للمرة الأولى منذ 2003... أوروبا «مهمشة» في الملف النووي الإيراني

تراهن على آلية «سناب باك» للانضمام مجدداً إلى المفاوضات بين واشنطن وطهران

عنصرا أمن عمانيان يراقبان موكباً من السيارات يعتقد أنه يقل الوفد الأميركي في مسقط أمس (أب)
عنصرا أمن عمانيان يراقبان موكباً من السيارات يعتقد أنه يقل الوفد الأميركي في مسقط أمس (أب)
TT

للمرة الأولى منذ 2003... أوروبا «مهمشة» في الملف النووي الإيراني

عنصرا أمن عمانيان يراقبان موكباً من السيارات يعتقد أنه يقل الوفد الأميركي في مسقط أمس (أب)
عنصرا أمن عمانيان يراقبان موكباً من السيارات يعتقد أنه يقل الوفد الأميركي في مسقط أمس (أب)

إذا كانت ثمة حاجة إضافية ليُدرك الأوروبيون أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لا تأخذ بعين الاعتبار المصالح الأوروبية، ولا الدور الذي يمكن أن يضطلع به الأوروبيون في إيجاد حلول لأزمات ونزاعات عدة حول العالم، فإن انفراد واشنطن بالتفاوض مع طهران بشأن ملفها النووي يأتي بالدليل القاطع على النزوع الأحادي في السياسة الأميركية، وابتعادها عن العمل الجماعي، وتهميشها حتى لأقرب حلفائها، سواء في حلف شمال الأطلسي، أو داخل الاتحاد الأوروبي.

واشنطن لا ترى حاجة للأوروبيين

هكذا فعلت واشنطن في ملف غزة، ثم في الملف الأوكراني. وإدارة ترمب اختارت (بالتوافق مع طهران) مسقط ساحةً للتفاوض، وإعطاء دور الوسيط للدبلوماسية العمانية ممثلة بوزير الخارجية بدر البوسعيدي. والحال أن جوزيب بوريل، مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، والدول الثلاث الأوروبية المُوقِّعة على اتفاق عام 2015 (بريطانيا وفرنسا وألمانيا) اضطلعوا بدور الوساطة بين إيران والولايات المتحدة لسنوات، خصوصاً بعد وصول الرئيس جو بايدن إلى البيت الأبيض في عام 2020.

كذلك، فإن ممثلين عن الدول الأوروبية الثلاث المعنية أجروا 3 جولات من المفاوضات، في جنيف، مع الجانب الإيراني آخرها في 13 يناير (كانون الثاني) الماضي، أي قبل أسبوع واحد من تنصيب ترمب لولاية ثانية. وكان الغرض منها، وفق مصدر دبلوماسي أوروبي في باريس، «استباق ترمب والنظر في إمكانية التوصُّل إلى تفاهمات تتيح العودة إلى طاولة المفاوضات، واستبعاد الحل العسكري الذي كان يهدِّد به (ولا يزال) الرئيس الأميركي، ورئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو».

بارو يتحدَّث إلى نظيرته الألمانية أنالينا بيربوك خلال اجتماع وزراء خارجية حلف «الناتو» في بروكسل... 3 أبريل 2025 (أ.ف.ب)

بيد أن هذه المحاولات فشلت. وخلال الثمانين يوماً التي انقضت على ولايته الثانية، عاد ترمب إلى ممارسة سياسة «الضغوط القصوى» على إيران، مستهدفاً بشكل أساسي صادراتها من النفط، ومتأرجحاً بين الإعراب عن الاستعداد للتفاوض معها للتوصُّل إلى اتفاق جديد، وبين التهديد بعمل عسكري ساحق ضدها. وبالمقابل، تدرَّجت مواقف إيران بين الرفض القطعي للتفاوض ثم قبوله، ولكن في إطار محادثات «غير مباشرة» لتتحول، كما يبدو، إلى «مباشرة» بفضل «لقاء الدقائق المعدودة» بين وزير خارجيتها عباس عراقجي، والمبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط، ستيف ويتكوف.

اللافت أن واشنطن لم تستشعر الحاجة لإخبار باريس ولندن وبرلين، سلفاً، بالعودة إلى التفاوض في مسقط. وخلال مؤتمره الصحافي يوم الخميس الماضي، فضَّل كريستوف لوموان، الناطق باسم وزارة الخارجية الفرنسية، التزام الغموض والعموميات، لدى سؤاله عمّا إذا كانت الإدارة الأميركية قد أطلعت بلاده، مسبقاً، بشأن المفاوضات مع إيران. لكن المعلوم أن جل ما حصلت عليه باريس هو الاتصال الهاتفي الذي جرى بين ماركو روبيو وزير الخارجية الأميركي، ونظيره الفرنسي جان نويل بارو، يوم الأربعاء الماضي، بمبادرة من الثاني.

واكتفت «الخارجية» ببيان جاء فيه أنه «في ضوء الإعلانات الأخيرة المتعلقة ببدء المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران حول برنامج إيران النووي، أكد الوزير التزام فرنسا ودعمها لأي جهد دبلوماسي للتوصُّل إلى اتفاق متين ودائم».

وكان الترحيب السمة الغالبة على ردود الفعل الأوروبية. وبرز ذلك في كلام الرئيس ماكرون، بمناسبة زيارته لمصر، إذ رأى أنه «لأمر جيد أن تُستأنف هذه المفاوضات، وأن تؤدي إلى التراجع عن البرنامج (النووي) الحالي، وإلى تأمين آليات التحقق، والتأكد من عدم امتلاك إيران للأسلحة النووية». وبالتوازي، قال مجيد تخت روانجي، نائب وزير الخارجية الإيراني، عقب لقائه في فيينا، أولاف سكوغ، نائب مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي: «نحن نؤمن بأن تعزيز التعاون مع الاتحاد الأوروبي، إلى جانب الأطراف الأخرى المعنية بالحوار مثل الصين وروسيا، يمكن أن يسهم في التوصُّل إلى حل لهذه القضية (النووية)».

الهراوة الأميركية الغليظة

حقيقة الأمر أن طهران تجد نفسها، في هذه المفاوضات، وجهاً لوجه مع الجانب الأميركي الذي يلج إليها حاملاً «هراوة غليظة» عنوانها التحشيد العسكري الذي تقوم به واشنطن والذي غرضه، كما يتوافق على ذلك الخبراء، تشديد الضغط على طهران، وإفهامها أنها ستذهب إلى الحل العسكري في حال لم تتجاوب إيران مع مطالبها، وأولها التوصُّل إلى اتفاق يضمن منعها من «عسكرة» برنامجها النووي، في الوقت الذي تزداد فيه الشكوك الغربية إزاء ما تخطط له طهران التي تراكم اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة، وتركب أجهزة طرد مركزي متقدمة قادرة على تسريع التخصيب والانتقال به إلى مرحلة أقرب إلى نسبة 90 في المائة، الضرورية لإنتاج السلاح النووي.

روبيو خلال اجتماع وزراء خارجية حلف «الناتو» في بروكسل... 3 أبريل 2025 (إ.ب.أ)

وسعت الأخيرة إلى «إنهاض» شريكيها (روسيا والصين) وسط تهديد الأوروبيين بتفعيل آلية «سناب باك» للعودة التلقائية إلى العقوبات الدولية على طهران قبل شهر أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، موعد انتهاء فاعلية اتفاق عام 2015. وليس من المستبعد أن يلجأ الأوروبيون إلى هذه الآلية لتسهيل عودتهم ومشاركتهم في العملية التفاوضية باعتبار أن الولايات المتحدة، التي خرجت من اتفاق عام 2015، لم تعد مؤهلةً لتفعيل «سناب باك» وستكون بحاجة للأوروبيين.

رغم استبعادهم، فإن الأوروبيين الثلاثة، ومعهم الاتحاد الأوروبي بوصفه مجموعةً، لا يستطيعون إلا أن يعبِّروا عن دعمهم للعملية التفاوضية، وذلك لسبيين: الأول، أنهم يسعون للهدف نفسه الذي تسعى إليه واشنطن. والثاني، أنهم يريدون إبعاد الخيار العسكري واشتعال حرب إضافية في منطقة الشرق الأوسط تلوّح بها واشنطن، وتدعمها في ذلك إسرائيل.

وما يشجّع هذين الطرفين على الخيار العسكري ما يعدّانه «ضعف إيران» التي خسرت أذرعها في حربَي غزة ولبنان، وسقوط نظام الرئيس السابق بشار الأسد، وتحييد الميليشيات العراقية المرتبطة بها. ولم يبقَ في الساحة سوى حوثيي اليمن الذين «تتعامل» معهم القوات الأميركية الموجودة بقوة وكثافة في المنطقة.

صورة نشرتها وزارة الخارجية الإيرانية من لقاء نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف ونظيره الإيراني مجيد تخت روانجي في موسكو الأسبوع الماضي

وإزاء هذا الوضع، لا تتوافر لإيران جهات يمكن التعويل عليها. فروسيا منشغلة بحربها في أوكرانيا وقد لا ترى أن من المفيد اليوم إغضاب واشنطن لإرضاء طهران. أما الصين، فإنها تخوض حرباً تجاريةً حامية الوطيس مع الرئيس ترمب الذي فرض عليها رسوماً جمركية تصل إلى 145 في المائة، وهو ما لم يحدث أبداً في السابق. وتبقى «القارة القديمة» التي لا تعرف اليوم ما ستكون عليه علاقاتها مع شريكها الأميركي إن كان تجارياً، أو بالنسبة لأوكرانيا، ولمستقبل الحلف الأطلسي، وحتى بالنسبة لطموحاته التوسعية بوضع اليد على أرض غرينلاند، التي تنتمي إلى دولة أوروبية (الدنمارك) عضو في الاتحاد وفي الحلف الأطلسي. ولذا، تكمن مصلحة الأوروبيين في السير بالركب الأميركي، أقله في الملف الإيراني، رغم تهميشهم فيه، حيث تتطابق الأهداف، عوض مشاكسته والتعرُّض لمزيد من المضايقات.


مقالات ذات صلة

العراق يبحث عن هامش حركة بعد «اتفاق إيران»

المشرق العربي أعضاء «سرايا السلام» يهتفون خلال مراسم إيذاناً ببدء اندماجهم بالدولة العراقية في سامراء شمال بغداد يوم 4 يونيو 2026 (أ.ب)

العراق يبحث عن هامش حركة بعد «اتفاق إيران»

قد يفتح التفاهم الذي أعلنت باكستان التوصل إليه بين الولايات المتحدة وإيران نافذة جديدة أمام العراق لإعادة ترتيب أولوياته الداخلية والخارجية.

حمزة مصطفى (بغداد)
شؤون إقليمية طائرة «إف-16» تابعة للقوات الجوية الأميركية تحلّق فوق الشرق الأوسط في إطار الحفاظ على الوجود العسكري والجاهزية الإقليمية (سنتكوم)

ماذا نعرف عن مذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية؟

أعلنت الولايات المتحدة وإيران أنهما على وشك التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب التي قلبت أوضاع الشرق الأوسط رأساً على عقب وأثرت سلباً على الاقتصاد العالمي.

نيويورك تايمز (واشنطن)
العالم  رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف (رويترز) p-circle

رئيس وزراء باكستان يتوقع إتمام الاتفاق بين إيران وأميركا خلال 24 ساعة

توقع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف الذي توسطت حكومته بين إيران والولايات المتحدة لإنهاء الحرب بينهما، إتمام التفاهم بين الجانبين خلال 24 ساعة.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)
شؤون إقليمية امرأة تمر أمام لافتة تحمل صورة للمرشد السابق علي خامنئي في أحد شوارع طهران (رويترز)

إيران تبدأ تشييع مرشدها السابق علي خامنئي في 4 يوليو

ذكرت وسائل ​إعلام رسمية اليوم السبت أن جنازة المرشد الأعلى الإيراني الراحل علي ‌خامنئي ‌ستبدأ ​في طهران ‌في ⁠الرابع ​من يوليو ⁠(تموز).

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ العلم الإيرارني يظهر بالقرب من منصة إنتاج نفطية في حقول سروش النفطية (رويترز) p-circle

تقرير: ترمب أوقف عملية عسكرية للاستيلاء على اليورانيوم الإيراني

وسط تصاعد التوترات الإقليمية وتعقّد ملف البرنامج النووي الإيراني، تكشف تقارير حديثة عن اقتراب الولايات المتحدة من اتخاذ خطوة عسكرية غير مسبوقة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«اتفاق إيران» الإلكتروني على الأبواب


صورة نشرتها القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) أمس لطائرات فوق الحاملة «يو إس إس أبراهام لينكولن» أثناء عبورها بحر العرب
صورة نشرتها القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) أمس لطائرات فوق الحاملة «يو إس إس أبراهام لينكولن» أثناء عبورها بحر العرب
TT

«اتفاق إيران» الإلكتروني على الأبواب


صورة نشرتها القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) أمس لطائرات فوق الحاملة «يو إس إس أبراهام لينكولن» أثناء عبورها بحر العرب
صورة نشرتها القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) أمس لطائرات فوق الحاملة «يو إس إس أبراهام لينكولن» أثناء عبورها بحر العرب

أصبح التوقيع الإلكتروني على «اتفاق إيران» على الأبواب بعدما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس ‌في ‌منشور على «تروث سوشيال»، أنه من المقرر ‌توقيع ‌الاتفاق اليوم (الأحد)، وأن ‌مضيق هرمز سيصبح «مفتوحاً للجميع» فور اكتمال التوقيع.

كما أعلن رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، أن واشنطن وطهران توصلتا إلى «نص نهائي لمذكرة التفاهم بينهما»، وقال في منشور على «إكس»، السبت: «أصبحنا أقرب إلى الاتفاق من أي وقت مضى، مع توقع إتمامه خلال الساعات الـ24 المقبلة». وأضاف أن باكستان تستعد الآن للتوقيع إلكترونياً على الاتفاق الإطاري الذي ستعقبه محادثات فنية خلال أسبوع.

لكن متحدثاً من «الخارجية الإيرانية»، قال: «علينا الانتظار لمعرفة الموعد المحدد للتوقيع الذي لن يكون غداً (الأحد)»، مرجحاً حصوله في الأيام المقبلة.

في الأثناء نقلت «رويترز» عن مسؤول في الإدارة الأميركية قوله إن واشنطن توصلت إلى «اتفاق قوي» مع إيران، وإنها ‌ستشارك في فتح مضيق هرمز عبر ‌إزالة الألغام بمجرد اكتمال التوقيع.


4 عقد مؤجلة في «اتفاق إيران»... وإسرائيل أكثر تشككاً

ترمب يَعرض مذكرة وقَّعها للانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني في 8 مايو 2018 (أرشيفية - أ.ب)
ترمب يَعرض مذكرة وقَّعها للانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني في 8 مايو 2018 (أرشيفية - أ.ب)
TT

4 عقد مؤجلة في «اتفاق إيران»... وإسرائيل أكثر تشككاً

ترمب يَعرض مذكرة وقَّعها للانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني في 8 مايو 2018 (أرشيفية - أ.ب)
ترمب يَعرض مذكرة وقَّعها للانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني في 8 مايو 2018 (أرشيفية - أ.ب)

يميل الخبراء في واشنطن إلى الاعتقاد بأنَّ الاتفاق المرتقب مع إيران سيبقي 4 عقد أساسية معلقةً دون تسوية حاسمة وواضحة.

وتتعلق العقبة الأولى بتسلسل الخطوات في تنفيذ الاتفاق: هل تفتح إيران المضيق أولاً، أم تخفِّف واشنطن حصارها البحري وتفرج عن بعض الأموال المُجمَّدة؟

طهران تطالب بمكاسب اقتصادية مبكرة، بما في ذلك أموال مجمَّدة وتخفيف للعقوبات، بينما تصرُّ واشنطن على ألا تحصل إيران على فوائد ملموسة قبل تنفيذ التزامات واضحة. هذه النقطة حساسة سياسياً للرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي سبق أن انتقد بشدة أي إفراج مالي مبكِّر لإيران في الاتفاقات السابقة.

أما العقبة الثانية، فهي الملف النووي نفسه. الاتفاق الأولي يكتفي غالباً بتعهُّد عام من إيران بعدم تطوير أو امتلاك سلاح نووي، لكنه لا يحسم مستقبل التخصيب، ولا مصير المخزون العالي التخصيب، ولا آليات التفتيش. وهذا ما يثير خشية من أن تتحوَّل مهلة الـ60 يوماً إلى فرصة لإيران لإعادة ترتيب أوراقها لا إلى مسار تفكيك حقيقي.

العقبة الثالثة تتصل بالصواريخ والمسيّرات والوكلاء الإقليميِّين. فبحسب مايكل سينغ، المسؤول السابق في مجلس الأمن القومي والباحث في معهد واشنطن، يبدو أنَّ الاتفاق يقوم على مقايضة مركزية: فتح «هرمز» مقابل رفع الحصار عن الموانئ الإيرانية.

لكن سينغ يرى أن الاتفاق على الأرجح لا يعالج برنامج الصواريخ والمسيّرات إلا بصورة محدودة، ولا يتضمَّن أكثر من إعلان نيات بشأن الملف النووي، تاركاً القضايا الأوسع إلى مفاوضات لاحقة.

ويبقى لبنان العقدة الرابعة. فإيران تريد إدخال وقف الحرب هناك ضمن التسوية، بما يشمل «حزب الله» والوجود الإسرائيلي في الجنوب. لكن هذا يضع واشنطن أمام معضلة: كيف تمنع انهيار الاتفاق من دون أن تظهر كأنها تقيِّد حرية إسرائيل في مواجهة «حزب الله»؟

إسرائيل قلقة من اتفاق ناقص

وتبدو إسرائيل الطرف الأكثر تشككاً في الاتفاق المرتقب. فبالنسبة إلى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، لم تكن الحرب على إيران تهدف فقط إلى وقف التصعيد في «هرمز»، بل إلى ضرب البرنامج النووي، وتقييد الصواريخ، وإضعاف شبكة الوكلاء، وربما تغيير ميزان القوة داخل إيران نفسها. لذلك، فإنَّ اتفاقاً يوقف الحرب من دون تحقيق هذه الأهداف سيبدو في الداخل الإسرائيلي تنازلاً كبيراً.

وقد أبلغ ترمب رئيسَ الوزراء بنيامين نتنياهو، وفق ما نُقل عن مسؤولين أميركيين، أنَّ الاتفاق قريب، وأنَّ «وقت إنهاء الحرب» قد حان.

لكن القبول الإسرائيلي يبدو اضطرارياً أكثر منه اقتناعاً. فوزير الدفاع، يسرائيل كاتس، شدَّد على أنَّ إسرائيل تحتفظ بحقها في العمل منفردة لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، كما أكد أنَّها لن تنسحب تلقائياً من مواقع في لبنان لمجرد أنَّ الاتفاق الأميركي ـ الإيراني يتضمَّن وقفاً للتصعيد هناك.

ويرى روبرت ساتلوف، المدير التنفيذي لمعهد واشنطن في الندوة نفسها، أن لبنان كان الساحة التي حاولت إيران استخدامها لدق إسفين بين واشنطن وتل أبيب، عبر ربط مسار «حزب الله» بالمفاوضات الأميركية ـ الإيرانية. وبحسب تقديره، فإنَّ اتفاقاً محدوداً يقتصر على تمديد وقف النار وحل مسألة «هرمز» سيترك أسئلةً جوهريةً بلا إجابة، وسيُشكِّل مشكلةً سياسيةً وأمنيةً كبرى لنتنياهو.

عراقجي يتسلم رسالةً نقلها وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي إلى طهران (الخارجية الإيرانية)

اتفاق لا يحسم جوهر الأزمة

المطروح حتى الآن ليس اتفاقاً شاملاً ينهي أسباب الحرب، بل مذكرة تفاهم تفتح مرحلةً تفاوضيةً جديدةً. فالصيغة المتداولة تقوم على وقف القتال، وإعادة فتح مضيق «هرمز» أمام الملاحة، وتراجع الولايات المتحدة عن حصارها البحري للموانئ والتجارة الإيرانيتَّين، على أن تبدأ بعد ذلك مفاوضات تمتد نحو 60 يوماً حول البرنامج النووي والعقوبات والضمانات المطلوبة.

وتقول واشنطن إنَّ الاتفاق يجب أن يتضمَّن تعهداً إيرانياً بعدم تطوير أو امتلاك سلاح نووي، مع التزام لاحق بتفكيك عناصر البرنامج النووي، والتخلص من مخزون اليورانيوم العالي التخصيب. لكن طهران تبدو حريصةً على ترك الملفات النووية الأكثر حساسية إلى المرحلة النهائية، بما يمنحها هامشاً للمناورة. لذلك، فإنَّ التفاؤل بقرب التوقيع لا يعني أنَّ الخلافات انتهت، بل إنَّ الطرفين توصَّلا إلى صيغة تؤجِّل الأصعب.


«الكردستاني» يشترط حرية أوجلان والهوية القانونية للأكراد للسلام مع تركيا

أكراد يرفعون صوراً لزعيم حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان مطالبين بإطلاق سراحه خلال مسيرة في ديار بكر جنوب شرقي تركيا يوم 15 مايو الماضي (رويترز)
أكراد يرفعون صوراً لزعيم حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان مطالبين بإطلاق سراحه خلال مسيرة في ديار بكر جنوب شرقي تركيا يوم 15 مايو الماضي (رويترز)
TT

«الكردستاني» يشترط حرية أوجلان والهوية القانونية للأكراد للسلام مع تركيا

أكراد يرفعون صوراً لزعيم حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان مطالبين بإطلاق سراحه خلال مسيرة في ديار بكر جنوب شرقي تركيا يوم 15 مايو الماضي (رويترز)
أكراد يرفعون صوراً لزعيم حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان مطالبين بإطلاق سراحه خلال مسيرة في ديار بكر جنوب شرقي تركيا يوم 15 مايو الماضي (رويترز)

أعلن حزب «العمال الكردستاني» تمسكه بإطلاق سراح زعيمه السجين عبد الله أوجلان، والاعتراف القانوني بالهوية الكردية، كشرطين أساسيين لتحقيق السلام مع تركيا، ورفض التركيز على قضية نزع أسلحة الحزب من جانب واحد، مؤكداً أن الأمر يتطلب تنازلات سياسية شاملة من الدولة.

وبينما يتصاعد النقاش في تركيا بشأن «قانون إطاري» مقترح لـ«عملية السلام والمجتمع الديمقراطي»، أو ما تطلق عليها الحكومة «عملية تركيا خالية من الإرهاب»، أكد عضو اللجنة التنفيذية في منظومة «المجتمع الكردستاني» (الكيان الجامع للتنظيمات الكردية، بما فيها «العمال الكردستاني») القائد العام لـ«قوات الدفاع الشعبي» (الجناح العسكري للحزب)، مراد كارايلان، أن إطلاق سراح أوجلان والاعتراف القانوني بالهوية الكردية شرطان أساسيان لتحقيق السلام مع تركيا.

شرطان أساسيان

ورفض كارايلان في تصريحات لـ«وكالة أنباء فرات» القريبة من الحزب، نقلتها وسائل إعلام تركية السبت، فكرة أن يقوم حزب «العمال الكردستاني» بنزع أسلحته من جانب واحد دون تقديم تنازلات سياسية شاملة من جانب الدولة التركية.

القيادي في حزب «العمال الكردستاني» مراد كارايلان (رويترز)

وقال: «يجب أولاً إطلاق سراح (القائد آبو/ أوجلان)»، لافتاً إلى ضرورة توضيح وضعه، بشكل جذري، قبل إحراز أي تقدم في مفاوضات السلام؛ لأن أي تسوية جديدة تتطلب أن يتولى دور «المفاوض الرئيسي» والمحاور الأساسي فيها.

وأضاف: «لكي يتم إلقاء السلاح، يجب أن يقود أوجلان بنفسه هذه العملية، أو بعبارة أخرى، يجب أن يكون حراً»، رافضاً في الوقت ذاته التركيز الضيق على عملية نزع السلاح، وحذر من أن الحزب لن يقبل تشريعات تقوم على هذا الأمر فقط.

ولم تقتصر مطالب «العمال الكردستاني»، التي عبر عنها كارايلان، على مصير أوجلان فقط؛ إذ أكد أن التوصل إلى حل دائم يتطلب تحولاً جذرياً في عقلية الدولة التركية، مطالباً بالاعتراف القانوني المكتوب بوجود الشعب الكردي ضمن قوانين الجمهورية.

مجموعة من عناصر حزب «العمال الكردستاني» خلال مراسم رمزية لإحراق الأسلحة في جبل قنديل بشمال العراق يوم 11 يوليو 2025 (رويترز)

وأشار كارايلان إلى أنه إذا أوفت تركيا بالشرطين الأساسيين (تحرير أوجلان والاعتراف القانوني بالأكراد)، فإن حزب «العمال الكردستاني» سينظر حينها في «قانون اندماج ديمقراطي» من شأنه أن يُسهل عملية الحل.

ووصف الوضع الجيوسياسي الراهن بأنه «عملية استثنائية» سيُحدد فيها مصير الشعب الكردي خلال السنوات القليلة المقبلة، مشيراً إلى ضرورة صياغة استراتيجية موحدة للفصائل الكردية لمنع القوى الخارجية من فرض مخططات إقليمية غير مرغوب فيها.

ولفت كارايلان إلى تصريحات أوجلان السابقة، التي نقلها وفد «إيمرالي» التابع لحزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» التركي المؤيد للأكراد، والتي قال فيها: «لا ينبغي لأحد أن يسيء فهم الأمر؛ لم نتوصل إلى اتفاق مع أي طرف. إنها عملية نضال».

تحدٍّ للحكومة التركية

وتشكل تصريحات كارايلان تحدياً للحكومة التركية؛ لأن الاعتراف القانوني بالهوية الكردية والإفراج عن شخصية مدانة بتهمة «الخيانة والانفصالية» (أوجلان)، من شأنهما أن يُثيرا ردود فعل داخلية عنيفة، لا سيما من القوميين، في وقت يقترب فيه موعد الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقررة في 2028، والتي قد يجري تقديم موعدها لتجرى مبكراً في خريف 2027.

أفادت تقارير باستعجال إردوغان وضع اللوائح القانونية المتعلقة بعملية السلام قبل العطلة الصيفية للبرلمان (الرئاسة التركية)

في الوقت ذاته، ذكرت تقارير صحافية تركية أن الرئيس رجب طيب إردوغان أصدر تعليمات بالتحرك لوضع التشريعات الخاصة بعملية «تركيا خالية من الإرهاب» (السلام)، قبل عطلة البرلمان الصيفية التي تبدأ في يوليو (تموز) المقبل.

وكشفت التقارير نقلاً عن مصادر بالحكومة أن عملية تسليم كهوف وأسلحة حزب «العمال الكردستاني» في شمال العراق قد استؤنفت، وأن اجتماعاً عُقد في سجن «إيمرالي» بين مسؤولين في الحكومة وأوجلان.

وحسب المصادر، فإن اللوائح القانونية المقترحة، التي لا تشمل سوى أعضاء حزب «العمال الكردستاني»، قد تتحول إلى «عفو عام»؛ نظراً لانتهاكها مبدأ المساواة؛ إذ إنه من المستحيل تجنب قيام المحكمة الدستورية بإلغاء «القانون الإطاري» إذا لم يتم تطبيقه على جميع السجناء، ما يعني إطلاق سراح المدانين بجرائم قتل النساء والاغتصاب، ومرتكبي الاعتداءات على الأطفال، والمحتالين، وأعضاء حركة «الخدمة» التابعة للداعية الراحل فتح الله غولن، المتهمة بتدبير محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016، وهو ما سيكون أسوأ رسالة يمكن توجيهها قبل الانتخابات.

نزع الأسلحة كأساس

ورداً على مطالبات الجانب الكردي بتسريع وضع «القانون الإطاري»، قال رئيس البرلمان نعمان كورتولموش إنه لتسريع العملية يتعين على أجهزة الأمن تفعيل آليات رقابة قابلة للقياس والتحقق من نزع أسلحة «المنظمة الإرهابية» (حزب العمال الكردستاني)، ثم استكمال العملية بإقرار القوانين اللازمة في البرلمان.

رئيس البرلمان التركي نعمان كورتولموش (حساب البرلمان في «إكس»)

وأضاف كورتولموش، في تصريحات، أن تقدماً أُحرز في العملية، وأن المسألتين اللتين كانتا تشكلان عقبتين أمام «العمال الكردستاني» في عملية إلقاء السلاح قد أُزيلتا، وهما اندماج «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) في مؤسسات الدولة السورية، وعدم تنفيذ مشروع تسليح «حزب الحياة الحرة الكردستاني» (بيجاك)، للمشاركة في الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران.

ولفت إلى أنه سيعقد لقاء مع رئيس المخابرات التركية، إبراهيم كالين، للاستماع مباشرة إلى آخر المستجدات والمعلومات المتوفرة لديه حول نزع أسلحة «العمال الكردستاني».