتفاق مكتوب مع إيران، وهو ما يجعل احتمالية استئناف إيران جهودها في المجالين النووي والصاروخي كبيرة جداً». ونقل آيشنر عن دينيس سيترينوفيتش، الباحث والرئيس السابق لقسم إيران في جهاز الاستخبارات العسكرية: «لا توجد آلية تمنعهم من استعادة قوتهم».

سموتريتش وبن غفير مختلفان

وبينما قال وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، إن «إسرائيل حققت نصراً تاريخياً وأزالت تهديداً وجودياً»، لم يرضَ وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير عن وقف الحرب، ودعا إلى مواصلة القتال لإسقاط النظام الإيراني بالكامل، معتبراً أن «الفرصة التاريخية لإسقاط النظام يجب ألا تُهدَر».

أما رئيس المعارضة يائير لبيد، فدعا إلى «إنهاء الحرب في غزة وإعادة المخطوفين»، بينما طالب يائير غولان زعيم حزب «الديمقراطيين» بربط وقف النار بمكافحة الانقلاب القضائي داخل إسرائيل.

لبيد متحدثاً في صورة نشرها «الكنيست» على حسابه في «إكس»

لكن أفيغدور ليبرمان، زعيم حزب «إسرائيل بيتنا» فقال إن نهاية الحملة جاءت «مُرَّة»، وعدَّ أن وقف النار جاء دون استسلام إيراني فعلي، وهو ما سيقود إلى جولة جديدة خلال سنوات.

الخروج من الملاجئ

ومع دخول اتفاق النار حيز التنفيذ، سُمح للإسرائيليين بالخروج من الملاجئ وممارسة حياتهم، وتقرر استئناف النشاط الكامل في مطار بن غوريون، بما يشمل زيادة كبيرة في عدد الرحلات الجوية، بهدف فكّ الازدحام الذي سببته المواجهات الأخيرة.

وأكدت سلطة المطارات أن التنسيق جارٍ مع هيئة الطيران المدني والجهات الأمنية، لتأمين عودة تدريجية وآمنة إلى الروتين.

وفي سياق متصل، نشرت سلطة السكان والهجرة معطيات حول حركة الإسرائيليين منذ بدء الهجمات المتبادلة ليلة 13 يونيو (حزيران). فقد عاد إلى إسرائيل 95441 إسرائيلياً عبر كافة المعابر: 52554 برّاً، و8386 بحراً، و34501 جواً.

وفي المقابل، غادر 43976 إسرائيلياً: 36045 برّاً، و2951 بحراً، و4980 جواً. ولا يزال عشرات الآلاف من الإسرائيليين عالقين في الخارج، بانتظار استئناف الرحلات المنتظمة.


مقالات ذات صلة

ترمب يرفع سقف المواجهة في «هرمز»... والهدنة مهددة بالانهيار

شؤون إقليمية جنود تابعين لـ«البحرية الأميركية» p-circle

ترمب يرفع سقف المواجهة في «هرمز»... والهدنة مهددة بالانهيار

أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب أخطر تهديداته المباشرة منذ تمديد وقف إطلاق النار مع إيران، بعدما أمر بـ«إطلاق النار وقتل» أي قارب يزرع ألغاماً في مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (لندن – واشنطن - طهران)
الولايات المتحدة​ صورة نشرها «الحرس الثوري» لزورق حربي يبحر في مضيق هرمز (أ.ف.ب)

حرب إيران... هدنة معلّقة ومضيق مخنوق

في لحظة بين اللاحرب واللاسلم تبدو المنطقة أمام معادلة مزدوجة: مسار تفاوضي لم يمت لكنه لم يُولد مجدداً، ووقف إطلاق نار لم ينهِ القتال بل نقله من الجو إلى البحر.

إيلي يوسف (واشنطن)
شؤون إقليمية قائد «سنتكوم» الأميرال براد كوبر خلال زيارة إلى إسرائيل بدعوة من رئيس الأركان إيال زامير لتعزيز التنسيق العسكري والشراكة الدفاعية بين الجانبين الأحد (الجيش الإسرائيلي-إكس)

كواليس القرار العسكري الأميركي الإسرائيلي في الحرب على إيران

كشفت مصادر إسرائيلية كواليس القرار الذي قاد إلى الحرب على إيران، مشيرة إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اتخذا القرار.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية مبنى تعرض لغارات جوية أميركية إسرائيلية قبل أيام من دخول وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة حيز التنفيذ بجنوب طهران (أ.ف.ب) p-circle

الدمار يتكشف: تقرير يُظهر حجم ونطاق الضربات الأميركية – الإسرائيلية على إيران

بدأت تتكشف تدريجياً ملامح الأضرار الواسعة التي خلّفتها الضربات الأميركية – الإسرائيلية داخل إيران، وسط قيود صارمة على تدفق المعلومات من داخل البلاد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم سفن وقوارب تظهر في مضيق هرمز (رويترز) p-circle

تقرير يكشف: إزالة الألغام من مضيق هرمز قد تستغرق 6 أشهر

أفاد تقرير نقلته صحيفة «إندبندنت» بأن عملية تطهير مضيق هرمز بالكامل من الألغام التي يُعتقد أن إيران زرعتها قد تستغرق ما يصل إلى ستة أشهر.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

بابا الفاتيكان يندد بقتل المحتجين في إيران ويؤكد رفضه للحرب

البابا ليو الرابع بابا الفاتيكان داخل طائرة خلال عودته إلى روما (أ.ب)
البابا ليو الرابع بابا الفاتيكان داخل طائرة خلال عودته إلى روما (أ.ب)
TT

بابا الفاتيكان يندد بقتل المحتجين في إيران ويؤكد رفضه للحرب

البابا ليو الرابع بابا الفاتيكان داخل طائرة خلال عودته إلى روما (أ.ب)
البابا ليو الرابع بابا الفاتيكان داخل طائرة خلال عودته إلى روما (أ.ب)

ندد البابا ليو بابا الفاتيكان، اليوم الخميس، بشدة بقتل المحتجين في إيران، وذلك بعدما انتقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب البابا الأسبوع الماضي لعدم قيامه بذلك، في ‌حين انتقد ‌الحرب الأميركية ‌الإسرائيلية على إيران.

كما استنكر ليو، وهو أول بابا من الولايات المتحدة، مقتل «عدد كبير جداً» من المدنيين في الحرب، وعبّر عن أسفه لانهيار محادثات السلام ‌الأميركية ‌الإيرانية، وذلك في تصريحات ‌أدلى بها على ‌متن الطائرة لدى عودته إلى روما بعد جولة شملت أربع دول أفريقية.

وقال البابا، ‌رداً على سؤال في مؤتمر صحافي حول تقارير تفيد بأن إيران قتلت آلاف المحتجين: «أندد بجميع الأعمال الظالمة، وأندد بإزهاق الأرواح».

وأضاف، وفقاً لوكالة «رويترز»: «عندما يتخذ نظام، أو دولة، قرارات تزهق أرواح الآخرين ظلماً، فمن البديهي أن هذا أمر يستحق التنديد».

وحث البابا ليو الرابع عشر الولايات المتحدة وإيران على العودة إلى مفاوضات السلام.


ترمب يسعى لصفقة مع إيران و«رواية انتصار» تصاحب إنهاء الحرب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
TT

ترمب يسعى لصفقة مع إيران و«رواية انتصار» تصاحب إنهاء الحرب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

في لحظةٍ تتقاطع فيها حسابات الحرب مع رهانات السياسة، رفع الرئيس الأميركي دونالد ترمب سقف تهديداته مرةً أخرى ضد إيران، ملوّحاً بإصدار أوامر للجيش الأميركي بإطلاق النار وتدمير القوارب الإيرانية التي تعيق حركة الملاحة في مضيق هرمز، وإزالة الألغام من الممر المائي.

ويزيد البعد الزمني من تعقيد المشهد؛ فترمب الذي تعهد بتجنب «الحروب الطويلة»، يواجه ضغوطاً داخلية متزايدة لإنهاء الأزمة بسرعة، خاصة مع اقتراب الانتخابات الفصلية للكونغرس في نوفمبر (تشرين الثاني) وارتفاع أسعار الطاقة نتيجة التوتر في مضيق هرمز.

وفي المقابل، تبدو إيران أكثر استعداداً لتحمل تكلفة الوقت؛ ما يمنحها أفضلية نسبية في معركة الإرادات.

ورغم هذه التحديات، لا تزال واشنطن تراهن على أن مزيج الضغط والمرونة قد يفضي إلى اتفاق. ووفقاً للخبراء، فإن ترمب لا يسعى فقط إلى صفقة مع إيران، بل إلى «رواية انتصار» تصاحب الاتفاق؛ إذ لن يُقاس نجاحه بمضمون الاتفاق فحسب، بل بقدرته على تقديمه بوصفه إنجازاً وانتصاراً يتفوق على إرث أوباما واتفاقية عام 2015 النووية مع إيران.

ومع ذلك، يظل الطريق إلى هذا الهدف مليئاً بالتحديات، من تعقيدات الملف النووي إلى توازنات الداخل الإيراني، مروراً بحسابات السياسة الأميركية.

غضب ترمب ونفاد صبره

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية 18 أبريل (أ.ب)

ويأتي تهديد ترمب بإطلاق النار على القوارب الإيرانية، في ظل غياب مؤشرات واضحة بشأن استئناف محادثات السلام التي استضافتها باكستان سابقاً خلال الأيام المقبلة، مع عدم صدور أي تصريحات حول ترتيبات محتملة لزيارة نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إلى باكستان.

وبدا غضب ترمب ونفاد صبره واضحين في تغريدة أخرى، سخر فيها من الصعوبات التي تواجهها إيران في تحديد قيادتها، مشيراً إلى اقتتال داخلي بين متشددين يتكبدون خسائر فادحة في ساحة المعركة، ومعتدلين وصفهم بأنهم «ليسوا معتدلين على الإطلاق».

ولوّح بأن الولايات المتحدة تسيطر سيطرةً تامة على مضيق هرمز، وأنه لا يمكن لأي سفينة الدخول أو المغادرة دون موافقة البحرية الأميركية، مؤكداً أن الحصار على المضيق «محكم تماماً» إلى أن تتمكن إيران من «إبرام صفقة».

وفسّر محللون هذا التحول في الخطاب الرئاسي الأميركي بوصفه انتقالاً من خطاب الردع إلى خطاب يضع قواعد اشتباك ميدانية دقيقة، تستهدف ضبط السلوك الإيراني في الممرات البحرية دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة.

كما رأوا أن ربط ترمب، في تغريداته على «تروث سوشيال»، بين السيطرة الكاملة على مضيق هرمز وإبقائه مغلقاً حتى توافق إيران على صفقة، يمثل رسالة تجمع بين الضغط العسكري والابتزاز التفاوضي.

وأثار ترمب جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية الأميركية بإعلانه عدم وجود جدول زمني لإنهاء وقف إطلاق النار مع إيران؛ إذ عدَّه البعض تراجعاً عن نهج التصعيد، في حين رآه آخرون مرونة تكتيكية ضمن استراتيجية تفاوضية أوسع.

صيغة توازن دقيقة

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس (أ.ب)

ويبدو أن ترمب يسعى إلى المناورة بين ضغوط الداخل وحسابات الخارج؛ بحثاً عن صيغة توازن دقيقة تمكّنه من الخروج من المواجهة مع إيران دون أن يظهر بمظهر المتراجع، خصوصاً بعد تمديد هدنة وقف إطلاق النار، والتراجع عن بعض تهديداته السابقة، والجدل المستمر حول جدوى الحصار الأميركي في مضيق هرمز لإجبار إيران على تقديم تنازلات.

وتقول أليس إيفرز، الباحثة في مجلس العلاقات الخارجية، إن «جميع خيارات ترمب تنطوي على مخاطر عالية في بيئة تصعيدية صفرية، حيث يسعى كل طرف إلى إجبار الآخر على التراجع». وتضيف أن هذا النمط من التصعيد المتبادل يجعل أي تهدئة مؤقتة مجرد استراحة تكتيكية لا تحولاً استراتيجياً.

ويشير تقرير لصحيفة «واشنطن بوست» الأميركية إلى أن إدارة ترمب انتقلت من خطاب التهديد بالحسم العسكري إلى ما يشبه «نمط الانتظار»، حيث جرى تمديد الهدنة دون سقف زمني واضح، مع الإبقاء على أدوات الضغط الأساسية، وعلى رأسها الحصار البحري والعقوبات الاقتصادية.

ولا يعكس هذا التحول رغبة في تجنب التصعيد فحسب، بل محاولة لصياغة مسار تفاوضي يمنح ترمب فرصة إعلان «انتصار سياسي» في حال التوصل إلى اتفاق.

ووفق هذه القراءة، لا ترى واشنطن في التصعيد الإيراني، بما في ذلك هجمات «الحرس الثوري» على الملاحة في مضيق هرمز، خروجاً عن السيطرة بقدر ما تعدّه جزءاً من «لعبة التفاوض بالقوة». فإيران، التي تواجه ضغوطاً اقتصادية متزايدة، تسعى إلى تحسين شروطها عبر استعراض قدرتها على تهديد أحد أهم شرايين الطاقة العالمية، في حين تراهن الولايات المتحدة على أن استمرار الضغط سيدفع طهران إلى تقديم تنازلات أوسع.

إيران مختلفة

جندي إيراني يقف أمام لوحة دعائية تظهِر المرشد الجديد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين في طهران (إ.ب.أ)

غير أن هذا الرهان يصطدم بواقع أكثر تعقيداً. فإيران اليوم ليست كما كانت خلال مفاوضات عام 2015، حين وقّعت الاتفاق النووي مع إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما؛ إذ راكمت مخزوناً كبيراً من اليورانيوم عالي التخصيب، ورفعت مستوى خبرتها التقنية في المجال النووي وتخصيب اليورانيوم محلياً؛ ما يجعل العودة إلى القيود السابقة أكثر صعوبة.

وتشير تقارير إلى أن طهران قد تكون مستعدة لتقديم «ضمانات إضافية»، لكنها ترفض بشكل قاطع التخلي الكامل عن حقها في التخصيب.

ويبرز هنا التحدي الأكبر أمام ترمب: كيف يمكنه تحقيق اتفاق «أفضل» من اتفاق 2015 الذي انتقده لسنوات قبل أن ينسحب منه في 2018؟ وتكمن الإجابة، وفق مقربين من الإدارة، في إعادة تعريف «الأفضل»، عبر التركيز على فرض قيود أطول زمناً، وتشديد آليات التفتيش، وربما انتزاع تنازلات تتعلق بمستوى التخصيب ومصير المخزون الحالي.

غير أن هذه المقاربة تنطوي على مفارقة؛ إذ إن بعض الخيارات المطروحة اليوم، مثل الإفراج عن أموال إيرانية مجمدة أو تقديم تخفيف مرحلي للعقوبات، تشبه إلى حد بعيد التنازلات التي انتقدها ترمب سابقاً في اتفاق 2015. وأشارت صحيفة «واشنطن بوست» إلى أن الإدارة الأميركية تواجه «المعضلات ذاتها» التي واجهتها إدارة أوباما، مثل رفع العقوبات وحدود التخصيب.

الانقسامات الداخلية الإيرانية

في السياق ذاته، تلعب الانقسامات داخل إيران دوراً محورياً في الحسابات الأميركية؛ إذ ترى واشنطن أن طهران تشهد صراعاً بين تيار براغماتي يسعى لتخفيف الضغوط والانخراط في تسوية، وتيار آخر متشدد يدفع نحو التصعيد العسكري والمواجهة.

وانعكس ذلك، حسب صحيفة «ذا هيل»، في عدم قدرة الوفد الإيراني على تقديم موقف موحد؛ ما أسهم في تعثر المحادثات في باكستان.

غير أن هذا التفسير لا يخلو من حسابات سياسية؛ فتصوير إيران كطرف «منقسم» يمنح الإدارة الأميركية هامشاً للمناورة؛ إذ يبرر استمرار الضغط من جهة، ويفتح الباب أمام التفاوض مع التيار البراغماتي من جهة أخرى، كما يسمح بطرح أي تقدم، حتى إن كان محدوداً، بوصفه نتيجة مباشرة لهذه الاستراتيجية.

في المقابل، يرى خبراء أن هذا الرهان قد يكون مبالغاً فيه؛ إذ يظهر التاريخ أن النظام الإيراني، رغم خلافاته الداخلية، قادر على التماسك في القضايا الاستراتيجية الكبرى. كما أن استمرار الضغوط قد يعزز نفوذ التيار المتشدد بدلاً من إضعافه؛ ما قد يعقّد فرص التوصل إلى اتفاق.

وتقول سوزان مالوني، نائبة رئيس معهد «بروكينغز»، إن الإيرانيين قد يقبلون بتنازلات في مستويات التخصيب أو الجداول الزمنية، لكنهم لن يتخلوا عن حقهم في التخصيب، وهي العقدة الأساسية التي بقيت قائمة منذ عام 2015.


انخفاض عدد عمليات عبور هرمز وازدياد الحوادث الأمنية

صورة لسفينة شحن تحمل حاويات قالت السلطات الإيرانية إنها كانت تحاول عبور مضيق هرمز (أ.ف.ب)
صورة لسفينة شحن تحمل حاويات قالت السلطات الإيرانية إنها كانت تحاول عبور مضيق هرمز (أ.ف.ب)
TT

انخفاض عدد عمليات عبور هرمز وازدياد الحوادث الأمنية

صورة لسفينة شحن تحمل حاويات قالت السلطات الإيرانية إنها كانت تحاول عبور مضيق هرمز (أ.ف.ب)
صورة لسفينة شحن تحمل حاويات قالت السلطات الإيرانية إنها كانت تحاول عبور مضيق هرمز (أ.ف.ب)

انخفضت عمليات عبور السفن عبر مضيق هرمز، بشكل حاد منذ الأحد الماضي، بسبب الحصار الإيراني والأميركي، في حين تضاعفت الحوادث الأمنية التي تشمل السفن، وفق بيانات جمعتها «وكالة الصحافة الفرنسية».

كانت إيران قد أعلنت، الجمعة الماضي، إعادة فتح المضيق، قبل أن تغلقه مجدداً بعد بضع ساعات، السبت، مشيرة إلى استمرار الحصار الأميركي على موانئها.

وبعد بلوغ ذروة في عمليات العبور شملت 26 ناقلة، في 18 أبريل (نيسان) الحالي، انخفض العدد إلى أدنى مستوى منذ بدء الحرب، وفق بيانات من شركة «كبلر».

وفي الفترة من 19 أبريل إلى 22 منه، لم يَعبر المضيق سوى 18 سفينة، بمعدل 4.5 سفينة يومياً. وبالمقارنة، عبَرَ، بين الأول من مارس (آذار) و17 أبريل، نحو تسع سفن يومياً.

صورة من الأقمار الاصطناعية لمجموعة من الزوارق الصغيرة شمال مضيق هرمز (رويترز)

وكان يجري تسجيل نحو 120 عملية عبور يومية، خلال وقت السلم، وفق موقع المعلومات البحرية «لويدز ليست». وبالتالي، انخفضت حركة العبور حالياً بأكثر من 96 في المائة عن المستويات الطبيعية.

في الوقت نفسه، ازداد عدد الحوادث التي أبلغت عنها السفن في المنطقة. وسجلت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية «يو كاي إم تي أو» و/أو شركة الأمن «فانغارد تك» سبع حوادث أو هجمات منذ السبت. وأكدت المنظمة البحرية الدولية خمساً من تلك الحوادث.

ومنذ بداية الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، جرى تسجيل 38 حادثة من قِبل «يو كاي إم تي أو» و«فانغارد» و/أو المنظمة البحرية الدولية.