دخلت «مذكرة تفاهم إسلام آباد» حيز التنفيذ، وبدأت معها مرحلة تفسير الاتفاق وتحديد حدوده بين طهران وواشنطن. وتركز الولايات المتحدة على البرنامج النووي وآليات خفض التخصيب، فيما تسعى إيران إلى تثبيت معادلة تقوم على إنهاء الحرب من دون المساس ببرنامجها الصاروخي أو موقعها في مضيق هرمز.
وأشاد الرئيس مسعود بزشكيان الخميس بمذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة، واصفاً إياها بأنها «وثيقة تاريخية» تمهد الطريق أمام مفاوضات تهدف إلى التوصل لاتفاق نهائي خلال الأشهر المقبلة.
ونشر بزشكيان عبر منصات التواصل الاجتماعي نسخة من المذكرة تحمل توقيعه وتوقيع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إضافة إلى توقيع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف الذي اضطلعت بلاده بدور الوساطة بين الطرفين. وأرفق الوثيقة بتعليق قال فيه: «هذه وثيقة تاريخية ورسالة من إيران قوية: سيتحقق السلام في ظل الاحترام المتبادل».
وجاء ذلك بعدما قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن مذكرة التفاهم أصبحت نافذة بعد توقيعها إلكترونياً ، قائلاً إن الوقت حان لاختبار تنفيذها على الأرض.
وقال بقائي إن النسختين الفارسية والإنجليزية من المذكرة متطابقتان، وإن الجانب الأميركي وقع على النص الفارسي أيضاً، في محاولة لتبديد الشكوك الداخلية بشأن وجود اختلافات بين الروايتين الإيرانية والأميركية للاتفاق.
وجاء الاتفاق بعد حرب امتدت إلى الخليج العربي ولبنان، قبل أن تفضي وساطة باكستانية إلى مسار تفاوضي مدته 60 يوماً، يهدف إلى اتفاق نهائي بشأن البرنامج النووي والعقوبات وترتيبات الأمن الإقليمي والملاحة البحرية.
محطة إسلام آباد
وبالتزامن مع إعلان التوقيع رسمياً، قدّم رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف رواية مفصلة عن مفاوضات إسلام آباد، قائلاً إن الوفدين عقدا خلال 24 ساعة ثلاث جولات تفاوضية حول نص المذكرة، وثلاث جولات أخرى بمشاركة الوسطاء.
وقال قاليباف إن مذكرة التفاهم تمثل «هزيمة للولايات المتحدة»، مضيفاً في مقابلة مع التلفزيون الرسمي الإيراني، بعد نشر نص الوثيقة، أن «الناس سيطّلعون عليها وسيحكمون بأنفسهم».
وأضاف أن إيران دخلت المحادثات واضعةً ملفي وقف النار في لبنان والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة في صدارة أولوياتها.
وخاطب قاليباف الإيرانيين قائلاً إن الوفد الإيراني جلس إلى الطاولة مدعوماً بنتائج الحرب، مضيفاً أن ما يميز هذه الجولة عن المراحل السابقة هو أن «راية انتصار الميدان» أصبحت سنداً للمفاوضات، معتبراً أن كل ما سعت إيران إلى تحقيقه عبر العمل العسكري حصلت على أضعافه عبر التفاوض.
وقال قاليباف إن الليلة الأخيرة من المفاوضات شكّلت لحظة حاسمة في صياغة مذكرة التفاهم، معتبراً أن أي انتصار عسكري لا يتحول إلى وثيقة قانونية وسياسية «لا يحقق مكاسب» دائمة.
وأضاف أن الوفد الإيراني كان يناقش تعديلات على بعض بنود الوثيقة عندما تعرضت الضاحية الجنوبية لبيروت لهجوم إسرائيلي، مشيراً إلى أنه أبلغ الوسطاء فوراً بأن إيران سترد، وأن هذه الرسالة نُقلت خلال دقائق إلى الطرف الآخر.
وبحسب روايته، غيّر الهجوم على الضاحية مسار النقاشات، ودفع إلى حسم بنود لم تكن قد أُنجزت خلال أسابيع من التفاوض، خصوصاً ما يتعلق بلبنان. وقال إن بعض النصوص التي لم يُتوصل إلى تفاهم بشأنها خلال 50 أو 60 يوماً حُسمت خلال ساعات.
وقال قاليباف إن رفع الحصار البحري كان مقرراً، وفق مذكرة التفاهم، خلال 30 يوماً، لكنه تم في الليلة نفسها بعد تدخلات وضغوط متبادلة. وأضاف أنه رد على إعلان ترمب فتح مضيق هرمز بالتأكيد أن المضيق «ليس مفتوحاً بعد» وفق الشروط الإيرانية.
وأكد قاليباف أنه أبلغ نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في إسلام آباد أن إيران لا تثق بواشنطن، لكنها جاءت إلى المفاوضات «بحسن نية ومن موقع قوة»، مضيفاً أن تعديل الموقف الأميركي خلال دقائق عكس ما سماه «المفاوضات المقتدرة».
وختم قائلاً إن كسر الحصار كان سيحتاج إلى حرب أكبر من الحرب التي خاضتها إيران، لكنه تحقق في ليلة واحدة «تحت ظل الصاروخ نفسه»، في إشارة إلى أن القوة العسكرية بقيت حاضرة خلف المسار التفاوضي.
الملف اللبناني
وحضر الملف اللبناني بقوة في رواية قاليباف للمفاوضات. وقال إن إيران أبلغت الوسطاء قبل بدء محادثات إسلام آباد أن وقف إطلاق النار في لبنان سيكون أحد المحاور الرئيسية لأي تفاهم مع واشنطن. وأضاف أنه رفض بدء التفاوض قبل اتضاح مسار الجبهة اللبنانية، مؤكداً أنه أبلغ الوسطاء بأن أي اتفاق يجب أن يشمل وقف العمليات الإسرائيلية في لبنان.
ووفق قاليباف، فإن استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت خلال المفاوضات أدى إلى تغيير أجواء المحادثات، إذ أبلغ الوفد الإيراني الوسطاء والجانب الأميركي بأن طهران سترد على الهجوم. وقال إن إيران وجّهت إنذاراً إلى الولايات المتحدة بعد الضربات الإسرائيلية على الضاحية، وإن الرئيس الأميركي تدخّل لاحقاً وضغط على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لوقف الهجمات.
واعتبر قاليباف أن ما تحقق في لبنان يعكس ما وصفه بـ«التفاوض من موقع القوة»، قائلاً إن وقف إطلاق النار لم يكن نتيجة المسار الدبلوماسي وحده، بل جاء مدعوماً بالقدرات العسكرية الإيرانية وحلفائها. وأضاف أن إيران أصرت خلال المفاوضات على أن يسري وقف الحرب على جميع الجبهات، بما فيها لبنان، وهو ما انعكس لاحقاً في نص مذكرة التفاهم.
كما أشاد بما وصفه بدور «حزب الله» خلال الحرب، قائلاً إن لبنان دفع ثمناً كبيراً في المواجهة، وإن طهران تنظر إلى تثبيت وقف إطلاق النار هناك باعتباره جزءاً أساسياً من نتائج المفاوضات التي أفضت إلى توقيع مذكرة التفاهم.

هرمز بعد الحرب
ويعد مضيق هرمز أحد أكثر بنود الاتفاق حساسية، بعدما تحول خلال الحرب إلى مركز ضغط اقتصادي عالمي. وتنص المذكرة على ضمان المرور الآمن للسفن التجارية من دون رسوم لمدة 60 يوماً، ضمن إجراءات تهدف إلى إعادة حركة الملاحة تدريجياً إلى مستويات ما قبل الحرب.
وأوضح قاليباف أن الإعفاء من الرسوم مؤقت، مضيفاً أن إيران تعتزم بعد انتهاء الفترة الانتقالية فرض رسوم على الخدمات المقدمة للسفن العابرة.
وقال إن مضيق هرمز «لن يعود إلى ما كان عليه قبل الحرب»، مضيفاً أن لإيران «حقوقاً سيادية» في المضيق تخولها تقاضي رسوم مقابل الخدمات البحرية، مع الالتزام بالقوانين الدولية الخاصة بالملاحة.
وتعكس هذه التصريحات رغبة إيرانية في تحويل النفوذ الذي اكتسبته خلال الأزمة إلى ترتيبات دائمة في أحد أهم الممرات المائية في العالم.
وبدوره، قال بقائي أن إدارة المضيق ستكون مسؤولية مشتركة بين إيران وسلطنة عمان، وأن الجانبين سيعملان على وضع آلية جديدة لتنظيم الحركة والخدمات البحرية.
خط أحمر صاروخي
وحرصت طهران مبكراً على حسم موقفها من البرنامج الصاروخي، في وقت غاب فيه الملف عن بنود مذكرة التفاهم. وقال بقائي إن القدرات الدفاعية الإيرانية «ليست موضوعاً للنقاش أو التفاوض بأي شكل من الأشكال»، مضيفاً أن الصواريخ الإيرانية «مخصصة للإطلاق، لا للتفاوض».
وجاء الموقف الإيراني بعدما خفف ترمب لهجته حيال الترسانة الصاروخية الإيرانية، قائلاً خلال قمة مجموعة السبع إن من «غير المنصف» حرمان إيران من امتلاك صواريخ إذا كانت دول أخرى تمتلكها.
ويمثل ذلك تحولاً مقارنة بمواقف أميركية سابقة كانت تعد الصواريخ الباليستية جزءاً أساسياً من أي تسوية مستقبلية مع طهران.
ورغم تعرض البنية الصاروخية الإيرانية لأضرار كبيرة خلال الحرب، تعكس تصريحات بقائي وقاليباف إصراراً على إخراج هذا الملف من مسار التفاوض.
وفي الملف النووي، أكد بقائي أن المواد النووية الإيرانية لن تغادر البلاد، مشيراً إلى أن أحد الخيارات المطروحة بموجب المذكرة يتمثل في خفض مستوى تخصيب مخزون اليورانيوم داخل إيران، وتحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وشدد على أن التزامات طهران مرتبطة بالتزامات واشنطن، موضحاً أن الولايات المتحدة مطالبة خلال فترة الستين يوماً بعدم فرض عقوبات جديدة وعدم تعزيز وجودها العسكري في المنطقة.
وتتوقع إيران أن تبدأ فوراً في بيع نفطها بحرية، وأن تتمكن من استخدام خدمات التأمين والنقل والوصول المباشر إلى عائدات صادراتها النفطية، إلى جانب إزالة القيود المفروضة على أموالها المجمدة.
كما حذر بقائي من أن استمرار الهجمات الإسرائيلية على لبنان سيعد خرقاً للالتزامات الواردة في مذكرة التفاهم، في إشارة إلى ارتباط المسار اللبناني بترتيبات وقف الحرب الأوسع.