قلق إسرائيلي من نتائج المحادثات الأميركية - الإيرانية

مصادر تتوقع انهيار المفاوضات مع طهران بعد طرح مطالب واشنطن

ترمب ونتنياهو في البيت الأبيض في 27 يناير 2020 (د.ب.أ)
ترمب ونتنياهو في البيت الأبيض في 27 يناير 2020 (د.ب.أ)
TT

قلق إسرائيلي من نتائج المحادثات الأميركية - الإيرانية

ترمب ونتنياهو في البيت الأبيض في 27 يناير 2020 (د.ب.أ)
ترمب ونتنياهو في البيت الأبيض في 27 يناير 2020 (د.ب.أ)

أعربت إسرائيل عن قلقها من احتمال تراجع حزم الإدارة الأميركية تجاه إيران، في أعقاب الجولة الثانية من المحادثات غير المباشرة بين مسؤولين أميركيين وإيرانيين، في روما، التي انتهت باتفاق على البدء في وضع إطار عمل لاتفاق نووي محتمل.

وأعلنت سلطنة عمان، التي تتوسط بين البلدين، أن المحادثات تهدف إلى التوصل إلى اتفاق ملزم يضمن إخلاء إيران تماماً من الأسلحة النووية، ورفع العقوبات عنها، مع الحفاظ على قدرتها على تطوير الطاقة النووية السلمية.

وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، في خطابه بعد ساعات من انتهاء المحادثات الأميركية - الإيرانية، إنه «ملتزم» بمنع إيران من امتلاك أسلحة نووية.

وأفاد موقع «إسرائيل هيوم»، نقلاً عن مصدر مقرّب من البيت الأبيض، أن المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران يُتوقّع أن تنهار قريباً. وذكر مصدر إسرائيلي غير حكومي أنه أجرى محادثة مع مسؤول أميركي رفيع المستوى، أكّد خلالها الأخير أنه «لا داعي لإسرائيل للقلق من التقدّم الحاصل في المحادثات مع إيران». وبحسب المسؤول الأميركي، فإن المفاوضات ستنهار على الأرجح بمجرد أن تعرض واشنطن قائمتها الكاملة من المطالب. وأضاف المصدر أن الحديث تركز على المحادثات الجارية بين المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف والممثلين الإيرانيين بشأن البرنامج النووي الإيراني، مؤكداً مجدداً أن إسرائيل ليست بحاجة إلى الخشية من هذه التطورات.

وقال المصدر الإسرائيلي، نقلاً عن مسؤول أميركي، إن الرئيس ترمب «يُدرك تماماً خطر إيران ويدير المفاوضات بطريقته الخاصة». ورجّح المسؤول الإسرائيلي أن «تنهار المحادثات مع إيران خلال أسابيع، بمجرد عرض واشنطن مطالبها الكاملة، التي تشمل تفكيك البرنامج النووي وفق النموذج الليبي، ووقف تطوير الصواريخ الباليستية، وإنهاء أنشطة وكلاء إيران في الشرق الأوسط».

وأضاف المصدر: «علينا أن نترك لترمب حرية التصرف، فهو يعرف ما يفعل»، مؤكداً أن الولايات المتحدة لم تتنازل عن المطالب الأساسية التي وضعتها إدارة ترمب».

وتصرّ إسرائيل على أن أي مفاوضات مع إيران يجب أن تؤدي إلى التفكيك الكامل لبرنامجها النووي.

جاء ذلك في وقت أفادت فيه وكالة «رويترز» عن مسؤول إسرائيلي، ومصدرين مطلعين، أن إسرائيل لا تستبعد شنّ هجوم على المنشآت النووية الإيرانية خلال الأشهر المقبلة، على الرغم من أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أبلغ نتنياهو بأن الولايات المتحدة غير مستعدة حالياً لدعم مثل هذه الخطوة.

وعلى مدار الأشهر الماضية، اقترحت إسرائيل على إدارة ترمب سلسلة من الخيارات لمهاجمة منشآت إيران، بعضها مُخطط له في أواخر الربيع والصيف، وفقاً للمصادر. وتقول المصادر إن الخطط تشمل مزيجاً من الغارات الجوية وعمليات للقوات الخاصة تتفاوت في شدتها، ومن المرجح أن تعوق قدرة طهران على استخدام برنامجها النووي لأغراض عسكرية لأشهر أو عام أو أكثر. وذكرت صحيفة «نيويورك تايمز»، يوم الأربعاء، أن ترمب أبلغ نتنياهو في اجتماع بالبيت الأبيض، في وقت سابق من هذا الشهر، بأن واشنطن تريد إعطاء الأولوية للمحادثات الدبلوماسية مع طهران، وأنه غير مستعد لدعم توجيه ضربة إلى المنشآت النووية الإيرانية على المدى القصير.

ونفى وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر التقارير عن تدخل ترمب لوقف عملية إسرائيلية ضد المنشآت النووية الإيرانية.

وقال ساعر، في حديث لصحيفة «ديلي تلغراف» البريطانية: «أنا عضو في مجلس الأمن المصغر وجميع المنتديات الحساسة، ولا أتذكر اتخاذ مثل هذا القرار. لا أعتقد أن قراراً كهذا تم اتخاذه. لكن إسرائيل ملتزمة بمنع إيران من امتلاك سلاح نووي. وإذا أمكن تحقيق هذا الهدف دبلوماسياً، فنحن نقبل بذلك».

وأعرب ساعر عن قلقه من احتمال تراجع حزم الإدارة الأميركية المقبلة تجاه إيران، لكنه أشار إلى منشور للمفاوض الأميركي ستيف ويتكوف، على منصة «إكس»، الأسبوع الماضي، أكد فيه أنه يسعى إلى تفكيك المشروع النووي الإيراني، سواء في جانب التخصيب أو التسلّح.

وقال ساعر: «أعتقد أن الإدارة الحالية ملتزمة بالتعامل مع هذا الملف، وقد وضعته ضمن أولوياتها. والأهم من ذلك هو الهدف: يجب ألا تمتلك إيران سلاحاً نووياً».

وأضاف: «لقد رأينا كيف ساعدت إيران روسيا خلال حربها في أوكرانيا، بالأسلحة والطائرات المسيرة والمعلومات الاستخباراتية»، محذراً من «الخطر الكبير في تمكين أكثر الأنظمة تطرفاً في العالم من امتلاك أخطر سلاح في العالم». وأكد أن الصواريخ الإيرانية قادرة بالفعل على الوصول إلى أوروبا.

وحذّر ساعر من انتشار نووي في المنطقة إذا امتلكت إيران سلاحاً نووياً، قائلاً: «سيبدأ سباق تسلح نووي في الشرق الأوسط (...) وستكون لذلك تداعيات خطيرة على الأمن، ليس المنطقة فقط، بل العالم».

وتابع: «إيران هاجمت إسرائيل مرتين بمئات الصواريخ، وتستخدم وكلاء مثل (حزب الله) و(حماس) والحوثيين لزعزعة استقرار الشرق الأوسط بأكمله. وإذا كانت قد فعلت كل هذا دون غطاء نووي، فماذا يمكن أن تفعل إذا حصلت على مظلة نووية؟».

وختم الوزير الإسرائيلي محذراً من أن إيران لا تفي بالتزاماتها الدولية: «إيران سخرت دوماً من التزاماتها. ولا أستبعد أن تسعى لاتفاقات جزئية لتفادي الحلّ الجذري. نحن نتحدث مباشرة مع الأميركيين، وكذلك مع أصدقائنا الأوروبيين. إيران الآن في موقع ضعف نسبي، ويجب استغلال هذا لتحقيق الهدف، لا أن نمنحها مهلة حتى تتغير الظروف».

مقاتلة إسرائيلية مسلّحة تغادر وكرها من موقع غير معروف لتنفيذ هجوم على إيران في 26 أكتوبر 2024 (الجيش الإسرائيلي)

وقالت «قناة 14» الإسرائيلية إن «الاتفاق الجديد الجاري التفاوض عليه قد يكون أفضل للإيرانيين، من ذلك الذي وُقّع في عهد أوباما، على الرغم من تصريح ترمب بموقف صارم تجاه طهران». وأضافت: «من المتوقع رفع العقوبات، وضخّ المليارات، وعودة النشاط لأذرع الإرهاب، من (حماس) حتى الحوثيين، كما أن وكلاء إيران ما زالوا نشطين في العراق واليمن حتى أفريقيا، ما يشير إلى أن الخطر لم يزُل، بل يعاود التصاعد... هناك خبراء يصلون، ومعدات تُهرّب، والمال لا يزال موجوداً. ليس بالكميات التي كانت في الماضي، لكنه كافٍ تماماً لإبقاء المنظومة حيّة وتتنفس».

وأضافت: «الاتفاق يُظهِر ملامح سياسة أوباما رغم نبرة ترمب، ويثير مخاوف أمنية لإسرائيل التي تبدو معزولة في المواجهة».

من جهتها، ذكرت «القناة الـ13» الإسرائيلية أن «القيادة الإسرائيلية تتابع تطورات المفاوضات، وتضغط على واشنطن لعدم توقيع اتفاق يسمح لإيران بالحصول على قدرات نووية، حتى لو كانت مدنية». وأضافت: «يرغب كثير من المسؤولين الإسرائيليين في فشل هذه المحادثات، أو أن تترافق مع تهديد أميركي باستخدام القوة».


مقالات ذات صلة

مضيق هرمز... وسط حصارين إيراني وأميركي

شؤون إقليمية لقطة جوية تُظهر حركة الملاحة في الخليج ومضيق هرمز وخليج عُمان (أ.ف.ب)

مضيق هرمز... وسط حصارين إيراني وأميركي

قال وزير الدفاع بيت هيغسيث، صباح الجمعة، إنَّ القوات الأميركية ستُبقي على حصار مضيق هرمز «ما دام الأمر اقتضى ذلك». وقبل ذلك بيوم، أعلن مسؤول إيراني كبير، على…

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ نظام الدفاع الصاروخي «ثاد» خلال معرض «صنع في أميركا» في الساحة الجنوبية للبيت الأبيض 15 يوليو 2019 (أرشيفية - أ.ب)

حرب إيران تعمّق نزيف الذخائر الأميركية والجاهزية أمام الكبار

تتناول تقارير أميركية حديثة استنزاف مخزونات الذخائر في الحرب مع إيران؛ ما قد يؤدي إلى معضلة أكبر من مجرد حسابات عسكرية آنية في الشرق الأوسط.

إيلي يوسف (واشنطن)
شؤون إقليمية تظهر صورة ملتقطة بالأقمار الصناعية في 1 فبراير 2026 سقفاً جديداً فوق مبنى كان قد دمر سابقاً في موقع أصفهان النووي بإيران (بلانت لبس - رويترز)

ماذا يقصد ترمب بـ«الغبار النووي» الإيراني؟

في الأسابيع الأخيرة، تحدث الرئيس دونالد ترمب عن مادة يقول إنها أساسية لإنهاء حرب الولايات المتحدة ضد إيران: «الغبار النووي».

ديفيد إي. سانغر (واشنطن) لوك برودواتر (واشنطن)
شؤون إقليمية جنديان تابعان لـ«البحرية الأميركية» p-circle

ترمب يرفع سقف المواجهة في «هرمز»... والهدنة مهددة بالانهيار

أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب أخطر تهديداته المباشرة منذ تمديد وقف إطلاق النار مع إيران، بعدما أمر بـ«إطلاق النار وقتل» أي قارب يزرع ألغاماً في مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (لندن – واشنطن - طهران)
الولايات المتحدة​ صورة نشرها «الحرس الثوري» لزورق حربي يبحر في مضيق هرمز (أ.ف.ب)

حرب إيران... هدنة معلّقة ومضيق مخنوق

في لحظة بين اللاحرب واللاسلم تبدو المنطقة أمام معادلة مزدوجة: مسار تفاوضي لم يمت لكنه لم يُولد مجدداً، ووقف إطلاق نار لم ينهِ القتال بل نقله من الجو إلى البحر.

إيلي يوسف (واشنطن)

إسرائيل تعين أول سفير لها في أرض الصومال

رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي منتصف الشهر الحالي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)
رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي منتصف الشهر الحالي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)
TT

إسرائيل تعين أول سفير لها في أرض الصومال

رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي منتصف الشهر الحالي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)
رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي منتصف الشهر الحالي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)

عينت إسرائيل أول سفير لها في أرض الصومال، بعد أشهر من اعترافها رسمياً بالإقليم الانفصالي في الصومال، وفق ما أعلنت وزارة الخارجية اليوم الأحد.

في أواخر ديسمبر (كانون الأول)، أصبحت إسرائيل أول دولة تعترف بأرض الصومال منذ أن أعلنت استقلالها من طرف واحد عن الصومال في عام 1991 في أعقاب الحرب الأهلية.

وقالت الوزارة إن مايكل لوتم الذي يشغل حالياً منصب سفير اقتصادي متجول في أفريقيا، سيكون مبعوث إسرائيل إلى أرض الصومال.

وسبق للوتم أن شغل منصب سفير إسرائيل لدى كينيا وأذربيجان وكازاخستان.

ويأتي تعيينه عقب إقامة علاقات دبلوماسية بين الجانبين في ديسمبر 2025، وزيارة وزير الخارجية جدعون ساعر إلى أرض الصومال في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وفي فبراير (شباط)، أعلنت أرض الصومال تعيين محمد حاجي سفيراً لها لدى إسرائيل.

تحظى أرض الصومال بموقع استراتيجي على خليج عدن، ولها عملة وجواز سفر وجيشها الخاص، لكنها تواجه صعوبة في الحصول على اعتراف دولي، وسط مخاوف من استفزاز الصومال وتشجيع الحركات الانفصالية الأخرى في أفريقيا.

وأثارت زيارة ساعر إلى أرض الصومال إدانة من الصومال الذي وصفها بأنها «توغل غير مصرح به».


نافذة الوساطة تضيق بين الحصار الأميركي ورفض التنازل الإيراني

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
TT

نافذة الوساطة تضيق بين الحصار الأميركي ورفض التنازل الإيراني

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)

لم تعد إسلام آباد تبدو، بعد مغادرة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي العاصمة الباكستانية، محطة مرشحة لاختراق وشيك في مسار وقف الحرب بين واشنطن وطهران.

فالمشهد الذي بدأ بإشارات أميركية إلى توجُّه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى باكستان، أملاً في استئناف مسار تفاوضي مباشر أو غير مباشر، انتهى عملياً إلى جولة إيرانية على المسؤولين الباكستانيين، وتسليم موقف طهران ومطالبها، ثم مغادرة من دون لقاء مع الموفدين الأميركيين اللذين ألغيا سفرهما إلى إسلام آباد.

وبذلك انتقلت الأزمة من مرحلة «اختبار إمكان الجولة الثانية» إلى مرحلة أكثر قتامة: الوسيط الباكستاني تلقى الرسائل، لكنه لم ينجح في جمع الطرفين، ولا حتى في تثبيت صيغة واضحة لمحادثات غير مباشرة فورية، حتى الآن.

هذا التطور لا يعني انهيار الدبلوماسية بالكامل، ولا يعني العودة الفورية إلى الحرب مثلما أكَّد الرئيس الأميركي نفسه دونالد ترمب، لكنه يكشف أن نافذة التفاوض تضيق بسرعة.

وقبل توجه عراقجي إلى إسلام آباد، فقد أكَّدت إيران، وفق تقارير عدة، أنها لا تخطط لاجتماع مباشر مع الأميركيين، وأنها ستنقل مواقفها عبر باكستان. ونقلت وكالة «رويترز» أن عراقجي رفض «المطالب القصوى» الأميركية، وأن طهران ما زالت تفضِّل قناة باكستانية غير مباشرة، بينما أفادت وكالة «أسوشييتد برس» بأنه لا توقعات بلقاء مباشر بين المسؤولين الإيرانيين والأميركيين رغم الحراك الدبلوماسي في إسلام آباد.

لقاء مستبعد

المعوق الأول أمام الانفراجة لم يعد في تفاصيل الطاولة فقط، بل في غياب الطاولة نفسها. فبعدما كان احتمال حضور ويتكوف وكوشنر إلى باكستان يفتح الباب أمام اجتماع مباشر أو رسائل متزامنة بين الوفدين، جاءت مغادرة عراقجي لتجعل هذا الاحتمال غير مطروح عملياً في هذه الجولة.

وغادر الوزير الإيراني إسلام آباد بعد لقائه رئيس الوزراء شهباز شريف وقائد الجيش عاصم منير ومسؤولين باكستانيين، بعدما شرح موقف بلاده من وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب.

عراقجي خلال اجتماعه مع قائد الجيش الباكستاني عاصم منير في إسلام آباد (أ.ب)

هنا تكمن دلالة التحول. فإيران لم تكتفِ بنفي الاجتماع المباشر، بل تصرفت كما لو أن مهمتها في باكستان تقتصر على تسليم مطالبها للوسيط، لا التفاوض عليها مع واشنطن. أما الإدارة الأميركية، التي أرادت تقديم توجُّه مبعوثيها بوصفه دليلاً على أن الضغط العسكري والبحري فتح باب الدبلوماسية، فوجدت نفسها أمام طرف يرفض إضفاء شرعية على تفاوض يجري تحت الحصار.

لذلك لم تعد الجولة الثانية مسألة جدول أعمال مؤجَّل، بل مسألة ثقة مفقودة في الإطار نفسه: هل يجلس الطرفان للتفاوض، أم يكتفيان بإدارة حرب الرسائل عبر الوسطاء؟

حصار هرمز

العقدة الثانية هي الحصار البحري الأميركي ومضيق هرمز. فقد جعلت طهران رفع الحصار عن موانئها ووقف التهديدات الأميركية شرطاً جوهرياً للعودة إلى أي تفاوض فعلي. وفي المقابل، تتمسك واشنطن بأن الحصار سيبقى حتى فتح هرمز والتوصل إلى اتفاق يلبي مطالبها.

هذه ليست مشكلة إجرائية، بل معادلة ردع متقابلة: إيران تقول إنها لن تفاوض وهي مخنوقة اقتصادياً وبحرياً، والولايات المتحدة تقول إنها لن ترفع الخنق قبل أن تلمس تنازلات.

ونقلت وسائل إعلام عن عراقجي أنه سلَّم باكستان مطالب طهران، وفي مقدمها رفع الحصار البحري الأميركي عن الموانئ الإيرانية، ووقف التهديدات واستمرار الحرب، والتراجع عن شروط تعدُّها إيران «مبالغاً فيها»، بينها التخلي الكامل عن تخصيب اليورانيوم.

مدمرة أميركية تقترب من سفينة إيرانية تم اعتراضها بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)

كما نقلت أن القوات المسلحة الإيرانية، عبر مقر «خاتم الأنبياء»، هدَّدت بالرد إذا استمر الجيش الأميركي في «الحصار والقرصنة»، مؤكدة أنها تراقب تحركات الخصوم وتواصل السيطرة على مضيق هرمز الاستراتيجي.

هذا التصعيد يغيِّر طبيعة الوساطة، فبدلاً من أن تكون باكستان قناة لتقريب المواقف، باتت شاهدة على تصلب مزدوج: إيران تستخدم هرمز والحصار كورقة سيادية واقتصادية، وواشنطن تستخدم الحصار لإجبار طهران على تقديم تنازلات.

وواصلت كذلك سياسة الضغط بالعقوبات، بما في ذلك استهداف شبكات شحن وكيانات مرتبطة بتجارة النفط الإيراني، في رسالة مفادها أن الدبلوماسية لن تعني وقف أدوات الإكراه.

النووي أصل الأزمة

رغم أن هرمز والحصار يحتلان واجهة الأزمة، يبقى الملف النووي مركز الثقل الحقيقي. فواشنطن لا تريد فقط وقفاً للنار أو فتحاً للمضيق، بل اتفاقاً يمنع إيران من إعادة بناء قدرتها النووية والصاروخية، ويعالج مخزون اليورانيوم وآليات التفتيش ومستقبل التخصيب.

أما طهران، فتتعامل مع طلب التخلي الكامل عن التخصيب بوصفه إعلان استسلام لا بنداً تفاوضياً. ورأت صحيفة «نيويورك تايمز» أنه لهذه الأسباب تبدو الفجوة واسعة. فالإدارة الأميركية ترفع سقف مطالبها إلى حد وقف طويل أو غير محدود للتخصيب، وإخراج أو تخفيف المخزون، وربط أي تخفيف للعقوبات بتعهدات قابلة للتحقق.

لكن إيران ترى أن قبول هذه الشروط تحت الحصار سيجردها من ورقة سيادية واستراتيجية، وسيظهرها داخلياً كمن خسر الحرب واستسلم. ومن هنا جاء تشديد المصادر الإيرانية، على أن طهران «مستعدة للتفاوض، ولكنها لن تستسلم»، وأنها لن تقبل الجلوس إلى طاولة تطرح فيها واشنطن خطوطها الحمراء كأوامر مسبقة.

وترى الصحيفة أن المشكلة أن أي اتفاق محدود لن يكفي واشنطن سياسياً، وأي اتفاق شامل لن يكون سهلاً على طهران داخلياً. فكلما وسَّعت الولايات المتحدة لائحة المطالب لتشمل التخصيب والصواريخ وهرمز وسلوك إيران الإقليمي، أصبح الاتفاق أثقل من أن يحمله وسيط واحد في جولة قصيرة.

وكلما ربطت طهران التفاوض برفع الحصار مسبقاً، منحت واشنطن ذريعة للقول إن الضغط لم يبلغ غايته بعد.

طهران انقسام أم تصلب موحد؟

العقدة الرابعة تتصل بقراءة القرار الإيراني. هل فشل إسلام آباد ناجم عن انقسامات داخل طهران، أم عن موقف موحد يرفض التنازل؟ وفي هذا الصدد قال صحيفة «وول ستريت جورنال» إن ثمة صراعاً بين تيارين، الأول أكثر براغماتية ويريد وقف النزف الاقتصادي، والثاني متشدد ويرفض تقديم تنازلات نووية أو بحرية.

ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أميركيين وإسرائيليين قولهم إن المشكلة ليست في وجود تصدع حاسم، بل في عدم استعداد النظام، بمختلف أجنحته، لتقديم التنازلات المطلوبة.

بزشكيان يجتمع مع رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ورئيس القضاء غلام حسين محسني إجئي (الرئاسة الإيرانية)

وهذا الفارق مهم. فإذا كانت إيران منقسمة فعلاً، يستطيع الوسطاء البحث عن صيغة تحفظ ماء الوجه للتيار الذي يريد صفقة. أما إذا كانت متماسكة في رفضها للشروط الأميركية، فإن مهمة باكستان تصبح شبه مستحيلة.

تصريحات عراقجي في إسلام آباد، ومغادرته من دون لقاء الأميركيين، توحيان بأن طهران تريد أن تثبت أمرين في وقت واحد: أنها لا تغلق باب الوساطة، لكنها لا تقبل تحويل الوساطة إلى قناة لإملاء الشروط.

واشنطن تريد طاولة تؤكد أن الحصار والحرب دفعا إيران إلى التراجع، بينما طهران تريد قناة تثبت أنها ما زالت قادرة على فرض شروط الدخول إلى أي مسار. وبين هذين المنطقين، تراجعت احتمالات الجولة الثانية من مفاوضات فعلية إلى مجرد تبادل مواقف عبر باكستان.


جواب عراقجي ينسف «مواعيد» إسلام آباد

رئيس الأركان الباكستاني عاصم منير يلتقي وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي ، والوفد المرافق له في إسلام آباد أمس (إ.ب.أ)
رئيس الأركان الباكستاني عاصم منير يلتقي وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي ، والوفد المرافق له في إسلام آباد أمس (إ.ب.أ)
TT

جواب عراقجي ينسف «مواعيد» إسلام آباد

رئيس الأركان الباكستاني عاصم منير يلتقي وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي ، والوفد المرافق له في إسلام آباد أمس (إ.ب.أ)
رئيس الأركان الباكستاني عاصم منير يلتقي وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي ، والوفد المرافق له في إسلام آباد أمس (إ.ب.أ)

أنهى وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، أمس، زيارته لإسلام آباد، فيما كان العالم يترقب وصول مبعوثي الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى العاصمة الباكستانية لإجراء مفاوضات غير مباشرة بين الطرفين، في إطار المساعي الدبلوماسية للتوصل إلى تسوية في حرب إيران.

ونسف جواب عراقجي ومغادرته إسلام آباد «المواعيد» التي كان يعد لها الوسيط الباكستاني لجلسة ثانية من المفاوضات، مساء أمس، رغم أن الوفد الإيراني كان قد أعلن أن زيارته ليست للتباحث مع أميركا بل تأتي في إطار جولة تشمل سلطنة عُمان وروسيا. وكان لافتاً أن وكالة «إيرنا» الرسمية ذكرت ليلاً أن عراقجي يعتزم زيارة باكستان مجدداً بعد انتهاء زيارته إلى مسقط، وقبل توجهه إلى موسكو.

والتقى عراقجي نظيره الباكستاني إسحق دار، ورئيس الوزراء شهباز شريف، وقائد الجيش عاصم منير الذي يؤدي دوراً محورياً في الوساطة. وقال إنه سلَّمهم رد إيران على المقترح الأميركي للتوصل إلى اتفاق، مضيفاً: «علينا أن نرى ما إذا كانت واشنطن جادة فعلاً بشأن الدبلوماسية».

من جانبه، أعلن ترمب أنه ألغى الزيارة المرتقبة لمبعوثيه، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، إلى إسلام آباد، مؤكداً أن ذلك لا يعني حكماً باستئناف الحرب مع إيران.

وقال ترمب إن أحداً لا يعرف من يتولى زمام القيادة حالياً في طهران، مضيفاً على منصته «تروث سوشيال» أن «هناك اقتتالاً داخلياً هائلاً وحالة من الإرباك داخل ما يُسمى بالقيادة لديهم».